New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

لا تعتذر عمّا فعلت/ جمال الدين حشاد

 

18/03/2014 12:23:00

ما قبل اللغة وما بعد الشعر: الذات الشاعرة ووعي الذاكرة

«وأنا أمام التمثال وصورة تمثال ابن خلدون وهو الشامخ أمامي كذاكرة لتواريخ الكلام، تُحدّث الباطن في الذّات والفكر...» هكذا أتصفّح مجموعة درويش الأخيرة في اعتذار عمّا فعله بي هذا الماكر العاشق الجميل فهو لا يعتذر عمّا يفعل الاّ حين يمشي غريبا والجرح وردة بيضاء إنجيلية على حدّ تعبيره الجمالي.


«امشي كأنّي واحد غيري وجرحي وردة
بيضاء إنجيلية ويدايا مثل حمامتين على
الصليب تحلّقان وتحملان الأرض» (1).
إنّّه عناق الروح بتجلّي الأديان وأجنحة لسلام يقترب من الجرح الأرضي الذي يعيشه الشاعر داخل الذات أو داخل الجرح أو أكواريوم مأزق الحلم الآخر لإحباط متكرّر ولسلام الأنبياء، لأرض لا يمكن أن تحلّق في السماء حيث اللاّمكان واللاّزمان إنّها غربة الذات والأرض والمصير...
الشارع يتمدّد داخلي كما الأشجار الجديدة الحاضنة أضواء هذا الحديث الجديد لغربة تتكرّر وتجنّح لتحلّق بلا صليب النبي المتمدّد أمامي كما الشارع بلا فوانيس الحاضر والآتي المتغرّب بطبعه أو كما الشاعر الذي نسي أن يكون محاذيا لمصير الموت أي على قاب جرحين من حياة جديدة بلغة وبأرض وبرسالة عربية فصحى تنشد كلّ السلام...

«أنا لا أنا في حضرة المعراج لكنّي /أفكّر: وحده كان النبيّ محمّد يتكلّم /العربيّة الفصحى وماذا /بعد؟/وماذا بعد؟ صاحت فجأة جنديّة: /قلت: قتلتني.. ونسيت مثلك أن أموت» (2).
هذه تساؤلات لمفهوم فلسفة تحيد عن بساطها أو ذاكرتها المعاصرة بفعل الموت الذي تناساه الشاعر عمدا، بفعل صرخة لا يمكن أن تدوّى في سماء أرض الواقع الميّت الذي يحاول أن يتدثّر بغطاء يلطّخه الدم الفلسطيني المشتعل اختناقا بفعل الحصار والموت واليبس...
«لبلادنا وهي السبيّة /حرية الموت اشتياقا واحتراقا /وبلادنا في ليلها الدّموي /جوهرة تشعّ على /البعيد على البعيد /تضيء خارجها... /وأمّا نحن، داخلها /فنزداد اختناقا» (2).
لن أتحدّث عن الهامشي أو التقاط الجزئي بعفويّة الإنسان المحترق أو إدراك الحسي الاجتماعي أو الفكري السياسي بحنكة السياسي المختنق.. لن أتحدّث عن هذا أو ذاك.. فقط! سيكتشف القلم من بصمة هذا المتألق الرّاعي قصيدته أو ناعي أشياءه التي لا يمكن أن تتجزّأ الاّ اذا تكرّرت المعاني المقدّسة من جزء النّقاش الإلهي لوتيرة أخرى غير كلّ الأشياء التي ندركها في سرّنا أو في حياتنا المهمّشة...
الأسماء في ذاكرتي تتربّص بأوهامي وبأحلامي الآتية تتقاسم هذا الهمّ الدّرويشي من ذاكرة تتوسّع كالبحر في مياه الأسطورة والتاريخ والموروث اللغوي والفكري والتراثي، إنّنا أمام ذاكرة أخرى في حجم اللاّنهاية أو اللاحدود من الأسماء والرّموز.
امل دنقل أو السّياب أو المتنّبي أو بابلونيرودا مرور بذاكرة المكان.. الشّام أو القدس أو تونس أو العراق أو مصر أو أثينا القديمة وصولا الى النتيجة: المراة، الحديث اللغوي أو ذاكرة اللغة وتصوّرها في شكل يتلاءم والجرح والواقع الذاتي أو الواقع الفكري والاجتماعي والسياسي وبالتالي الواقع المعيشي اليومي من فكر يزاوج ما بين خطوط الحلم وبين أركيولوجيا الحصار من حجارة أخرى تفجّر صيحة الآتي أو مقاربة فلسفية فكرية تجعل من صورة الحجارة أداة أو فعل استراتيجية الكلام لموروث لغوي أو تراثي ولسلام آخر يحتضن الفنّ كشكل للتصدير، تصدير الجرح والمصير والسّلام..
إنّ هذا الإلتجاء الى التصدير هو محاولة تحديثية لإستحضار مشهد ما قبل النص الشعري وما بعده أي من منطق الجسد الطفولي وهو بداية الإكتشاف العضوي والحسّي ومنطق ذروة العنفوان الجنسي من بنية تفضي بالنص وما وراء النص وبالتالي بالمتتبّع لهذا التسلسل الخاص بنشاط مثالي الى أن يتوحّد فكريّا على الأشياء لغويّا ومعرفيّا إنّها تمازج المعرفة بالواقع...
«لو كنت غيري في الطريق لقلت /للجيتار: درّبني على وتر إضافي! /فإنّ البيت أبعد، والطريق إليه أجمل /هكذا ستقول أغنيتي الجديدة كلّما /طال الطريق تجدّد المعنى وصرت اثنين /في هذا الطّريق: أنا.. وغيري!! (2)
وغير الواقع هو واقع نشيد المعنى لغير الشاعر فهو الأنا والغير والواقع من خلال مجتمع بلا سلام وبلا حبّ وبلا نشيد...
عرس الطيران: إنفعال الجسد المأساة واحتفال بالآخر
هذا الجسد الطفولي هو الرّمز وهو المبتغى الأصلي لهذا الطريق من خلال التواصل الرّوحي بين الشاعر وبين الجسد الآخر الذي يمثله الإنسان الواقع.
في هذا الطّريق أنا.. وغيري!
وبمنطق الأشياء المقدّسة يجدّد الشاعر أسلوب هذا التواصل بين هذه الأغنية الجديدة وبين البيت والجيتار وصولا الى الطريق وهو يمثّل ماهيّة الجسد التي يبحث عنها الشاعر من خلال تواجده في المكان والزّمان أو من خلال تواجد الغير. بمعنى آخر كلّما كان الفرد يفاوض عذابا وحرقة داخل الذات أوّلا استدلالا واستعطافا لمشيئة الغير أيّ استجداء الوجه المعاكس أو الحالة الضدّ للكائن المتعدّد كما المعنى وهو يرادف طول الطريق وهو في عنفوانه وتكون اللغة في النهاية معيارا واتساعا لحالة النموّ.. فهي تتوسّع وتتّسع لغة للحكاية بكل أشيائها المتناقضة يتجدّد معناها ولوعتها من منطلق جديد يوحّد صورة الشاعر: الأنا المستعطفة، الحائرة بصورة الوجه الآخر للغير على حدّ قول درويش طال الطريق تجدّد المعنى وصرت اثنين.. حتى خلناه يحدّد عناصره وأنماط الأشياء داخله بأشياء وعناصر الطريق الذي يفصله عن أشياء الانسان، الكائن الذي أمامه «انّ هويتي هذا المدى» (5).
والمدى هو البعد والأصل الحقيقي لموكبة الحدث الشعري في النقطة الأبعد، النقطة الحلم وهو الحقيقي الوحيد عند الشاعر...
إنّ هذا البعد الدرامي المتفاعل حسّيا وروحيّا وبالتالي اجتماعيا وانسانيّا هو في أصل هذا السّرد انفتاح القصيدة الملتاعة بحالة السّرد وصولا الى النتيجة وهي تمثّل المبتغى والتفاعل والإمتداد نحو الأبعد، ونحو الآتي الشاسع.
«أنا ما أكون غد /ولم أوقف حصاني /الاّ لأقطف وردة حمراء من /بستان كنعانيّة أغوت حصاني /ومضيت أبحث عن مكاني /أعلى وأبعد /ثمّ أعلى ثمّ أبعد /من زماني» (2)
عرس الطّيران نحو فضاء المستحيل يرتفع وبالتّالي يتحرّك ضمن دراما منفتحة نحو أبعد نقطة يمكن أن يصل إليها الفرد فهي تمثّل سؤال الأنا يتوحّد بكلّ هدوء بأشياء الحياة والطّريق والمكان.. هذا المستحيل الممكن من خلال تحقيق مشروع الحلم الإبداعي، الجمالي هو في الأصل البعد الآخر لمشروع الحداثة وبالتالي مشروع تجسيد وتأسيس جملة شعريّة متفرّدة تنحو نحو اثبات أفعال التواصل الرّوحي بين ما يشدّ القارئ ويتدخّل قصرا أو حبّا في استجابته وطاقة استيعابه وبين تكثيف الصورة المتأتية من شبقيّة لذة الطيران الى الأعلى وهي تمثّل في حدّ ذاتها أحد أدقّ جزئيات هذا التواصل بين القارئ وكاتب النص والفكرة الدافع الأوحد لمشيئة هذا الطيران وبالتالي فهي تحدّد ماهية أخرى للنسق الشعري الحداثي المتطوّر الذي يفاجئنا به درويش كلّما حاول أن يختزل صوته رغبة قصوى لإحتضان أصوات تواكب حقيقة الأشياء وحقيقة المأساة...
«ويرحلون من البيوت الى الشوارع
راسمين اشارة النصر الجريحة، قائلين لمن يراهم:
«لم نزل نحيا فلا تتذكّرونا» /يخرجون من الحكاية للتنفس والتشمّس /يحلمون بفكرة الطيران أعلى.. ثمّ أعلى» (2).
هذا العذاب المأساوي للطيران يفضي على النّحو والصّورة المتكرّرة عمقا يؤسّس مأساة أخرى في حالة تحقيق رغبة شرعيّة لتثبيت اللذة عبر نسق مرتفع يجعل من قارئ النص الشعري يُتابع هذا التداخل والتغيّر في نمطيّة الشد أي شدّ جسد الإنتقاء وهو يتجسّس في هدوء عبر أسئلة السرد اللاهثة خلف صوت عادة ما تصدمه رغبة أخرى في تحريك سواكنه واحتجاجاته ومرارته وهذا النّوع من الصّدام هو في شكله الدلالي الدّافع والسؤال المشترك القائم بين تفكير القارئ وفكرة المقروء وبالتالي بين الدّال والمدلول فيما لو تغيّرت عناصر السّرد نحو دلالة أخرى مغايرة للسّائد وتجسّم بكلّ عنف لذّة تحديد هذا الصّوت.
البناء الأسلوبي: سلطة السّرد ودلالة الصّوت
الصّوت هنا مختلف من جهة الدّافع والنتيجة فهو لا يبحث عن حتميّة الإيصال والشدّ بل يحاول ان يسافر عبر احتفاليّة المأساة الى محاولة الإغواء والإيقاع وهنا ينشغل المتلقي بحتمية الدّهشة وهي عمليّة مترامية الأمواج والرؤى خاصّة ونحن أمام صوت يمتدّ في احتفال مرّ وفي سياق متنوّع الإيقاع ومفتون ببراعة توزيع هذه الدّهشة داخل النص الشعري، بعدا آخرا يراوغ في آن واحد القارئ ووظيفته الأصليّة من خلال هذا الشيء... فهو الباث الحقيقي لصوت الشاعر وصوت الحكيم وصوت الفيلسوف وصوت السياسي وهو البعيد والقريب والعاشق والغارق وهو لم يوقف حصانه الاّ من أجل هذه الوردة الحمراء الفوّاحة القابعة في بستان كنعانيّة تغوي الحصان الرمز وتدرك ان السر والمنطلق الرّوحي والفعلي هو هذا الطريق الموصل لأصل المكان الأبعد والأعلى وللقارئ ان يجاهر بهذه الحيرة والدّهشة عبر أسئلة السّرد ومرايا الصّوت...
«ومضيت أبحث عن مكاني /أعلى وأبعد /ثمّ أعلى وأبعد /من زماني» (2)
إنّ هذا الاحتكام لضمير المتكلّم: أنا ما أكون غدا
ولم أوقف حصاني (2)
إلى غيرها من مفردات تعتبر ضمنيّا وتفيد الإعتراف والبوح الجرىء...
«أمشي على هدى البصيرة ربّما /أعطي الحكاية سيرة شخصيّة فالمفردات /تسوسني وأسوسها أنا شكلها» (2)
لذلك كانت جلّ قصائد هذه المجموعة الجديدة تتكلّم غالبا بمنطق المتكلّم وهو ما يفسّر اخلاصها لهذا الضمير وأقصد هنا اثبات وتثبيت فاعليّة ضمير المتكلّم كقالب لغوي يبسط من خلاله الشاعر بساط بوحه ومعاناته واعترافاته وفي هذا الجمع بين محاولة فرض سلطته الابداعيّة وأسلوبه السّردي يكون قد نجح أيّما نجاح وهو يفرش لنا معادلة فنيّة للحدث الشعري وبالتالي للصّورة الشعرية الكثيفة المرايا والرؤى والإنفعال الحسّي والتفاعل الرّوحي والفكري فكلّ ما في النصّ من احالات وانفعالات هو الوجه العادي له والوجه المعاكس حين تصبح دلالات النص أجزاء متعدّدة منه وفي هذه الحالة يستجيب الأسلوب وأقصد هنا أسلوب السّرد المنتقى الى ما وراء النص وانفعالات كاتبه واحتجاجات أو تفاعلات القارئ وهي كما ندرك عمليّة تأسيسيّة صعبة تنتقل من الصورة الخارجية أي من جهة البناء وتزويق اللغة والتكثيف الى الوجه الأكثر تداخلا خاصة ونحن أمام حلقات من صور وأحداث حياتيّة ويوميّة تكشف عمق الفكر الانساني للباث والصّورة البسيطة والنقيضة للواقع كما لا ندركه وبالتالي كما يُدركه درويش وهو يراقب عن قرب أو بعد وهذا قد لا يهمّنا في شيء باعتبار أنّ النص صار يشكّل في أصله الدلالة الواضحة والصريحة للعنصر الأوّل لتفاعل وانفعالات الكاتب في البناء واعادة توزيع الأدوار الفنيّة داخل جذور العمليّة الشعريّة من فراغ أو من استجابات بسيطة كما يدركه الجميع فالفنّ كما يقول هربرت ريد يحاول ان ينقل احساسات معيّنة عاشها هو، ثمّ يتأثّر الآخرون بهذه الإحساسات ويعيشونها هم أيضا ().
وباعتبار الشعر أحد أجمل الفنون في رأيي فإنّي أستنجد به لأستشفّ لحظات هذه المعاناة المجتمعة في وقت واحد في ذهن القارئ وفي انفعالات الكاتب وهي تمثّل مكان هذا الدّافع الإبداعي وحجّة مثلى للتمييز والفحص، تمييز مناخ القابليّة والشدّ والإحتضان وفحص مكابدة أخرى ذات أهميّة قصوى خاصة ونحن أمام مظاهر ومتناقضات لا يمكن حصرها في مكان أو زمان محدّد.
حرقة الأشياء.. الدّافع الأصلي للوصول الى ما وراء النتيجة
كلّما امتدّت أصول هذا التكامل في العناصر المكوّنة للعملية الإبداعيّة كلّما كان درويش يمثّل أصل هذه الجذور أو نجم هذا الاحتفال وبالتالي بطل هذا الحداد المرّ انتماء من الجذور وإلى الجذور/ إلى حرقة لا يمكن ان تصارع الهواجس والأفكار خارج تصوّراته وهو يتوجّس أو وهو يحلم فاللغة تعجّ بالفلسفي والواقعي والانساني وباعتبار النص المقدّم في شكل قصيدة يكون كما لو أنّ هذه الحرقة تستعجل الخروج من دائرتها الضيّقة أو الشاسعة بكلّ جرأة تحرّر فكري وروحي وتتواشج الدلالات والرّموز محاولة لإفتعال أسلوب يخرج من المكان المعتاد الذي يرتاده الشاعر وبالتالي يصادفه القارئ وهو ينتقل في لحظة المكاشفة الشعرية بين الرمز والمرموز وبين الإستلهام والإنفصال وقابليّة الشدّ والتفاعل فالذات المتلقية كما الذات الشاعرة توظّف مراميها وسلطتها لا يمكن ان يكون الاّ شاعرا أصيلا ومعنى كونه أصيلا أنّه مأخوذ برسالته:» إنّه يكتب الشّعر ويقيم على الأرض على نحو شعري يجعله يرفض التلاشي في اليوميّ التافه ليس في لحظات المكاشفة الشعريّة فحسب بل في حياته اليوميّة» ().
يقول الشّاعر:
«لاشيء يعجبني
يقول مسافر في الباص ـ لا الراديو
ولا صـحـف الصّبـاح ولا القـلاع عـلـى التـلال» (10).
ويمضي في تلمّسه للأشياء عبر تجربة فكريّة ثرية وانفعالات تجسّد شكل الواقع والوجه المعاكس للإنسان، اي بنية «القفا» الفكريّة في الذات الانسان.
«يقول الجامعي: ولا أنا، لاشيء /يعجبني. درست الأركيولوجيا دون أن /أجد الهويّة في الحجارة. هل أنا حقّا أنا؟ /ويقول جنديّ: أنا أيضا. أنا لاشيء /يعجبني. أحاصر دائما شبحا يحاصرني /يقول السّائق العصبي: ها نحن اقتربنا من /محطّتنا الأخيرة، فاستعدوا للنّزول» ()
الطلاق الروحي والفكري يدخل هنا في ما يسمّى بالعزلة والغربة الروحيّة التي يعيشها الفرد في هذا المجتمع فهو الرّافض والمتمرّد على أشياء موجودة في لا وعي الانسان وذاكرة المجتمع وهي التي تحدّد الفجوة بين ماهو عادي بالطبيعة وبين ماهو نفسي وفكري بالضرورة وهو في حالة كبت قصوى...
فهذا الطلاق عن العالم الخارجي يجسّم المكبوت ولا وعي الكاتب وعلاقتها الخفيّة بمفهوم اكتشاف الانسان الضدّ والواقع المكبوت.. «فنظرية الكبت كما حدّدها فرويد هي الأساس الذي يقوم عليه بنيان التحليل النفسي وهي الجزء الأكثر جوهريّة منه وان كانت لا تمثّل سوى التعبير النظري عن تجربة يمكن للمرء تكرارها» ().
غير أنّ لا وعي الانسان في رأيي هل يمكن ان يجاري بطبيعته وهو في غربة وانفتاح وانغلاق على مفهوم الكبت وهو يتحرّك في باطن الانسان ويختزل الصّورة والصّوت والفكر والروح على حركات وامتدادات وتصوّرات تستحضر مجموعة أخرى مضادة ومهمّشة تعبّر عن أحوال الفرد كما يفسّره الشاعر ولا يدركه القارئ في أوّل الحلم ربّما لأنّ المعجم الشعري يتطوّر ويتوسّع في دائرة الحصار الرّوحي والفكري أي في دائرة كبت آخر لا يمكن ان يمسك بها القارئ في اللحظات الأولى للمكاشفة وبالتالي لعمليّة لا يمكن أن يبدع من خلالها الشّاعر الاّ في حضور القارئ جسدا وروحا وكبتا...
مساءلة لخاتمة لا تنتهي
بدأ درويش مجموعته هذه بتوارد خواطر أو توارد مصائـر، كما أراد ان يسمّيها أي أنّه أصرّ على أن يتواجد عن طريق دلالاته وعبر توارد خواطر وأشعار لوركا وأبي تمّام وهو كما ندرك اختيار الأصيل لأصالة يانعة ترقص مع الملائكة الصّغار وهي تحلم على حدّ تعبيره في قصيدة «الآن اذ تصحو تذكّر».
ثمّ حاول أن يلمّ شتات نصوصه الشعريّة لاستكناه مفعول الكتابة وهي في حالة ادراك حسّي عنيف وأسباب الشدّ عند القارئ عبر عنصر شاسع الملامح سمّاه «في شهوة الإيقاع» فهو يبدو متجانسا ومستفزّا من حيث مراميه وصداه.
هكذا تحديد التوجّه الفنّي لتركيبة المجموعة يكاد يبلغ ذروة الإنتقاء والتصوّر. هذه الدلالات الواردة في جلّ القصائد من أزمة الإنسان الفرد وقضيّة الهويّة والإنتماء الى الحالة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والفكرية تتكثّف وتتكاثف بتكثّف التصوّر الشعري والفكري وبتلمّس الشاعر للمعنى الأوّل والمثال للتفسير والإفصاح، البلاد، الشعر، الانسان، الحبّ، السلام، الدين...
من هذا البُعد الفنّي «تتجلّى عمليّة المثول في مهبّ الدلالات في طرائق تشكّل الصّور ذاتها لذلك ترد تلك الصور طافحة بالدلالات ذلك انّ الملحوظات التي بنت تلك الصور تعالقت وفـق نسـق مخـصـوص اقتضتـه طريـق الشعـر الأصـيل» (11).
وشاعرنا لا يمكن ان يكون الاّ في أصالة التاريخ العربي وهو يدرك تمام الادراك ان تحقيق شهوة لإيقاع جديد يضفي جمالية متعدّدة العناصر ومترامية الى حدّ احتفاليّة الانفعال والتفائل الروحي بالكتابة وبلحظات الشد المستقطبة دهشة الإبداع والتلقّي...
ومن الواضح أن تلمس الشاعر لأشيائه قد ساعده أن ينبهر ويبهر القارئ بهذا الموروث اللغوي والتاريخي الرّمزي وبتفاصيل الحياة اليوميّة بكلّ تعقيداتها وبالشخوص والمراجع الأسطوريّة والدّينية...
«لا تعتذر عمّا فعلت أقول في سرّي /أقول لآخري الشخص: /هاهي ذكرياتك كلّها مرئيّة:
ضجر الظهرية في نعاس القط/عرف الديك/ عطر المريميّة/قهوة الأمّ/الحصيرة والوسائد/بغرفتك الحديدي/الذبابة حول سقراط/السحابة فوق أفلاطون/ديوان الحماسة» (12)...
وللقارئ أن يتابع هذا التصعيد في الأسلوب وانصهاره في ما يسمّى بالرغبة في اجتياح عالم التفاصيل والشخوص وبالتالي العالم الوراثي لهذا الموروث القائم على الإحياء والإنتماء والامتداد نحو انسانيّة الانسان وجماليّة الشّعر:
«قلت ما الشعر؟.. ما الشّعر في آخر الأمر؟ /قال: هو الحدث الغامض، الشعر يا صاحبي /هو ذاك الحنين الذي لا يفسّر. إذ يجعل /الشيء طيف،. وإذ يجعل الطيف شيئا /ولكنّه قد يفسّر حاجتنا لإقتسام
الجمال العمومي../» (13)
الشعر كتابة للتأسيس بفعل لذة يمكن أن تمتدّ نحو الكائن الخارجي وهو يمثّل الأثر الذي يحتاجه الشاعر لبناء عالمه الخاص المترجم البعد الفنّي للحدث الشعري والبعد الفلسفي لهذا الحنين وبالتالي الوصول الى شكل النتيجة ومفتاح الحاجة وهو يتوسّط بين الشاعر ومشروع اللذة في المهد يحثّ الشاعر البحث والإفصاح والتفسير خاصة عند الإحساس بلذّة الترويض وبالتالي عند تناول هذه اللذة فلسفة وجمالا وترويضها للوقوف عليها ومجاراتها والإحتكام لها لإقتسام الجمال، وبالتاالي عملية الجمال، وهو يفصل الذات الشاعرة بالعالم الخارجي المضاد ـ فالنص المتن هو جوهر هذا النص البكر كما النص الحواشي في احتواء آخر يمثّل في الأخير أحد أهمّ الأساليب للإثارة والتوصيل.
«ماذا سيبقى من غبار البحث عن معنى؟ /طريق العنفوان» (14)
إلى أن يصل الشّاعر الى منتهى البحث في تصادم مرير مع السّائد حين تعبّر الذات الشاعرة عن معنى لهذا السؤال الواقع، السؤال المأساة إزاء ما يدخل في الذات الفكر، الذات المعبّر عن حركة مضادة تشكّل عوالم الأسئلة.
«ماذا سيبقى من كلام الشّاعر العربي؟ /هاوية.. وخيط من دخان /ماذا سيبقى من كلامك أنت؟ /نسيان ضروري لذاكرة المكان» (15)
إنّني والقصيدة قرب هذا التمثال والتمثال أمامي من خلال هذا النضج الشعري الذي يتفاعل داخلي عذر هذا النشيد أو فاكهة لفصل ما بعد الرّبيع وما بعد الصّيف وما بعد الشيء الذي يعتذر لأفعال المضارع أو الماضي أو الحاضر من جملة لا اسميّة تعتذر بدورها لنقيض هذا الحديث...
والكلام يشدّني لكلام آخر هو بدوره يعتذر في ذهول بارق وفي خشوع حارق لأشياء القداسة والصّراحة والصّرامة، الشيء يُحدّث الشّاعر العربي وهو يتهاوى كخيط من دخان عن المجهول الآتي وعن النسيان وعن الذاكرة وأخيرا عن المكان.

الإحالات:
(1) لا تعتذر عمّا فعلت ـ محمود درويش ـ الطبعة الثانية دار رياض الريّس للكتب والنشر (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(2) نفس المصدر السابق (ص ).
(7) هربرت ريد ـ معنى الفن (ص ).
(8) محمد لطفي اليوسفي ـ لحظة المكاشفة الشعرية ـ اطلال على مدار الرّعب ـ الدار التونسية للنشر (ص ).
(9) لا تعتذر عمّا فعلت (ص ).
(10) لا تعتذر عمّا فعلت (ص ).
(11) سيغموند فرويد ـ مساهمة في تاريخ حركة التحليل النفسي (ص ) ـ ترجمة جورج طرابيشي.
(12) محمد لطفي اليوسفي ـ كتاب المتاهات والتلاشي في النقد والشعر (ص ) دار سراس للنّشر.
(13) لا تعتذر عمّا فعلت (ص ).
(14) لا تعتذر عمّا فعلت (ص ).
(15) لا تعتذر عمّا فعلت (ص ).
(16) لا تعتذر عمّا فعلت (ص ).


جريدة الشعب



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 172

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة