New Page 1

     مختارات شعرية ونثرية

New Page 1

فكّر بغيرك- محمود درويش

 

29/12/2011 20:13:00

محمود درويش

وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ

‎لا تنس قوت الحمام‎

وأنت تخوض حروبك فكّر بغيرك

‎لا تنس من يطلبون السلام‎

وأنت تسدّد فاتورة الماء، فكّر بغيرك

‎من يرضعون الغمام

وانت تعود إلى البيت ، بيتك ، فكّر بغيرك

‎لا تنس شعب الخيام

وأنت تنام وتحصي الكواكب ، فكّر بغيرك

‎ثمّة من لم يجد حيّزاً للمنام

وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكّر

بغيرك ‏

‎من فقدوا حقّهم في الكلام

وأنت تفكّر بالآخرين البعيدين ، فكّر

بنفسك

‎قل: ليتني شمعةٌ في الظلامْ


***************

إن مشيت على شارع ٍ
محمود درويش


إن مشيت علي شارع لا ‏يؤدي إلى هاوية ‏
قل لمن يجمعون القمامة: شكراً!‏

إن رجعت إلي البيت، حياً، كما ترجع القافية ‏
بلا خللٍ، قل لنفسك: شكراً!‏

إن توقعت شيئاً وخانك حدسك، فاذهب غداً
لتري أين كنت وقل للفراشة: شكراً!‏

إن صرخت بكل قواك، ورد عليك الصدى ‏
‏(من هناك؟) فقل للهوية: شكراً!‏

إن نظرت إلي وردة دون أن توجعك ‏
وفرحت بها، قل لقلبك: شكراً!‏

إن نهضت صباحاً، ولم تجد الآخرين معك
يفركون جفونك، قل للبصيرة: شكراً!‏

إن تذكرت حرفاً من اسمك واسم بلادك ‏
كن ولداً طيباً!‏
ليقول لك الربُّ: شكراً ...‏


********************

فرحا بشيء ما
محمود درويش


فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنْت أَحتضن
الصباح بقوَّة الإنشاد، أَمشي واثقا
بخطايَ، أَمشي واثقا برؤايَ، وَحْي ما
يناديني: تعال! كأنَّه إيماءة سحريَّة ٌ،
وكأنه حلْم ترجَّل كي يدربني علي أَسراره،
فأكون سيِّدَ نجمتي في الليل... معتمدا
علي لغتي. أَنا حلْمي أنا. أنا أمّ أمِّي
في الرؤي، وأَبو أَبي، وابني أَنا.

فرحا بشيء ما خفيٍّ، كان يحملني
علي آلاته الوتريِّة الإنشاد . يَصْقلني
ويصقلني كماس أَميرة شرقية
ما لم يغَنَّ الآن
في هذا الصباح
فلن يغَنٌي

أَعطنا، يا حبّ، فَيْضَكَ كلَّه لنخوض
حرب العاطفيين الشريفةَ، فالمناخ ملائم،
والشمس تشحذ في الصباح سلاحنا،
يا حبُّ! لا هدفٌ لنا إلا الهزيمةَ في
حروبك.. فانتصرْ أَنت انتصرْ، واسمعْ
مديحك من ضحاياكَ: انتصر! سَلِمَتْ
يداك! وَعدْ إلينا خاسرين... وسالما!

فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنت أَمشي
حالما بقصيدة زرقاء من سطرين، من
سطرين... عن فرح خفيف الوزن،
مرئيٍّ وسرِّيٍّ معا
مَنْ لا يحبّ الآن،
في هذا الصباح،
فلن يحبَّ!


********************

الجميلات هن الجميلات
محمود درويش


الجميلات هنَّ الجميلاتُ
"نقش الكمنجات في الخاصرة"
الجميلات هنَّ الضعيفاتُ
"عرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرة"
الجميلات هنَّ القوياتُ
"يأسٌ يضيء ولا يحترق"

الجميلات هنَّ الأميرات ُ
"ربَّاتُ وحيٍِ قلق "
الجميلات هنَّ القريباتُ
"جاراتُ قوس قزح "
الجميلات هنَّ البعيداتُ
"مثل أغاني الفرح"
الجميلات هنَّ الفقيراتُ
"مثل الوصيفات في حضرة الملكة"
الجميلات هنَّ الطويلاتُ
"خالات نخل السماء"
الجميلات هنَّ القصيراتُ
"يُشرَبْنَ في كأس ماء"
الجميلات هنَّ الكبيراتُ
"مانجو مقشرةٌ ونبيذٌ معتق"
الجميلات هنَّ الصغيراتُ
"وَعْدُ غدٍ وبراعم زنبق"
الجميلات، كلّْ الجميلات، أنت ِ
إذا ما اجتمعن ليخترن لي أنبلَ القاتلات


*********************

الآن ... في المنفي
محمود درويش

الآن... في المنفي.. نَعَمْ في البيتِ،
في السٌِتينَ من عمْر سريع
يوقدون الشَّمْعَ لَكْ

فافرَحْ، بأقصي ما استطعتَ من الهدوء،
لأنَّ موتا طائشا ضَلَّ الطريقَ إليك
من فرط الزحام... وأَجَّلكْ

قَمَر فضوليّ علي الأطلال،
يضحك كالغبيٌ
فلا تصدٌِقْ أنه يدنو لكي يستقبلَكْ
هوَ، في وظيفته القديمةِ، مثل آذارَ
الجديدِ... أَعادَ للأشجار أَسماءَ الحنينِ
وأَهمَلكْ.

فلتحتفلْ مع أَصدقائكَ بانكسار الكأس.
في الستين لن تَجِدَ الغَدَ الباقي
لتحملَه علي كَتِفِ النشيد... ويحملَكْ

قلْ للحياةِ، كما يليق بشاعر متمرٌِسِ:
سِيري ببطء كالإناث الواثقات بسحرهنَّ
وكيدهنَّ. لكلٌِ واحدةِ نداء ما خفيّ
هَيْتَ لَكْ/ ما أَجملَكْ!

سيري ببطء، يا حياة، لكي أَراك
بِكامل النقْصَان حولي. كم نسيتكِ في
خضمٌِكِ باحثا عنٌِي وعنكِ. وكلَّما أدركت
سرٌا منك قلت بقسوة: ما أَجهلَكْ!

قل للغياب: نَقَصْتَني
وأَنا حضرت... لأكملكْ !


*********************

أنا من هناك
محمود درويش


أنا من هناك. ولي ذكرياتٌ . ولدت كما تولد الناس. لي والدة

وبيتٌ كثير النوافذِ. لي إخوةٌ. أصدقاء. وسجنٌ بنافذة باردهْ.

ولي موجةٌ خطفتها النوارس. لي مشهدي الخاص. لي عشبةٌ زائدهْ

ولي قمرٌ في أقاصي الكلام، ورزقُ الطيور، وزيتونةٌ خالدهْ

مررتُ على الأرض قبل مرور السيوف على جسدٍ حوّلوه إلى مائدهْ.

أنا من هناك. أعيد السماء إلى أمها حين تبكي السماء على أمها،

وأبكي لتعرفني غيمةٌ عائدهْ.

تعلّمتُ كل كلام يليقُ بمحكمة الدم كي أكسر القاعدهْ

تعلّمتُ كل الكلام، وفككته كي أركب مفردةً واحدهْ

هي: الوطنُ...


*********************


يختارني الإيقاعُ
محمود درويش

أنا رَجْعُ الكمان، ولستُ عازِفَهُ
أنا في حضرة الذكرى
صدى الأشياء تنطقُ بي
...فأنطقُ كُلَّما أصغيتُ للحجرِ استمعتُ الى
هديلِ يَمامةٍ بيضاءَ
تشهَق بي:
أخي! أنا أُخْتُكَ الصُّغْرى،
فأَذرف باسمها دَمْعَ الكلامِ
وكُلَّما أَبْصَرْتُ جذْعَ الزّنْزَلخْتِ
على الطريق الى الغمامِ،
سمعتُُ قلبِ الأُمِّ
يخفقُ بي:
أنا امرأة مُطلَّقةٌ،
فألعن باسمها زيزَ الظلامِ
وكُلَّما شاهدتُ مرآةً على قمرٍ
رأيتُ الحبّ شيطاناً
يُحَمْلِقُ بي:
أنا ما زلْتُ موجوداً
ولكن لن تعود كما تركتُك
لن تعود، ولن أعودَ
فيكملُ الإيقاعُ دَوْرَتَهُ
ويشرَقُ بي...


********************

لم ينتظر أحداً
محمود درويش


لم ينتظر احداً،

ولم يشعر بنقص في الوجود،

أمامه نهرٌ رماديٌ كمعطفه،

ونور الشمس يملأ قلبه بالصحو

والاشجار عاليةٌ/

ولم يشعر بنقصٍ في المكان،

المقعد الخشبي، قهوته، وكأس الماء

والغرباء، والاشياء في المقهى

كما هي،

والجرائد ذاتها: أخبار أمس، وعالمٌ

يطفو على القتلى كعادته/

ولم يشعر بحاجته إلى أملٍ ليؤنسه

كأن يخضوضرالمجهول في الصحراء

أو يشتاق ذئب ما إلى جيتارةٍ

فلن يقوى على التكرار...أعرف

آخر المشوارمنذ الخطوة الأولى-

يقول لنفسه- لم أبتعد عن عالمٍ،

لم أقترب من عالم

لم ينتظر أحداً..ولم يشعر بنقص

في مشاعره. فما زال الخريف مضيفه الملكي،

يغريه بموسيقى تعيد إليه عصر النهضة

الذهبيّ...والشعر المقفى بالكواكب والمدى

لم ينتظر أحداً أمام النهر/

في اللا انتظار أصاهر الدوريّ

في اللا انتظار أكون نهراً-قال-

لا أقسو على نفسي، ولا

أقسو على أحد،

وأنجو من سؤال فادح:

ماذا تريد

ماذا تريد؟


*******************

لا ينظرون وراءهم
محمود درويش

لا ينظرون وراءهم ليودِّعوا منفى،
فإنَّ أمامهم منفى، لقد ألِفوا الطريق
الدائريَّ، فلا أمام ولا وراء، ولا
شمال ولا جنوب. "يهاجرون" من
السياج الى الحديقة. يتركون وصيةً
في كل مترٍ من فناء البيت:
"لا تتذكروا من بعدنا
إلا الحياة"...
"يسافرون" من الصباح السندسي الى
غبارٍ في الظهيرة، حاملين نُعوشَهُم ملأى
بأشياء الغياب: بطاقة شخصية، ورسالةٍ
لحبيبةٍ مجهولةِ العنوانِ:
"لا تتذكري من بعدنا
إلا الحياة"
و"يرحلون" من البيوت الى الشوارع،
راسمين إشارة النصر الجريحة، قائلين
لمن يراهُمْ:
"لم نَزَلْ نحيا، فلا تتذكّرونا"!
يخرجون من الحكاية للتنفُّس والتشمُّس.
يحلُمون بفكرةِ الطيرانِ أعلى... ثم أعلى.
يصعدون ويهبطون. ويذهبون ويرجعون.
ويقفزون من السيراميك القديم الى النجوم.
ويرجعون الى الحكاية... لا نهاية للبدايةِ.
يهربون من النعاس الى ملاك النوم،
أبيضَ، أحمرَ العينين من أثر التأمُّل
في الدم المسفوك:
"لا تتذكروا من بعدنا
إلا الحياة"...



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 21

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة