New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

لمن كل هذا الغياب أيها الدرويشي المتألق أبداً - محمد كتيلة

 

29/11/2014 11:35:00

 

حين نتذكر غيرنا، ممن كانوا دائماً وأبداً، وجه الحياة المأمولة والمشتهاة، المثمرة بعناقيد الأمل، وممن صاروا بعد الكدح الطويل والشقاء المر، من أهم مصادرها الغنية بشلالات الحب وصحو ة ينابيع الأرواح الملتاعة، نبتعد عن ذواتنا كمحاور لوجود أعزل وفارغ.. نتذكرهم قبل فوات الآوان، فالوحشة في ضيافة الفقدان دائماً، وسرعة اتساع رقعة الضياع والتشرد لا تبشر بالجنة.

ما أكثر الغياب، غيابنا، وما أشد العذاب، عذابنا، حين نصحو من وجع إلى وجع على وجع... ولأنني آمنت في الحضور الباهر الذي أشرق في كياني وبزغ في دمي، أجدني وفي كل يوم، ومن الدقائق الأولى لتفتح الفجر، أنظر إلى الأفق بعين وبالأخرى على باب النجاة وراء الغيم متسائلاً : لمن كل هذا الغياب أيها الدرويشي المتألق أبداً، يا سيد الكلام المتواضع الأنيق، لعل صباحاتنا قد بدأت بك يوماً، فإلى أين وصلنا من بعد غيابك، وهل لا زلنا نحن كما كنا نحن في حضورك ! سؤال موجوع وأمه الضوء الذي إختفى برحيلك.

في ساعة متأخرة من الحياة الصاخبة، وبالكثير من المخاوف والتوجسات، أنبش في ثنايا حروفه المذهبة، الذائبة في رحم أزهار اللوز، لتضئ بعضاً من الجوانب المعتمة في حياتنا، بأرق الكلام وأصفاه، فأعلق قلبي على وتد من أوتاد الخيام الفلسطينية كافة، وخاصة تلك المعلقة على الريح في غزة، وأدق على أبواب الجسد الفلسطيني، الذي يطفو على هذا العالم الرخو، بتناقص متزايد ومتسارع، لأهم العقول الجبارة، العابرة للأرواح، والشخصيات المشعة اللامعة، المثيرة للجدل والمعنى، والتي نختفي بإختفاءها ولا نكون ولانحضر إلا في حضورها، وأسأل: أما من أحد يرد على هذا الغياب !

أين نحن منك يا شهقة الروح، ويا دمعة في القلب، لم تزل رطبة ندية، وما بيننا هذا الجسد الموكل إلى التداعي حيناً، وإلى الغياب من دون رأفة ومن غير حساب، في أحايين تعدت حدود الأصابع والأيام والفصول وسنين الغربة والإغتراب... ومن نحن بعد أن فارقتنا الحياة الأبهى والأشهى بمن صنعوها بإبداعات قل نظيرها ولم يكملوها لسوء حظنا، رغم ما قدموه من جماليات في الفكر الحر والإبداع الإنساني الأصيل، الذي أغنى النفس الفلسطينية والعربية بما ينقصها وما يليق بها من محبة وإحترام، من كل شعوب الأرض...أراني هنا أكرر ما يختلج في نفسي دائماً: نحن للذكرى وهم الباقون... لكنهم رحلوا، أخذوا معاناتنا معهم وتركونا مع عذاباتنا، هكذا لوحدنا في وحدتنا ومن غير قصد، بلا أهل ولا أصدقاء، أخذوا أرواحنا التي أينعت بهم في ذات السبيل، بعد أن كبرنا بهم وصرنا وسرنا معهم، وبعد أن حلقوا بنا في سماوات المنافي والحنين، وبعد أن رمموا صورتنا المشوهة في العالم، وبعثوا في شرايينها الحياة بكل أمل، وبسخاء إبداعي متواصل، جعل من الموت أن يقف عند مصباته حائراً، لما فيه من غزارة وعطاء متدفق، يزيد عن حاجة العطشى وعشاق الحرية, وباتت صورتنا أجمل وأطهر، لها ما لها من كافة الحقوق الإنسانية، من إنصاف وعدالة ومساواة، وأظهروا كل ما فيها من الجمال الإنساني المبني على الحب، لا الكراهية، وبما يكفي لإنقاذ البشرية جمعاء، من الويلات والدمار والحروب والخلاص من العدو وإينما كان، ومن الإحتلالات الكريهة بكافة أشكالها وأنواعها المرعبة.

غسان كنفاني بعبقريته الأدبية الثرية، وما قبله من فلذات الأرض الخضراء، من إبراهيم وفدوى طوقان، إلى سميرة عزام وراشد حسين، ناجي العلي، حنظلة المخيمات الفلسطينية والمنفى، ولا أحد من بعده، جبرا إبراهيم جبرا بتميزه وتفرده، المبدع المتجدد والمتعدد، كناقد أدبي وشاعر وروائي وفنان تشكيلي، وموهبته الراقية في الترجمة، وخاصة لراوئع ويليام شكسبير المسرحية، إدوارد سعيد، الوتر والعصب العنيد المشاكس، صورتنا الأجمل في كل العالم، كناقد أدبي وفني وسياسي، وكمفكر بارع وخصم شرس سلس، لأعتى وجوه الشر في العالم... محمود درويش، قمر الجليل، زارع الأمل، وريث التراب والجذور والصهيل والمحراث، الشاعر الأوفى والأرقى للقضيه الفلسطينية ولقضية الشعر، شاعر الإنسانية... أماالبقية، فهي لا زالت على قيد الحياة والعمل والمثابرة، تحفر في الصخر، وتنقش على الرمل وتكتب على الماء، وتجتهد ما أمكن لها من حضور في ساحات العالم المتناثرة، ولا تخفى على أحد، وبالأخص، الجميل الرائع، المبدع الهادئ، هدوء الصدق والوفاء والمحبة، إبراهيم نصر الله، أما البقية، فلا يستوعبها المجال هنا في هذا المقال، رغم قلتها.

لقد ربحناهم جميعاً، وتأكد وجودنا بهم على مسارح الدنيا والمنابر وفي كل المستويات، لكن على مذبح الخسارات، علامات فارقة ومضيئة، لامعة ومشعة في تاريخنا المدمى والمعذب، لا يصعب تذكرها، وليس بالإمكان نسيانها ما دمنا أحياء، لكننا نطمح في غيرها من الأسماء وفي نفس المستوى وأعلى، وإن كانت موجودة وحية وفاعلة... سنكمل معهم بلا شك، لكن خسارتنا في إزدياد والجسد في نقصان، ومسيرنا الدموي، لا يسمح ولا يكفي لتعويض فداحة الخسارة، وقصيدتنا في بداية طريقها إلى النايات.

في كل غياب لأجمل مما فينا، نشعر بالصقيع، وبالبرودة تدلف إلى الروح، وتفتك بالأعصاب...تسري حتى في رغيف الخبز ومجرى النفس.... مأساتنا هنا، منا وفينا، في هذا الرحيل الصعب والغياب المر، ما أن يبزغ أحد ويكتمل حضوره في الفضاء الثقافي الرحب، ويمضي في رحلته الأبدية، لا يملأ مكانه أو مكانته إلا هو، ولا أحد غيره، ويبقى الصرح صرحاً يناطح السحاب والغياب مسجى للأبد.

لقد كتب إدوارد سعيد عن النفي، وعن صعوبة العيش في المنفى وعن إزدواج المعنى أن تعيش هنا وهناك، وعن ضرورة الإستفادة من المنفى قدر ما نستطيع، في كتابه المهم جداً " خارج المكان"، ولكن من الذي سيكتب لهذا العالم، عن النفي الرهيب والقاسي داخل المكان، عن دواخلنا المحتلة في كل ثانية موت وحياة، بأبشع الإحتلالات، عن الذي يعيش عيشة القهر والذل والهوان، في بيته وعلى أرضه وفي لحمه وعظامه كلاجئ، عن أبشع وأفظع وأقسى حياة، يعيشها الإنسان في وطنه من الدرجة الثانية والعاشرة، لا حرية له في إسمه ولا وجود، عن الذي يطل على بيته وزرعه وأحلامه، في كافة الأراضي المحتلة، من خيمة أو من فوق جدار نازف أو من على ربوة القهر، أو من تلة من عظام أهله وعائلته وأجداده !! إلى متى ننتظر من يخترق جدار الصمت الرهيب، وينفذ بنا إلى العالم الأوسع – من أمثال هؤلاء، الذين كانوا أنبياء عظماء وأوصياء على الفلسطيني والفلسطينية والقضية - ليوصل صوتنا، صوت الحق والحرية والعدالة، فتخف عنا حمولة الخسارات الفادحة، ولربما نشعر بشئ من الحماية المعنوية والوجودية، ونشرع في لملمة الأمل من نواصي الإغتراب ؟؟  

لم يكن خيارنا، ومنذ أن اكتسينا بالجلد العاري، ونبتت أظافرنا في البعيد عن الأرض، أن ندمن ونؤمن في حضور من غابوا عنا ومن ابتعدوا، لأن صورتنا على أرض الآخرين المترنحة الزلقة الرخوة، كانت بهم أجمل وأوضح بسبب ما يعتريها من عثرات وفجوات، ومن العيش على الهامش .

 

وإن كنا نسمع الصهيل، صهيل حصان سيد الكلام محمود درويش، من خارج المشهد، إلا أن حضوره كان سيبقى على الدوام، أجمل وأقوى وأشد وقعاً على النفس المغلوبة على أمرها، وأبلغ تأثيراً على الروح وخرائبها، ويظل أعلى وأكمل وأغلى، وكفيل في تعويض الخسارة ما أمكن، وما علينا إلا مداومة الإنتظار لترميم الفجائع... وما يحيرنا دائما،ً أننا نجده في نهاية كل إنتظار جالساً على مقعد الزمان، يتأمل غيابنا عنه في كتابه " في حضرة الغياب " .

 

كاتب فلسطيني يقيم في كندا
mkteileh@yahoo.ca



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 41

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة