New Page 1

     السيرة الذاتية

New Page 1

محمود درويش- دراسة تحليلية في حياته وشعره

 

15/06/2011 03:29:00

محمود درويش

مقدمة:

تبقى الدراسات والأبحاث في شعر محمود درويش قليلة رغم ما لهذا الشاعر المدرسة من أهمية وشأن , لا على الصعيد الفلسطيني فحسب, بل العربي والعالمي أيضاً.

وإننا نتناول شعره في دراسة تحليلية شبه تفصيلية في أربع محاورَ رئيسة:

وإننا إذا أردنا البحث في شعره من أوسع الأبواب فإننا حينئذٍ كالذي يخوض بحراً لا بر فيه. لذا اقتصرنا في بحثنا هذا على الأمور الرئيسة بأسلوب بسيط مشوق.


المحــور الأول:حياته-ظروف تكوين شخصيته- ملامح شخصيته:

هو محمود سليم درويش وأمه بنت أديب البقاعي وهو ابن عائلة من ثمانية أبناء : خسة أولاد وثلاث بنات.ولد في 13 مارس 1941 في قرية البروة بفلسطين وهي قرية تقع شرقي عكا علي مسافة 9 كلم والتي كان عدد سكانها آنذاك 1460 نسمة.وقد تأثرت هذه القرية بالمأساة الفلسطينية تأثراً مباشراً حيث أنها هدمت كما الكثير من القرى الأخرى,وكذلك غًير اسمها إلى من البروة إلى احيهود وحُوّلت الى موشاف أي قرية تعاونية يهودية وكل سكانها من اليهود اليمنيين المهاجرين.

وهو كما تصفه رجاء النقاش : نحيف وطويل, سريع الحركة في شيء من العصبية, مرتفع الرأس في اعتزاز لا يشوبه غرور, وهو يتميز بالعاطفية والإخلاص في العلاقات الشخصية, صوته خفيف هادئ, أما إلقاؤه للشعر فيبلغ درجة من عالية من الأصالة والجودة والقدرة على التأثير الوجداني, وهو محب للغناء والموسيقى.

لقد خرج الدرويش مع من خرجوا من قريته الى لبنان وهو ابن السادسة حيث عاش سنة كاملة هناك حياة لاجئ الى أن بُلّغ بخبر كان يعد منعطفاً مهماً له, هو خبر عودته الى الوطن, حيث أن هذا الخبر بالنسبة له هو نهاية الجبنة الصفراء وتحرشات الأولاد اللبنانيين الذين كانوا يشتمونه بكلمة لاجئ المهينة.

وقد خرج الدرويش في رحلة العودة وقد كان هو وعمه والدليل,ولكن خيبة أمله كانت كبيرة حين استقر به الرحيل في إحدى القرى الأخرى , وهي قرية دير الأسد.

وقد اعتاد الدرويش على حياة الكبار منذ نعومة أظفاره, فقد كان لاجئاً في لبنان , والآن هو لاجئ في وطنه الأم, وبهذا يكون قد خبر النوعين من اللجوء, إلا أن النوع الثاني أشد مرارة ووحشية. وفي هذا يقول محمود درويش في مقابلة معه نشرتها مجلة الآداب البيروتية سنة 1970: "إذا أجرينا مقارنة بين أن تكون لاجئاً في المنفى وبين أن تكون لاجئاً في الوطن, وقد خبرت النوعين من اللجوء, فإننا نجد أن اللجوء في الوطن أكثر وحشية. العذاب والأشواق وانتظار يوم العودة الموعود شيء له ما يبرره… شيء طبيعي.ولكن أن تكون لاجئاً في وطنك فلا مبرر لذلك ولا منطق فيه. وعندما عاد الدرويش من لبنان إلى قرية دير الأسد كان في الصف الثاني الابتدائي , وقد التحق بمدرسة القرية وكان مديرها طيباً, ولكن نظراً لوجود الدرويش(الغير شرعي) في بلاده, كان يُخبأ كلما قدم مفتش وزارة المعارف, حيث كان يعتبر متسللاً, ومن هنا أضيفت هذه اللفظة الى جانب كلمة لاجئ.وقد علموه في فدرسته القول بأنه كان لدى إحدى القبائل البدوية في الشمال وأنه قدم من هناك,, وذلك ليأخذ البطاقة الإسرائيلية ويصبح وجوده شرعياً.

وقد كان الدرويش تلميذاً متفوقاً, وقد كان موهوباً في الرسم الى جانب الشعر, ولكنه أهمل موهبته للرسم وذلك لسبب بسيط هو أنه لا يملك مالاً كافياً لشراء أدوات الرسم.

وقد قلد الدرويش في طفولته الشعر الجاهلي, وكانت مواضيع محاولاته الأولى هي مشاعر الطفولة.

وقد خلق له الشعر متاعب منذ بداية طفولته, ودفعته الى الصدام مع الحاكم العسكري الإسرائيلي, حيث أنه في إحدى المهرجانات المدرسية, ألقى قصيدة له كانت صرخة طفل عربي الى طفل يهودي وفحواها أنه لماذا لا يلعب الطفل العربي والإسرائيلي معاً؟!

وفي اليوم التالي أستُدعي محمود الى مكتب الحاكم العسكري وهُدّد وشُتم ونُهِيَ عن كتابة الشعر.وقد تحول الحاكم العسكري الى رمز للشر الذي يؤذي العلاقات بين الشعبين.

وقد ظهرت في حياته صورة أخرى مناقضة للحاكم العسكري وذلك بعد انتقاله الى مدرسة كفر باسيف الثانوية حيث التقى بالمعلمة شوشنة اليهودية التي أنقذته من جحيم الكراهية والتي علمته أن يفهم الثورة كعمل أدبي, وعلمته دراسة بياليك, الشاعر اليهودي بعيداً عن انتمائه السياسي, وإنما لحرارته الشعرية.ولم تحاول شوشنة أن تعبئه بسموم البرامج الدراسية الرسمية التي تهدف الى دفعه وزملائه للتنكر لتراثه.

ومما كان قاسياً على شاعرنا أنه لم يزر البروة, قريته الأساسية إلا عام 1963 حيث وقف عليها أطلالاً وبشكلٍ سري لأن دخول تلك المنطقة ممنوع فلم يجد في مرتع طفولته إلا الأشواك والطلل.

وقد دخل محمود درويش سجون الاحتلال أكثر من مرة. وكانت المرة الأولى سنة 1961 بدون سبب. وقد ألقي القبض عليه في منزله, وقد دخل سجن الجلمة لمدة أسبوعين دون محاكمة. ويقول الدرويش عن السجن الأول :"السجن الأول مثل الحب الأول,لا ينسى."وكانت المرة الثانية سنة 1965 حيث سافر الشاعر من حيفا الى القدس للمشاركة في أمسية شعرية بدون تصريح, وقد سجن ستين يوماً آنذاك.

وما بين عام 1965 و 1967 سجن الشاعر مرة ثالثة عندما حامت حوله شبهة النشاط المعادي لإسرائيل.وفي هذه المرة حكمت المحكمة عليه بغرامة مائتي ليرة إسرائيلية.

 

وفي يوم 4 يونيو وقبل العدوان الإسرائيلي بيوم واحد, صدرت الأوامر من رابين (رئيس الأركان آنذاك) بزج كافة المثقفين العرب في السجون. واختفى الدرويش عن الأنظار آنذاك ولم تستطع السلطات الإسرائيلية اعتقاله. وكان هدف الشاعر من اختفائه هو الإشراف على إصدار جريدة الاتحاد العربية بعد أن تم اعتقال جميع محرريها وكان يوم الإثنين 5 يونيو هو موعد صدور هذه الجريدة التي تصدر مرتين كل أسبوع.

وقد استطاع الدرويش إصدار عددين من مخبئه وقد كان هو محررهما الوحيد.وبعد هزيمة حزيران, ترك الدرويش مخبأه واتجه الى بيته حيث اعتقل بعد خمسة أيام وظل في سجن الدامون مدة شهر.

وفي سنة 1969 اعتقل شاعرنا للمرة الخامسة في سجن الجلمة وذلك بعد أن نسف الفدائيون عدة بيوت في حيفا, وقد بقي في السجن مدة 20 يوماً.

وبعد هذا الإعتقال الأخير, أصبح الدرويش عرضةً للإعتقال, فخرج من الأرض المحتلة الى القاهرة. وتنقل بعد ذلك بين العواصم الى أن استقر به الأمر في بيروت التي لم يخرج منها إلا بعد الإجتياح الإسرائيلي في 1982, وكاد هذا الخروج يودي بحياته لإصابته بنوبة قلبية حزناً على هذا الخروج. (خروجه وخروج المقاومة الفلسطينية من بيروت), فعاش متنقلاً بين العواصم والمدن.

وقد تعلم الدرويش في الأرض المحتلة الى أن نال الشهادة الثانوية, وبعجها عاش على الكتابة للصحف العربية التي تصدر في إسرائيل. وقد ظل فترة من الوقت يعيش في حجرة في بيت إميل توما, وهو أحد كتّاب الأرض المحتلة, وأحد السياسيين البارزين فيها. ويوجد هذا البيت في شارع عباس في جبل الكرمل.

وقد عمل محمود درويش في جريدة الإتحاد ومجلة الجديد وهما من صحف الحزب الشيوعي الإسرائيلي وهو الحزب الوحيد الذي يفسح المجال للأقلام العربية للتعبير في صحفه المختلفة. كذلك اشترك محمود درويش في تحرير مجلة الفجر, وهي مجلة أدبية عربية أصدرها حزب المابام وكان يرأس تحريرها يهودي مصري اسمه يوسف واشظ.

وبعض أشعار الدرويش تتم ترجمته محرفةً إلى العبرية, حيث يتعرض شعره دائماً للهجوم من قبل النقاد اليهود باعتباره داعيةً الى إثارة الجماهير وعاملاً على تدمير السياسة
الإسرائيلية.

ويقول الدرويش في هذا :"إن الجهل التام بالأدب العربي في إسرائيل ينبع من اعتبارات وحسابات سياسية بحتة. إن اولئك الذين يسيطرون على أدوات الدعاية والنشر لا يريدون أن يقولوا للقارئ العبري حقيقة الأدب العربي في البلاد. إنهم يخافون مضمون هذا الأدب ويدركون أن وصول هذا الأدب إلى الجمهور اليهودي سيحطم حواجزو فالأدب العربي هنا هو أدب احتجاج على وضع غير عادل كأي أدب احتجاج في العالم."5

 

المحور الثاني:ملامـح فنيـة: ماذا يقرأ الدرويش وكيف تكونت ثقافته الفنية؟

مما لا شك فيه أن الثقافة الأدبية الأولى لمحمود درويش مستمدة من الوسط الأدبي العربي الذي يعيش فيه الشاعر ويعيش فيه جميع المثقفين العرب في الأرض المحتلة. وأبرز عناصر التأثير في هذا الوسط الأدبي يتمثل في الجيل الأول من الأدباء المقيمين في الأرض امحتلة, وهو جيل 1936, وكل أبناء هذا الجيل من ذوي الثقافة العربية القديمة. ومنهم : حنا أبو حنا, وجبرا نقولا, وإبراهيم طوقان. وقد قرأ محمود درويش الشعر العربي القديم ودرسه وتعرف عليه بصورة دقيدة, واتصل بالرجال العارفين بالتراث العربي القديم, وقد قدمه أحدهم وهو حنا أبو حنا في ديوانه الثاني الذي صدر عام 1964.

وقد بدأ تجربته الشعرية بسن مبكرة جداً, حيث حاول أن يكتب قصيدة طويلة عن عودته للوطن يحذو فيها حذو المعلقات, فأثارت سخرية الكبار ودهشة الصغار. إذن فقد كانت بدايته تقليد للشعر الكلاسيكي في أقدم نماذجه وهي المعلقات, لكن هذه المرحلة من مراحل الطفولة قد تجاوزها الدرويش بسرعة ولكنه أخذ من معرفته بالشعر القديم ملكه لمعرفة واسعة باللغة العربية وبمفرداتها الشعرية واللغوية, فمحمود درويش يمتاز امتيازاً واضحاً في شعره بتراثه اللغوي, فهو لا يتعثر في البحث عن ألفاظه ولا يفتعل اشتقاقات لغوية غريبة, ولا يحس القارئ في قصائده بما يحس القارئ في قصائده بما يحسه أحياناً عند شعراء آخرين تكون تجاربهم الروحية أكبر من قدرتهم على التعبير.

ولم يستفد محمود درويش من معرفته العميقة بالشعر القديم ذلك القاموس الشعري فقط, ولا ذلك التدريب الفني الواسع في عالم القصيدة القديمة على استخدام اللغة فحسب, بل لقد استفاد ميزة أخري واضحة هي تلك (الموسيقى الشعرية) اللامعة التي نجدها في شعره.ولقد استطاع الدرويش أن يوفّق في موسيقى القصيدة بين الموسيقى الخارجية والموسيقى الداخلية, فصوت قصيدته مسموع, وهو بذلك يتخلص من ذلك الخفوت الموسيقي والفتور النغمي الذي نلاحظه في عدد غير قليل من نماذج الشعر الحديث, والذي يدفع النقاد الى وصف هذه النماذج بالنثرية, أي أنها قريبة إلى النثر بقدر بعدها من الشعر.ولكننا في شعر محمود نحس بموسيقى هذا الشعر إحساساً واضحاً على أن محمود كصاحب موهبة أصيلةيستطيع أن يتنبه في اللحظة المناسبة الى أن الموسيقى في القصيدة لا ينبغي أن تعلو إلى حد الضجيج والصخب بحيث تفقد عذوبة الهمس والقدرة على النفاذ الى القلب والتأثير على الوجدان.

هذه بعض الثمار التي خرج بها محمود درويش من احتكاك موهبته الجديدة بالشعر القديم...على أننا بعد ذلك إذا أردنا أن نتابع نمو محمود درويش فسوف نجد أمامنا عدة مراحل متتالية :


المرحلة الأولى : وهي مرحلة الطفولة الفنية, ويمثلها ديوانه الأول(عصافير بلا أجنحة-1960) وكان عمر الشاعر 19 عاماًويقول محمود درويش نفسه عن هذا الديوان :"إنه ديوان لا يستحق الوقوف أمامه.كنت في سنتي الدراسية الأخيرة, وكان الديوان تعبيراً عن محاولات غير متبلورة."

ورغم أن هذا الديوان يكشف عن بعض الحراة والصدق والطموح الفكري والفني في طفولة الدرويش الفنية, إلا أنه ديوان ضعيف بكل معنى الكلمة, فالتعبير فيه مباشر, بل وساذج في كثير من الأحيان والتجارب والأفكار فيه محدودة, والصور الشعرية قائمة على الزخرف والبلاغة الخارجية والرغبة في تقديم لون من ألوان الإبهار اللفظي, ومحمود درويش في هذا الديوان متأثر أشد التأثر بشعر نزار قباني, والأصح أن نقول أن الشاعر كان يقلده في الواقع, كما أن موسيقى هذا الديوان عالية وخطابية وزاعقة بصورة واضحة. ففي إحدى قصائد هذا الديوان وعنوانها (قصة الطفل اللاجئ الذي لا يعرف بلاده), يقول :

حدثوني! علني أذكر شيَّا

من بلادي...عابقاً في شفتيا

أنا لا أذكر أيام الهنا

فأعيدها صدىً في أذنيَّا

وأعيدوها نداءً صارخاً

في شفاهي... وأعيدوها دويَّا

أنا لا أذكرها لكنها

أملٌ يُغرق دنيا أبويّا

ووميض ساخنٌ في أعينٍ
صمتها ينطق شعراً عبقريا

وقصائد الديوان تتفاوت في مستواها, ولكنها تدور كلها في هذا الإطار الشعري الضيق... إطار الطفولة الهشة... إطار اللفظ البرّاق والموسيقى الصاخبة والتجربة الروحية المحدودة, فالوطن عنده يتحرك في إطار صور عامة لكل وطنٍ مضطهدٍ مظلوم.فهو وطنٌ مقيد ومجروح وملئٌ بألوان الظلم والأسى والألم. أما الحب فهو يدور عنده في إطار عواطف الرومانسيين التقليديين من أسىً وحرمانٍ وجراح, وهو أحياناً يتأثر بلغة الرومانسيين الحسِّيّين عندما يحاول أن يعبر عن الحب الجسدي العنيف ولكن بنفس الأسلوب الرومانسي الساذج, حيث يقول مثلاً في إحدى قصائد الديوان وعنوانها (خذني إليك) :

إضغط على جسدي الطري فقد نضَجْتْ
وادعك شفاهي هكذا إني احترقتْ

إدعك! بلى... بحرارةٍ ... إني كبرتْ

خذني اليكْ !

شعري تسلَّ بهِ ... ول تحرم يديكْ

والجأ إلى نهدين شمعيين قد بكيا عليكْ

طف أين شئت وحيث شاء لك الهوى

إني لديكْ

إني أذوب على يديكْ

خذني إليكْ

وفي هذا المقطع نموذج آخر من نماذج مرحلة الطفولة الفنية عند محمود درويش في ديوانه (عصافير بلا أجنحة) فالشاعر في بدايته كان يحاول الإنطلاق ولكنه أشبه بالعصفور الصغير الذي لا يكاد يقوى على الطيران إلى آفاق الفن الرحبة.

 

المرحلة الثانية : لعل أكبر أهمية لديوان (عصافير بلا أجنحة) هي أنه يكشف لنا عن الخطوة الواسعة التي خطاها محمود درويش من هذا الديوان إلى ديوانه الثاني (أوراق الزيتون). ففي هذا الديوان درجة عالية من النضج الفني والوجداني, ولعل هذا الديوا الثاني يكون هو البداية الفنية الصحيحة لمحمود درويش, والروح الغالبة على هذا الديوان هي الروح الغنائية التي يعبر فيها درويش عن نفسه وتجاربه تعبيراً مباشراً سواءً كان ذلك في شعره الحديث أو في شعره الذي يلتزم فيه بالشكل القديم.ولعل هذا الصوت الغنائي الذي يعبر تعبيراً مباشراً بل وخطابياً وصاخباً في بعض الأحيان بوضوح في قصيدة (بطاقة هوية) في ديوانه (أوراق الزيتون) والتي يمضي بها بطريقة تذكرنا بالشعر العربي القديم وخاصة بشعر الفخر وبالموسيقى الصاخبة التي تذكرنا بالهتاف في المظاهرات.

والدرويش يسمي هذه المرحلة باسم (الثوري الحلم), ولكنه حين يتحدث عن واقع يحلم به لا يفصح عن عناصر هذا الواقع... إنه يحلم ويعبر عن أحلامه في قصائد غنائية رقيقة فيها قدر من التعبير المباشر أيضاً, ولعل هذه الأبيات تكشف لنا عن ذلك العنصر الغنائي الثوري الحلم عند محمود درويش في هذه المرحلة, حيث يقول في قصيدته التي عنوانها(عن إنسان) :

يا داميَ العينينِ والكفين إن الليل زائلْ

لا غرفةُ التوقيف باقيةٌ

ولا زرد السلاسلْ

نيرون مات ولم تمتْ روما

بعينيها تقاتلْ

وحبوب سنبلةٍ تجفُّ ستملأ الوادي سنابلْ

ولعلنا نجد الروح الغنائية الرومانسية الحالمة في هذه القصيدة التي يسميها الشاعر باسم (نشيدٌ ما), وهي قصيدةٌ وطنية ولكنها تكتسي بغلالة من الغزل, فالحبيبة التي يخاطبها الشاعر هنا هي وطنه, وتلك صورةٌ تملأ شعره في كل مراحله المختلفة, فهو يهوى ذلك التوحيد والمزج بين صورة الحبيبة وصورة الوطن.

والواقع أن ديوان أوراق الزيتون لا يتوقف عند حدود الغنائية المباشرة السهلة البسيطة, فالشاعر يتقدم في بعض قصائد هذا الديوان إلى مستوىً أرفع من التصوير الفني الوجداني لتجاربه فيقلل من نزعة التعبير المباشر, ويحاول أن يقدم صوراً ومواقفَ ونماذج إنسانبة مختلفة ليوحي إلينا من خلالها ما يريد أن يقول, كل ذلك دون ان يلجأ إلى الرمز الغامض البعيد عن الوضوح, كذلك فإنه في عدد من قصائده في هذا الديوان يضع حداً لتدفقه العاطفي حتى يمنع عن الشعر ما عرفناه عنه في مرحلة الطفولة الفنية من استطراد ومبالغات.

 

المرحلة الثالثة: إذا تركنا ديوان (أوراق الزبتون) نجد أن محمود درويش ينتقل بعد ذلك الى مرحلة جديدة راسخة في النضج وهي التي تتمثل على أفضل صورة في دواوينه (عاشق من فلسطين) , (آخر الليل), و(العصافير تموت في الجليل) . فمحمود درويش هنا يزداد ثقافة فنيّة ويزداد قدرة على التعبير ويكتشف أفضل مواهبه وأكثرها عمقاً وأصالة . إنه يصل هنا الى القدرة على الإيحاء وهذه القدرة الفنية تحل محل التعبير المباشر الصريح المكشوف والإيحاء الفني أكثر تأثيراً على القلب وأغنى في قيمته الفنية من التعبير المباشر .

وفي هذه المرحلة يتأثر محمود درويش تأثراً واضحاً بالشعر الجديد وأعلامه من الشعراء العرب المعاصرين كالسياب والبياتي وعبد الصبور وأدونيس وحاوي وغيرهم .

 

وفي هذه المرحلة الجديدة نجد أن هناك خصائص بات شعر محمود درويش يمتاز بها , فمحمود لم يعد إلا في القليل النادر يعبر عن تجاربه تعبيراً مباشراً بل إنه هنا يلجأ الى الرمز والأساطير والقصة الشعرية للتعبير عن تجاربه المختلفة .

على أن درويش رغم لجوئه الى الرموز والأساطير والقصص الشعرية في بناء قصائده فإنه لم يفقد وضوحه الفني ذلك لأنه شاعر مرتبط بجماهير العربية وهو يريد لشعره الوصول إليها . من هنا كان حرص درويش على أن تكون رموزه بعيدة كل البعد عن التعقيد الفني .وهناك سببٌ آخر يشير إليه درويش ويقف وراء لجوئه الى الرمز في شعره

وذلك محاولة للبعد عن سطوة الرقابة السياسية الإسرائيلية , أي أنه نوع من التحايل الفني في تصوير الواقع وتخطي الرقابة . على أن محمود رغم حرصه على درجة من الوضوح فإنه قد لجأ أحياناً الى نوع من الغموض الصوفي ظهر بوضوح في عدد من قصائده في دواوينه الأخيرة ولم يهرب الدرويش في جميع الأحوال من موضوعه الرئيسي الذي يملأ عليه وجدانه وشعره وهو وطنه.

وهكذا, فإن ما نلتقي به في هذه المرحلة الفنية لمحمود : الرمز الشفاف الخالي من التعقيد, وثم التجسيد الإنساني للتجربة.

من ناحية أخرى, نجد محمود درويش في هذه المرحلة الجديدة كثيراً ما يعتمد على (الحوار), فنحن نجد في شعره هنا في كثير من الأحيان صوتين يسيطران على القصيدة. وهذان الصوتان يكشفان دائماً عن مقدرة مسرحية عند الدرويش, فلو أتاحت له الظروف أن يكتب مسرحيات شعرية, لقدّم لنا شيئاً له قيمة ولا شك. فدرويش نفسه يقول :"إني مشبع بالرغبة في كتابة مسرحية شعرية."

ومن أبرز التي تقدم لنا هذين الصوتين قصيدة (أغنية ساذجة على الصليب! الأحمر)فالصوتان في هذه القصيدة هما يملآن الصراع الذي يدور في نفس العربي المقيم في داخل الأرض المحتلة,صوت التساؤل واليأس والشك وصوت الأمل واليقين بالنصر.

ونجد محمود درويش يستمد بعض صوره الشعرية من التراث الشعبي. ولعل هذه الظاهرة هي إيحاء لنا بأنه يستمد قوته وأمله وتفاؤله من تراث عريق, هو تراث شعبه في الكفاح والمقاومة واحتمال المصاعب.

إلا إن الدرويش لا يكثر من الإعتماد على التراث الشعبي والشعر الشعبي عموماً, فقليلاً ما يستمد من هذا التراث عناصر فنية تساعده في بناء قصيدته على عكس ما نجده عند زميله الشاعر الفلسطيني سميح القاسم الذي يعتمد على التراث الشععبي كثيراً, إلا أن درويش يهتم بشيء آخر هو تسجيل صور الحياة الشعبية اليومية في شعره والإستفادة من هذه الصور استفادة عميقة في بناء قصائده وتقريبها من الوجدان الشعبي.

 

المرحلة الرابعة: وهي أكثر غنىً وتميزاً من المراحل التي سبقتها, فبعد خروج الشاعر من الأرض المحتلة وبداية الرحلة خارج الوطن, وبعد التنقل من عاصمة الى أخرى, ومن بلد الى سواه, أصبح الوطن بالنسبة لشاعرنا هاجساً, الأمر الذي شحنه ثورةً وحماساً ليكون إنتاجه الشعري زاداً ورافداً للبندقية التي انطلقت تجابه الإحتلال. وبذلك يكون شعره الذي يتوجه فيه الى فلسطين النافذة الغائبة عن عيون المحتل الذي أغلق عليه نوافذه الأثيرة داخل الوطن وجثم على كل نسمة هواءٍ يستنشقها.

ففي بيروت عاصمة الحرية وجد درويش ملاذه, ومن أرصفتها وشواطئها, وعلى مقاعد مقاقيها كتب الدرويش أعذب ما يكون من قصائد للعشاق والثوار, ومن مناخات بيروت وملتقياتها الأدبية وصحافتها الحرة ازدادت ثروة الشاعر الشعرية ومكتسابته الأدبيةو فطلع على العالم العربي والعالم بآفاقَ ورؤىً جديدة, فلمتخالج شاعرنا رعشة البكاء على الوطن, ولم تجرفه لواعج الحنين السطحية, بل توضحت أمامه معالم طريق جديد.

وفي هذه المرحلة التي نلمس فيها اتساع تجربة الدرويش الشعرية, نراه يعيشس الرؤية المركبة ويصبح لشكل التركيبي حتمياً للتعبير عن التجربة.

ويمثل هذه المرحلة ديوان (أحبك أو لا أحبك-1972) وديوان (محاولة رقم7-1973) وديوان (تلك صورتها وهذا انتحار العاشق-1975). وفي هذه المرحلة نرى الشاعر قد اقترب كثيراً من صياغة مفرداته الخاصة, واكتشاف لغة الشعر الحديث. ومن أجواء هذه المرحلة, ومن قصيدته (مزامير) نقتطف هذه المقاطع للتعرف على الشكل الشعري التركيبي لدى درويش :

أحبك أو لا أحبك

أذهب, أترك خلفي عناوين قابلة للضياع

وأنتظر العائدين, وهم يعرفون مواعيد موتي

ويأتون

كأنك لم تولدي بعد, لم نفترق بعد, لم تصرعيني

وفوق سطوح الزوابع كل كلامٍ جميلٍ وكل لقاءٍ وداع

وما بيننا غير هذا الوداع

أحبك أو لا أحبك

يهرب مني جبيني وأشعر أنك لا شيءَ

أو كل شيءٍ

وأنك قابلة للضياع

 

 

فهنا تتقابل الإحتمالات, وكل احتمال له حظه من التحقيق, وكل احتمال نقيض الآخر, وعبر تناقض الأضداد يكون النمو :

أحبك ضد لا أحبك

أنك لا شيء ضد أو كل شيء

وما بيننا غير هذا اللقاء ضد ما بيننا غير هذا الوداع

ولكن عبر حشد هذه الأضداد في القصيدة يريد أن يشير باتجاه واحد وبالتالي ان يحدد هدفاً واحداً. فلكي يشعر أنها كل شيء, يفترض : ماذا لو كانت لا شيء, وحين يصرح أنه يحبها يعكس المقابل.

 

المرحلة الخامسة: هي مرحلة الغنائية الملحمية التي ابتُدِئت بديوان (أعراس-1977) وامتدت حتى ديوان (ورد أقل-1986) وتخللها ديوانا : (حصار لمدائح البحر1984) و (هي أغنية...هي أغنية-1986).

وفي هذه المرحلة وصل الشاعر نقطة انعطافه المهمة, لا على المستوى الفلسطيني, بل على المستوى العربي ومنه العالمي, ولا سيما في ديوانه (أعراس) وبالتخصيص في (أحمد زعتر وقصيدة الأرض, وقصيدة الخبز), فهي مرحلة هامة جداً بالنسبة الى نضوج الشاعر وامتلاء مخزونه من التجارب والإطلاعات والمثاقفات.فقد أصبح الشعر عالم دريش الأول بقطع النظر عن أيديولوجية الخطاب الشعري التي أصبحت تقوم بدل المباشرة على التماسك والعضوية والإنسياب على عكس "الوضع العربي الراهن".

هذا بالإضافة إلى تفجير مخزون الشاعر الثقافي الذي يوغل في العمق الى الماضي لشحيق وتوظيف الرموز والظأساطير في صور أخّاذة وبنى متلاحمة متآلفة فيما بينها مما خوّلها أن تكون حقيقةً قصائدَ ملحمية.

وإننا يجب أن نلاحظ مسألة هامة وهي أن لدرويش وبعد الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982وخوج المقاومة الفلسطينية منها يمكن أن نحس أن ثمة تراجعاً قد حدث للدرويش, فأصبحت الرؤية لديه تميل باتجاهالذات, ويمكن أن يكون السبب مرده إلى طبيعة تلك الفترة التي مرت بها الثورة الفلسطينية والمطبُّ الآخر الذي وقعت فيه الثورة, وهو يعلن ذلك في قصيدته الديوان, (مديح الظل العالي) حيث يقول :

كم مرةً تتفتح الزهرة

كم مرةً ستسافر الثورة

 

المرحلة السادسة: وهي مرحلة يمثلها ديوانه (ورد أقل-1986). وهي الفترة التي فتر فيها حماس الدرويش وتغيرت فيها علاقته بالشعر.ففي السابق وبعد خروجه من الأرض المحتلة لم يسحب منديله ويبكي, ولم يقتل أعصابه ليعيش إنساناً عادياً ضمن دائرة الروتين, إلا أنه الآن ممعنٌ بالذات والبكاء والحزن والغنائية.

ونلحظ في هذه المرحلة اهتمامات الدرويش بقصيدة النثر على "اعتبار أن قصيدة النثر واقع يجب التعامل معه بابتهاج وافتتان" كما يقول الدرويش في لقاء مع مجلة الوطن العربي/باريس-17/6/1986, وإيماناً من الشاعر بضرورة "التعايش بين كل أشكال التعبير الأدبي والشعري."

هذه هي المراحل التي مر بها شعر الدرويش من بدايته وحتي ديوانه ورد أقل, وهذه هي ملامح شعره الفنية, إلا أن من ملامحه الفنية والفكرية أيضاً تعبيره المتكرر عن حاجته وحاجتنا جميعاً إلى شعرٍ جديدٍ يتخلص من كل الأخطاء والعيوب التي كنا ننكرها على شعرائنا ونرفضها منهم... فهو يريد شعراً مرتبطاً كل الإرتباط بالإنسان وأحلام الإنسان, لا شعراً تكون وظيفته الإمتاع والترف ولبجمال لخارجي المجرد من أي ارتباط ووظيفة إنسانية. وهو يُظهر هذا الميل في قصيدته (عن الشعر) :

قصائدنا بلا لونٍ

بلا طعمٍ

بلا صوتِ

إذا لم تحمل المصباح من بيتٍ الى بيتِ

وإن لم يفهم البُسَطا معانيها

فأولى أن نُذَرّيها

ونخلدَ نحن للصمتِ

فهو بذلك يدعو بوضوح الى وظيفة إنسانية للشعر تجعل جماله الفني في خدمة الإنسان وقضاياه الكبيرة وتجاربه الحساسة, ولا تقف عند حدود الجمال الخارجي والترف والرفاهية والوجدانية



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 50

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة