New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

محمود درويش نموذجاً في سردية القصيدة الحكائية

 

02/05/2014 17:25:00

في كتاب «في سردية القصيدة الحكائية» يقول الباحث الدكتور يوسف حطيني إنَّه منذ العصر الجاهلي إلى مطلع عصر النهضة لم تتوقَّف الحكاية الشعرية، فظهرت المسرحية الشعرية، خاصة عند أحمد شوقي ومعروف الرصافي، واستمرَّت الحكايات التي نسجها الأخطل الصغير وبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور ومحمد الماغوط، والشاعر محمود درويش، الذي جاء اختياره للدراسة كونه يمتاز بميزات ثلاث أساسية، الأولى منهما أنَّه يمثِّل مرحلة متطوِّرة من الشعر العربي الحديث، والثانية أنَّ الظاهرة السردية بارزة في شعره بروزاً ظاهراً.

والثالثة أنَّ لديه بضعة وعشرين ديواناً شعرياً تُمكِّن المرء أن يطمئن إلى أن حكمه يستند إلى كثير من الأمثلة. والواقع أن شعر درويش يستحق أكثر من الوقوف عند الجانب السردي فيه، فثمَّة عنده صورة شعرية ورمز شفيف للغة والأشياء والألوان والموقف الشعري، وثمَّة عنده صور متراكبة، إضافة إلى لغة تعتمد على تجاور غير مألوف للمفردات، وإيقاع عروضي يتطوَّر ويتكامل عبر كل مسيرته الشعرية، غير أنَّ تخصيص الدراسة للجانب السردي في شعره يعطيها حدوداً يمكن للمرء أن يجول في أنحائها، فيما يمكن للجوانب الأخرى أن تعالج في فرصة أخرى.

ويتابع الكتاب أنَّ المتتبع لسير الحكاية في شعر محمود درويش يلمس جنوحاً مستمراً نحو التنويع في تقديم أنماطها، وتطويرها، فهو شاعر يسعى دائماً إلى تجاوز نفسه، وإلى تحقيق مشروع إبداعي ينطلق من تصوُّر نظري لشكل القصيدة واحتمالات تجديدها. ويلاحظ قارئ درويش استمرار تجربة الحكاية الشعرية الأخيرة أنَّ الموضوع يصبح لديه أكثر شفافية وألقاً، كما أنَّ الفكرة تأتي بعد تمحيص كبير يظهر قدرة الشاعر على التقاط البعد الإنساني والجوهري.

ففي قصيدة «لم تأت» في مجموعة قصائد «هي» تحكي الحكاية ردة فعل الشاعر بعد أنَّ تأخَّرت حبيبته عن موعدها، وترصد خيبته وأشكال اعتراضه المختلفة على تأخره، وإصراره على معاقبتها عقاباً يكشف مدى تعلقه بها، وتقوم الحكاية على التشويق، إذ ثمَّة رجل عاشق ينتظر امرأة، وإذ تتأخَّر المرأة يقرِّر الانتقام منها دون أن يمتلك عدة الانتقام، وهو بهذا الانتقام الساذج يؤكِّد مدى حبه لها ويعيد الحكاية إلى بدايتها، مما يمنح الحكاية بنية دائرية محكمة. كما يمنح القصيدة الحبكة مشروعيتها الفنية من مدى اتكائها على نقيضها: فالبرهان الذي يسوقه العاشق على نسيانها يثبت مدى تعلقه بها.

ويقول الكاتب إن ثمَّة حكايات في قصائد محمود درويش تنتمي إلى ما يمكن أن نسميه قصيدة الشخصية، وهي حكايات تتحدَّث ضمن سياقها الشعري عن شخصيات على علاقة نوعا ما بالشاعر، ومن تلك الحكايات حكاية سرحان التي نقرؤها في ثنايا القصيدة الملحمية «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا»، وفي قصيدة «قصيدة الخبز» المهداة إلى المناضل إبراهيم مرزوق.

ويستطرد إن الشاعر في قصيدة الشخصية شأنه شأن الشارد، يحشد الصفات الجسدية والنفسية، ويقدِّم الشخصية من خلال كل أشكال التقديم المتاحة من أقوال وأفعال ومواقف. كما أنَّ البناء الهرمي المثير هو أهم ما يميِّز القصائد الحكائية الدرويشية، وتنشأ الإثارة في حكايته من اعتماده، خاصة في مجموعاته الأخيرة، على مبدأ تفريغ الذروة، إذ يرتفع الصراع فيها إلى ذروته، وتستأثر باهتمام القارئ عقدة مركَّبة تنتظر حلاً، ثمَّ يأتي الانحدار السحري المفاجئ الذي يشعر القارئ بالامتلاء والرضا.

حيث لا ينتظر مزيداً. وفي قصائد أخرى نرى تضافر البناء الهرمي للقصيدة مع مبدأ تفريغ الذروة، ليحقِّق للقصيدة وحدة موضوعية طالما تغنى بها شعراء الحداثة. غير أنَّ تفريغ الذروة في هذا النص لا تأتى من اعتماده على تغيير أدوار الشخصيات فحسب، بل على المبادلة اللغوية أيضاً.

ويتتبع الباحث مجموعة من قصائد الشاعر ترسِّخ البناء الهرمي للقصيدة وتصوغ وحدتها الموضوعية اعتماداً على تفريغ الذروة، وتشكل الشخصية أحد أعمدة السرد التي تقوم عليها الحكاية، وفي الحكايات التي يطالعها المرء في شعر محمود درويش، وفي الشعر القصصي عموماً، يلاحظ ميلاً إلى نمذجة الشخصيات بدلاً من تفريدها. كما أنَّ التزام الشعر بالوزن والقافية، (سواءً أكان ذلك في الوزن الخليلي أم في قصيدة التفعيلة) لا يتيح المجال الذي يتيحه النثر لتفريد الشخصية، وهذا ما يجعل شخصية النموذج أكثر ظهوراً من الشخصيات المتفردة.

كما انه في شعر محمود درويش يستطيع المرء أن يطالع نماذج عديدة للشخصيات التي يجتهد الشاعر في رسمها، وفي ترسيخ ملامحها المتشابهة، كنموذج، ونموذج الأب، ونموذج الأم، ونموذج المناضل والشهيد، رغم أنَّ نموذج الأنا يبتعد عن النموذج القصصي في شعر درويش لكنه لا يمكن إغفاله لأنَّه يقدم بطريقة سردية ويأتي خارج الحكاية من جهة، لأن الشاعر من جهة أخرى يلح على ترسيخ هذا النموذج في قصائده.

وأشار الكتاب إلى أن نموذج الشهيد فيبدو من أغنى النماذج التي أنشأها درويش على مدى تجربته الشعرية، فهو مشغول دائماً بتضحياته، مدافع دفاعاً عنيداً عن طهره. لذلك نراه حارساً عليه حتى لا يصبح موضوعاً لهواة الرثاء، ففي مقطعة بعنوان «عندما يذهب الشهداء إلى النوم» يقول درويش: عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو وأحرسهم من هواة الرثاء أقول لهم: تصبحون على وطن من سحاب، ومن شجر، من سراب ماء.

كما يرى الباحث أنَّ الشاعر محمود درويش الذي ارتضى شعر التفعيلة لمعظم قصائده هو شديد الولع بالقوافي الداخلية التي تمنح النص غنائية عالية، وقد يلجأ إلى القوافي المتزاوجة المتناوبة، التي قد تأتي في ثنايا قصائده على شكل رباعيات، وكأنَّ درويش يعيد سيرة الشاعر الذي أراد أن يشعر فغنَّى.


الكتاب: في سردية القصيدة الحكائية/دراسة

تأليف: د. يوسف حطيني

الناشر: وزارة الثقافة - الهيئة العامة السورية للكتاب

الصفحات: ‬143 صفحة

القطع: الكبير


(مسارات: المصدر: أنور محمد التاريخ: 03 يوليو 2011)

 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 27

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة