New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

"على الأرجح نحن من يغني الآن".. لغة خاطفة في مديح الورد/ سامر إسماعيل

 

10/05/2012 13:11:00

رولا حسن

تتخلص الشاعرة السورية رولا حسن في مجموعتها الجديدة “على الأرجح نحن من يغني الآن” من المقاطع المطولة منتقلةً عبر لمح شعري تتواتر صوره المرنة وفق ترنيم طفيف النبرة يقتفي غيابات ووحشة وكآبات متعددة فصاحبة “نصف قمر” لا تروم في ديوانها الجديد أكثر من خفقان بطيء لمفردات ترتبها إلى جانب بعضها البعض مبرزةً وحشة اللغة ومراراتها في مواجهة واقع خشن وصلد وكتيم تذوب أصوات نسائه في غياهب مياهه الغامضة.

تقول حسن: مثلي، متوجاتٍ بالماء، مشغولات بتعب النهارات، مثلي مأهولاتٍ بالغياب، مثقلاتٍ بالوحشة، أكثر ما نتقنه، تنقية الحياة من الشتاء.. من هنا تتواشج صرخات داخلية لكتابة شعرية تعاني من فرط رهافتها عبر رفض رتابة لا يمكن مجابهتها أو التعبير عن خساراتها الشخصية التي تحدثها في النفس إلا في حدود تكرار الجمل كتعويذات سرية لاستجداء الفرح: كم مرةً تمنيت الغياب، كي لا أكون هذا الجسد، وهذا الوجه، وأهترئ هنا، كالمعاطف والأصدقاء.

ولا تراهن صاحبة “شتاءات قصيرة” على لغة صدامية مع القارئ بل تعلن عبر ما يشبه سونيتات خاطفة مكابدات الذات في مواجهة عالم مدبب وغليظ القلب فالجمل تنبض كقلب متقطع الخفقان بينما تحاول الصور أن تبقي على حياديتها إزاء وحشية وقسوة المحيط لنكون أمام خفوت مقصود لخطاب شعري مستتر خلف رقة مكنوناته ومقاصده الدلالية كما في قولها: تعلمتُ، بخيبات أكثر، أن أقيس الفرح.. أما الحزن، فيكفي أن أُحصي النعوش، وهي تمضي، إلى قلبي.

وتقدم الشاعرة في كتابها الجديد الصادر عن دار بعل بدمشق إطلالات مترامية النظرات على مدى مفتوح على غارب الفقد والترك واللوعة، لغة متقشفة تستخدمها الشاعرة لإدارة حتوف ومصائر متنوعة بين كل نبضة ونبضة، فالقصيدة الومضة لدى صاحبة “حسرة الظل” لا تبغي بلاغات لغوية بقدر ما تصبو إلى نحت مفرداتها برشاقة لافتة، مستعيرةً مناجاة داخلية شفافة ملونةً إياها بماء الصور.. غير أننا، لم نفز، إلا، بالليل، الذي عشب، في فخار العيون.

وتنجز حسن مطرزاتها بأناة ودقة متماهيةً مع ذات شعرية رائقة المزاج فالشعر كما يبدو لدى الكاتبة يقترب من جملة رولان بارت الشهيرة /الموسيقى تجعلنا تعساء بشكلٍ أفضل/ فالشعر كذلك عند صاحبة “كسرب لقالقٍ بيضاء” حيث تنمو القصيدة لديها عشبياً بين مفاصل الأشياء وفي غضاريف الأمكنة المتروكة والمنسية: لا تسور المدن بالحكايا، لا ترسم قمراً، على شكل برتقالة لا تولم للذئاب، المدن تتسع والقلوب تضيق، إلى أين نمضي.. والخراب يزهر في الوقت؟.

وتترك الشاعرة والصحفية السورية فراغات بيضاء بين مقاطعها سانحةً لهواء الجمل بالتنفس فمساحة البياض تلعب دوراً هنا في إنجاز تنويع مستمر لصياغة نص للصمت بين كل جملة وأخرى لكن دون وجود لازمة تقيد تدفق المجازات والصور ليكون القارئ أمام ما يشبه تقاسيم متقطعة تريد دائماً الإصغاء لاستقبال موجة الذات الشاعرة وتزكيتها من اغتراباتها المتعددة: سيمضي وقت، قبل أن أكتشف، أن كل ما قالته يداك، كان صحيحاً، وأن الكلام، لم يكن سوى، ذلك الليل، الذي عبرناه.

وفي مقطع لافت من الديوان تحت عنوان “معجم الورد” تستعير الشاعرة من قاموس الروائح ما يضعها وجهاً لوجه مع أرشيف مغاير لمعنى وداعات متلاطمة في ذاكرة مموهة وشديدة الانتباه لرائحة المفقودين من كتاب وجدها فتحت عنوان “أحمر جوري” تتساءل: ألهذا الحد، جرح الحب، عميق وشاهق، ودائم النزيف؟.

فيما نقرأ تحت عنوان “حبق”: لأن الحب شحّ ولا يتقاسم مع أحد شيئاً، يملك ويحرم ما عداه، له هذه الرائحة، وليست لسواه… بينما في “المستحية” تقول: من يومها هجرني النوم، أيها النسيم المسني، أنا لا أغفو إلا على نايات اليد.

وتكشف حسن في هذه المجموعة الجديدة عن فهم خاص لديها للشعر بل للقصيدة الممهورة بأنوثة مجازاتها الناعمة فالقارئ لن يكون أمام غثيانات كلامية وتنطحات فنية عن لواعج شخصية إنما أمام لغة مشعورة تقتبس مفازاتها وترميزها للعالم من جهدها في اقتفاء أنفاس وروده وكائناته ليكون القارئ أمام امرأة تتنهد بين المقاطع وخلف مرايا غاية في التكثيف الشعري فليس هناك من مداورات أو أكروبات استعراضية بقدر الإصرار دائماً على شجن خفي ممزوج بمرارة سحرية تنسل من بين الجمل لبلوغ متعة الزهو بأمل مهيض الجناح لتكريس انتحاءات تفتح برعم الوردة كإيقاع لصور تفوح منها شخصية الورد وعبق خلوده في الذاكرة القريبة والبعيدة.

تقول حسن.: قلت لي.. حاذري الحب، والأصدقاء والأشجار، في الحب تكسر قلبي كالمرايا، وعند باب الندم، تجمع الأصدقاء..

وتفلت الشاعرة بمهارة من تمجيد الرجل ككائن محوري في كتابات النساء الشاعرات مستبدلةً ذلك بضمير جمعي لبنات جنسها المنفيات خارج “فراديسهن المنزلية” لتبلغ القصيدة قدرتها الوصفية الأكثر عمقاً فجراح الجماعة في كتاباتها أشد وطأةً من جراح الفردية المنعزلة الانطوائية والخائفة ليصير النص هنا حجة على صاحبته من حيث نزوعه إلى تعميم الفجيعة النسائية على حفيدات شهرزاد عصرها: لم يبق حزن لم نسقط فيه، في ظلال الخيبة كبرنا كسرخس، غير أننا، فتحنا للنهارات الشاسعة قلوبنا، وهيأنا للصباحات، حدائق وعصافير، ولأننا لا نريد أن نبكي، على الأرجح، نحن من يغني الآن..

يذكر أن ديوان “على الأرجح نحن من يغني الآن” يقع في 65 صفحة من القطع الصغير والشاعرة حسن من مواليد طرطوس صدر لها عدة مجموعات شعرية أبرزها “نصف قمر” و”كسرب لقالق بيضاء” و”شتاءات قصيرة” وهي صحفية وأمينة تحرير ملف الإبداع في جريدة شرفات الشام الصادرة عن وزارة الثقافة السورية.



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 67

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة