New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

محمود درويش من مواقف الغنائية إلى مقام التأملات..!... د.أسامة أبوطالب

 

14/08/2014 06:18:00

د.أسامة أبوطالب

منتصرا على وهن الجسد الإنساني، أعلن الموت توقف قلب الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش ليرحل تاركا بيننا ما يجعلنا لا ننساه أبدا: ستة عشر ديوانا من الشعر عدا أعماله الجديدة التي تضم خمسة دوواين أخرى هي: لا تعتذر عما فعلت وحالة حصار ولماذا تركت الحصان وحيدا وجدراية وسرير الغربة والتي تضمها ستمائة وستة وثمانون صفحة من القطع المعتاد في غالبية طبعات المجموعات الشعرية! رحل كي تبدأ الأسئلة النقدية الكبرى حول ما ترك - وكأنها ما أثيرت في حياته وتحت سمعه وبصره - شأنه شأن أي شاعر أو أديب أو مفكر عظيم ممن خاضوا «التجربة» وكابدوها. ليس تجربة الفن وليس تجربة الفكر وتجربة الحياة ومعاناتها المألوفة؛ بل تجربة «شاعر للمقاومة» بكل ما تحمل التسمية من معنى الغربة والاغتراب والفراق والعودة والتشتت في المنافي وحضن العدو وصدّ الصديق وفرحة الخطوة قبيل الوصول ثم تجرع مرارة البدء من جديد وضنى الاعتراف المرغم بالخسارة وانكسار القلب من قبول التسليم بها! وليست أيضا تجربة «أي مقاومة» حيث يلوح الانتصار دائما لعيون المقاومين ومن يقاومون من أجلهم من خلال سحابات الهزائم المتراكمة وبرغمها. وحيث يطل وجه النصر واعدا رغم التضييق والعسف والتعذيب والحصار مؤكدا اقتراب يوم إعلانه الموعود كما تحكي كل قصص النضال الشعبي وسيره وملامحه قديمها وحديثها. إلا سيرة وواقع «شعب محمود درويش» الذي طال أسره مع طول كفاحه؛ مثلما تعود تباشير خلاصه إلى النأي كلما لاح لها اقتراب. وبما يمثل تجربة فريدة في طول النفس النضالي رغم وطأة " الواقع الجديد " وقسوة المواجهة معه و فداحة ثمنها في ظل ما جدّ من تغيّر على الساحتين العالمية والعربية وما استجد في قوائم حساباتها وأدّى إلى قبول الفلسطينيين أنفسهم ما كان مجرد التفكير فيه جريمة والإعلان عنه خيانة! وهكذا تصبح تجربة شاعر المقاومة الفلسطيني - أو أصبحت بالفعل - أعقد تجربة لشعراء المقاومة في العالم بالنسبة لجيل خاضها كمحمود درويش وزملائه سميح القاسم وتوفيق زياد؛ مثلما تصبح أكثرها وعورة بالنسبة لجيل حالي - أصغر سنا - من شعراء شعبهم وجيل آخر ممن لم تتضح أصواتهم الشعرية بعد ولكنهم آتون لا محالة. وهي وعورة وتعقيد على كلا المستويين السياسي والفني معا؛ حيث لم تتحرر فلسطين رغم ما دفع من أثمان الدم والحياة. مثلما تضببّت المسالك وأعتمت الرؤى أمام «الشعر» وأصحابه على «المستوى الإبداعي» وبما يمثل أزمة أو إشكالية ذات خصوصية مطلقة أمام «شاعر جديد» يرى وطنه مستعمرا جريحا ويرى مقاومته «العسكرية» التي كانت تلهم محمود درويش وجيله بالأمل كلما سقط عدو أو استشهد فدائي مكبّلة قاصرة يشكك في مستقبلها أو - مع توافر الإخلاص وحسن النية - يُبحث في جدواها! وبوضوح أشد: ما الذي يمكن أن يقوله شاعر «المقاومة الجديد» هذا إذن؛ وما الذي تبقّى له أن يقوله وقد قيل كل ما يمكن أن يقال؟ هل يكتفي بحلم العودة الذي تُقصُّ كل يوم أجنحته أو يواصل البكاء؟ بمعنى هل يكتب شعرا يحرّض مع علمه المسبق بجدوى التحريض الحالي ومصداقيته ومداه؟أم يكتب شعرا مكتئبا ينوح فيجني على تجربته الفنية حين يقيدها فيضيق ويحدد مساحة إبداعه؛ أم ينكب على تجربة الشعراء السابقين فيقلدها ويكررها؟أي شعر يكتب إذن في مأزق هذا الوطن ومأزق المقاومة ومأزق الإبداع الشعري فيه؟! وبالتأكيد فقد كانت شُرفة الإبداع أوسع ومساحته أرحب وطاقته المحركة أكثر مددا ودعما أمام محمود درويش ورفاقه لأن الأمل كان قائما والمقاومة موجودة. ولهذا فقد مثّلوا جميعا شعراء مقاومة من نوع آخر ذي تجربة ممارسة «عملية فعلية» أثقل وزنا من شعراء مقاومة آخرين مثل - لويس أراجون وبول إيلوار في باريس وبابلو نيرودا في أمريكا اللاتينية - ولعدة أساب منها طول فترة الاحتلال وشراسة المحتل الصهيوني واقتلاعهم من الأرض وتوطّنه مكانهم فيها مع مؤامرة الغرب وتهاون العرب بالطبع. إلى آخر ما يمثل اختلافا كبيرا عن تجربة المقاومة للنازي حين احتل باريس - ولفترة كان يعلم بالتأكيد أنها قصيرة ومؤقتة وأن هناك في العالم «الحر» من يقف بجانبها ويدعمها من الحلفاء - وكلها عوامل كانت تمهد للنصر وتقرّبه و لم تتوفّر للمقاومة الفلسطينية بالقطع! توافرت الظروف إذن لمحمود درويش مع رفاقه كي يصبح شاعرا مثاليا للمقاومة فاستغلها أو استغلوها جميعا وخرجت أصواتهم - رغم توحد المعاناة - مختلفة في ثراء فني وتباين إبداعي ملحوظ جدير بما حظي به من الدراسة والتأمل كشعر للمقاومة لا يرفض النقد ما يحمله من «المباشرة» بل يرحب بها. ذلك لأن شعرا للمقاومة لا ينبغي له أن يتسم بالتعقيد بل بالسلاسة والسهولة التي تقتضيهما «الغنائية» وأهمية الحفظ من الجماهير وضرورة ترديدهم له. مثلما تتطلبها وتفرضها وظيفة «التحريض» كسمة مميزة لأي شعر للمقاومة في العالم حيث يسهل ذلك وصوله للجماهير وييسر ترديدهم له فيسري ويحرك ويدفع ويواجه. وهو ما انتبه إليه «درويش» في مرحلته الشعرية الأولى - أو فرض نفسه عليه - في فترة سطوع المقاومة والتأميل في جدواها والتي يمكن أن تسمى بمرحلة ما قبل باريس - حيث صدرت له دوواين مثل «أوراق الزيتون وعاشق من فلسطين وآخر الليل وحبيبتي تنهض من نومها والعصافير تموت في الجليل» على سبيل المثال. وقصائد مثل: «بين ريتا وعيوني بندقية»، «أحن إلى خبز أمي» في دوواين تحمل سمة الغنائية وتبثّها مثلما تحمل ملامح الانفعالية العاطفية وتؤكدها وتنتشر بها. سواء كانت هذه عاطفية انفعالية وطنية صريحة تغطي مساحة القصيدة وتشملها؛ أم عاطفية انفعالية تخفّت تحت خيمة حب وتلتحف بأستارها فتمتزج صورة الوطن بصورة المحبوبة وتتعانقا ليمثلا حبا واحدا فيه وطن وأم وامرأة يعشقها كما في مجموعة حبيبتي تنهض من نومها: «لماذا تموتين قبل طلاق النهار من الليل / قبل سقوط الجدار لماذا؟.. لكل مناسبة لفظها / ولكن موتك كان مفاجأة للكلام / وكان مفاجأة للمنافي وجائزة للظلام!». كما يتجلى «ذلك النفس النضالي في خطابه الشعري الوطني المباشر - وفي خطابية خالصة - في أبياته المبكرة بديوان أوراق الزيتون والتي ذاعت شهرتها في وقت ومناخ كان ينتظر ويحتفي ويردد:» سجل أنا عربي / أنا اسم بلا لقب / صبور في بلاد كل ما فيها / يعيش بفورة الغضب. «أو في مجموعته» من يوميات جرح فلسطيني «حيث تنتشر أبيات مثل:» وعرفنا ما الذي يجعل صوت القبره / خنجرا يلمع في وجه الغزاه. وعرفنا ما الذي جعل صمت المقبره / مهرجانا وبساتين حياه. أو في قصيدة «مرثية» ببكائه: «لملمت جرحك يا أبي برموش أشعاري / فبكت عيون الناس من حزني ومن ناري».. وحين يرتفع صوته بالتحريض المباشر في قصيدة «أمل» قائلا: ما زال في قلوبكم دماء / لا تسفحوها أيها الآباء. فإن في أحشائكم جنين. ما زال في صحونكم بقية من العسل / ردوا الذباب عن صحونكم لتحفظوا العسل. «وأيضا في أبياته بقصيدة» ولاء : «آمنت بالحرف إما ميتا عدما / أو ناصبا لعدوي حبل مشنقتي. فإن سقطت وكفي رافعا علمي / سيكتب الناس فوق القبر لم يمت». كما تتجلى «غنائيته» ويعلو رنينها على أجنحة إيقاع ذي أسى آسر سرعان ما شاع وتواتر ترديده: «يحكون في بلادنا / يحكون في شجن.. عن صاحبي الذي مضى وعاد في كفن».. أو في «يوميات جرح فلسطيني» حيث تعلو نبرة النضال وتُقبَل: يقبلها النقد مادامت ضمن «ديوان المقاومة» وتحملها الجماهير تدفع بها فعل النضال الوطني الفلسطيني - الذي كان وقتها نضالا قوميا جمعيا - وتغذي حركته ولكن في فنية أعلى مثل: «يا أريحا أوقفي شمسك إنا قادمون / نوقف الريح على حد السكاكين إذا شئنا وندعوك إلى مائدة القائد / إنا قادمون. وحين يطلق صرخته - المباشرة كذلك - فيجمع بها ويواصل التحريض قائلا: «عار من الاسم من الانتماء / في تربة غذيتها باليدين. أيوب صاح اليوم ملء السناء / لا تجعلوني عبرة مرتين». تلك هي أهم ملامح شاعر المقاومة في وقتها ومرحلته - معروضة باختصار وتركيز شديدين تحتّمهما المساحة - والتي سيعبرها محمود درويش ويتجاوزها إلى مرحلة تالية ومستوى آخر من فنية الأداء والقيمة الشعرية معا. مرحلة يخفت فيها «الصوت الأول» - أي صوت الشاعر حينما يقول فيعلن القول ويصرح رغبة منه في التصريح واقتناعا بفائدته وجدواه ما دام سيعمل على تحقيق هدفه الأساس الذي هو المقاومة ويدعمه. وهو في كل ذلك يصدر عن «وعي» بالدور واللحظة؛ مثلما هو ممتثل لما تمليه عليه «مرحلته الشعرية» الآنية أو نضوجه الشعري الحالي من صياغة تقنية ومن لغة تحدد له مفرداتها. فإذا انتقل من هذه المرحلة كانت المرحلة التالية هي مرحلة «الشاعر المتأمل» وفيها يزخر القاموس وتتجدد اللغة وتتعمق الصنعة بفعل الدربة والخبرة. ومثلما يصبح المعنى أكثر عمقا - باختفاء المباشرة - تخفت الخطابية كي يسيطر الهمس. لقد أصبح الشاعر متأملا واتسعت مساحة الوطن ومعناه عنده باتساع وعمق التجربة؛ مثلما أخذت الدلالات في التعدد حينما انتقل إلى مقام الإدراك بعدما طال مكوثه لدى مواقف الغناء. التي حمّلت بمباشرة فرضتها طبيعة الموضوع الشعري الذي كرس بأكمله وبكامل طاقته ليكون «صوتا للمقاومة الفلسطينية» بكل ما يتطلبه ذلك من غنائية «لا يعيبها» علو الصوت الشعري «وإن علا. مثلما لا تنتقص منها» المباشرة «وإن وجدت بل وتكررت. حيث لا بد من الاعتراف - واعتراف الشاعر قبل الناقد - بتصدر الدور» التحريضي «للشعر وأوليات تحقيق غايته إلى الدرجة التي ربما لا يقبل من» شاعر لمقاومة «أن يكون غير ذلك مهما بلغت موهبته الشعرية وارتفعت قامة قدراته. بل إنه من الجائز - في شريعة أدب التحرير وفن المقاومة - أن تقفز عربة الأهداف الوطنية كي تصبح أمام «حصان البلاغة» ولكن؛ مرحليا ومرحليا فقط إلى أن يتم تحقيقها. مع عدم إهمال البعد الجمالي للقصيدة ودور اقتباساته الفولكلورية الرائعة غنائيا ووطنيا كذلك! ونظرة إلى أهم قصائد التحرر الوطني العربي - في إطاره العمودي التقليدي وقبل محمود درويش - تؤكد هذا الرأي حينما نسترجع معا صوت أبي القاسم الشابي - في قصيدته " إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر «التي ذاعت حتى صارت بمثابة مارسيليز عربي جمعي طوال فترة الستينيات وربما حتى الآن. أو إلى أغنية «قوم يا مصري» ثم نشيد «بلادي بلادي » الذي استمر حتى الآن عابرا حقبتين هامتين في تاريخ مصر السياسي بتعبيره عن إرادة شعبها في ثورة 1919 بقيادة الزعيم سعد زغلول وحركة الضباط الأحرار التالية لها والتي عرفت باسم ثورة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر. وأيضا إلى نشيدي والله زمان يا سلاحي، و الله أكبر فوق كيد المعتدي. حيث تعتبر جميعها نماذج مثالية لشعر المقاومة والتحرر الوطني الناجح والمنتشر؛ لا نقول «رغم» مباشرتها وعاطفيتها ونغميتها العالية أو إيقاعها المرتفع لغة ولحنا؛ بل نقول «من أجل ذلك وبسببه» وهو ما توفر لقصائد محمود درويش في مرحلته الأولى وفي دواوينه التي أشرنا إليها من قبل بتفوقها الفني على هذه النماذج بالطبع. مثلما أشرنا إلى سمتين أساسيتين هامتين تميزان مرحلة «العاطفية الوطنية المباشرة». أولهما: « سمة إبداعية» وتتعلق بطبيعة البدايات عند - الشاعر أي شاعر وليس لدى محمود درويش وحده - حيث يتسيَّد التعبير المباشر غالبا، مثلما يتغلب الميل إلى العاطفية والغنائية قبيل البحث عن حليات الصنعة وتركيباتها وتعقيداتها الذي لا يأتي إلا مقترنا بنضوج الإدراك العقلي وغلبة التأمل الفلسفي حينما يتأكد للشاعر ولناقده معا تحوّله من شاعر تداهمه القصيدة فيطرحها «عنه» متخلصا منها بتركها تنسرب من مخيلته الإبداعية بنفس البساطة التي أتته بها؛ إلى شاعر آخر ماهر مدرب محترف يعرف كيف يغازلها فيستدعيها ليطرحها «أمامه» - في هذه المرة - وكيف يتعامل معها «كعمل فني» أكثر من كونها «تعبيرا عن عاطفة» أو تجسيدا لانفعال. وهي عملية يدركها تقييم التجربة الجمالية مثلما يعرفها القارئ المهتم بالإبداع. وقد عبر عنها الشاعر الإنجليزي / الأمريكي لاحقا ت.س. إليوت في إهدائه الشهير لقصيدته «الأرض الخراب» إلى معاصره الشاعر الأيرلندي الكبير «أزرا باوند» عندما خاطبه بكونه «الصانع الأمهر» مثبتا بذلك نظريته في «فنية الشاعر وتعامله الحِرْفي الواعي مع القصيدة» بعد أن يكون قد نجح في تخطي مرحلة التعبير الوجداني المباشر واستمر شاعرا بعد سن الخامسة والعشرين! والنقطة الثانية: هي إدراك محمود درويش اليقيني أن هذا الشكل الغنائي البسيط والمباشر لقصيدته العاطفية والوطنية - كما قدمت في دواوينه الأولى - هو أهم عامل من عوامل انتشارها وذيوعها كقصيدة تحرير تطلق من الدعوة للكفاح المسلح والتحريض على الثورة قدر ما تنفثه من المرارة والغضب والرفض للواقع الذي ولد فوجد شعبه فيه. وقد تحققت له قدرة قصائد المرحلة الأولى على ذلك عندما سمعها ملحنة مغناة تتردد وتطير مجنحة فتملأ سماء العالم العربي ممهدة لفعل المقاومة وداعية له ومحتفية بنجاحه المرحلي ومؤملة - بل وواثقة - من جدوى انطلاقها من فوهات البنادق في ضربات «العاصفة» وعمليات الفصائل الفلسطينية المقاومة بالسلاح! لكن مستجدين هامين حدثا فاعترضا طريق القصيدة «الغنائية الرومانسية والوطنية المباشرة» - كما قدمت في دواوينه الأولى وأولهما: مستجد الهزيمة الفادح في الخامس من يوليو عام 1967م. والذي حلّ فلم ينكس الأسلحة العربية وحدها أو يخرس صوت الثورة الفلسطينية الواعدة بمفرده؛ بل انكفأت من هوله الأمة وتراجعت الآمال وانسحقت من فداحتها كل النفوس العربية وانقصم ظهرها حتى قادها إلى الشك في قادتها وقدرتها ومستقبلها بعد أن فارقها اليقين فتحطمت وتكسرت وتناثرت شيعا وأقطارا وتوجهات أحدثت «شتاتا» عربيا موحدا علاوة على انكسار جمعي للروح بعد ما أسفرت «ساعات الدمار الست» عن احتلال لأرض فلسطينية وعربية جديدة وعن شهداء أخر وتضحيات أكثر فداحة. أما الثاني: وهو مترتب على الأول - فكان شتات الشاعر نفسه - وهو شتات لم يرافقه عزاء وجوده على أرض عربية في مصر أو سوريا أو المغرب حتى تدمير بيروت في 1982 م . حيث أفرز ذلك نضوجا بيِّنا في إبداعه لجماليات جديدة بقصيدته مع طول في النفس الشعري يمكن أن يوصف بما يشبه «الملحمية» بالإضافة إلى «عمق» مستحدث يتطلب تأنيا أكثر في قراءة الشعر ووقفة أشد طولا وتأملا لفنية القصيدة. حتى كانت الغربة الأخيرة- في باريس - والتي مثلت غربة جديدة للشاعر واغترابا آخر مفروضا عليه. وهو شتات وغربة فرضا عليه نوعا آخر من التفكير كان لا بد له من أن ينتج «قصيدة من نوع جديد». قصيدة تخجل من «العاطفية الصريحة» وتنأى عن التحريض المباشر على فعل التحرير بعدما ثبت انكسار المحررين. مثل كونها قصيدة تدرك واقعها - أو واقع صاحبها الجديد - ممثلا في ضرورة وجود «خطاب آخر» مستجد يناسب شاعرا أيقظته الهزيمة وأيقظت روحه الغربة وأقلقه التفكير في المصير. الأمر الذي أدى إلى نضج التجربة الشعرية واتساع مساحة الرؤية الإنسانية وبعد أفقها ورحابة مداها. بالإضافة إلى وعيه بوجود ذلك «المستمع الآخر» أو المتلقي العالمي الجديد؛ والذي ينتظر منه «خطابا نضاليا مختلفا» يناسب فهمه لقضية بالغة التعقيد كقضيته. ويرفض النبرة الزاعقة مثلما يستنكر الدعوة إلى «إلقاء اليهود في البحر» بل يدعو للحوار معهم ومناقشتهم ولا يراهم - مثلما نراهم - مجتمعين في سلة واحدة لأجنبي مغتصب لابد من إفنائه وتدميره. مع انتباهه التام إلى ما يحمله الضمير الأوروبي على عاتقه من أوزار الشعور الجماعي بالذنب تجاه غرف الغاز ومحارق النازي والهولوكوست أو حُمِّل به. وما يملكه الخطاب الصهيوني واليهودي من طاقة على قلب الحقائق وغسل المخ الغربي واستنفاره وتهديده بتهمة معاداة السامية. علاوة على تقديم إسرائيل كنموذج أوروبي متحضر وحيد وفريد وسط غوغاء الشرق العربي وتخلفه وتصحر عقوله وتقديم أهله كمستهلكين أو ملتهمين لحضارة صنعها الغرب لا مضيفين لها أو مساهمين فيها!يضاف إلى كل ذلك مسيرة العمر وإنضاج السنين والوحدة وما تتيحه «رؤية الوطن والقوم» من بعيد؛ ومراقبتهم عن كثب والاحتكاك بالآخر / الغربي ومجادلته بطريقة تختلف عن جحيم الجدل العربي تماما. كل ذلك كان مكونا لعناصر «عقل الشاعر الجديد». وحتى وإن ظل وجدانه مشتعلا كما كان قبل أن يفارق؛ فإن «آليات التّحكم » في هذا الوجدان قد تطورت وتطورت معها «فنية صياغة القصيدة» بانتقاله للعيش وسط عالم آخر وحضارة مختلفة تميزها طرائق جديدة للفهم. مثلما يميز جمهورها أو متلقيها تفضيلا لخطاب فكري و«شعري» آخر. معنى ذلك أن انتقال محمود درويش لعالم القصيدة «المتأملة» الأرحب وما استتبعه من تخلي شعره عن «الغنائية والمباشرة» ووظيفة تفجير العواطف أو التحريض - كما فهمها أولا وقدمها بنجاح - كان نتيجة لعاملين جديدين رافقا غربته الأوربية: - الأول: تغير عضوي تلقائي في الثقافة والتفكير أدى إلى نضوج أكثر مع انجراف حميم «للتأمل والفلسفة» كما يليق بشاعر خلف وراءه تجربة ناضجة ويعد بتجربة أكثر نضوجا في عالم مختلف أكثر حرية وأشد تحررا وقابلية للتحاور العقلي المقنع. عالم لا تنجح فيه «العاطفية» ولا الانفعال ولا يؤثر فيه التحريض أو يجدي معه البكاء أو الاستبكاء. - والثاني: وعي إرادي بضرورة «التغيير». تغيير الخطاب الشعري بما في ذلك شكل القصيدة وبنيتها وعالم معناها - الذي صار أكثر تأملا بابتعاده عن العاطفية الصريحة والمباشرة. مثلما صار أكثر «عالمية» بعمق إدراكه ودرامية صياغته وتعقيد تركيبه تعقيدا يعكس «الصنعة» والدربة والمهارة. وما سبق ذلك من إدراكه لأهمية استكمال ما فات ثقافته كشاعر من معرفة ضرورية بتراثه وما خلّفه «أجداده من الشعراء والمفكرين الموتى»؛ مع ولوجه - في غربته ومساحة أوقاتها الشاسعة - عالم ضخم من الشعر والفكر والفلسفة والفن الأوروبي يتعرف عليه ويستمتع به يحاوره ويستلهمه منتظرا تأثيره الذي أحدثه فيه وتحقق. وأيضا مع العودة إلى تراثه الإسلامي - حيث لم يكن قد انتبه إليه مبكرا مثل «أدونيس» - الذي مثل التراث الديني مصدرا مهما لثقافته إلى جانب تعمقه في الآداب الأووربية ومعرفته بالشعر الفرنسي خاصة. أو مثل صلاح عبد الصبور الذي شكلت تجربة التصوف الإسلامي منهلا غنيا لشعره بالإضافة إلى تأثره بالشاعر ت. س. إليوت والدراما اليونانية. أو مثل محمد عفيفي مطر الذي أمدّه الموروث الشعبي المصري بمادة ثرية للقصيدة رغم كتابته بالفصحى! وهكذا ظهرت أعراض التغيّر التدريجي المبهر على شعر محمود درويش في أعماله الأخيرة - سرير الغربة ولماذا تركت الحصان وحيدا 1995.. و جدارية 2000.. وحالة حصار 2002.. ولا تعتذر عما فعلت 2004 - حيث ظهر فيها شاعر آخر أو محمود درويش جديد - وقد انتقل إليها انتقالا متطورا عضويا سلسا ومنطقيا يستقطر المعنى ويكثفه ويقلِّب اللغة فيُفتِّقها ويخرِّج منها ويشتق فيعيد الكلمات بكرا أو يمنحها حياة بمعان لم تكن لها ويعيد صياغة اللغة فتنتابنا الدهشة ونتساءل: أو كان كل ذلك في لغتنا؟! . في حين أنها لم تفقد صلتها بقصائد الشاعر الأولى بل هي زهور أغصانها وتويجاتها التي أنبأت بها وأرهصت وبشَّرت حيث لم يكن لشاعر يكتب: «أما أنا فسأدخل في شجرة التوت... حيث تحولني دودة القز خيط حرير؛ ثم أطير كشال مع الريح.» إلا أن يكون قد مرَّ بكتابة شعر بل أشعار تؤدي إلى قوله: «نمشي سويا كأنا سوانا. كأن هناك / هنا بين» بين. كأن الطريق هو الهدف اللانهائي، لكن إلى أين نمضي، ومن أين نحن إذن؟ نحن سكان هذا الطريق إلى هدف يحمل اسما وحيدا: إلى أين؟». أما عن «درامية القصيدة» في هذه الأعمال... وعن: لماذا لم يكتب محمود درويش للمسرح الشعري؟؟.. أو هل وعد شعره «الغنائي» بذلك أو أرهص بتحقيقه؛ فله دراسة أخــــــرى.


(مجلة الكويت)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 74

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة