New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

البنات والخنجر/ حكاية بقلم: سعيد نفاع

 

15/05/2012 07:51:00

سعيد نفاع

كانت وجوه الرجال متجهمّة متأهبّة لكل طاريء تفضح العيون منهم ما في داخل السرائر من خوف يَجهد الرجال بإخفائه مهابة، تُدثر أجسادَهم من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين ملابسُ عتيقة حُفظت لمثل هذه المَهمة التي هم في عزّها، رغم أن العُرف يحتّم ألا يطرأ طاريء في حضرة "جاهة الصلح"، ولكن الحذرَ واجب و"هذه الدنيا" من غدرة جاهل، وفي الخصوم وفيهم من الجهلة الكُثر .
الجاهة الآن في ضيافتهم تتبادل وكبيرُهم بما أوتيت من حكمة أيام أعضائها الأخذ والرّد حفاظا على سلامة البلد وكفّ الشرّ عنها، وهذا يحتّم عليهم احترامَها فلها حرمتُها وقد قيل "الذي يكسر خاطر الأوادم يكسر الله خاطره".
الكبير عنيد وليس هو في غمار أول "طوشة" يخوضها على رأس جماعته أو على الأصح على ظهورهم، كرامة للعائلة والحارة، ولم يختلف فيها إلا سبب الولعة، من زمان كان ذلك خلافا على أرض أو عرض، وراحت الأرض وسهل العرض وظلّت "الطوشات"، وغالبها على رئاسة مجلس أو على حقّ في الخاوة أو حتى على سبق في الشارع، وكما كانت تعود وتتم المصالحة بين الحارتين ليس قبل أن تتلطخ الكثير من حجارة البلد وعصيها وسكاكينها بالدم، وليس قبل أن تفقع مرارة الجاهة مرّة منه ومرّة من كبير الحارة الأخرى.
وأكثر الخلاف يدور حول الباديء والمجرور وفي الفعل وردّ الفعل والفاعل والرّاد والغالب والمغلوب، وعدد "المطاريح" من كل جانب عادة هو مقياس الغلبة، ويستر الله إن لم يفارق أحد المطاريح الحياة، وإن ندر ذلك قبلا صار اليوم القاعدة وبعد أن عززنا الترسانة الحجريّة والعصاويّة والسكاكينيّة بالمسدّسات والبنادق.
العارف من كبار القومَين في داخله أنه الغالب يكون عادة الأسهل في التماهي مع الجاهة وإعطائها "المونة" وهو يعرف أن هذا سيكلفه ديّة العدد الزائد من المطاريح في الجانب الآخر حتّى وإن لم يكن الباديء جريا على "الباديء أظلم"، فصلح مع غلبة أعزّ لكرامته من صلح مع هزيمة، والجاهة عادة لا تتعب نفسها كثيرا في الوقائع المدعاة، فهذا يعتمد على شهادات وغالبها سماعيّة والدخول فيها يعقّد الأمور، فتراها تتخذ في هذا التفصيل قاعدة "عفا الله عمّا مضى" و"الصلح سيّد الأحكام".
هذا كان حال كبيرنا هذه المرة، وأعطى الجاهة "المونة" ووعد باحترام الهدنة حتى عقد راية الصلح، فانفرجت أسارير الرجال وتبدلت ألوان وجوههم وعلت بينهم همهمة، وهم العارفون أن دخول المعمعة ليس كالخروج منها، وعلى الأقل خرجوا منها هذه المرّة غير مطاريح .
أمّا المغلوب فيريد أن يثبت أن ما يردّه عن أخذ "الطاق طاقين" فقط كرامة الجاهة، ولكان جعل عالي الحارة الأخرى سافلها وهو القادر حسب ادعائه ورجاله وبرمشة عين، ولكن كرمى للجاهة يتنازل بعد أخذ وردّ شرط أن يأخذ كلّ حقّه، ولا يعطي الجاهة "المونة" إلا بعد ضغط كبير منها وليس دائما من الجولة الأولى وبعد أن تَعِد الجاهة خيرا، ولكنه في الحالين يوافق على الهدنة إلا على ما ندر.
هذا كان حال الطرف الذي انتقلت الجاهة إليه وليس قبل أن تعتذر عن حطّ رحالها أولا عند الطرف الآخر والمتضرر أقل، وبعد أن أقنعته أن ذلك تمّ فقط نتيجة قرب الحارة الأخرى من مدخل البلد وليس إلا، وما في الأمر أي موقف مسبق.
كالمتوقَّع، كان الحال في حضرته الأصعب فالجولة الأولى أسفرت عن عدد مطاريح أكبر من مطاريح الطرف الآخر، وكان يجب التفسير أولا أمام الجاهة والاثبات لنفسه ولرجاله أن السبب يعود للغدر الذي مارسه الطرف الآخر، وأنه يملك القدرة لرد "الصاع صاعين" وهو لا شكّ فاعل ذلك مؤكِدا أنه القادر وإن غدا لناظره قريب.
احتدم النقاش بين الكبير وأعضاء الجاهة الذين راحوا يجندون كل طاقاتهم وكل مدّخراتهم من التجارب وما في جعبهم من الحكايات والروايات عن تلازم القدرة والتسامح، عارفين بفطنتهم أنهم يجب أن يعترفوا له بالقدرة أولا ليجعلوه القادر المسامح، وإلا لكان تجاوبه معهم سيصنّف في خانة الخوف والجبن والتردد وقبول الغلبة وهذا لا يؤتيهم بالثمار التي يرجون.
كاد القوم أن يعجزوا إلى أن تنطّح أحد أعضاء الجاهة وكان أكثرهم صمتا ولكّن وقارا يجلله، فضرب كفّ بكفّ بقوة علامة على طلب الصمت لأنه يريد أن يتكلّم، وبدأ يروي:
" كنّ ثلاث بنات في عمر الورد ومن بيوت من عليّة القوم، وردن معا غدير المضرب الذي يحط به أبناء قومهم لجلب الماء. عند الغدير رأت إحداهنّ خنجرا لامعا في قعر الغدير فتطوعت الثانية التي تجيد السباحة ان تلتقطه وعادت الثالثة إلى المضارب لتحضر لها ثيابا جافة."
وأردف متسائلا: من حقّ مَن منهن الخنجر وقد كان مرصع الغمد والمقبض بما ندر وغلى، وكل ادعت أن والدها الأحق به؟!
طبعا لم ينتظر جوابا وأكمل:
"اختلفت البنات بينهن من صاحبة الحق في الخنجر ولم يصلن لحسم، فاتفقن أن يتوجهن لشيخ المضرب بعد إيصال الماء لعوائلهن شرط أن لا تخبر أي منهن ذويها وعلى أن تحتفظ به في هذا الوقت صغيرتهن عمرا، وهذا ما صار.
روت الفتيات للشيخ حكايتهن وسلمنه الخنجر وأعلمنه بقرارهن الاحتكام إليه قابلات النتيجة. فكّر الشيخ قليلا وبادرهن:
لتجبني كلّ منكن، لما ترى أن والدها الأحق ؟ّ!
قالت كبيرتهن:
أبي أشجع القوم !
وقالت وسطاهن:
أبي أكرم القوم !
وقالت صغراهن:
أبي أقدر القوم، ولكنه أعفاهم عند المقدرة !"
وصمت وقِرُ الجاهة...
وظلّ الصمت سيّد الموقف لا يعكره إلا التفاتات الحضور كل إلى عيون من حوله، قطعه كبيرهم:
جزاك الله خيرا. الصغرى هي الأحق. لكم المونة ورقابنا سدّادة.

أواسط أيار 2012



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 44

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة