New Page 1

     مختارات شعرية ونثرية

New Page 1

خليل الوزير ومرارة الحرية- بقلم: محمود درويش

 

16/10/2011 22:25:00

محمود درويش

كان المشهد مهيأ لطقس آخر..

كانت قرطاج منذ قليل محطة قصيرة لسرب الطيور العائدة من هجرة البحر..

وكان البحر يدل على أول البحر. أما اللغة، لغتنا، فقد استعادت بهاء الأبجدية الأولى، وشرعت في حل ما يفيض عنها من خيبة وخيام.

فنحن الذين صرنا قادرين على الفرح، قد صرنا قادرين على تركيب الوطن، حجراً على حجر، من حجر لا من كلام كأننا ندخل في النشيد الحافي، أو نخرج منه واضحين واضحين، على طريق واضح وحاد، اليوم لا غداً بعدما صار الوقت في أيدينا ملك أيدينا وعما قليل عما قليل تمشي أغنية العمر على قدميها الداميتين إلى بيتها الأول.

كنا ننشد صعوبة الفرح، بعدما أدمنا ما يدمينا من أحزان الرحيل كنا نقرع باب البهجة البعيد. كنا نسمع الصدى القريب،.

لكن خليل الوزير ماذا فعل خليل الوزير؟

لم يجرحنا من قبل، ولم يغضب أحد منا.. أصابع يد ترقص العاصفة. ويعد الأيام الموعودة على سبابة وإبهام بشاشة تضحك من أعماق أعمال الليل. والفة تصطاد النحل والنمور الشرسة.. أخ للجميع.. أب للجميع، وعيد بلا ميعاد. فلماذا يجرحنا حبيبنا الآن؟ لماذا يغدر بأقحوان السفوح: لماذا يجعل إبريل أقسى الشهور؟ لماذا يغتالنا ويصرخ : جدوا لي قبراً في أي مكان.. هذا الذي يؤسس ذلك الوطن، لماذا يرمي بهذا السؤال؟ لما يطلب جملة إعتراضية؟

لقد رمينا منذ قليل بالمفردات التي لا تليق بهذا الوقت ولا تليق بما أعد لجيل النصر من نصر. تلك عادات البطل الذي لا يعرف أنه بطل في قلبه سلام يراه على الخارج في قلبه سلام يحجب المفاجأة.. وتلك عادات البطل التراجيدي على الأسطورة أن تكتمل بتدخل مباغت من قدر لا يعمل إلا بشروطه الخاصة الساخرة. إذ ليس من حق البطل ان يشهد ختام النشيد على أن يعد النصر ولا يتمتع بالنصر الحرية ولا يتحرر عليه أن يسقط على اللحظة القصيرة الفاصلة بين زمنين.. على برزخ هو جسده وعليه أن يورث لا أن يرث.

قال أبوه: إني أنتظر هذه اللحظة منذ عشرين سنة أما إبنه الأصغر، “نضال” ابن العامين، فقد كان يلعب بلعبه العمر : شارة النصر .. شارة النصر التي أعادها له أبوه، قبل أن ينجبه بعشرين عاما. وأشتد تعليق ” نضال” بشارة النصر منذ تسلل من وابل الرصاص، ليلة السبت الماضي، ورأى أباه نائما ً في بحيرة من شقائق النعمان وها هو على سلم الطائرة التي تحمل قلبنا الجماعي من تونس إلى الشام يودعنا بشارة النصر ويودعنا شارة النصر .. لكن ” حنان و”إيمان” لا تعرفان تماماً متى تبتسمان ومتى تبكيان، منذ أخذهما أبوهما “ابو جهاد” إلى مطلع القصيدة الطويلة.. ومنذ أمسك “جهاد” بذيل الريح.

فماذا فعل القتلة؟

لقد جرحونا في أوج الصعود إلى درج الغد والبرتقال جرحونا في النخاع، ان الجرح عميق وموجع إلى درجة لا نشعر معها إلا بمرارة الحرية ، فالحرية ليست قرصاً من عسل الحرية ليست ورداً على سياج بعيد.

لقد جرحونا، لندرك ما لا يدركون لندرك أنه ليس في وسع العاصفة أن تتوقف في منتصف الصفصافة. جرحونا لندرك ما لا يدركون لندرك ان الانتفاضة هي الوطن والحرية معا..

إن اغتيال خليل الوزير هو محاولة لاغتيال الانتفاضة فهل في مقدور الأعداء أن يطفئوا بذخ خليل الوزير طبيب الانتفاضة؟

لقد توهجت وتأججت وتزوجت دمه الناري لأن الجرح لا يقوي مناعة الجسد فحسب، بل ينشب مخالب الروح أيضاً وخليل الوزير يتحول في هذه الأقاليم من بطل إلى أسطورة تنفخ في حجارة الوطن نفس الحياة الأولى ونداء الرعد النبوي.

إنهضي إنهضي

لتبني لنا وطنا من سلام

لتبني لنا لغة من رخام..

فماذا فعل القتلة؟

لقد احتاجوا إلى ساحتهم الخاصة ليرسموا مشهدهم الخاص، ولينقلوا المعركة إلى مجالهم الحيوي: الإرهاب لأنهم في حاجة إلى انتصار المقومات الأولى على انفجار الأرض في نسيج الوجود وكأنهم وهم يلعنون جوهر هويتهم الإرهابية، يريدون أن يستدرجونا إلى الملامح التي يحددونها لصورتنا، بعدما إتضح الفارق الشاسع، بين صورتين. صورة المدافعين عن الحرية والوطن وصورة الغزاة المتخمين بآلة القتل. فماذا فعل القتلة أكثر من الإفصاح عن هويتهم؟ لقد اغتالونا كثيرا كثيراً في كل مكان بكاتم الصوت ذاته، وبالقناع ذاته. وانتصروا علينا في شروط الغابة، غابتهم، في معركة ليست معركتنا، هم الإرهابيون بامتياز ، هم القتلة بامتياز، هم القراصنة بامتياز، هم قطاع الطرق بامتياز..

فماذا بعد ماذا بعد

سيحتاج الوعي العالمي المتفرج إلى وقت أطول وإلى إغتيال أكثر، كي يعيد صياغة مفهوم جديد عن الإرهاب إزاء حرج قانوني يسببه تباهي دولة بتفوقها في فن الإرهاب بعدما إعتاد الصاق هذه التهمة بالضحية. ومن مالترف أن نعيد طرح السؤال الساذج من هو الإرهابي؟ من هو الإرهابي؟ هل هو الولد الذي يقاوم الدبابة بحجر أم هي الدولة التي تغتال الولد بدبابة.

من هو الإرهابي؟ هل هو الشغب الذي يدافع عن حقه في الوجود أمام حرب الإبادة، أم هي الدولة التي تغتال خليل الوزير في تونس؟

لتذهب هذه الأسئلة إلى الجحيم.

فلن يتمكن العدو من استدراجنا إلى ناموسة وإلى عمليات التباس الفوارق. فإن الانتفاضة التي كانت أحد التجليات الكبرى لأحلام خليل الوزير ولتضحياته العظيمة، ستواصل إبداع قدرتها على الإستمرار والتطور لقد سقط فارس الانتفاضة وهو يتلمس سنابل القمح الذي أمضى حياته في بذاره، في كل حقل وعلى كل صخرة. لقد سقط الذراع بعدما نما الزرع وإنتهت فصول الجفاف.

لم تذهب لحظة من حياة خليل سدى لقد وزع جسه على كل الخنادق، وإخترق الحصار تلو الحصار.ز وها هو الآن يرش دمه المتفجر على مشهد الميلاد العظيم ها هو يرى الجنين في سعاة الولادة الكبرى.. هو هو يتحرر من المنافي التي لا حصر لها ويفرغها على عتبة الوطن.

لمن ندرك حتى هذه اللحظة، أن خليل الوزير قد غاب، فهو الذي يدفع الإنتفاضة الآن على مستوى أعلى من التصعيد، وهو الذي يحرك في الواقع الملتهب، هنا وهناك، سبق الساعات التي تسبق النصر.

ولكننا كنا ندرك، دائما أنه أكثر من مبنى وأوسع من مؤسسة. انه أفق في رجل في كل واحد منا أثر فيه. وفيه موسوعة البلاد: أسماء الناس، وأسماء البنات. وأسماء الجماد، كان يحفظ الوطن ويتلوه بتدفق التفاصيل كما يحفظ الطالب درسه الأول.

ولا مكان لمكانه.. أنه منتشر كالأنهار التي تعرف مصبها ولا تعرف ضفافها. وهو رمز لكل ما هو حيوي في حياتنا المحرومة من إنضباط التقاليد. إلى هذا الحد يصل به الزهد: إلى حد حرمان نفسه من لذة المشاركة في النصر.

لم نفتقده بعد، لأنه لا يزال بيننا، ومعنا وحارسا لحدود الحلم..

سنفتقده أكثر هناك.. حين نهنئ بعضنا البعض بالنصر، ولن نجده بيننا.

هناك… أمام الشجرة التي غرسها، وتحت الراية التي رفعها، هناك.. سيختلط العيد بالحداد، هناك… سنبكي عليه أكثر؟

هناك… سنذوق مرارة الحرية؟

هناك… سنجهش: أين أبو جهاد؟


محمود درويش

عن مجلة الكرمل . العدد 28 .



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 48

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة