New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

غريب على ضفاف الأبدية... وداعا محمود درويش/ بقلم محمد جميل أحمد

 

01/05/2015 19:58:00

محمد جميل أحمد

 

 

رحل درويش إذن ؛ هذه المرة دون أن يعود من ضفاف الأبدية البيضاء ، بعد أن سكن في لغته ، وحذف الحاضر العبثي من زمانه . كان درويش يعرف الغربة كحالة وجودية في حياته ، لابحسبانها غربة ذاتية ، بل غربة الزمن المدور ، وشعوره الرهيب بالمعجزات الصغيرة للغة ، عاش في صراع بين معجزة اللغة وعجز العرب ، فاختار الأولى . كان يدرك موقعه في التاريخ حين حول اللغة العربية إلى إيقونه حديثة في شعره ومنح العرب صوتا ضمن أصوات الشعر العالمي ؛ هم الذين طردته عواصمهم حتى قال (كلما آخيت عاصمة رمتني بالحقيبة) . وكما كان المتنبي في زمانه (غريبا كصالح في ثمود) فترك أسرار شعره العظيم لزمان آخر ، كذلك سيظل عالم درويش الشعري وبنيته العبقرية هي وجوده الحقيقي ، وستظل أسراره الشعرية ذائقة (الملائكة الصغار)في أزمنة الغيب القادم . رحل درويش وهو يعرف أن العرب لم يكونوا في يوم من الأيام قادرين على استبطان شعره العميق ، فمجازه العظيم كان يرى آفاقا لا يراها الآخرون :
(سأصير يوما ً شاعرا ً والماء رهن بصيرتي/ لغتي مجاز ٌ للمجاز فلا أقول ولا أشير / أنا من هناك " هـُـنـَا " ي َ يقفز من خطاي إلى مخـَّيلتي أنا من كنت أو سأكون يصنعني ويصرعني الفضاء ُ اللانهائي المديد)
رحم الله درويش ففقده أليم أليم ، وغيابه قاس في هذا الليل الحالك . كان الغريب يقع على نفسه دون سواها وهو يبحث عن المجد العربي في اللغة ، وجعل منها بالفعل مجازا حديثا تفاخر بشعره العربية نظيراتها في العالم . وصدق حين قال :
(وحدي أفتش شارد الخطوات عن أبديتي) .... هذا مقال عن مقام محمود درويش كتبته على هامش السجال الذي دار حوله بين محازبي (فتح) و(حماس) بأسلوب فقير وتافه ، عند نشر كلمته تعبيرا عن استيائه من الأحداث الدموية في غزة بين فتح وحماس في مايو 2007 وشعورا بخيبته من كل الفصائل الفلسطينية .ثم بعد ذلك زيارته إلى حيفا لإحياء ليلة شعرية ، وما أثارته تلك الزيارة من نقاش طاول وطنينته التي لاتطال ، وشعره الخالد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد جميل

 

 

 

 

محمود درويش : الغريب في مجاز الأزمنة العربية*
بقلم محمد جميل أحمد

 

 

ما دار من سجال في الصحافة العربية على خلفية كلمة (محمود درويش) التي نشرتها صحيفة الحياة اللندنية ونقلها موقع (كيكا) في مايو الماضي ، تعليقا على ما جرى بين (فتح) و(حماس) في (غزة) ، ثم بعد ذلك على ذهابه إلى (حيفا) لإقامة أمسية شعرية ؛ كان في أغلبه ترديدا منمّطا لآراء محازبين لم يكن في وارد اتهاماتهم المتبادلة حول (محمود درويش) أي معنى اعتباري للشاعر الكبير سوى استعادة ذاكرة مجوفة للشعارات التي غادرها (درويش) منذ زمن بعيد ، وهو يدخل غربته الأزلية في اللغة والشعر . وهذا الضرب من النبذ والاحتضان لـ( درويش) بين محازبي (حماس) و(فتح) يضعه في خانة لا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ أن تعكس فرادته وغربته عن الجميع ، فيما تعكس ردود أفعالها عند عامة الناس تنميطا لـ(درويش) أبعد ما يكون عنه
والحال أن كثافة الشعارات والآيدلوجيا في هذه السجالات مررت تشويشا مضللا لصورة (محمود درويش) ، ومعنى رمزيته العالية في الشعرية العربية الحديثة.
فلا هو تخلى عن معنى (المقاومة) في شعره ـ كما تدعي حماس ـ ولا هو سجل انحيازا كاملا لمشروع (السلام) كما تروج (فتح) . ذلك أن (محمود درويش) ـ الذي استقال من كل مهامه السياسية بعد اتفاقية أوسلوـ هو أكثر من أحس بضغط التاريخ الظالم المخيف في (جغرافيا البركان) ـ كما عبر بهذا المجاز الجميل عن الصراع المزمن بفلسطين في" الجدارية " ـ وهو الذي رأى من أفق بعيد أزمة الكينونة الفلسطينية في هذا الزمن ، وعدم قدرتها على تأسيس مرجعية حقيقية للوعي والتحرر الوطني .
وهذا الوعي الشقي بفقدان الكينونة في الواقع هو الذي حدا بـ(محمود درويش) أن يحذف حاضر الزمن الفلسطيني من مجرى الأزمنة السعيدة ، التي تتردد بين الماضي والمستقبل في شعره .
لهذا فإن الحديث بهذه الخفة عن رمزية (محمود درويش) كقيمة جمالية و أخلاقية في الضمير الفلسطيني والعربي لا ينطوي إلا على فهم فقير وبائس لتلك القوى، حين لا تنتبه لرمزية (درويش) ـ العابرة للأزمنة العربية ـ إلا في سياق فئوي شعبوي ساذج ، أو في سياق مضاد من موقع مختلف ، لمجرد الاختلاف الآيدلوجي فحسب .
ولأن الكلمة التي سجل بها (محمود درويش) اختلافه ورؤيته الخاصة لما يجري كانت كلمة مكثفة بالإشارات والرموز ، و تضمر إحساسا بالخيبة من الجميع ؛ كان لابد من تأويل رأي (درويش) في خانة السلب أو الإيجاب ، دون أي اعتبار لحساسية الوعي الجمالي والأخلاقي العميق الذي ينطلق منه هذا الشاعر في رؤيته الإنسانية المركبة للقضية الفلسطينية .
ذلك أن العرب في وعيهم الخام يطربون للشاعر حين يعبر عن شعاراتهم ، دون أن يتسع الاستقطاب السياسي والثقافي في تكوينهم الذهني لمعنى الشعر وتأويله الإنساني والمعرفي ؛ فـ(محمود درويش) شاعر تجاوز التعبير عن الشعارات المجـوًّفة ، ولا يخضع للتنميط الجماهيري ؛ (محمود درويش) شاعر تتسع رؤيته الشعرية المركبة لحيثيات جمالية ومعرفية عميقة في موقفه الوطني والإنساني من فلسطين والعالم . وكون (محمود درويش) يشفـّر موقفه ذاك في شعره الفريد لأسباب جمالية ، لا يعنى أنه صاحب موقف مائع من قضيته ؛ فالظن بأن (درويش) غير معني بالحيثيات السياسية والاستراتيجية المعقدة للقضية الفلسطينية ، هذا وهم ، وهو فرع من النظرة العربية التقليدية للشاعر ، تلك التي ترى فيه شخصا غير معني بشي سوى التعبير والتغني بالعواطف فقط . هناك بالقطع رؤي ومواقف سياسية لـ(محمود درويش) من كل التحولات المعقدة للقضية الفلسطينية ، وهي أيضا ليست رؤى غائمة أو ضبابية ، لكن يمكن قراءتها من خلال سيرة نضال (محمود درويش) وآراءه السياسية ، لا من خلال شعره ، ولا من خلال تسجيل واستنتاج مواقف وإدانات لشعره بمجرد الاختلاف معه في قضايا هي أصلا مادة للاختلاف .
وعلى هذا فالإشكال الذي ينشأ مع (محمود درويش) ، في هذه السجالات المتبادلة ليس في كونه علمانيا ً مثلا ً أو في كونه يساريا ـ سابقا على الأقل ـ كل هذا من حقه فهو من هذه الناحية لا بد أن يختلف أو يتفق معه الناس .
الإشكال الذي تمرره مثل هذه السجالات المجوفة هو : تعويم قيمته الرمزية العالية في الشعرية العربية ـ وهي لم تكن كذلك إلا بأساس جمالي وأخلاقي ومعرفي ـ وتحويلها إلى مادة للنقاش ، وتبادل تهم التخوين والعمالة على أساسها ، عبر خلافات سياسية وفكرية بين المتحازبين وكتابهم أيضا . فإذا كان الكثير من المواقف السياسية والفكرية في واقعنا العربي، خصوصا حول القضية الفلسطينية ، تلتبس بالآيدلوجيا التي تفرِّغ الحكم المعرفي لتلك الخلافات من معناه ، لسبب بنيوي عميق في الذهنية العربية ، يتعاطى آيدلوجيا مع كل القيم العليا : الإسلامية ، والوطنية والقومية ، والعلمانية ، الحقيقية ؛ فكيف سيكون تأثير هذه الكثافة الآيدلوجية حين تتبرع و تطلق أحكام قيمة على شعر شاعر عصي على المقاربة الآيدلوجية حتى على المستوى النقدي ؟ ولأن التخلف هو القناع الحقيقي للتأويل في تلك الخلافات ـ دون أن تكون تلك القيم الوطنية ، والإسلامية ، والعلمانية ، في حد ذاتها قيما غير حقيقية أو غير معرفية ـ تلبس الآيدلوجيا لبوسا من اليقين في تأويلات القوى السياسية المختلفة لمرجعياتها. وحين تتحول الآيدلوجيا إلى يقين ؛ تتحول أحكامها عند مختلف القوى المتصارعة إلى أحكام قيمة ـ فيما هي في الواقع ليست كذلك ـ وفي هذه الحرب الآيدلوجية المتبادلة يتحول الشعر والشاعـر ـ كونه الحلقة الأضعف في تلك الحرب بين المرجعيات المؤدلجة والعتيدة وخاصة إذا كان رمزا كمحمود درويش ــ إلى مادة للآيدلوجيا السياسية السائلة .
ذلك أن الأزمنة العربية التي تضطرب في واقعنا هي أزمنة غير طبيعية ، أي أن التاريخ فيها لا يندمج في صيرورة حقيقية بفعل التخلف . وهذا ما يجعل شاعرا عالميا كبيرا مثل (محمود درويش) مادة للتجيير والاستقطاب المتبادل حتى على المستوى الثقافي والإبداعي ، فضلا عن السياسي ـ فالتخلف حالة مزمنة في كل الحياة العربية ـ لهذا فإن محمود درويش طائر غريب في سماء الأزمنة العربية . وغربة محمود درويش (الغربة هنا ترادف الوحدة والبعد) نابعة من حيثيتين
الأولى : إدراكه الشديد بأن هذا الزمن الذي يعيش فيه هو زمن مجوَّف ومحذوف من عالمه الشعري العميق والمعبر عن الكينونة الفلسطينية الحرة ، وأن شعره ـ خاصة دواوينه الأخيرة ـ ما يزال منذورا للمستقبل البعيد كي يصبح خبزا للذائقة العربية الجماهيرية العامة . والثانية : مأزقه الوجودي كشاعر كبير معني بالتعبير عن هويته التاريخية الروحية عبر تمثــُّـل مرجعيات الحداثة في وقت واحد ! من هذا التناقض يستمد (محمود درويش) ـ وكل مثقف عربي كبير وعابر للحدود في إبداعه ( فلنتذكر هنا نجيب محفوظ ) ـ مأزقه الوجودي . وهذا المأزق في تأويل آخر هو انعكاس لغربة الأزمنة العربية الحديثة عن نفسها أيضا ؛لأن إبداع العباقرة يشف عن تجليات تلك الغربة في ذواتهم . وهذه الأزمنة توازي المجاز وليس الحقيقة في شعر (محمود درويش) . ذلك أن الحاضر العربي هو حاضر عبثي أيضا ً ولا يملك معنى جديا أو حقيقيا ً ؟ إن القيمة الأخلاقية العليا والمسؤولة لـ(محمود درويش) تجاه وطنه هي في تلك الحياة التي ارتضى أن يعيش فيها داخل (جغرافيا البركان) أي العيش في بقعة مجزوءة من وطن فلسطيني مفترض ، ورفضه أن يغادر تلك البقعة حتى يستكمـــل معنى امتـلاكه للوطن ـ كأي مواطن بسيط في دولة حرة حتى ولوكانت متخلفة ـ ثم بعد أن يمتلك وطنه أولا ، بعد ذلك بإمكانه أن يغادره إلى المنافي (التي عاش فيها من قبل) في (المتروبول) " العواصم العالمية " : (باريس ـ لندن ـ برلين ـ نيويورك ـ روما) أو لا يغادره ـ كما يجيب درويش دائما حين يُسأل عن علاقته بوطنه ـ ولقد كان نجيب محفوظ أيضا يقارب هذا المعنى ـ في تأويل آخر ـ عندما لم يغادر (القاهرة القديمة) في حياته الطويلة ، إلا مرة أو مرتين ؛ بيد أن المعنى الأخلاقي لـ(محمود درويش) في خياره بالعيش في(رام الله) أكثر سطوعا .
لكن هذه الرمزية الكبرى ـ جماليا وأخلاقيا ـ في الشعرية العربية لـ(محمود درويش) لا تمنع من تسجيل الاختلاف معه معرفيا ونقديا ـ وهو على كل حال لا يدعي كمالا مطلقا في تصريحاته وآراءه التي يصرح بها ـ
فحين قال محمود درويش في حوار مع الشاعر (عباس بيضون) ( بصحيفة السفير اللبنانية 21/11/ 2003) : (نحن لا نقبل الشعر العمودي) كان يصدر حكما خاصا به ـ وهذا من حقه طبعا ـ ولا يخلو من الآيدلوجيا. ذلك أن القافية جزء من شعرية النص الشعري الحقيقي . وليس من حق أحد أن يقلل من شأن كتابة الشعر العمودي ، كما ليس في وسع أحد أن يجبر أحدا بالكتابة على طريقة الشعر العمودي . والمفارقة أن محمود درويش ـ في حوار مطول في صحيفة الحياة اللندنية ـ احتج على الناقد اللبناني (عبده وازن) باستدارة اللغة المانعة من صيرورة الشكل الشعري إلى شكل آخر (خارج الأشكال الثلاثة : العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر) دفاعا عن ضرورة محايثة شكل التفعيلة للكتابة الشعرية الراهنة إلى جوار قصيدة النثر ! ولهذا فجماليات الشعر لا تنبع من الشكل التعبيري ؛ بل من الاستجابة لتحديات الشعرية التي يمكن أن تكون موجودة في الأشكال الثلاثة أو غير موجودة ... ولهذا يظل (محمود درويش) النبع الأكثر صفاء للشعرية العربية في الأزمنة الحديثة.

 


* عن صحيفة الصحافة السودانية



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 104

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة