New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

التصوير والمجاز والإيقاع في شعر محمود درويش- مزن أتاسي

 

12/01/2014 04:23:00

التصوير والمجاز والإيقاع في شعر محمود درويش: دراسة لبعض قصائد الديوان الأخير
كلمة لابد منها:

مزن أتاسي

إذا كان شرعيا تماما شعور المرء بالتهيب إزاء دراسة القصائد الأخيرة للراحل (محمود درويش) ، فذلك لأنه يعلم أن الساحة ستغص بالدارسين الذين استحثهم ‘‘الديوان الأخير‘‘ - الذي صدر بعد رحيله – على الانكباب على دراسته كما لم يفعلوا من قبل، وبالتالي سيكون صعبا أن يشق الواحد منا لنفسه طريقا وسط هذه الزحمة ، وعليه فقد وضعت لنفسي بعض الأسس لأنطلق منها:
فرضية القاعدة الأولى تقول: إن الثغرات والنقص الذي سيعتري هذه الدراسة سوف يجد القارئ في دراسات الآخرين ما يسدهما ويكملهما، فرضية القاعدة الثانية إن الاختلاف والتعدد في وجهات النظر وزوايا الرؤية وفي التفسير والتأويل، وفي تعدد المصادر والمرجعيات، وفي اختلاف الطرق والأساليب، وفي النتائج المتوصل إليها، إنما يعود إلى غنى النصوص وانفتاحها، وإلى امتلاكها للعناصر والأسباب التي تنادي الباحثين للكشف عنها وعن مكامنها ومصادرها ومرجعياتها، مضيفا بعمله ذاك ثراء القراءة إلى ثراء النص، وخادماً اللغة بصورة عامة، واللغة الدرويشية بصفة خاصة في اكتشافه لما اجترحه الراحل من تجديد وابتكار في قصائده التي كان يعرف أنها الأخيرة، فإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك – ففرضية القاعدة الثالثة تقول:
دراسة‘‘ القصائد الأخيرة يقتحمها الدارس ليس من أجل أن يضيء معالم الطريق إلى الشعر الدرويشي الأخير فحسب، بل من من أجل أن يكتشف كيف تخرج اللغة خبأها حين تكون بين يديّ ‘‘الشاعر‘‘، وأما الأهم فهو اكتشاف الطرق الواضحة والمتعرجة والمخفية للتعرف على جغرافيا الجمال ‘‘الدرويشي‘‘ وهي تنبسط أمامه.
الدراسة:

توجد إمكانية طبيعية في الشكل للتعبيرعن الأفكار والمواضيع، كذلك الأصوات، والبنى الصرفية، والتراكيب النحوية، وبناء الجمل، وترتيب العبارة ثم ‘‘النظم‘‘ تشكل أدوات تعبيرية تتساوى مع الكلمات وتتضافر جميعها لإنتاج ‘‘حركة الانفعال‘‘، وأما التصوير وهو نتاج الموهبة والمخيلة وسعة الثقافة والدربة والتمرس فيمثل ذروة الشعر بتعريف شيوخ البلاغة العربية، ويعلو بالإيصال البسيط:
أختار من هذا المكان الريح... / أختار الغياب لوصفه. / جلس الغياب / محايدا حولي، وشاهده الغراب محايدا. / ياصاحبيّ قفا... لنختبر المكان على / طريقتنا: هنا وقعت سماء ما على / حجر وأدمته لتبزغ في الربيع شقائق / النعمان...(أين الآن أغنيتي؟) المقطع السابق من الفصل المعنون ‘‘ليس هذا الورق الذابل إلا كلمات‘‘ من قصيدة بعنوان‘‘طللية البروة‘‘ تتجلى جدلية الزمان والمكان في هذه القصيدة وقد تخففت من كل ما من شأنه أن يخفيها تحت إهاب آخر غير جوهرها العاطفي / الإنساني: الحنين، وكنهها الوجودي: الهوية، ورؤيتها للتاريخ ومساره وفعله حين وقعت سماء – هذه المرة وليس القطار أو الخريطة – على حجر وأدمته وتسببت في: انفصال المكان عن زمانه، لكن الشاعر وهو يعرف أنه في الطور الأخير أقفل باب عاطفته ليصبح آخره كأنه سائح أو مراسل لصحيفة غربية لقد اختار الحياد، لكن التوتربكل درجاته ومعانيه: التوتر المعرفي بين: النظري والواقعي، التوتر النفسي بين الحلم والواقع، وبين الهنا والهناك، والتوتر الوجداني بين الأنا والآخر، بقي يمد البصيرة الشعرية بأسباب توهجها وينفذ بها من صراع الثنائيات إلى أسئلة الوجود الكبرى كي يمتلك الشعرأسباب تجاوزه للتحجر في برهة آنية / ظرفية لا تفضي إلى اعتباره بذاته أداة هامة لتثمين الحياة، تماما كما فعل شعراء الجاهلية حين حمّلوا قصائدهم حنينهم إلى الديار وأنفاس الأحبة عبر القرون:
أقول لصاحبيّ: قفا... لكي أزن المكان / وقفره بمعلقات الجاهليين الغنية بالخيول وبالرحيل. لكل قافية سننصب خيمة. / ولكل بيت في مهب الريح قافية... / ولكني أنا ابن حكايتي الأولى.
لاشك في أن تعدد الأصوات هنا ساهم في تصاعد شعورنا بالانفصام وإحساسنا حدة بانفصال المكان عن الزمان، ومن العبث – تحت ضغط هذه الجدلية – البحث عن حقيقة ثابتة لاتكف عن الانثيال والتحول، المقطع أيضا يحيلنا إلى قراءة صامتة بسبب خفوت الأصوات ‘‘الحروف‘‘والنبر والصورة البصرية التي تأخذ طابعا مشهديا يحرر طاقاتنا الذهنية وانفعالاتنا الهامدة تحت ركام هائل من التعود على المشهد المكرور، وليس التصوير هو انفتاح الخيال على الاستعارات لقياس مهارة الشاعر، إنه أيضا – والأهم – انفتاح النص على معناه ، أو انفتاحه على ‘‘معنى المعنى‘‘ وبكلام آخر مدى بلوغ الخيال في توضيح المعنى وظلاله، لهذا فهو يختار ‘‘الغياب لوصفه‘‘، إنه لا يرى مصنع الألبان بل‘‘لايرى إلا الغزالة في الشباك‘‘ ولا يرى ‘‘الطرق الحديثة فوق أنقاض البيوت‘‘ بل لا يرى‘‘ إلا الحديقة تحتها وأرى خيوط العنكبوت‘‘ ، إنه لايرى سوى ماغاب من مشهده مكانه الأول لأنه ابن ‘‘ابن حكايته الأولى‘‘. تكتسب الصور تلويناتها بسبب الجرس الموسيقي للأصوات وتنويعاتها في التركيب: ‘‘حليبي / ساخن في ثدي أمي، والسرير تهزه عصفورتان صغيرتان، ووالدي يبني غدي / بيديه... فتتفاعل الحروف الصائتة الكثيرة مع المشهد الذي بنته الأفعال الحركية لتحضر أصداء الحكاية الأولى، ويتفاعل الحس الموسيقي ‘‘السمعي‘‘ مع ‘‘الصورة البصرية‘‘ وبهذا تجتمع حوافز عديدة لتحرير انفعالاتنا وانسكاب عواطفنا. جميع قصائد هذا الجزء من الديوان تلتقط أعمق الدوافع بمضامين وجدانية، وتصورها بأساليب متعددة ومتغايرة، وليس مصادفة أن نجد ثلاث قصائد رثاء غير طللية البروة – هو يذكر اسم قريته للمرة الأولى مضافة إلى مفردة طلل -هي على التوالي: موعد مع إميل حبيبي، في بيت نزار قباني، في رام الله‘‘إلى سليمان النجاب‘‘، أما بقية القصائد فتكتسي إحساسا مؤلما بالخسارة والفقد ولا تبتعد عن موضوع الرثاء إلا بطريقة صوغه وبالشكل الذي يتناسب مع الموضوع المطروح من خلاله: الوقت، الخوف، الغربة، الحب القديم، الشعور بالفراغ، فراق الأحلام، ولا نستثني قصيدة ‘‘إلى شاعر شاب‘‘فهي أيضا قصيدة رثاء ولو من بعيد لأن درويش الشاعر ‘‘الأب‘‘يوصي الشاعر الشاب ‘‘الإبن‘‘ في ‘‘قتل أبيه‘‘ لكي يتسنى له الإصغاء إلى صوته وإيقاعه الخاص لا تصدق خلاصاتنا، وانسها/ وابتدئ من كلامك أنت. كأنك/ أول من يكتب الشعر،/ أو آخر الشعراء!
لا تسل أحدا:ً من أنا؟/ أنت تعرف أمك.../ أما أبوك فانت...
تكتسب هذه القصيدة أهمية خاصة ليس لكونها وصية فحسب، بل لأنها تكثف آراءه في الشعر والحب وفلسفة الحياة وفي الأسلوب أيضا، إنه يكشف أوراقه لقارئه بتواضع العارف، وصدق الإنسان، وحنان المرتحل بأكثر الأساليب تقشفا وتخففا من طنين البلاغة حيث تغدو البساطة شكلا وحيدا لفتح آفاق النص ليس على معانيه فحسب ولكن أيضا وأساسا على موسيقى العاطفة الثرية التي تتبنى اقصر الطرق للوصول إلى متلقيها وبخاصة في قفلة البيت الأخير من هذا المقطع:
شذّ، شذّ بكل قواك عن القاعدة / لاتضع نجمتين على لفظة واحدة / وضع الهامشيّ إلى جانب الجوهريّ / لتكتمل النشوة الصاعدة / لاتصدّق صواب تعاليمنا / لاتصدّق سوى أثر القافلة‘‘. إن التطابق الكامل بين الشكل والمحتوى، بين الكلمة والفكرة، يعبر عن نفسه بانسجام موسيقي ، في ‘‘الهارموني‘‘ الذي يجد طريقه المجدول بين‘‘الإيقاع‘‘ الذي هو وزن التفعيلة، وبين ‘‘اللحن‘‘ الأساسي النابع من مصادر أخرى ابتداء بالفكرة وتعدد الأصوات والخيال والتقابل والاتساق والعاطفة وحركة الشعور، واعتماد الدلالة في توزيع العمل الشعري ، حيث يعتمد السطر الشعري المختلف في عدد تفعيلاته على مثيله الوزني ، والموسيقى توزع شعريا وليس عروضيا وهي طريقة الشعر الحديث ، هذاعلى سبيل المثال لا الحصر، أختارالمقطع التالي من قصيدة ‘‘إلى إميل حبيبي‘‘ للتمثيل: لا لأرثيه جئت. بل لزيارة نفسي. / ولدنا معا وكبرنا معاً. أما زلتِ يا / نفسُ أمّارةً بالتباريح؟ أم صقلتك / كما تصقل الصخرةَ الريحُ، هنا - كما في طللية البروة – يلقي درويش تبعات اللغة الغنائية العالية وراء ظهره عبر المجاز الذي أخذ قصيدته إلى مناخات أخرى لها نسماتها المديدة في المضمون الذي تغير كما في الشكل، إنه يتجه إلى الذات، ولكن الذات المغروسة في قلب الواقع: ‘‘لا لأرثي شيئا أتيت، ولكن / لأمشي على الطرقات القديمة مع صاحبي، / وأقول له: لن نغير شيئا من الأمس / لكننا نتمنى غداً صالحاً للإقامة. تختلف اللغة في رثائه ل‘‘نزار قباني‘‘ فتشف وتخف، وتعود غنائية مائية، فصورة نزار طاغية في ذاكرة الناس، وشعره المغنى على لسانهم، وسيرته المشاكسة للظلاميين في بداياته، وللمستبدين قبل رحيله بزمن طويل، وقصائده المهربة ضدهم كل هذا كان قد اختار شكل القصيدة ولغتها: بيت الدمشقيّ بيت من الشعر. / أرض العبارة زرقاء، شفافة. ليله / أزرق مثل عينيه، آنية الزهر زرقاء / والستائر زرقاء، / سجاد غرفته أزرق، دمعه حين يبكي رحيل ابنه في الممرات أزرق. آثار / زوجته فيالخزانة زرقاء، لم تعد / الأرض في حاجة لسماء، فإن قليلا من البحر في الشعر يكفي لينتشر الأزرق / الأبدي على الأبجدية.
في قصيدته الأخيرة في الرثاء المباشر والتي تحمل عنوانين الأول: في رام الله، وعنوان فرعي ‘‘إلى سليمان النجاب‘‘ يتراوح النص مابين الأسلوبين الخبري والإنشائي وبالتالي هذا الشعري الحامل لإدراك وإحساس فجائيين ينقل العدوى إلى النثري / الإخباري / الهامشي فيتحول بدوره إلى شعري وكذلك إدراكنا وإحساسنا به أي: مايمكن أن تختزنه البنية الصوتية الواحدة من معان متعددة بحسب قوة الإيحاء وبهذا تحمل اللغة أكثر مما تقول: نمشي على جبل السماء، ونقتفي / آثار موتانا، وأسأله: هل التاريخ كابوس سنصحومنه، أم / درب سماوي إلى المعنى؟ يقول: / هو الذهاب، هو الإياب.
في نص درويش لانجد تجسيدا للمعاني ولا تحميلا لها، بل توليدا وتفريعا دائمين، عبر التساؤل والدهشة كما مر، وتنتهي بنبوءة غير سعيدة عن نهايته المحتملة والقريبة في مدينة رام الله التي ليس له فيها أمس ولكن: لي ذكرى غد فيها، ولي فيها اكتئاب / ونافذة على الوادي وباب

لي أمس فيها
لي غياب!
والبياض السابق لم يأت عبثا، ولا شكلانيا بل من أجل ‘‘فجوة التوتر‘‘ التي هي في الأساس‘‘فضاء ينشأ من إقحام مكونات تنتمي إلى مايسميه جاكوبسون نظام الترميز‘‘ بحسب كمال أبو ديب. إنها مساحة الصمت - وقد جاءت طويلة هنا – تفصل بين الأسطر فصلا دلاليا وإيقاعيا. صحيح إن التفعيلة هي مفتاح الإيقاع في شعر درويش قد تنتهي بسطر واحد وقد يتداخل فيها تفعيلة أخرى فينتج ‘‘هارموني‘‘ وليس إيقاعا هذا التداخل بين أكثر من تفعيلة ، بل هي بمثابة عزف نغمتان مختلفتان في وقت واحد ضمن السلم الواحد، وهذا ماسماه الراحل إدوارد سعيد‘‘طباق‘‘، إن لموسيقى درويش ‘‘زمنا شعريا‘‘ تحدده شحنة العاطفة ودرجة ‘‘التوتر‘‘.مايزال الكلام ناقصا، وسيمر زمن طويل قبل أن نعرف كيف استطاع محمود درويش اكتشاف كنوز اللغة وكيف فجر طاقاتها، وكما كل شعراء الإنسانية الخالدين سيبقى درويش ال‘‘غائب‘‘ ‘‘حاضر‘‘ أبدا، مثل ... أثر الفراشة.

 

 دراسة نقدية لبعض قصائد ‘‘أثر الفراشة‘‘لمحمود درويش‘‘
أثر الفراشة

مزن أتاسي

(( قراءة في موسيقى الحياة))

معتمدة على جملة من المبادئ في علم الموسيقى اللغوي وعلى حدسي وحسي الموسيقي أقرر أن ‘‘أثر الفراشة‘‘ كتاب موسيقي بامتياز:
مزن أتاسي

شاعر يتأبط نفسه وظلّه وحياته، ويستبطن مفردات ما مرّ فيها وعليها، وحين يبدأ بتدوين يومياته تنبثق موسيقى تلك الحياة وتنويعاتها وتحولاتها، فنجد القصيدة الموزونة( قصيدة التفعيلة)، والنص النثري أو قصيدة النثر ‘‘والشعر المنثور‘‘ وهذا التنوع الموسيقي الثر ما هو إلا الأثر الذي يتركه التشكيل الصوتي ‘‘التنغيم‘‘ للتراكيب التي يستخدم فيها درجات متفاوتة في موسيقى الكلام – سنعود إلى التفصيل في ذلك لاحقاً – ‘‘والكلمات التي تخضع للدوافع المحركة لها فهي شفافة أو معتمة، ويتم ذلك على مستويات صوتية وصرفية ودلالية ولكل منها نتائج أسلوبية بارزة‘‘ ((1الدلالة الصوتية في الدراسات الحديثة د. عبد الحميد الهنداوي في مقدمة كتاب الخصائص)) تكون الموسيقى فيها هي الجزء البنائي الأبرز في تحديد قاع الانفعال وكيفية انتشاره في عروق النص،

موسيقى الحزن الشفاف

فقصيدة البنت / الصرخة الموزونة وإيقاعها ( تفعيلة المتقارب الثلاثية فعولن) والتي استهلّ فيها يومياته، هي قصيدة من حيث أنها موزونة، وهي شعر من حيث امتلائها بموسيقى المشهد – وهو من حرب تموز الأخيرة على لبنان- والمتكونة من الدوال والمدلولات المفضية إلى الدلالات التي توحي بها البنية النصية للكلمة من حيث ‘‘كونها أصواتا لا من حيث كونها موادا معجمية لها دلالتها الوضعية المحددة، ومن حيث كونها محاكاة غير مباشرة تثير تجربة غير صوتية وتدخل – بما تستثيره– في النسيج الشعري للقصيدة‘‘((2 المصدر نفسه ص32)) وحيث أن غزة حاضرة دائما في مرمى البصر اليومي تبدأ موسيقى حزينة جنائزية تنبثق من قلب سرد بطيء لمشهد مغرق في وصفه الواقعي: الرث الفقير، فالبحر واحد ، والضحايا متشابهون، والبنت التي نجت‘‘قليلاً‘‘ من الموت لأن‘‘ يدا ما إلهية أسعفتها‘‘ تنادي: يا أبي! قم لنرجع ‘‘فالبحر ليس لأمثالنا‘‘ / لم يجبها أبوها المسجّى على ظلّه / في مهب الغياب / دم في النخيل، دم في السحاب /

وفي عود على بدء، كما مشهد الحرب المتكرر، وكما الخبر العاجل الذي لم يعد خبراً عاجلا حين عادت البارجة ‘‘لتقصف بيتا بنافذتين وباب‘‘ تقفل القصيدة

لقد اختفى حزن محمود درويش القديم، الحزن الثوري – إن صحّ القول – واختفت معه لغته بتعبيراتها الرثائية ومشاهدها القيامية وحبكتها الدرامية، وذراها البطولية وتلاشت معها موسيقاها الأوركسترالية الفخمة، وحلّت محلّها لغة تطابق مقتضى الحال لمشهد / لقطة يصورها بإيجاز بليغ تصطحب موسيقاها التي هي لاشيء آخر سوى موسيقى الكلام: التنويع في عدد التفعيلات المستخدمة في السطر الشعري، الإحساس بالدرجات الانفعالية للصوت اللغوي: فنادت: أبي / يا أبي! / نلاحظ أن المنادى الأول بدون أداة لجهلها بموته، لكنه حين ادخل الأداة على المنادى الثاني تحول إلى صرخة تفجع بإدراك الموت الذي حل بأبيها، تشكيل أصوات الكلمات على نحو يتناسب مع تجربته الوجدانية الآنية: فاصطفاف المفردات: بنت، أهل، بيت، بحروفها المجهورة المقذوفة إلى الخارج تمتلئ بأنفاس الحياة ثم البيت الذي نسمع أنفاسه تتردد مع التركيب غير المجازي والمعطوف على الأهل يجعل موجة شعور تسري فينا بأنه يمتلك خصائص حياته: للبيت نافذتان وباب، ثم تنطفئ حياة الجميع فالبيت مات أيضا حين لم يعد له نافذتين وباب إذ تسلّت البارجة بقصفه أسوة بصيد المشاة على الشاطئ، ثم بتنويع الأسلوب الصوتي: الأسلوب الخبري السردي التقريري طغى على النص، بجمل كانت إسمية في معظمها، أما الأفعال التي وردت فلها صفات حركية يسقطون، يطير، نادت، تخلل الأسلوب الخبري النداء ، والمجاز ، أما البلاغة فقد أتت من تلقائها وتحصيل حاصل لكل ما سلف وتجسيدا للمضمون البشري وما حُمّل من انفعالات كما في: ‘‘ تصير هي الصرخة الأبدية في خبر عاجل لم يعد خبرا عاجلا‘‘ وايضا‘‘ دم في النخيل دم في السحاب‘‘

تلك كانت موسيقى الحزن الشفاف، والشفاف‘‘لغة‘‘ هو: ما لا يحجب ما وراءه، وفيزيائيا: هو الجسم الذي يسمح بمرور الضوء من دون أي تشويه، بعبارة أخرى يسمح برؤية الأشياء كما هي في واقعها، وهكذا كانت قصيدة البنت / الصرخة، تحتفي بين تلافيفها بتفاصيل ‘‘دنيوية‘‘ شديدة البساطة شديدة الامتلاء بالحياة، وشديدة الحزن لاختطاف الحياة منها : بنت تتمشى على شاطئ البحر، للبنت أهل، وللأهل بيت، وللبيت نافذتان.. وباب

موسيقى الحب

لا يعنيني التساؤل – لا من بعيد و لا من قريب – حول جنس النصوص: حوض خزامى، أكثر وأقل، أغبط كل ما حولك، ما إذا كانت ‘‘قصائد نثرية‘‘، أم‘‘شعرا منثورا‘‘ أم ‘‘نثرا شعريا‘‘ لأنني بصدد قراءة موسيقية - كما أسلفت – سأتتبع سيلانها في ‘‘حوض خزامى‘‘ وأترك الإجابة عن التساؤلات السابقة للنقاد الأكاديميين

جدل رائع يقوم بين حواسّ الشاعر الممتلئة شهوة للاقتراب من رائحة خزامى / الاستعارة الطويلة ل‘‘أنثى‘‘ تجلس ‘‘قبالة مطالعه‘‘ تبدو ضنينة على أن لا تطير ذرة منها إليه خوف الاكتفاء.. فتتكتم عليها وتلتف بها أكثر فأكثر.. يحك / الرجل / الشاعر أصابعه بأصابعه ل‘‘يسقط‘‘ فنجان قهوته في ذريعة مكشوفة – خفيفة الظل طفولية بل وصبيانية / سينيمائية إلى حد بعيد – للاقتراب وللإمساك ليس بما تجلّى منها فحسب – حيث لم يعد كافيا – بل وأيضا بما خفي منها، وها حواسه الفاقدة لصبرها ‘‘تشرئب‘‘ إلى ما يمكن أن تمنحه من عناصر مفاجئة، يحسم أمره ويقبل على مغامرته ويدبر عن خوفه: يمد يديه إلى حوض الخزامى يفركها يحضنها يشمها ويضمها، ولا تقول شيئا، لأن الخزامى - في الواقع - لا تعطي رائحتها إلا لمن يفعل

الصوت هو مفتاح التأثيرات، بالإضافة إلى أنه نبع المعاني ، والدلالة الصوتية تأتي متساوقة مع الدلالة الصرفية والمعجمية والنحوية كما سبق القول، فإذا وضعت الكلمة / المفردة في سياقها ومقامها أنتجت دلالتها الشعرية وليست هنالك دلالة ثابتة للصوت كما يؤكد ‘‘ريتشاردز‘‘ وكل والنقاد المحدثين حيث يرون‘‘ أن الصوت والوزن يجب أن يدرسا كعنصرين في مجمل العمل الفني وليس بمعزل عن المعنى‘‘((3 مقدمة عبد الحميد هنداوي في الكشف عن الدلالات الفنية للأصوات)) فإذا درسنا جماليات النظام اللغوي في هذا النص صوتيا وصرفيا ونحويا نجد:

أولا – البناء الصوتي للكلمة وتشكيلاتها النغمية: الابتداء بالمصدرين: محتشمة ، متكتمة وبما تكرّر فيهما من صوامت: الميم الشفوية أربع مرات، التاء اللثوية قريبة المخرج أيضا خمس مرات، تتوسط الشين المتفشية الاحتكاكية الكلمة الأولى تسبقها الحاء الحلقية المهموسة، وتتوسط الكاف الحلقية الانفجارية الكلمة الثانية، سترجأ مفاجأة معاني الانغلاق على مافيهما حتى نهاية النص

ثانيا – العلاقة المتبادلة بين التشكيل الصوتي والمحتوى الشعري والتي تتحدد بدرجة الانزياح عن المعنى المعجمي المحدد عبر السياق لأن السياق وحده هو الذي يحدد الدلالة الشعرية، وقد تحققت هنا بإضافة المصدرين إلى شبه الجملتين: على طيبك، كحوض خزامى

ثالثا – كسر التوقع وذلك بتأخير الخبر بفاصل طويل( شبه جملتين) ثم مجيئه جملة فعلية مضارعة وصفية(تجلسين قبالة مطالعي)، أرأيت لو أنه اختار مفردة ‘‘أمامي‘‘ بدلا من التركيب ‘‘قبالة مطالعي‘‘ كم كنّا فقدنا من موسيقى الشعر فضلا عن موسيقى المعنى

رابعا – المواءمة بين موسيقى الكلمة ومعناها، وبين موسيقى التراكيب وسياقها: ‘‘أصابعي تحك أصابعي ، فيسقط فنجان قهوتي – ذريعتي وخديعتي ، لتقرّبي طيبك مني وألمه مع شظايا الهال ... فلا يصل‘‘ ما من موسيقى منبثقة عن علاقة مجازية في القسم الأول من السياق، بل نجد علاقة موسيقية خلقها الجناس الذي لم يأت لوظيفة تزيينية، بل لوظيفة إيقاعية لملمت بعثرة المشهد بصريا وأعانت سيولة التراكيب في الوصف وضبطت القفلة التي أتت ساكنة لتنهي الفوضى الخارجية والداخلية وتقف على نتيجة: ‘‘فلا يصل‘‘

أما الاستعارة السحرية للملمة الطيب مع شظايا الهال فهي تستحضر مشهدا بصريا: فنجان القهوة المكسور واثنان، رجل وامرأة ينحنيان على الأرض ليلما شظاياه، يقتربان من بعضهما بحكم الخديعة وشيء ثالث غير مرئي يطوف بينهما ولا سبيل إلى لملمته مع شظايا الهال.. ‘‘فلا يصل‘‘، هذا النظام الموسيقي الجديد الذي كسر اعتياد الذائقة على الأذن عبر ‘‘الإنشاد والسماع‘‘ لينتقل بها إلى عتبة جديدة عبر التقاط البصر لجمال تلك المفردات في إهابها، ‘‘ورنينها في الوجدان‘‘ 4 ‘‘ صبحي حديدي حداثة الأخوانيات‘‘ وانبثاق الشعر الصافي / الحدسي الطفولي من دون أدنى عناء، أما بؤرة الانفعال فهي ذلك التضاد / التقابل مابين الاحتشام والتكتم وما ينطويان عليه من إشعاع المناداة الخفية التي استدعت ‘‘خديعة‘‘ للاقتراب، ثم تأجيلا ، ثم تحررا، ثم التحاما بعد تذكر لطبيعة تلك الزهرة التي‘‘تؤخذ رائحتها باليدين

حوض خزامى نقلة نوعية في موسيقى الحب

يلزمنا الكثير من الدراسات، الغنية بالمعارف الأكاديمية، ويلزمنا نقد جدي يتناول جديد هذا الكتاب ، جديد هذا المشروع ، يلزمنا موسيقيين يستنبطون منه أنواعا جديدة من الموسيقى:

موسيقى الصورة


موسيقى التأمل

موسيقى الفكرة

موسيقى جريان الزمان

موسيقى الترحل

موسيقى المدن

موسيقى السخرية

موسيقى خفة الظل ورشاقة الروح

موسيقى المأساة

موسيقى حياة عادية

موسيقى الصمت

موسيقى الروائح

موسيقى الفصول

موسيقى اليأس

موسيقى الحياء من ‘‘ الجرأة في وصف إباحيّ لحالة حب‘‘

موسيقى الفلسفة العابرة بين تأمل وتأمل لجعل ‘‘الفكرة‘‘الصعبة الشقية الهاربة من أتون الجحيم وخراب العالم وحالة الحصار، قابلة للقبض وللسيطرة عليها قبل أن تقضي على ذبالة ‘‘ الأمل‘‘ الموقودة بإصرار المفلس الواهب لتلك الذبالة ما تبقّى له من أنفاس

موسيقى الرضا بالانتقال من رؤى الأنبياء إلى السكنى في قلب بشري


(ملتقى الادباء والمبدعين العرب)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 99

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة