New Page 1

     مختارات شعرية ونثرية

New Page 1

يوم تجديد الإيمان بفلسطين/ محمود درويش

 

27/03/2012 11:11:00

محمود درويش

نحن المولـودين هنـا، على هذه الأرـض السمـاويـة، نحن المنذورين لرسـالة السـلام والحـرية، وللدفـاع عن معـاني الإنسـان الأولى وعن صـلاة خضـرة الزيتون، نحن المطعونين بليل خمسين عاماً من الاحتلال والتشريد، المجروحين من الوريد إلى الوريد. نعلن حضورنا المدوي في المكان والزمان، رغم الأعاصير التي تحاول اقتلاع جذورنا من الأرض التي نحن أول أسمائها. لم نهبط من ليل خرافة أو أسطورة، بل ولدنا في وضح نهار التاريخ على هذه الأرض، أرضنا التي أنجبت إحدى أقدم الحضارات، حيث اهتدى الإنسان إلى بناء بيته الأول، والى زراعة القمح الأولى، وابتكر أولى حروف الأبجدية، ورفع من على تلال القدس أولى صلوات الشكر للخالق. وكانت أرضنا الصغيرة ملتقى الحضارات والثقافات وما بينها من صراع وحوار. وكان تكويننا الثقافي هو النتاج الطبيعي لكل ما ورثناه من تعدّد وتنوّع، حيث بدأ تاريخنا الإنساني مع بدء تاريخ الإنسان، وبدأ تاريخنا العربي مع بدء تاريخ العرب، وبدأ وعينا بتاريخنا الوطني مع مقاومة ما تعرضت له أرضنا من مطامع وغزوات.
وإذ نقف اليوم، أمام جرحنا المفتوح منذ نصف قرن من «النكبة» والمقاومة، بقلوب يعصرها الألم لما انطوى عليه الماضي الممتدّ من مصائر مأسوية، فإننا نتطلع إلى المستقبل المرفوع على سواعدنا، بقلوب يغمرها الأمل بانتصار الحرية والعدالة، بعدما انتصرنا على مشروع الإبادة والتغييب ومحو اسم فلسطين عن خريطة فلسطين.
نقف في الذكرى الخمسين لارتكاب إحدى جرائم العصر الكبرى بحق الشعب الفلسطيني الطيب وأرضه الطيبة، نقف بخشوع أمام عيون الشهداء الذين وهبوا حياتهم لإخصاب الأرض بسلالتها واسمها الخالد، ولحماية هويتنا الوطنية واستقلالنا وسيادتنا على ترابنا الوطني، المجبول بكلام الله إلى البشر وبدم أجدادنا وآبائنا، لنصغي إلى ما تقوله قلوب الأمهات اللواتي حملن البلاد، وتحمّلن عذاب المنافي وشظف العيش ومرارة الثكل والفقدان، ونحدق في عيون الأسرى في زنازين الاحتلال انتظاراً لفجر الحرية العتيد. وتلوح أمامنا ثلاثة أجيال من الفلسطينيين الذين ولدوا في المهاجر ومخيمات اللاجئين وعلى تخوم الوطن القريب البعيد. ونستلهم بطولة الناس البسطاء الذين اجترحوا معجزة البقاء في أرض كانت دائماً محطّ أنظار الغزاة.
كما نستعيد ذكرى شهداء الأمة العربية الذين وهبوا دمهم لقلب العرب الفلسطيني النازف، ولمعنى وجودهم في هذا الزمن العاصف.
بقوة البقاء والصمود والمقاومة، وبصدق الحقيقة الفلسطينية العربية والحق في الوجود، أسقطنا أكذوبة الشعار الصهيوني الكلاسيكي القائل بأرض بلا شعب لشعب بلا أرض، والذي اعتمد على الخرافة المدجّجة بالسلاح والإرهاب، لإخراجنا من الأرض ومن التاريخ، ولتجريدنا من شرعية وجودنا الوطني، ودفعنا إلى الغياب عن ذاتنا وعن الوعي الإنساني.
وعلى الرغم من نجاح المشروع الصهيوني عام 1948، في احتلال الأرض وتشريد غالبية الشعب الفلسطيني، بقوة السلاح وارتكاب المجازر الكبيرة والصغيرة، وفي تغيير معالم الأرض الطبيعية والديموغرافية، وتدمير 418 قرية للتدليل على أننا لم نكن هنا أبداً ولم نوجد، لا حاضر لنا ولا ماض ولا ذاكرة… على الرغم من ذلك، بقيت الحقيقة الفلسطينية حية في بحث العرب عن ذاتهم وعن وجودهم في التاريخ، وبقيت حية في سعي الشعوب المستعبدة إلى تحررها، وذلك بفضل صمودنا الجسدي والثقافي والمحافظة على ذاكرتنا الجماعية، وبعدنا العربي والإنساني.
ان تحويلنا بعد 1948 إلى أقلية مضطهدة في وطننا، والى لاجئين فيه وعلى تخومه، وتقطيع بلادنا إلى أجزاء منفصلة، لم يتمكن من تصفية خصائصنا الوطنية والقومية، ولم يتمكن من تغيير وعي الشعب العربي الفلسطيني بوحدته، وبوحدة الأرض والشعب والتاريخ. فلقد حافظت هذه الأقلية على هويتها، وأنقذت هوية الأرض من التزوير، وأسهمت في يقظة الروح الفلسطينية، وفي بلورة الملامح الأساسية لهويتنا الوطنية والثقافية.

لقد آن للضمير العالمي، أن يمتلك شجاعة التمييز بين الضحية والجلاد، وأن يعيد النظر بسياسة الكيل بمكيالين تجاه الأحياء والموتى، وأن يتوقف عن رفع الواقع الإسرائيلي إلى مستوى المقدس المنزه عن المحاسبة والنقد وعن الخضـوع لأحـكـام الـقـانـون الـدولي
كما تحوّلت مخيمات اللجوء من مشروع للشتات الدائم وانتصار النسيان على الذاكرة الجماعية إلى مصدر من مصادر التغيير في العالم العربي، حيث انفجرت منها طاقات المقاومة والثورة على الاحتلال، وتفاؤل الإرادة في الانتصار على موازين القوى، وتبلور فيها الوعي بالارتباط العميق بين مهمة تحرير الأرض وتحرير الإنسان.
كما جاء تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، وتحوّلها إلى اطار للحركة الوطنية الفلسطينية، وممثل للشعب الفلسطيني، يحظى بالشرعية العربية والدولية، تعبيراً عن الطور الجديد لقضيتنا الوطنية، وانتقالها من قضية لاجئين إلى قضية تحرر وطني. ولقد سطّرت المنظمة أنصع الصفحات النضالية في تاريخنا المعاصر، بخوضها معارك المقاومة المسلحة والمدنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، طيلة ثلاثة عقود من الزمن، وبرفضها محاولات الوصاية والهيمنة، وصراعها في الساحة الدولية للحصول على الاعتراف الدولي بحقوقنا المشروعة، وفي مقدمها حق العودة، وحق تقرير المصير.
ومع البندقية رفعنا غصن الزيتون، قاتلنا من أجل إنجاز حقنا الطبيعي في التحرر والاستقلال الذي يمهّد الطريق الآمن أمام سلام حقيقي، ويخلق المناخ الملائم للتعايش الطوعي بين الإسرائيليين والعرب على أرض فلسطين، التي شهدت وقائع جديدة لا يمكن للباحثين عن تسوية سلمية تجاهلها. فاقترحت منظمة التحرير الفلسطينية على الإسرائيليين تسوية تاريخية، تتضمّن الدعوة إلى العيش المشترك في إطار دولة ديموقراطية علمانية يتعايش فيها الجميع، على قدم المساواة. لكن السياسة الصهيونية ذات الطبيعة العنصرية، والمسكونة بعقلية القلعة النووية المسدودة أمام الأفق والآخر، سرعان ما استهترت بهذه الدعوة لحماية طهارة الدولة اليهودية المنتمية إلى نسق حضاري مغاير لطبيعة الشرق العربي، الذي كان دائماً مسرحاً للتعدّد والتنوع، ضمن توازن لا تضيع فيه الحدود بين الكتل الديموغرافية والثقافية الكبرى وكتل الأقليات. فلم يسبق لأقلية أن فرضت إرادتها وهيمنتها على الغالبية، وحوّلت نهر التاريخ عن مجراه.
ومن منطلق الإيمان بالسلام قيمة إنسانية عليا ومصلحة وطنية، كان علينا أن نميّز بين حدود وطننا التاريخ وبين حدود حقنا المعترف به دولياً في إقامة دولتنا المستقلة على جزء من أرض فلسطين، إلى جانب دولة إسرائيل، التي كان إنشاؤها مرتبطاً بنشوء الدولة الفلسطينية.
لقد تبنينا الحل القائم على مبدأ دولتين لشعبين، وهو حل لا يعتمد على موازين القوى وحدها، لأن مثل هذا الحل سيبقى حلاً مختلاً باختلال هذه الموازين. فالحل الحقيقي يقوم على أسس العدالة والحق وتوازن المصالح، ويستند إلى وعي تاريخي جديد، والى ثقافة جديدة، تعيد قراءة الماضي، وتجري مراجعة جذرية لحجم المأساة التي ألحقها نشوء إسرائيل بالشعب الفلسطيني.
إن الاعتراف الصريح بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية عن الجريمة التي ارتكبها المشروع الصهيوني بحقنا، وما يستتبع هذا الاعتراف من استحقاقات سياسية تعترف بشرعية وجودنا على أرض وطننا التاريخي، وحقنا في ممارسة السياسة في إطار دولتنا المستقلة هو الذي يوفر المناخ لمصالحة تاريخية بين الشعبين، وليس مطالبة الفلسطينيين بالاعتذار عن تاريخهم وأدبياتهم السياسية، وتصعيد حركة التوسّع الاستيطاني المسعور، والتنصل من الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل، والاستمرار في مصادرة الأرض وفرض الأمر الواقع، الذي تعتقد الحكومة الإسرائيلية أنه سيرغم الفلسطينيين والعرب على الاستسلام، وسيرغم المجتمع الدولي على التكيّف مع مفهوم استقلال سؤال الأمن عن مسألة السلام.
لقد حلّت بنا «النكبة» على مرأى المجتمع الدولي ومسمعه، وبتواطؤ من قواه العظمى، المطالبة في هذه الذكرى بالتكفير عن مسؤولياتها الأخلاقية عما حدث وما زال يحدث، وذلك برفع درجة التعبير عن دعمها للشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، معنوياً وسياسياً ومادياً، لتحقيق حقوقه الوطنية، ولإنقاذ الأمل في السلام من الاغتيال، بالضغط على الحكومة الإسرائيلية، للامتثال لقرارات الشرعية الدولية الداعية إلى الانسحاب والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
فليس في وسع يقظة الضمير أن تكون انتقائية. وإذا كانت أوروبا وجدت التكفير عن جريمتها الكبرى ضد مواطنيها اليهود، بدعم إسرائيل بلا حدود، حلاً للمسألة اليهودية، فإنها تشارك في تحمّل المسؤولية عن خلق مسألة أخرى هي المسألة الفلسطينية. فلا مأساة تبرر خلق مأساة أخرى. ولا شفاعة لضحية تحوّل الآخر البريء من دمها إلى ضحية. فلا مسؤولية لنا عن المأساة الكبرى التي ألحقتها أوروبا باليهود.
وإذا كان من واجبنا الأخلاقي أن نقبل الرواية اليهودية عن الهولوكوست، كما هي، من دون التدخل في النقاش حول الجانب الإحصائي للجريمة، وأن نرفع من درجة تعبيرنا عن التعاطف مع الضحايا، فإن من حقنا أيضاً أن نطالب أبناء الضحايا بالاعتراف بمكانة الضحايا الفلسطينيين وبحقهم في الحياة والخلاص والاستقلال.
لقد آن للضمير العالمي، أن يمتلك شجاعة التمييز بين الضحية والجلاد، وأن يعيد النظر بسياسة الكيل بمكيالين تجاه الأحياء والموتى، وأن يتوقف عن رفع الواقع الإسرائيلي إلى مستوى المقدس المنزه عن المحاسبة والنقد وعن الخضوع لأحكام القانون الدولي، لأن ذلك يشجعه على التمادي في سياسة الغطرسة والقوة، والإيمان بقدرة هذه السياسة على فرض الاستسلام علينا، والتنصّل من متطلبات السلام.
لن نستسلم، ولن نفقد الإيمان بالسلام الحقيقي المرتبط بتطبيق العدالة وممارسة حقنا في الاستقلال والسيادة. ان خمسين عاماً من «النكبة». لم تكن بكاء على ذكرى أليمة. فالماضي لم يذهب تماماً، والمستقبل لم يصل بعد، وما زال الحاضر مفتوحاً على الصراع، لقد شهدت هذه السنوات الحزينة ملاحم شعبية من الصمود والمقاومة وتعبئة الطاقات لتصفية آثار «النكبة»، لكي نوفر لأجيالنا القادمة حق الحياة بحرية وكرامة في وطنها.
ونحن الذين لم نتهاون في الدفاع عن حقنا في أن نكون شعباً حراً في وطن حر، تبنيه المساواة بين المرأة والرجل، والديموقراطية واحترام حقوق الإنسان… وانتصرنا على مشروع إخراجنا من التاريخ، وأرغمنا المحتل على الانسحاب من أجزاء غالية من أرض الوطن، تحت ضربات الانتفاضة المجيدة، التي غيّرت صورة الاحتلال في مرآة الضمير العالمي، وتحوّلت إلى مصدر إلهام المقهورين والغاضبين… نحن الذين وهبنا أنفسنا للحرية والسلام، لن تخمد فينا روح المقاومة والشبق إلى الحرية على أرض وطننا التي لم نولد على أرض سواها. فنحن هنا منذ الأزل، وسنبقى هنا إلى الأبد. وستبقى القدس منارة أرواحنا وعاصمة بلادنا إلى الأبد.

* كتبها في الذكرى الخمسين للنكبة وننشرها قبيل ذكرى ميلاده التي تحلّ في 13/3/2011.
نُشرت في العدد العاشر من ملحق “فلسطين” الذي يصدر شهرياً عن جريدة السفير اللبنانية



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 36

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة