New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

دراسة تحليلية لخطاب محمود درويش الشعري

 

01/05/2014 17:17:00

محمود درويش

نصوص جسدت حالة الصراع بين الأنا والآخر

يرى الباحث فتحي رزق الخوالدة في كتابه 'تحليل الخطاب الشعري- ثنائية الاتساق والانسجام' في ديوان 'أحد عشر كوكبا' الصادر عن دار أزمنة أن الشاعر محمود درويش 'قد جعل من النص الديني في القصة القرآنية بؤرة لعقد حوار خاص مع النص الكلي لقصيدته'
ويشير الخوالدة الى أن درويش يعد هذه النصوص محورا موازيا يملأ البياض المتروك تحت عناوين الديوان الكلية، لأنه يفضل الاتكاء على التقنية، فالبياض المتروك 'ليس فعلا بريئا، أو عملا محايدا، أو فضاء مفروضا على النص من الخارج بقدر ما هو عمل واع، ومظهر من مظاهر الابداعية، وسبب لوجود النص وحياته'
ويتوقف الخوالدة مع هذه الأسطر الشعرية من قصيدة 'على حجر كنعاني في البحر الميت« التي يعبر فيها درويش الى عالم الثبات وسط هذا التناقض المرعب، إذ يقول : 'خذ منا دروس البيت، ضع حجرا من الاجر، وارفع فوقه برج الحمام لتكون منا إن أردت، وجار حنطتنا وخذ منا نجوم الأبجدية، يا غريب واكتب رسالات السماء معي الى خوف الشعوب من الطبيعة والشعوب, واترك اريحا تحت نخلتها، ولا تسرق منامي وحليب امرأتي، وقوت النمل في جرح الرخام!
أأتيت ... ثم قتلت .. ثم ورثت, كي
يزداد هذا البحر ملحا'
ليقول 'تومئ لغة الاحالة بتمثيل أدوار فعالة تخدم بنية الخطاب الكلية، لأنها أفضل الأمثلة على الأدوات التي يستعملها المتكلمون للاحالة على كيانات معطاة 'فالضمائر في الكلمات »ضع، ارفع، حنطتنا' تجسد حالة من الصراع المستوحى لعالم الخطاب، وتحفل بالاحالات التي تمثل أصوات الجماعة، لأنها تعود الى ذوات أخرى متصلة بجذور الشاعر التاريخية، وانتماءاته الى أمة لها سالف عهد، لدرجة التمازج الموحي بين هذه الذوات 'أنا/ الآخر'
ويشير الخوالدة الى هذا الحضور الكفيل بخلق السياق المناسب لدى المبدع على اعتبار أن الصراع أممي، والقضية خارج اطار البعد الفردي، فالأسطر الشعرية مأخوذة من خطاب يجسد حالة الثبات أمام القتل الذي مارسه الآخر الغريب 'أأتيت ... ثم قتلت ... ثم ورثت'
ويبين أن هذه الأفعال كفيلة بتحديد الصراع الدائر في مستوى الواقع، لافتا الى مرحلة اثبات الذات من خلال التاريخ الجمعي، والميراث التاريخي أمام القتل والاجتثاث الحاصل من الغريب كما هو الحال في هذه القصيدة : 'الأنبياء جميعهم أهلي، ولكن السماء بعيدة عن أرضها، وأنا بعيد عن كلامي
لا ريح ترفعني الى أعلى من الماضي هنا لا ريح ترفع موجة عن ملح هذا البحر، لا رايات للموتى لكي يستسلموا فيها'
ويرى الخوالدة أن هذه الرحلة هي بالضرورة 'رحلة الذات داخل صراع الزمن المتنامي، ومحاولة البحث عن دور معزز لدور الماضي وسط محاولات الاخفاق الواقعي المفروض على مساحات المكان، ومن هنا نجد محاولة اثبات الذات هي مرحلة انبعاث موازية لحجم التحدي'
ويتوقف الخوالدة عند مرحلة استحضار الرموز التي دعمت موضوع الخطاب وبنيته الكلية مبينا أن بعضها 'قد استمد من الحقل الديني، وبعضها الآخر من التاريخ، وجميعها ذات اتصال مع القضية المحورية التي يدور حولها الخطاب
وقد خدمت هذه الرموز انسجامه وفق دلالاتها الرمزية المتصلة بالقضية المحورية، ذاك أنها قدمت مدلولاتها وفق السياق الخاص للخطاب'
ويقول الخوالدة قدم الخطاب صورا لفقد الذات، والهم العربي المشترك الذي كان بفعل الذوات المسؤولة عن مرحلة كهذه باعتبار الشعور بعقدة الذنب، كما في قوله في هذه الأسطر الشعرية من قصيدة 'لي خلف السماء سماء' إذ يقول : '... أنا آدم الجنتين، فقدتهما مرتين فاطردوني على مهل واقتلوني على مهل تحت زيتونتي مع لوركا'
حيث يحفل هذا الجزء برمز ديني متمثل بسيدنا آدم عليه السلام، وما تمثله تجربته في الجنة من مثول حاضر في عقلية المتلقي، فالرمز ذو الدلالة الايحائية وظف للتعبير عن مرحلة الخروج من الزمان/ المكان، وخدم الغرض الأساسي للخطاب، لأنه يرتبط مع فعل الفقد المؤطر له عبر عنوان الخطاب الكلي
ويزيد 'هذا دال شعري على شكل من أشكال الرؤيا المشكلة لمجمل الخطاب، ففعل الفقد الذي مثله الرمز يضفي الى عقدة الشعور بالذنب التي يستلهمها الشاعر، ويوجه خطابه وفقا لها والمتمثلة بذاته وذوات الآخرين، وقد جمع بين تجربتي فلسطين والاندلس وعبر عن مدى الحزن البالغ من فقد المكانين'
ويلفت الخوالدة الى أن درويش لم يقف في خطابه عند مثل هذه الرموز بالذات بل جنح الى الاتكاء بشكل كبير على تكثيف هذه الرموز واحتشادها، وجعلها جواز سفر يعبر من خلاله الى عالم المتلقي، لتشكيل بطاقة هوية لخطابه، وهي ذات صلة وثيقة بفرضية الخطاب كتوظيف شخصية آخر ملوك الأندلس، والشاعر المظلوم امرئ القيس، ويوسف عليه السلام، وارم ذات العماد المدينة السامية القديمة
ويستحضر الخوالدة قصيدة تحت عنوان 'فرس للغريب الى شاعر عراقي' : 'على صورتي خنجري، وعلى خنجري صورتي، كلما بعدنا عن النهر مر المغولي، يا صاحبي، بيننا كأن القصائد غيم الاساطير، لا الشرق شرق ولا الغرب غرب، توحد اخوتنا في غريزة قابيل، لا تعاتب اخاك، فإن البنفسج شاهدة القبر'
ويلفت إلى أن تمثل اشكالية صراع الذات مع الآخر، وهي حافلة بالرموز الموحية وبمجموعة من المقاصد والرؤى، التي تمكن المتلقي من النفوذ الى رؤيا القصيدة
ويؤكد الخوالدة أن درويش حاول ان يبني عنوانه الكلي على عنصر الامل- الحلم الذي يبدو من خلال مشهد القصة القرآنية، وهي احدى الاثراءات المهمة للعنصر التناصي الذي استغله وهو موازٍ لمشهد التآمر والتيه والضياع الذي رسمه في كثير من مواضيع هذا الديوان، وهو ما يثبته ايضا من خلال هذا النص حيث يمكن ان يكون هذا الأمر إحدى الإشارات الدالة على اتكاء النص بأكمله على التناص الديني التاريخي، فقصة سيدنا يوسف عليه السلام، ومشهد ظلمه لم يخل منها عنصر الأمل، والايمان بحتمية الانتصار، بل كانت إيحاء مهما يؤطر الرؤية.


(الأخبار المغربية)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 74

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة