New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

ترجمة محمود درويش إلى... العربية / صبحي حديدي

 

01/05/2015 22:06:00

صبحي حديدي

الملحق الثقافي الأسبوعي لصحيفة "الثورة"، السورية الحكومية، أتى بما لم يستطعه الأوائل، وبما لم يتجاسر عليه إبن امرأة: لقد ترجم شعر محمود درويش من العربية إلى... العربية! نعم، أكرّر: إلى العربية! قصيدة درويش "طباق"، وهي مرثية الراحل الكبير إدوارد سعيد، ترجمها يراع العبقري المدعو أنيس المهنا عن الإنكليزية، ونشرها ملحق "الثورة" الثقافي في عدد 7/12/ 2004، بتصدير يقول: "هنا ترجمة لقصيدة لمحمود درويش يودّع فيها ادوار سعيد بعد مرور عام على غيابه... نشرت له في Al-Ahram Weekly باللغة الإنكليزية الشهر الماضي"!
والحال أنّ القصيدة كُتبت بالعربية الفصحى، وبهذه اللغة قرأها درويش للمرّة الأولى حين افتتح مهرجان جرش في العاصمة الأردنية عمّان أواخر تموز (يوليو) الماضي. وبهذه اللغة الفصحى ذاتها، نُشرت القصيدة بعد ذلك في صحيفة "الدستور" الأردنية، و"المستقبل" اللبنانية التي تُوزّع في سورية، ثمّ في عشرات الصحف العربية والمواقع على شبكة الإنترنت. وبالعربية ألقى درويش القصيدة في مناسبات لاحقة، أبرزها ندوة حاشدة في إحياء ذكرى سعيد نظمتها جامعة السوربون، وأشارت إليها الأخبار في معظم الصحف العربية. ويبدو أنّ أياً من عباقرة "الثورة" لم يسمع بهذه القصيدة، حتى اكتشفها المهنا في مطبوعة مصرية تصدر بالإنكليزية، فترجمها، ونشرها الملحق مزهوّاً فخوراً دون ريب!
والنتيجة أكثر من كارثية بالطبع، ومبكية أكثر ممّا هي مضحكة. وإذا وضعنا جانباً "الخيانات" المعتادة في الترجمة عموماً والشعر خصوصاً (وهي هنا جرائم وفضائح وفظائع...)، فلعلّنا نبدأ من بعض "العجائب" في الأمثلة التالية التي تظلّ ـ صدّقوني ـ غيضاً قليلاً من فيض مذهل:
ـ يقول درويش: "ولكن سمعت هنوداً قدامي ينادوننا: لا تثقْ/ بالحصان، ولا بالحداثة"، ويقول المترجم: "مازلت أسمع حكمة قديمة للهنود:/ الثقة، لا حصان ولا حداثة"!
ـ درويش: "لا الشرق شرقٌ تماماً/ ولا الغرب غربٌ تماماً"، والمترجم: "هناك في الشرق، ليس شرقياً تماماً/ وفي الغرب، ليس غربياً تماماً"!
ـ درويش: "أدافع عن شجر ترتديه الطيور"، والمترجم: "أدافع عن البلاد والمنفى/ في طيور شجرة مكتظة الأوراق"!
ـ درويش: "وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم"، والمترجم: "فالجمال يكمن في الوصول برباطة جأش"!
ـ وخذوا هذه الفريدة، التي حوّلت الخصية إلى رصاصة! يقول درويش: "وأمّا أنا فحنيني صراع على/ حاضر يمسك الغد من خصيتيه"، فيترجمها صاحبنا هكذا: "حنيني كفاح من أجل حاضر/ سنملكه غداً بالرصاص"!!!
ـ وأخيراً، وليس آخراً أبداً، يتبرّع المترجم العبقري فيزيد على النصّ من عندياته، ويستزيد! يختم درويش: "وداعاً/ وداعاً لشعر الألم!"، ويترجم صاحبنا: "منشغلاً.. باحتفال وداعي..../ الوداع... ادوار/ إنها قصيدة الألم الوداعية..."!
الأمر لا يقف عند الاستزادة، لأنّ أنيس المهنا يشطب من قصيدة درويش أكثر من 65 سطراً! والأرجح أنّ أحداً لا يستطيع الجزم حول أسبابه في ذلك، لأنّ السطور المحذوفة لا تنطوي على صعوبات خاصّة عند الترجمة، كما حـدث حين عجز عن إدراك معني Contrapuntal Reading، (العنوان، غير الموفّق في يقيني، الذي اختارته منى أنيس في الترجمة الإنكليزية)، فانتقى لنفسه العنوان التالي: "قصيدة الألم الوداعية في وداع ادوارد سعيد"، هكذا ببساطة! من جانب آخر، معظم السطور المحذوفة ذرى عالية في القصيدة، وبين أجمل مقاطعها و... أيسرها على الترجمة أيضاً!
الأصل في هذه الجريمة هو استهتار لا حدود له بحرمة نصّ أدبي لشاعر أساسيّ، واحتقار لفكرة الحقّ والمسؤولية والمحاسبة، بعد الجهل الأكيد الفظيع الذي يضرب أطنابه في معظم أقسام الثقافة في الصحف الحكومية السورية. ولقد قيل لي إنّ المشرف على الملحق الثقافي، حسين عبد الكريم، شاعر وروائي وقاصّ. ولا أدري حقاً كيف فاتت هذا الآدمي حقيقة أنّ القصيدة كُتبت ونُشرت وأُلقيت بالعربية، وأنّ درويش الأشهر من نار على عَلَم لا يكتب بالإنكليزية. ولا أدري كيف تستمرّ هذه الفضيحة منذ أسبوع تقريباً، دون أن تنشر الصحيفة اعتذاراً من خمس كلمات؛ ودون أن يرفّ جفنٌ للمدير العام الجديد فايز الصايغ، الذي وصل إلى المؤسسة راكباً بعيرَين في آن معاً: "تطوير الخطاب السياسي والإعلامي" و"تحسين الرأي العام السوري".
وذات يوم كان ملحق الثورة الثقافي ينشر كتابات أدونيس وعلي الجندي وسعد الله ونوس وممدوح عدوان وعلي كنعان وزكريا تامر وعبد الله عبد وهاني الراهب، وكان مطبوعة راقية متميّزة بكلّ المقاييس. فما الذي تفعلونه بالثقافة في سورية، يا أبناء الـ ...!



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 13

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة