New Page 1

     علاقات عامة

New Page 1

رفضت مع محمود درويش السير خلف العلم الاسرائيلي فهاجمنا بعض العرب ودافع عنا غسان كنفاني

 

05/10/2011 23:12:00

فصول من سيرة سميح القاسم:

بشير شلش

(عن 'دار راية للنشر' في حيفا، تصدر خلال أيام سيرة الشاعر العربي الكبير سميح القاسم، موسومة بعنوان 'إنها مجرّد مِنفَضَة/ الجزء قبل الأخير من السيرة الذاتية'، ويوقّعها الشاعر لجمهوره العريض ومتابعي أدبه في أمسية فنية موسيقية تقام في حيفا خلال الأسبوع الأول من شهر تشرين أول/ أكتوبر القادم.
هنا فصول مختارة من هذه السيرة الشخصية والعامة في آن معًا..)
...الآن، بعدَ قصّة حسين العلي الطريفة حقاً، تستطيع العودة بنا إلى العام 1948، عام النكبة والجرح الذي لا يزال نازفاً بعدم التَّصديق والخيبة والمرارة والصّداع..
وتستعيد هاتيكَ اللحظات الدهور. تُحاول استعادتها بما تطيق ذاكرة طحنتها رحى الأيام لأكثر من نصف قرن. قد تستقرُّ هنا زؤانة وتسقطُ هناك قمحة.. قد يتقدّم حدث لتتأخّر واقعة. لا تقلق. لا بأسَ عليك. حسبُكَ أن تتذكر. حسبك المحاولة الصادقة. صور كثيرة تمزَّقت تحت جنازير الدبابات والجرَّافات. وتُحاول إعادة إلصاق نُتفها وقطعها المتناثرة على الدرب الشائك وعلى الأرصفة الضيقة حَول ذاكرة محاصرة مَوجوءَة..
زَحفُ الهاغاناه يقترب من قريتك. أسئلة الديوان تزدادُ إلحاحاً:
- ماذا سيفعل بنا اليهود إذا نحن بقينا هنا؟
- إخواننا النصارى يحميهم الإنجليز ونحنُ مَن يحمينا؟
- نحنُ أهلُ الرّضى والتسليم فهل نتخلَّى عن عقيدتنا؟
- ألا يجوز أن تنتهي هذه الحرب باتفاق العرب واليهود وانتهاء المشكلة بسلام؟
- لماذا لم نقبل باقتراح علي الحسين؟ لماذا لم نرحل إلى الشام حيث يستطيع تدبير أمورنا؟
أسئلةٌ أخرى كثيرة ظلَّت عالقة في الفراغ، هائمةً في فضاء البيت مثل دخان الرجال المكمودين.. وكُنتَ أنتَ هناكَ بأسئلتك الغامضة حتى بالنسبة إليك. أسئلتكَ التي لم يسمعها أحد لأنَّكَ لم تَبُح بها لأحد. وتُحاول الآن ترتيب ما كانَ عصياً على الترتيب في لُجَّةِ الفوضى وأوج القلق.
والآن. تستطيع الآن فقط طَرح تصوّرك القائل بأنَّه ما مِن تجربة أقسى مِن احتقان الطفولة واحتباس وعيها بما يدور فيها وحولها. والآن. الآن فقط تستطيع الإدعاء بأنَّ الطفولةَ البائسة لا تعني بالضرورة طفولة الحرمان من الثياب والأحذية الجديدة والطعام والحلوى والسرير المريح واللعبة الجميلة والبيئة المحبّة المتعاطفة المتجانسة. تستطيع الآن الزعم بأنَّ بُؤسَ طفولتِكَ وطفولة جيلك لا يقبل التقوقع في خانة المادة ووسائل الرفاه الاجتماعي. إنّه بؤس الطفولة الخاص بجيلٍ ضربتْهُ الصّاعقة وأرجحتهُ بعُنف بينَ الإنشاد 'موطني' باللغة العربية إلى الإنشاد 'ماري تملك جَدياً صغيراً' باللغة الانجليزية إلى الإنشاد 'جاءَ المطر. جاءَ المطر. جاءَ جاءَ جاءَ المطر' باللغة العبرية وفي حَضرَة الحاكم العسكري الطارئ الجديد الغامض المجهول والمرعب إلى حدّ بعيد..
عشيَّة اقتحام الهاجاناه قريتك الرامة، أقبَلَ ذاتَ مساء رجلٌ طويل نحيل يرتدي قمبازاً أسود وكوفيَّة سوداء، وسألَ عن والدك. هُرِعَ أحدُكم إلى منـزل مجاور، وما هي إلاّ لحظات حتى حضر الوالد فسلَّمَ على الضيف، وبعدَ عبارات مُقتضبة صعد الرجلان إلى عليَّة المنـزل.. لم يتأخّر الضيف الغريب. بلّغَ رسالته. شَرِبَ قهوته وعادَ مِن حيث أتى.
سَأَلَتْ والدتُكَ: مَن هذا الرَّجُل وماذا يُريد؟
تملَّصَ والدُكَ من الإجابة: طارِش.. رسول مِن طَرَف جماعتنا في الساحل..
وتحوَّلَ والدُكَ إليكم: إذهب يا سعيد إلى بيت عمّك صالح الفرَّاج وادعه للحضور فوراً.. يا سامي إذهَبْ إلى عمّك سلمان الدَّاغر.. وأنتَ يا سميح تَدعو سِيدَك شحادة.. ولا تنسَ الذهاب إلى عمّك فريد وعمّك محاسن وسيدك هزيمة وسيدك أبو علي والشيخ قاسم الفرهود.
إذن فالخَطبُ جلل. لكنَّ الوالد لا يبوح بشيء سوى وجهه الثَّقيل وأطرافه المتوتّرة على غير عادة.
حضر المدعوّون وكانوا من عائلات درزية فقط. صعدوا إلى العليّة وأغلقوا الباب بعدَ إصدار الأوامر المشدَّدة: لا أحد يصعد إلى هنا. مفهوم؟
- مفهوم..
لاحقاً. وبعدَ وقتٍ طويل نسبياً، علمت أنَّ الطارش (الرسول) جاء من طرف بعض مشايخ الساحل وفي مقدِّمتهم الشيخ جبر معدّي، برسالة واضحة ومُقتضبة: الحرب مُنتهية كما يبدو لصالح اليهود، ومِن ورائهم الانجليز وبعض الزعماء العرب المتعاونين مع انجلترا.. وتمَّ التفاهم مع المسؤولين اليهود في المنطقة على أن نبقى في بيوتنا ولا يُعتَدَى علينا إذا نحنُ لزمنا بيوتنا وقبلنا الهدنة إلى أن يحلَّها حلاّل.. ولا يسري هذا التفاهم على الدروز فقط بل على جميع سكان الجليل من جميع الطوائف. وكل طائفة يُبلِّغها التفاهم أشخاص من أبنائها.
لم يطمئن الجميع إلى هذا 'التفاهم'.
قالَ أحدُ المجتمعين بقلق:
- اليهود مالهم أمان. سيغدرونَ بنا لأننا حاربناهم بشراسة وسقط منّا ومنهم قتلى وجرحى.
عقَّبَ آخر:
- السياسة مالها دين. مَن يدري؟ قد تستدعي السياسة في هذا الوقت العصيب الحَرِج شيئاً مِن التعقُّل والمسؤوليّة. فلنجرِّب.
وكرَّرَ حسين العلي موقفَهُ المعروف المثابر: الموتُ في الوطن ولا الحياة في الغربة..
وكحلٍّ وسط، قَبِلَ المجتمعون اقتراحَ إخوانهم من مشايخ الساحل، شريطة الاحتفاظ بالسلاح لوقت الحاجة..
وهكذا كان..
أحضَرَ والدُكَ بندقيته الانجليزية والجِفت (بندقيّة الصيد) الألماني ماركة كروب ساور كما تذكر.. والمسدّس والخراطيش (الذخائر) ولففتموها كلّها بما تيسَّر لكم آنذاك.. وفي ساعة متأخرة من الليل حفرتم حفرة عميقة في حاكورة الشيخ حسين العلي، وخبَّأتم فيها عدَّة المفاجآت.
صبيحة اليوم التالي داهَمَ اليهود قرية الرامة. وأطلَقَت مُكبِّراتُ صوتهم الأوامر بتجمّع الرجال في الساحة الشرقية. وجاء جدُّك الشيخ شحادة بعدَ قليل غاضباً: أَوقَفَ اليهود سلمان في الشارع وسلبوه ساعته الذهبية. ألا يكفيهم أنَّهم سلبوه عينه؟
في الساحة الشرقية، أعلنت قوّات الاحتلال حالة حَظْر التجوُّل. وباشَرَت عمليّات تفتيش المنازل وداهمَت منـزلَكم ثلّة من الجنود. وحينَ فتحوا الخزانة الشامية الكبيرة، مدَّ أحدهم يدَهُ لمصادرة بزَّة والدك العسكرية. وهُنا صاحت أمُّك: أبعد يدَكَ عن بدلة زوجي العسكرية.. أنتم عصابة أم جيش؟ لو أنّك جندي حقيقي لما اعتديتَ على شرف ضابط!
تراجَعَ الجنديُّ مذعوراً بعض الشيء. وخاطبه جندي آخر بالعبرية فتراجَعَ إلى الوراء مؤدّياً التحية العسكرية للبدلة. وقبل انصرافهم رسَمَ جنودُ الهاغاناه على الباب الخارجي دائرة باللون الأزرق وكتبوا داخلها كلمة عبرية. وجدّدتُم طلاء الباب أكثر من مرّة، لكنّكم حافظتم على الدائرة ومحورها العبري عدّة سنوات، حتى تعلمتم العبرية وفهمتم أنَّ كلمة 'نِفدَاكْ' تعني 'فُتِّشَ' أو 'فُحِصَ'.
وحينَ عاد الرجالُ إلى بيوتهم من الساحة الشرقية، قالوا إنّ الجنود أمَروا معظم المسيحيين بمغادرة القرية وسمحوا للدروز ولبعض العائلات المسيحية بالبقاء. وحينَ رأى آباؤكم شارَةَ التّفتيش فقد حمَّلوكم دلاء الماء وقد ذوَّبوا فيها مكعبات صبغة النيلة الزرقاء التي كانت تُستعمل لغسيل الثياب، وأمروكم بالتسلُّل إلى بيوت جيرانكم المسيحيين لترسموا عليها الدوائر الزرقاء مُقلّدين الكلمة العبرية، لحماية هذه البيوت من التّفتيش ريثما يعود أصحابُها.
وانطلقتم إلى مهمَّتِكم 'العسكرية'، لائذين بالسلاسل الحجرية وظلال البيوت والزوايا، تجنُّباً لعيون جنود الهاغاناه المُدجّجين بالسلاح.
عبرَ نافذة المنـزل الشرقية، رأتْ والدتُكَ جارتها كاملة، أم الياس، سائرة بتثاقل نحوَ الشمال، فنادتها وأدخلتها البيت. قال لها أبوك: ستبقينَ هُنا معنا، وإذا سألك اليهود عمَّن تكونين، قولي إنَّكِ أختي. إسمك مِن هذه اللحظة كاملة قاسم حسين، لا كاملة شحوك، أَفهِمتِ؟
وفهمت 'عمتك' كاملة إلى أن يفرجها الله عليها وعليكم.
وما أن غادَرَ مَن غادر من أهل القرية، حتى تقدّم جنود الهاغاناه بشاحناتهم العسكرية، وراحوا يطلقونَ النار على أقفال البيوت والدكاكين وينهبونَ محتوياتها، وشاهدتم هؤلاء الجنود وهم يحملونَ مرطبانات اللبنة وأواني الزيت والزيتون والثياب والأثاث من المنازل القريبة.. كانت نافذة الديوان الشرقية هي نافذتكم الوحيدة على العالم، وكنتم أنتم الشاهد الوحيد على ما يجري. وحينَ اقتربَ رجال الهاغاناه من بيت عائلة شحوك راحت عمتك كاملة أو خالتك كاملة، تبكي وتلطم: سينهبون البيت. وقد يهتدونَ إلى الأواني النحاسيَّة التي خبَّأتها في البئر.
وكانَ على والدتك أن تهدّئ من رَوع أم الياس: المهم أننا على قيد الحياة ولا قيمة لشيء آخر الآن. سيعودُ زوجك وأولادك وسيعوضنا الله عن كلّ شيء.. في المال ولا في الرجال يا أم الياس!
وفي الغداة، أعلَنَ اليهود أنَّهم يملكون آله تكتشف المعادن وأنّهم سيهدمونَ كلّ بيت يعثرون بجواره على سلاح، بمثل ما هدموا بيت الياس الشكري وكرم الحبيب.
قالَ أبوك إنَّ جهاز كَشْف الألغام لا يستطيع كشف سلاح الأسرة المخبّأ في الحاكورة المجاورة، لكن الخوف سيطَرَ على الجميع وأصرّوا على نبش 'كنـز' السلاح وتسليمه لليهود. وهكذا كان.. وكان أسف والدك أكبر ما يكون على بندقية الصيد (الجِفت)، وبعد واسطات كثيرة تمكَّنَ لاحقاً من استعادة جفته لأغراض الصيد مع عدد من أصدقائه من الرامة وخارجها.
طلبَ والدُكَ وقريباه أبو فرَّاج وأبو هايل الاجتماع إلى قائد اليهود. أخذهم الجنود إليه. قالوا مستعطفين: عِشنا في هذا البلد منذ مئات السنين. لا فرق عندنا بين درزي ومسيحي. ونريدُ أن نبقى معاً أو نرحل معاً. وإذا سَمحْتَ لنا بمراجعة أقاربنا في بيت جن والبقيعة، فقد نستطيع ترتيب الأمر من خلالهم مع السلطات العُليا.
وتمَّ لهم ذلكَ وعادَ مسيحيو الرامة إلى البلدة ليجدوا أبوابهم مُحطَّمة وبيوتهم منهوبة. ولم تتردَّد سياسة 'فرِّق تَسُد' لحظة واحدة، وسرعانَ ما أُشيعَ أنَّ الدّروز هُم الذين قاموا بعملية النَّهب، غير أنَّ العمَّة الخالة كاملة وبعض أبناء العائلات المسيحيّة التي لم تُغادر القرية عرفوا كيفَ يُكذّبون هذه الشائعة بالبرهان اليقين.
كانَ بعض الفقراء الدروز والمسيحيين الذينَ لم يُغادروا القرية قد لموا بعض الأدوات المنـزليَّة التي ألقاها اليهود في الشارع لعدم حاجتهم لها، وقد أُعيدَت إلى أصحابها بعدَ عودتهم مباشرةً وبلا تأخير..
بعدَ ثلاث سنوات على النكبة، قدَّمَ أهلُ بلدِكَ الرامة دليلاً جديداً على وحدتهم، يومَ فجَّروا 'انتفاضة الزيت والزيتون'، وتصدُّوا لقوَّات الجيش والشرطة التي داهمت القرية لمصادرة موسم الزيت والزيتون لصالح الدولة. ووقعَ الجرحى والمعتقلون من رجال الرامة وشبَّانها ونسائها. واختلطَ الدَّم 'المسيحي' بالدَّم 'الدرزي' وضمَّت الكلبشات زنداً مسيحياً على زند درزيّ، وأطلقت عنقاء الرماد العربية صَيحتها المدهشة المدوِّية: 'نحنُ هنا!'..
*
لطالما قالها أبوك وأمُّك بوضوح وبصراحة: التعليم الابتدائي والثانوي في هذه الأسرة إلزاميّ. ونتمنّى أن تختاروا مُتابعة الدراسة الجامعية، لكنَّكم مُخيَّرونَ في ذلك. عقولُكم في رؤوسكم وتعرفون خلاصَكم. ولم يكن والداكَ شاذّين عن القاعدة العائلية المتّبعة منذ القِدم: طريق العلم والثقافة هو طريق التقدُّم الصحيح والحضور الاجتماعي المحترم.
والتزم والداكَ مبدأَ المساواة بين البنات والأولاد في فُرص التعليم. وحينَ تفوَّقت أختك شفيقة في نهاية دراستها الابتدائية على بنات صفِّها في عموم فلسطين سنة 1947، فقد فازت بمنحة الدراسة على نفقة الحكومة، في دار المعلّمات العربيات في رام الله.
فرحَ والداكَ بهذا النجاح وقرّرا إرسال 'شفيقة' إلى دار المعلمات في رام الله. وشاعَ النبأ حتى وصلَ أسماع بعض رجال الدين المتزمّتين، فرفعوا شكوى إلى الشيخ أمين طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية. ولم يَطُل الوقت حتى وصلت رسالة الشيخ أمين التي تُهدِّد بفَرض الحِرمان الديني على العائلة كلِّها إذا ذهبت شفيقة للدراسة في رام الله.
كانَ الشيخ أمين صديقاً حميماً لوالدك. هو إبن جيله وابن صفّه، وعاشا معاً في الرامة، في منـزل جدِّكَ الشيخ قاسم وبرعاية جدِّكَ الشيخ شحادة وقريبه الشيخ الخطيب. فلماذا يُقدم على خطوة قاسية وغير مُبرّرة كهذه؟
إتّصلَ والدُكَ بالشيخ سلمان طريف، شقيق الشيخ أمين، والمأذون الخاص بعائلتكم بعدَ رحيل جدك في العام 1941.
حضر الشيخ أبو كامل سلمان، وحينَ قرأ الرسالة وعلِمَ أنَّ دار المعلّمات هي مدرسة داخلية، تدرس فيها خيرة بنات فلسطين، فقد غضبَ هادراً بصوته الجهوريّ المعروف: ديننا يمنع الاختلاط، لكنّه لا يمنع التعليم.
وبعدَ أيام حضرَ الشيخ أمين، موضّحاً أنّ المعلومات التي وصلته لم تكن دقيقة ولم تتحدّث عن مدرسة داخلية للبنات فقط، ولهذا فهو يسحب الرسالة ويجدّد وقوفه إلى جانب إخوانه الذين عايشهم وبادَلهم المحبّة والاحترام.
وحينَ تلقَّت شفيقة تعييناً في المعارف، فقد اصرَّت على التنقل من قرية إلى أُخرى.. وبعدَ عقود من العمل في سلك التعليم أصبحَ بمقدورها القول: كُنتُ المعلّمة الوحيدة يوم بدأت العمل في التدريس. أمَّا الآن فقد خرجتُ إلى التقاعد تاركةً ورائي أجيالاً من المعلّمات القديرات والمعلّمين الأكفاء والأكاديميين والمثقفين. الحمد لله. لم يذهب تعبي هباءً.
إذن، فقد كانَ طبيعياً أن تفكّر في إطارِ هذا المبدأ وتتحرَّك على هذه القاعدة، بعدَ انتهاء دراستك الإبتدائية في الرامة. قرّرَ بعضُ الآباء الراماويين (الراميين) الشروع في استكمال خطّة المدرسة الثانوية بالتعاون مع وزارة المعارف والمجلس المحلي. وكانَ أبوكَ من المتحمّسين للفكرة لكنّه لم يشأ الانتظار وقرّر إلحاقك بأخَويكَ سعيد وسامي اللذين يُتابعان الدراسة الثانوية في كلية تيراسانطة بالناصرة. سعيد أنهى الدراسة وباشر العمل في سلك التعليم، وانتقلَ فيما بعد إلى العمل الإذاعي والتلفزيوني ودراسة الصيدلة في جامعة القدس.
أمَّا أنتَ فالتحقتَ في العام 1953 بأخيكَ سامي وسكنتما في حي الروم إلى أن تَخَرَّجَ سامي وبدأ العمل في سلك التعليم. و 'اكتشفَكَ' آل الفاهوم فأصرُّوا على أن تُقيمَ في ضيافتهم فحَلَلْتَ ضيفاً مُكرّماً في منـزل عمّك المرحوم سعود الفاهوم. ثمَّ انتقلتَ إلى الدراسة في المدرسة الثانوية البلدية حيثُ تعرَّفتَ إلى راشد حسين وشكيب جهشان وفرج نور سلمان وأحمد الريناوي الذين كانوا يكبرونك سناً لكنّهم يشاركونك الاهتمام الشعريّ وأصبحوا شعراء معروفين قبلَ جيلك.
وفي المدرسة الثانوية البلدية كانت مشاركتك الأولى في 'العمل الوطني' يومَ سرتَ مع زملائكَ في تظاهرة باتجاه البلدية احتجاجاً على زجاج نوافذ المدرسة المكسور وظروف الخدمة الدراسية المتدنّية آنذاك. ويومها أيضاً تعلَّمتَ الدَّرس الأول في أسرار 'السياسة' ومعاني 'النضال'. فقد بدأت التظاهرة بمعظم الطلاب لكنّها انتهت إلى البلدية بعددٍ قليل منهم!
وفي المدرستين معاً، كليّة تيراسانطة والثانوية البلدية، تعلَّمتَ درساً في التعدّدية، فقد صادقْتَ طُلاباً يونانيين وإيطاليين وشراكسة إلى جانب أصدقائك ومعلّميك من عرب على اختلاف مذاهبهم، وأجانب على تنوّع لغاتهم وأقطارهم.
ومع مُتابعتك الندوات الشعرية والثقافية في الواي.إم.سي.إي وفي النوادي القليلة المتاحة آنذاك، فقد تابعت محاولاتك الشعرية غزلاً في طالبة وهجاءً لمعلّم إلى أن ألقى القَبضَ عليك الأستاذ سعيد بشناق (مِن أصول بوسنية)، مُتلبّساً بالغزل والهجاء، فقال لك: يا بنيّ، لديكَ موهبة ممتازة فلا تضيِّعها على هكذا مواضيع. واحترمت 'ملاحظته النقدية'، لكنّكَ تذكّرتَ ملاحظة معلّم الابتدائية الأستاذ الياس الحزوري: لا تذهَبْ إلى القصيدة. دَعها هيَ تأتي إليك..
وكانَ العدوان الثلاثي على مصر جمال عبد الناصر في العام 1956. وهزَّكَ من الأعماق بمثل ما هزَّ زُملاءَكَ وأصدقاءَكَ. وسبقته ولحقته محاولات حكومة بن غوريون (إبن غريون سابقاً) لفرض التَّجنيد الإلزامي على المواطنين العرب كلّهم، ثم الاكتفاء بالمجموعات الصغيرة: الدروز والبدو والكاثوليك والشّركس.. ثمّ صدور قانون التجنيد الإجباري في العام نفسه على الشبان الدّروز. وأدركتَ أنَّ مؤامرة التفرقة الطائفية وسياسة 'فرِّق تسُد' تشهَدُ تصعيداً خطيراً وكانَ قرارك بالمواجهة، وبدأت لديك فكرة تنظيم الشبان في حركة مضادّة لهذه السياسة وتحقَّقَ لكَ ما شِئت يوم تمكَّنتَ في العام 1958، ومع صدور مجموعتك الشعرية الأولى 'مواكب الشمس'، مِن تأسيس منظمة الشبان الدروز الأحرار، شبه السريّة.. والتي استمدَّت إسمَها مِن وَهج 'الضباط الأحرار' في مصر، والتألُّق القومي الناصريّ آنذاك.
بعد تخرّجكَ من المدرسة الثانوية البلدية تلقَّفَتكَ وزارة المعارف لحاجتِها المُلحَّة إلى المعلّمين، وربّما أيضاً، لرغبة ما لدى جهة ما، باستيعابك، وتحوير مسارِكَ الفكريّ باتّجاه الاهتمامات الشخصية، والابتعاد عن 'مشاكل السياسة'..
لكنَّكَ لم تشأ الابتعاد عن 'مشاكل السياسة' ويوم دُعيتَ للمشاركة في مهرجان شعري في كفرياسيف في العام 1958، فقد استدعاكَ الضابط 'أبو نمر' من مركز شرطة مجد الكروم (يهوديّ يحمل إسماً عربياً، لأنّه يعمل بين العرب)، وأمَرَ بتوقيفك.. إلى أن يمرّ المهرجان!
يوم عُيِّنتَ مُعلِّماً فقد أرسلوكَ أولاً إلى قرية عين الأسد التي لا يوصل إليها شارع مُعبّد، وكانَ عليكَ الذّهاب والإياب سيراً على قدميكَ ، مع زميلَيكَ، المدير (شقيقك سامي) والمعلّم فؤاد الخازن.. ثمّ نُقِلتَ إلى قرية ساجور.. ثمّ إلى قرية نحف.. ثمَّ تم 'إبعادك' إلى دالية الكرمل.. وهناك تزامَنَ صدور مجموعتكَ الشعرية الثانية 'أغاني الدُّروب'، ووصول رسالة إليكَ من وزارة المعارف، تُبلغُكَ بفصلك من سِلك التَّدريس 'لأسباب بيداغوجية'!!
ها أنتَ الآن عاطل عن العمل، تُقيم في شقّة صهرك حسين الخطيب (زوج شقيقتك الثالثة صديقة) في حيفا، والذي يعمل مُديراً في أحد أقسام مصفاة بترول حيفا (الرِّيفَاينَرِي).. وكانَ يُقيمُ في الشّقة أيضاً إبن أختك 'وليد'.. ويأتي صحفي لمقابلتك ويستقبله وليد بحفاوة. يسأل الصحفي: ماذا تعمل يا وليد؟ ويردّ وليد: أنا أعمل مع خالي. ويُتابع الصحفي: ماذا يعمل خالك؟.. ويسخر وليد: إنّه يبحث عن عمل!..
في تلك الشقة المطلّة على ساحة باريس.. (ساحة الخمرة).. كتبتَ قصيدتَكَ 'خِطاب مِن سوق البطالة' والتي اشتهرَت لاحقاً باسم 'سأُقاوِم'. وكانت أيضاً قصيدة تقول فيها، حسب الذاكرة:
حَمَلتُ الجوعَ زُوَّاده
وَرُحْتُ مُبكِّراً للشُغلِ كالعاده
فلَم أعْثُر على عملي
وَلا وَردي وَلا خُبزي ولا أَمَلي
أَنا جُنديُّكِ المجهولُ يا أسوار طرواده!

كُنتَ تقرأ ما تكتب لأصدقائك ولزوَّاركَ، وفوجئتَ بعدَ أيام بقصيدة في إحدى المناسبات تحمل الوزن نفسه والقافية نفسها والإيقاع نفسه وطروادة نفسها، لكن في سياقٍ بدا لكَ مُضحكاً، ضَحلاً وسخيفاً. واستدعيتَ صاحب تلكَ القصيدة الذي كانَ قد سمع قصيدتك وهنَّأكَ عليها، وعاتبته بشدَّة، فاعتذر. لكنَّكَ مزَّقتَ قصيدَتَكَ حتى لا يُقالُ لاحقاً ما تراهُ مضحكاً ومُعيباً، مِن أنّك 'تأثَّرتَ' بقصيدته، فالناس لا يعرفون الحقيقة، ولا يدركونَ مَن 'تأَثَّر' بمَن، ومَن 'أخذ' عمَّن، ومَن 'لَطَشَ' ممَّن.. والناس غَير مُطالبين بمعرفة أسرار الشعر و 'دواوين' الشعراء!!
أو.كي. إمسح بهذه اللِّحية. المهم الآن أنَّكَ بلا عمل وبِلا مَصدَر دَخل. وترفض الاقتراح بأن يرتّب لك أهلُكَ مرتّباً. وتبحث عن عمل. أي عمل. وتسمع بوجود عمل في محطة بنـزين فتذهب إليها ويقولون لك: إنتظِر جوابنا.. ولا يأتي الجواب، فتعود إلى المحطة ليقول لك مديرها: آسف. لا عمل لدينا..
ويقترح عليكَ صديق مُناضل إسمه إبراهيم تركي أن تعمل معه 'مساعد لحّام' في مشروع ضخم في منطقة الخليج (مِفراتس).. وتقبل العمل. ويُدرّبك إبراهيم على استعمال الجَلْخ (المبرد الكهربائي) وإعداد الأنابيب للّحام. وتذهَب صبيحة الغد إلى موقع العمل وتصعد هيكلاً فولاذياً ضخماً وتُباشر عمليّة الجلخ.. وفي صبيحة اليوم التالي، لم تكد تبلغ مكان العمل على قِمَّة الهيكل الفولاذي، حتى يجيئك صوت من الأسفل، بالعبرية الأشكنازية:
- سميخ الكاسم!
- نعم.. أنا سميخ الكاسم..
- مَعك خمس دقائق لتكونَ خارج الموقع!
- لكنني بحاجة لربع ساعة لمجرَّد النّزول من هذه المصيبة.. عن أي خمس دقائق تتكلَّم؟
- لا يعنيني. إنزل فوراً. وغادِر فوراً!
ونَزلْتَ فَوراً. وَغادَرتَ فوراً وعُدتَ فوراً عاطلاً عن العمل الفوريّ والمؤجَّل معاً..

*

ساعة صباحيَّة متأخّرة. تتناول إفطارَكَ في مطعم اسكندر. وكعادتك فقد اخترتَ الجلوس إلى مائدة مُلاصقة لواجهة المطعم المُطلَّة على شارع الجبل (شارع الأمم المتحدة، ثم شارع الصهيونية!!).
مرَّ جورج طوبي (مِن قادة الشبيبة الشيوعية ومحرّر مجلة 'الغد') بجانب الواجهة. حيَّاكَ رافعاً يدَه. مضى بضع خطوات ثُمَّ توقَّفَ والتفتَ إليكَ ثانية. أَشَرتَ له بالدّخول فسحب الغليون من فمه ودخل. أصرّ جورج على أنّه أفطر منذ ساعات لكنّه سيشرب معك القهوة. وقبلَ حضور القهوة قال جورج: لماذا لا تأتي للعمل معنا؟
قُلت: لأنني لستُ حزبياً.
قال: لكنّك صديق قريب جداً وما يجمعنا أكثر بكثير ممّا يفرّقنا.
وبعدَ فنجان القهوة كُنتما قد اتفقتما على العمل. وباشرتَ في الغداة مهمّة التحرير في 'الغد'. ولأنَّكَ اخترتَ للغلاف صورة مكشوفة الصّدر إلى حدّ عميق، للنجمة الإيطالية صوفيا لورين ( أو لعلَّها جينا لولوبريجيدا لا تَذكُر بالضّبط)، فقد تعرَّضتَ لانتقادٍ شديد. وقف جورج إلى جانبِكَ لكنّ القيادة الصارمة أصرَّت على موقفها، ممّا ضايقَكَ وأَطفَأ الكثير من حماسِكَ للعمل في هذه المجلّة الشبابية الثورية والمتزمِّتة في آن.
بعدَ شهور قليلة اتّصل بك صديقُك صالح برانسي (مِن قادة حركة الأرض) قائلاً إن أُورِي أفنيري يرغب في إصدار طبعة عربية من مجلَّتِه الشّهيرة 'هَعولام هَزيه' وإنَّ رئاسة التحرير مضمونة لك إن كُنتَ راغباً في الأمر.
قُلت: أوري أفنيري يُقيم حركة سياسية، وينوي نزول الانتخابات للكنيست. وأنا قوميّ تقدّمي مُستقلّ ولا يُمكن أن أنضمَّ لحركة يقودها أفنيري.
قال صالح: لا شروط عليك. تستطيع أن تظلَّ مُستقلاً، لكن الرجل قريب منّا جداً وهو ضدّ التمييز العنصري والحكم العسكري ومُصادرة الأراضي العربية ويدعَم حركة التحرّر الفلسطينية والعربية، فماذا تُريد منه أكثر من ذلك.
قُلت: دعنا نجلس مع أوري ونوضّح الأمور حتى النهاية، وبعدَ ذلك سنرى..
وتمَّ الاتفاق مع أفنيري. وباشَرتَ العمل رئيساً للتحرير، وكانَ سكرتير التحرير عثمان برانسي شقيق صالح.
حقَّقت مجلّة 'هذا العالم' نجاحاً كبيراً وسريعاً. لكن عملك فيها لم يُكمل سنته الأولى. في العام 1966 زارَ البلاد شخص يقول إنّه حفيد البطل عبد القادر الجزائري ويحمل إسمه. وراحَ ذلك الشخص يُطلِق التّصريحات المعادية للقومية العربية والمتعاطفة مع إسرائيل والصهيونية. وتبنّته وسائل الإعلام العبرية واصفةً إيّاه برجل السلام.. ونما إليكَ أنّ جهات رسميّة وشعبيّة تُعدّ لهذا الشخص جولة مُحاضرات وندوات في المدن والقرى العربية. وأحسستَ أنَّ أبناء العمومة يريدونَ توظيف هذا الشخص واستغلاله في دعايتهم وتجنيده في حربِهم الإعلامية الشَّرسة. لذلك فقد قرَّرتَ استباق الأحداث وكتبتَ للصحيفة مقالاً بعنوان 'إحذروا الخائن'..
إحتجَّ أفنيري على هذا المقال:
- ما الذي يحدُث لكم؟ لماذا تتّهمونَ كل داعية سلام بالخيانة؟
وجاءَ ردُّكَ سريعاً وحاسماً:
- هذا الشخص ليسَ داعية سلام. إنَّه مُزوِّر للتاريخ ومُضلِّل. إنَّه مُعادٍ لحركة التحرّر الوطني الفلسطينية ومعادٍ لحركة التحرر القومي العربية، وهما حركتا سلامٍ قائمٍ على الحقِّ والحرية والعدالة التاريخيّة.
واستمرَّ الخلاف.. وبعدَ أيام حمَلتَ حَقيبَتَكَ مُعلِناً:
- باي باي تل أبيب.. باي باي 'هذا العالم'.. باي باي أوري أفنيري.. باي باي حفيد عبد القادر الجزائري..
عُدتَ مِن تل أبيب إلى حيفا بالقطار.. وفي محطّة قطار حيفا التقيتَ عضو الكنيست توفيق طوبي. وبعدَ السلام الأخويّ الإنساني الدَّافئ، سألكَ توفيق طوبي:
- كيفَ عملك في 'هذا العالم'؟
قُلت:
- جيّد جداً لكنّه مُتعطّل..
وحينَ سمِعَ توفيق طوبي قصّة الخلاف، قال:
- مكانُكَ الطبيعي هو معنا، في صحافتنا، حيث لا يُمكن أن تحدُث لكَ قصَّة كهذه.. تعالَ إلينا. نحنُ لا نشترط عليكَ عضوية الحزب. في حينه قالَ لكَ جورج إنَّ الذي يجمعنا أكثر بكثير ممّا يفرّقنا. وهذا صحيح آنذاك واليوم ودائماً.
وهكذا كان. بعدَ أيام جئتَ من الرامة إلى مكاتب صحيفة 'الاتحاد'، فاستقبلك رئيس التحرير إميل توما بذراعَين مفتوحتين، وأصبحْتَ عضواً في هيئة التحرير، مع صليبا خميس وعلي عاشور ومحمّد خاصّ وعصام العباسي ومحمود درويش، الذي كان قد تَرَكَ العمل مُراسلاً لجريدة 'المرصاد' وانضمَّ إلى طاقم 'الاتحاد' وإلى عضويّة الحزب.
صبيحة الخامس من حزيران 1967، طَوَّقَت مكاتب الجريدة قوّةٌ من الشرطة والمخابرات. صادَفَ أنَّ علي عاشور كانَ واقفاً قُربَ النافذة فناداه رجل المخابرات 'زكّاي':
- علي عاشور. أُخرج إلينا فوراً. وليخرج معك أيضاً سميح القاسم.
قال علي:
- سميح القاسم ليس هُنا.
وأصرَّ 'زكاي':
- نحنُ نُراقب المكتب منذ الفجر. لا تتشاطر. أُخرُج إلينا مع سميح القاسم، وإلاّ اقتحمنا المكتب وأخذنا كلَّ مَن فيه.
آنذاك فقط، وبعدَ مشاورة سريعة، تقرَّرَ خروجكما إلى المحاصرين حيث كانت الكلبشة بانتظاركما، وكانَ في الكلبشة مُتَّسع لكما، إسوارة لزندك، وأختها لزند علي عاشور.
ساقتكُما القوّة والسلاح مُسدّد إلى ظهريكما، باتّجاه سيارة تنتظر في شارع الخوري. ومِن هناك تحرَّكت السيارة باتجاه شارع الملوك (شارع الاستقلال) حيثُ مقرّ الشرطة الرئيسي.
قبلَ بلوغ مقرّ الشرطة دوَّت صفّارةُ الإنذار، فهرَبَ رجال الأمن إلى ملجأ قريب وبقيتَ مع علي عاشور والكلبشة التي تربطكما بمثل ما تربطكما قضيَّة الشعب والوطن.
قلتَ: ما الذي يحدث يا علي؟ لقد هرَبَ أولاد العاهرة وتركونا عرضة للغارة الجوية.. هيا بنا.. لنلحق بهم إلى الملجأ.. إنَّه هناك..
وترجَّلتما من سيارة الشرطة، ولم تركضا نحو الملجأ.. كانَ علي ضخم الجسم ثقيل الهمّة، كما يقولون، أمَّا أنتَ فلا تُنكر أنَّكَ للحظة، تمنَّيتَ أن تحدث الغارة وأن تمسح مقرّ الشرطة والملجأ وتمسحكما معهما، فالإهانة كبيرة والحزن عميق والغضب رهين الكلبشة القاسية القامعة القاصمة..
بعدَ توقُّف صفّارة الإنذار، عادَ أبطال الأمن يقودهم البطل زكاي، ليقتادوكما إلى مركز الشرطة ثمَّ إلى سجن الدّامون على جبل الكرمل..
ولحقت بكما إلى 'مضافة' الدّامون نُخبة من المناضلين الشيوعيين والقوميين.. كانَ هُناك زاهي كركبي ومحمد خاص وصبري جريس، وآخرون، لو دارَ بخلدك أنّك ستدوِّن ذات يوم ما يحدث لك لسجَّلتَ أسماءَهم الكريمة كلّها.
مع إطلالة كلِّ نهار كانَ السّجانون يفتحون الطاقة المطلَّة على باحة السجناء السياسيين وكان الجنائيون يدسّون وجوههم عبر تلك الطاقة مُتناوبينَ في شتم أُمَّهاتكم وعبد الناصر وروسيا والعرب والإسلام والإرهابيين الفلسطينيين، أو الفلسطينيين الإرهابيين، بصورة أدقّ. وكانَ السجانون يفتحون مُكبِّرات الصوت التي تُذيع الأنباء من راديو إسرائيل العبري، مَتبوعة بالأغاني المَرحة وأناشيد الوطنية الإسرائيلية، وكانَ عليكَ أن تُمزّق طرف البطّانية في محاولة لسدِّ أذنيكَ.
ذات ليلة بلغتكُم أصوات دويّ عميق بعيد.. لم تستطع النوم.. بدا لكَ أنَّ القوّات العربية تقصف المواقع الإسرائيلية.. وفي الصباح، اتَّضَحَ لكَ أنّ دوي القصف المدفعيّ والجوِّي، لم يكن سوى صوت ارتطام باب المرحاض بالملبن (الإطار) الخشبي في غُرفة المعتقل التي تُقيمونَ فيها..
في الصباح، من اليوم التالي، حضر صبري جريس وقال إنَّ القوّات السورية دخلت الجليل، ولم يخطُر ببالك إلاّ أنّك قريباً ستطمئن أهلك عنك بواسطة الإذاعة!!
ثمّ هلَّت عليكم طلعة محمد خاص.. كانَ مُحبطاً ساخطاً ولم تكن لديه من أنباء سوى أنباء الانكسارات والهزائم وتوغّل الجيش الإسرائيلي في الأراضي العربية.
كأنَّما دَخَلتَ في غيبوبة. فجأةً فقدتَ الاتصال بما حولك.. رأيتَ نفسك ولداً بدوياً يمسكُ بزمام بعيرِ هائج في صحراء بلا حدود.. وثمَّة عاصفة تهب، في جوٍّ أَغبر مُسَيَّج بأفقٍ أحمر، البعير يشدّ الزمام وأنتَ تتشبَّث به، تدور حول نفسك، ويدورُ حولك البعير الهائج، والزَّوبعة الرَّملية تلطم وجهَكَ ويديكَ وقدمَيكَ الحافيتين..
وانقشعت سحابة الغيبوبة. عُدتَ إلى نفسِكَ. قلت لها: إمَّا أن أنتحر أو أن أعتزل الدنيا وأعتكف في كهف مِن كهوفنا الجبلية، مُتصوِّفاً مُنقطِعاً عن العالم..
امَّا زاهي كركبي فقد اقترحَ عليكَ حلاًّ أكثر ثوريّة. قال: آنَ الأوان يا رفيق سميح لتنضمَّ إلى الحزب..
كتبْتَ طَلَب الانضمام على ورقة مقطوعة من كيس إسمنت وقدَّمتَه إلى زاهي كركبي.. وبعدَ اجتماعٍ قصير للرفاق في سجن الدَّامون، تلقَّيتَ الإجابة بقبولكَ في صفوف الحزب.. ولم يبقَ إلاّ أن تنقل 'خلية' السجن وقائع الطّلب والجلسة الحزبية الدامونيّة إلى هيئات الحزب العليا.. وبدورها فقد استقبلتكَ الهيئات الحزبية العليا، في وقت لاحق بعدَ الخروج من السجن:
- أهلاً بِكَ يا رفيق سميح في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي.. وبعدَ أعوام، ومِن موقِعِكَ عضواً في اللَّجنة المركزية كُنتَ تُشارك في احتفالات انضمام الشبّان الجدد إلى الحزب. وكُنتَ تُقدِّم لهم بطاقات العضوية قائلاً لكلِّ واحدٍ منهم:
- أَهلاً بكَ يا رفيق في صفوف الحزب..
*
وللحقيقة فلم تبدأ علاقتُكَ بالحزب في العام 1967، بل قبل النكسة بأعوام طويلة. ولم تقتصر هذه العلاقة على فتح صفحات 'الاتحاد' و 'الجديد' و 'الغد'، أمامَ قصائِدِكَ ومُداخلاتك الفكريَّة والسياسية والثقافية.
في العام 1958 توتَّرت العلاقات بين القوميين العرب والشيوعيين على خلفية الصراع بين النظامين في مصر والعراق. وبدأَ الصّراع محلياً بين الحزب الشيوعي وحركة الأرض والعناصر القومية الأخرى. ولاحظتَ آنذاك أنَّ حزبي 'مباي' و 'مبام' يستغلاّن هذا الصراع لصالحهما، حتى أنَّ 'أبو ضيا'، مُحاسب بلدية الناصرة، وكانَ مبائياً صهيونياً على المكشوف، سارَ في مُقدّمة مظاهرة 'قوميّة عربية' في الناصرة ضد النظام العراقي وضد الشيوعيين المحليين والاتحاد السوفييتي.
كانَ صديقك الشاعر راشد حسين آنذاك مُحرِّراً في جريدة 'المرصاد' ومجلَّة 'الفجر' اللّتين يصدرهما حزب 'مبام'، واستكتبك راشد مقالاً للمجلة، وكانَ في مقالِكَ تحذير واضح للشيوعيين وللقوميين معاً، من مغبّة الصِّراع، وتسلّل الأحزاب الصهيونية إلى الجماهير العربية في البلاد من ثقوبِ هذا الصراع وصدوعه..
ومع كَونِكَ عضواً مُساهماً في شركة الأرض المنبثقة عن حركة الأرض المحظورة رسمياً، فقد كانَ لك موقفك الخاص والواضح، ودعوتك الصريحة إلى تجاوز هذا الخلاف الطارئ، والبحث عن صيغة للعمل المشترك، فقضايا العرب هُنا ليست نسخة حرفيّة عن قضايا الوطن العربي، ولا ينبغي أن تكونَ صراعات العالم العربي نموذجاً يُحتذى عند الجماهير العربية تحت الحكم الإسرائيلي. وكُنتَ شديد التشبّث بمقولة: الشعار المناسب في الزمان المناسب وفي المكان المناسب. وحتى حينَ وقعَت بينك وبين بعض الكوادر الحزبية خلافات في مسائل الشعر والفكر، فقد حرصتَ على تجاوز الخلافات بأسرع ما يُمكن، والبحث عن صيغة مقبولة للعمل المشترك..
وفي وقت لاحق، قبلتَ الترشُّح لعضويّة المجلس المحلي في 'الرامة' على لائحة الحزب الشيوعي وغير الحزبيين، في مواجهة القوائم العائلية، وفي مقدِّمتها قائمة عائلتك أنت. وآنذاك نجحَ مُرشَّح العائلة ولم تنجح أنت.. غيرَ أنَّكَ كرَّرتَ المحاولة فيما بعد، وفزت بعضوية المجلس المحلي على قائمة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة وترأستَ لجنة الشباب، ولم تتوانَ عَن دَعمِ الفعاليات الثقافية في البلدة، لكَسرِ الأُطر الطائفية والعائلية، وإرساءِ قواعد المجتمع العلماني الحضاري التقدُّمي التعدّدي، مع احترام كل ما هو إيجابي من تقاليد وعقائد وأعراف وعادات.
بعد العمل في 'الغد' و 'الاتحاد' تفرَّغتَ لرئاسة تحرير مجلّة 'الجديد'، والتي أصبحت بجهودٍ مُشتركة مع صليبا خميس وتوفيق زياد ومحمود درويش وآخرين، المحور الأساسي والمركزي للحركة الثقافية العربية التقدّمية لدى الجماهير العربية المحاصرة، عقوداً باهظةً من الزمن الباهظ.
لم تتردَّد في إعلان رغباتِكَ الشخصيّة داخل إطار الحزب:
- لا أريد رئاسة تحرير 'الاتحاد' لأنَّ هذه المهمَّة تتطَلَّب تفرُّغاً تاماً للعمل الصحفي، وأنا معنيّ قبلَ كُلِّ شيء برسالتي الشعرية..
- لا أريد عضوية المكتب السياسي، لأنَّ ذلك يعني السفر كل نهار أحد إلى تل أبيب، وأنا أوثر التفرّغ أيام الآحاد لشؤوني الشخصية الخاصة جداً.
- أقبل بترشيحي في مكان متقدّم على قائمة عضوية الكنيست، لكنني غير معني بهذه العضوية، مع احترامي لمهامها ودَورها، ولا أستطيع تجاهل المانشيت في إِحدى صُحف العالم العربي يوم دخل توفيق زياد الكنيست.. كانَ ذلك المانشيت خبيثاً ولاذعاً:
'شاعر المقاومة الفلسطينية عضو في برلمان العدو الصهيوني'..
إنَّه حقاً مانشيت خبيث ولاذع وباطل، وغير ثوري وغير قومي، لكن هذه المعارك الجانبية والضّحلة تُؤذيكَ وتُشغِلُكَ عمَّا هو أهَم بكثير في نظرك.. متابعة قصيدتك وجمهورها في جميع أرجاء الوطن العربي.. ولستَ معنياً على الإطلاق بلعبة الدعاية على الطريقة الأمريكية: 'أنا أقول للناس إنَّ أختكَ زانية، واذهَب أنتَ لإقناع الناس بأنَّ لا أخت لكَ'..
*
في العام 1968، اقترح الحزب عليك وعلى محمود درويش، المشاركة في مهرجان الشباب العالمي في صوفيا. كانت هذه هي المرّة الأولى التي تُتاحُ لكَ فيها مُغادرة البلاد والسفر إلى مكان ما، خارج الاعتقالات وإجراءات الإقامة الجبرية والرَّقابة العسكرية والقَمع والإذلال..

طيلة إقامتك في صوفيا كُنتَ في حالة ما بين 'الحلم والعلم' والشَّك واليَقين والغِبطة والألم. فقد فرح وبكى كثيرون من الشبّان العرب الذين تُقابلانهم للمرّة الأولى في حياتكما.. بيدَ أنّ آخرين قرّروا مقاطعتكما وتشويه صورتكما.. بعضهم قال إنّ الشاعرين الحقيقيّين مُعتقلان في السّجن الإسرائيلي وأنَّكما شخصان آخران ينتحلان شخصيتيكما (شخصيَّتَي شاعرَي المقاومة!!).
وكان بين الوفود العربية مَن يُدبِّر لكما لقاءات سريّة.. وحينَ سمعتَ بوجود الشاعر محمد مهدي الجواهري في صوفيا فقد أصرَرتَ على لقائِه، فأنتَ أخوه جَعفر، أنتَ مَن خاطَبَه في قصيدة ما:
عُذراً يـا عِملاقَ الكلمَهْ
إن شابت ألفاظي عُجمه
أنا جعفر في أرضٍ أُخرى
يمتصُّ فمُ الطّاغي دمَّـه
وذهبتَ برفقة محمود درويش ومحمد ميعاري لمقابلة 'سرية' مع الجواهري ظلَّت آثارُها في نفسِكَ إلى يومِكَ هذا، وتحوّلت فيما بعد إلى صداقة جميلة نبيلة، لكَ أن تتحدَّث عنها لاحقاً، إنْ بَقيَ لكَ وقت لاحق لحديث لاحق..
كُنتَ ودوداً جداً مع أعضاء الوفود العربية الذين 'اعترفوا' بأنَّك أنتَ أنت.. وكُنتَ قاسياً جداً مع المهرِّجين المزعبرين: غُبارُ حِذائي يشرف مَن هُم على شاكلتِكم، مِن المحيط إلى الخليج..
ورغمَ التّحريض المنهجي فقد كانت أمسيتكما الشعرية حاشدة ومتألِّقة وموجِعة جداً..
يوم مسيرة المهرجان اتّفقتَ مع محمود درويش: فلنتأخّر مسافة ما عن الوفد. الوفد سيحمل العلم الإسرائيلي، ولن نكونَ في وضعٍ مقبول.. واتّفقتَ مع محمود على أن تحملا الجاكيت على الساعد لأنَّ الشّعار الحزبيّ أيضاً سيستفزُّ بعض الموفدين العرب.. وهكذا كان.. سرتُما على مسافةٍ وراء الوفد وكلٌّ منكما يحمل الجاكيت على ساعده رغم البرد.
واحتجّ عليكما قادة وفدكما، لكنّكما لم تتراجعا عن موقفكما..
ورغمَ ذلك نشرت صحيفة عربية صورة للوَفد (لا تظهران فيها) لكن الكلام تحت الصورة يزعم أنّكما هناك، وراء العلم الإسرائيلي..
ولن تنسى الموقف النبيل الذي برز فيه الشهيد المبدع غسان كنفاني، حينَ هَبَّ مُدافعاً عَن 'جَناحَي شعر المقاومة الفلسطينية'..
ما زالت هذه المحنة تُطاردكما.. فاذهَبْ إلى الناس لتُقنِعَهم بأنَّ لا أخت لك!!!
*
مِن عادة الذينَ يختلفونَ مع أحزابهم أن يشنّوا هجوماً كاسحاً على تلكَ الأحزاب، وأن يطنبوا في شرح مساوئها وعيوبها..
أنتَ لا تفعل ذلك، لأنَّكَ لستَ كذلك، ولأنّك كما يبدو مِن طينة مُختلفة. ولا يعني هذا أنّك مِن طينة أفضل.. قد تكون أفضل. وقد تكون أسوأ. لكنّها بلا شك طينة مختلفة.
لم تكن أيّامك في الحزب كلّها أيام عسل.. كان هناك شيء مِن البصل أيضاً.
يوم قرأتَ في مؤتمر الحزب في يافا قصيدة 'ريبورتاج عن حزيران عابر'، بعدَ نكسة 1967، فقد غضِبَ بعضُ القياديّين واتَّهموكَ بالتعصّب القومي الشوفيني.. وحدَهُ ماير فلنر وقفَ إلى جانبكَ، وأَصَرَّ على نقاءِ قصيدتك من الشوفينيّة، وعلى حقِّكَ في التّعبير الحرّ عن ألمِكَ وأوجاع شعبك.
وحينَ اتَّهمك بعضُ رفاقك من العرب واليهود 'بالانحراف القومي والتطلّعات البرجوازية'، فقد تصدّى لهم رفاق آخرون من العرب واليهود أيضاً، مؤكِّدينَ على أمميَّتِكَ الصادقة والمنسجمة مع تعبيرك القومي الإنساني الصادق.
ويوم تلقَّيتَ دعوة شخصيّة، باسمك، للمشاركة في المؤتمر العالمي التّشاوري في موسكو، الذي دعا إليه ميخائيل غورباتشوف، فقد احتجَّ بعضُ رفاقك القياديين على وحدانيّة دعوتك، وحين سافرتَ إلى موسكو فلم يستقبلك مندوب الحزب هُناك. وحينَ سألتهُ وسائل الإعلام عنكَ فقد رفضَ إيصالها إليك والرَّبط بينها وبينك، وحاوَلَ جاهِداً إحباطَ زيارتك، إلى أن خضَعَ لضغط الطلاّب الجامعيين في موسكو واضطرَّ للتعامل معك بشكل ما، يحفظ له ماء وجهه وماءَ وجه الحزب.
وحينَ أردتَ مُعالجة التحوّلات الخطيرة في الاتحاد السوفييتي وسائر الأقطار الاشتراكية فقد جوبِهتَ بالرَّفض والمعارضة القاطعة..
كَرَّرتَ أكثر مِن مرّة مقولة فؤاد نصار: 'لا تحرجونا فتخرجونا'.. لكن بعضاً منهم أصرّوا على إحراجِكَ وإخراجك.. وكانَ لهم ما يُريدون فقدَّمتَ استقالتك غاضباً وآسفاً، وجاءَ الرَّد السريع بإنهاء عملك في مجلّة 'الجديد' رغم الاتّفاق القديم بأنّ عملك في صحافة الحزب ليسَ مشروطاً بعضويّته..
ولن تنسى الليالي الشّاقة، حينَ كُنتَ تستيقظ ليلاً مِنَ النوم والعرق يتصبّب من جسدك، قلقاً على قوتِ أطفالكَ، مُستذكراً القول الشعبي عن قطع الأرزاق وقطع الأعناق..
صحيح. أنتَ اختلفتَ مع أفراد من قيادة الحزب، لكنَّك رفضتَ جميع الإغراءات لتحويلك عدواً لهذا الحزب، واستنكرتَ مُحاولات استدراجك، عبرَ بعض رفاقك القدامى وأصدقائك القدامى، بوعودٍ مُسيِّلةٍ للُعابِ غيركَ، كتمويل مشروع إعلامي ضخم.. أو.. جائزة نوبل للآداب، بعد القبول بجائزة إسرائيل!!
صحيح. أنتَ اختلفتَ مع أفراد من قيادة الحزب. لكنَّكَ تعرف برنامج هذا الحزب، الذي كانَ أوّل إطار سياسي بعد النكبة يرفع شعار حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني.. وحمى اللغةَ العربية والرّوح العربية مِن دعاوى مَسح الذاكرة وإلغاء الهوية وطَمس الوجود القومي والوطني والإنساني. كذلك فأنت تعرف هذا الحزب الذي وضع وسائل إعلامه ومنابره تحتَ تصرّف جميع الوطنيين الصادقين بغضّ النظر عن انتماءاتهم واجتهاداتهم.. وأنتَ تعرف هذا الحزب الذي فتحَ أبواب العِلم للشبَّان العرب في جميع أرجاء الأقطار الاشتراكية وقاد معارك الأرض والمساواة والكرامة القومية والإنسانية، وهيّأَ لكَ التنفس في الهواء الطَّلق، خارج السّجون والمعتقلات وأوامر الإقامة الجبرية وإثبات الوجود في مراكز الشرطة، وأتاحَ لك زيارة 'بوخنفالد' ومُشاهدة وَجه العنصريّة والنازيّة والفاشيّة والعسكرية بأدقِّ ملامحه البشعة المقزِّزة..
وأنت تعرف هذا الحزب الذي دافَعَ عن الأوقاف وخاضَ معارك السكن والعمل والكرامة لأبناء شعبِكَ المقيمين على تُراب الآباء والأجداد. وأنتَ تعرف هذا الحزب الذي أتاحَ لكَ توسيع آفاقك القومية وفتحها على الآفاق الأممية الإنسانية النّظيفة والشريفة.
وفَوقَ ذلك فأنتَ المعارِض الصّارم للتعامُل مع الأفكار والقَناعات، وكأنّها قُمصان نُبدِّلها بما تقتضي راحةُ أجسادِنا..
وأنتَ تعرف هذا الحزب الذي وقفَ إلى جانبِكَ في مواجهة حَمَلات التَّشهير الشخصي وتشويهِ السُّمعة التي شنَّتها عليكَ أكثر مِن مرّة جِهات وعناصر موصومة فاسدة.
وبعدَ كُلِّ ذلك فأنتَ ترفُض ادّعاء السُّفهاء الجَهَلة السَّاقطين بأنَّ انخراطك في صفوف الحزب مِن شأنِهِ أن يُغضبَ الله عليك يوم الحساب، فأنتَ شديد الإيمان بأنَّكَ شاعر الله المختار.. وأنتَ شديد الإيمان بأنَّكَ لم تفعل في حياتكَ ما يُغضب الله. وأنتَ شديد الإيمان بأنَّ الله يُحبُّكَ حُباً جماً. وأنتَ شديد الإيمان بأنّ الله يُعاقب شانئيك عقاباً شديداً أليماً. إنَّه العَليم البَصير وهوَ على كُلِّ شيء قَدير.
****

في إحدى رحلاتك إلى باريس تعرّفتَ إلى صحفي مغربي إسمه علي بن عاشور. وذكّرك اسمه برفيقك من صحيفة الاتحاد، إبن غزّة علي عاشور.. وفرحَ هو بهذا التشابه، ثم قال: هل تريد الخروج من دائرة صداقة تجمع علي بن عاشور إلى علي عاشور، والدخول في دائرة صداقة مع شخصية وطنية عظيمة تُدعى أحمد بن بلاّ؟
ظننته يمزح. لكنّه أصرَّ على أنّ أحمد بن بلا موجود في باريس وهو يلتقيه كثيراً.
قُلتَ: سأكون سعيداً جداً بلقاء هذا الرجل، وسأشمُّ فيه رائحة الجزائر ورائحة جمال عبد الناصر أيضاً.
مضى يومان أو ثلاثة. وذات مساء، وبينما كُنتَ تُعد حقيبتك للمغادرة في صباح اليوم التالي، رنّ التلفون. وجاء الصوت:
- أستاذ سميح.. أنا أحمد بن بلا.
قلت:
- كفى مزاحاً يا علي بن عاشور فأنا مشغول بإعداد حقيبتي للسفر.
وعادَ الصوت:
- لا ياسي سميح. أنا حقاً أحمد بن بلا، وقد أعطاني علي بن عاشور رقم هاتفك. أنا فعلاً أحمد بن بلا وأريد دعوتك إلى الغداء في منـزلي غداً. ستأتي سيارة لتأخذك. أجّل سفرك. يجب أن نلتقي.
وأضافَ مُداعباً:
- كيفَ لا يلتقي ربُّ السيفِ بربِّ القلم؟
وتأكَّدتَ أنه العملاق أحمد بن بلا. فاعتذرت. ورحَّبت. وأكّدتَ تشرّفك بلقاء الغد. وبعدَ انتهاء المكالمة مع السي أحمد، طلبتَ زوجَتك نوال في الرامة وجاء دور الاعتذار لها:
- لن أتمكّن من العودة غداً. لم أستطع رفض دعوة رائعة من إنسان رائع هو المناضل الأسطوريّ أحمد بن بلا.
وكانَ اللّقاء حميمياً جداً. واضطرّوا لإعادة تسخين طعام الغداء أكثر من مرّة لأنّ ذكريات بن بلا وأفكاره تتدفّق بلا هوادة، وشهيّة التاريخ أقوى أحيانا مِن شهيّة الطعام..
وقبلَ مغادرتك منـزل أحمد بن بلا في باريس، على موعد لقاء قادم، قدّم لكَ صورة له كانَ قد كَتَبَ على ظهرها:
مِن ربِّ السيف إلى ربّ القلم!
وما زلتَ تحتفظ بهذه الصورة، باعتزاز عميق..
****

ستوكهولم. نهار معتم. مساء معتم. أُمسية شعرية في قاعة عريقة شبه معتمة. إنّه المسرح الملكي أو شيء كهذا. تقرأ ويقرأ محمود درويش وبعض الشعراء السويديين. يُصفّق الجمهور. شُبّان وشابات يطلبونَ تواقيع وصوراً ونسخ قصائد ومجموعات شعرية إذا أمكن.
يأتي أحد المنظّمين ويهمس في أذنك: لدينا شخصية هامة استمعت إلى القراءات من بنوار خاص. هذه الشخصية ترغب في السلام عليك وعلى محمود. وتمضيان بصُحبة المرافق إلى غُرفة خلفيّة حيثُ يقف رجل يبدو عليه المرض يُسلِّم عليكما بيدين راعشتين ويُقدّم نفسه بصوتٍ خفيض:
- أنا يوسف زعيّن. قصائدُكم كانت عزائي في السجن. وأنا سعيد جداً بهذا اللقاء..
إذن هذا ما آلَ إليه يوسف زعيّن رئيس وزراء سوريا الأسبق والذي كُنتَ قد كتبتَ افتتاحية في مجلّة 'هذا العالم' تُحيّيه فيها وتحيّي رفاقه الشبّان الطالعين بوعد الكفاح القومي والنضال الوحدوي.. هذا ما آل إليه يوسف زعيّن.. هذه هي الدنيا.. ولا إله إلاّ الله..

****

كثيرةٌ هي مُصادماتك مع الوعي الطائفي المتخلّف. ولشدّما يؤسفك أنّ الطائفية تمدّ أنفها مِن حينٍ لحين حتى في المسائل النقدية. ويستغلُّ بعضُ شانئيك مأساة التجنيد الإجباري الذي يتعرّض له أبناء الطائفة الدرزية في بلادك. لا يعزِّيك أنّ عدد المتطوّعين من الطوائف الأخرى أكبر من عدد المجنَّدين قهراً وإلزاماً من الطائفة المعروفية. ولا يعزيك كونكَ أوَّل مَن أقام تنظيماً شبابياً لمواجهة هذه المأساة. ما يعزّيك هو أنّ الوطنيين العروبيين الأحرار والشرفاء في جميع أرجاء الوطن العربي لا ينجرّون وراء الراقصين على الدم والمتلذذين بالسمّ الطائفي.
ذات مساء. وفي برنامج، على شاشة التلفزيون الإسرائيلي، بمشاركة الوزيرة السابقة شولاميت ألوني، سألكَ المذيع:
- ماذا كانت رتبتك في الجيش الإسرائيلي؟
وجاءَ جوابُك واضحاً وقاطعاً:
- رُتبة أسير الحرب!
وعلى أيّة حال فقصتك مع الجيش منشورة في أكثر من صحيفة. وخلاصتها أنّك طُلِبتَ للخدمة العسكرية حسب قانون التجنيد الإلزامي، فكتبتَ رسالة احتجاجية إلى رئيس الوزراء ووزير الدفاع في الخمسينيات من القرن الماضي، دافيد بن غوريون.. وجاءَكَ الرد: 'مِن حقّ وزير الدفاع تجنيد كل مواطن ومقيم في الدولة، ومن حقّه استثناء مَن يشاء. ولا يريد الوزير استثناءَك'. كرّرتَ الاحتجاج فأجّلوا أمر التجنيد. وبعدَ سنتين، في العام 1960، حضرت قوّة من البوليس إلى بيتك في الرامة واعتقلتك . تمَّ توقيفك أولاً في مركز شرطة مجد الكروم. في اليوم التالي نقلوك إلى غرفة التوقيف في مركز 'العمارة' العسكري في الناصرة. بعدَ أيام وضعوا القيودَ في زنديك واقتادك جندي عربي في شوارع الناصرة والسّلاح مُسدّد إلى ظهرك.
سألتَه: ما اسمك؟
قال: إسمي 'رايق' وأنا نصراوي متطوّع للجيش.
قلتَ: ألم يجدوا في الجيش الإسرائيلي جندياً سواك للقيام بهذا الدّور؟ ألا تحسّ باللعبة الطائفية التي يُمارسونها معنا؟
- لا أفهَم شيئاً. قالوا لي أن آخذك إلى معسكر صرفند وسأفعل. أنا أنفّذ الأوامر.
مررتما بمجموعة من الناس تنظر إليكما بدهشة. نادَيتَ بأعلى صوتك: إذهبوا إلى منصور كردوش وقولوا له إنَّ الجيش اعتقل سميح القاسم!
ويبدو أنّ الرسالة وصلت إلى منصور كردوش ومنه إلى راشد حسين، فقد اتّضح لاحقاً أنّ راشد حسين كتبَ مقالاً في جريدة 'المرصاد' ضد اعتقالك وسرَّبَ النبأ إلى عدد من الصحف العربية والعبرية..
أوصلك الجندي رايق، النصراوي، إلى معسكر صرفند. لم تحقِد عليه لكنّك حزنتَ لأجله.
أدخلوكَ المعتقل في 'الصرفند' وانهالوا عليكَ بالتّهديد والوَعيد.. ثمّ انصرفوا إلى الاسترضاء والترغيب. وبالطّبع لم يجد ترهيبهم وترغيبهم نفعاً.
بعدَ أيام جاءوا بضابط شاب لمتابعة المحاولة:
- إسمي باشي. درَستُ مع أخيكَ قاسم في الجامعة العبرية. وقد أحضرته لمقابلتك. هل تذهَب إليه في مكتبي أم آتي به إلى هُنا؟
- معتقلكم هذا نظيف ومريح وأستطيع استقبال زوّاري فيه. تنقصني هنا القهوة وطقم كنبات!
كانَ ذلك الضابط قصيراً ونحيلاً ولئيماً. قالَ بعصبيّة مقتضبة:
- لولا أنني استدعيتُ أخاكَ بنفسي، وهو هنا الآن، لحطّمتُ رأسك!
جاءوا بأخيكَ الأكبر قاسم. وبعدَ السلام والاستفسار عن وضع الوالدين وسائر أفراد الأسرة، قال:
- لا أخفي عنك شيئاً. هدّدوا أولاً بمضايقة جميع الموظفين من أبناء العائلة، فأجمَعْنا على رَفض التهديد. بعدَ ذلك جاءوا باقتراح.. لا تحمل سلاحاً ولا تقوم بأي عمل عسكري.. أنتَ معلم، واقتراحهم أن تعلّم الجنود العرب دون مُقابل.. ثمّ إنَّ تُهمة الشيوعية تُلاحقك. وتحرُّك الرأي العام ضئيل ومحدود. وعلى أيّة حال فأنتَ تعلَم أننا نحترم حرية رأيك. والقرار متروك لك..
سمِعتَ أخاكَ وودّعته:
- سأُفكّر بالموضوع من كلّ جوانبه، وسأقرّر فيما بعد..
لم تتقن النوم تلك الليلة. غرفة التوقيف نتنة ومُتعبة وضيِّقة. لكن ظروف الاعتقال لم تكن وحدها السبب في نزوح نومك.
أنتَ في وضعٍ حَرِج وينبغي أن تتّخذ الموقف الصحيح. معركتُكَ ليست شخصية فحسب. أنتَ تعلَم أنَّهم لن يعدموك ولن يحكموا عليكَ بالسجن المؤبّد. تستطيع المكوث في السجن العسكري لأيام أخرى، أو لشهور، وحتى لسنوات. لكن ماذا يحدث لرسالتك في هذه الأثناء؟ أنتَ مَعنيّ بتوعية الناس، جميع الناس، بأنّ 'التجنيد الإجباري' ليسَ مسألة عسكرية. فالصهاينة لا يحتاجون لبضعة جنود عرب لحسم الحرب. إنّها مسألة سياسية قبلَ كُلِّ شيء. إنّها فقرة مِن برنامج 'فرِّق تَسُد'. وأنتَ لا تبحث عن خلاصك الشخصي فحسب. أنتَ تبحث عن خلاص شعب بأسره من محنة التمزُّق والتشرذم. ثمّ إنّ المؤسسة الحاكمة وشروط الحكم العسكري المفروض على أبناء شعبك تتطلَّب منك الدّخول في لعبة شديدة التَّركيب. أذرعة الحكم العسكري تُحاصرُكَ بتهمة الشيوعية في مُجتمع مُحافظ مُتديّن وفي بيئة شديدة التخلُّف. وعُملاء السلطة يُروِّجون كلَّ ما يقوله أسيادهم. إنّهم يُحاولون إحراق أوراقك رغمَ قناعتك أن الشيوعية ليست تُهمة، ولا ينبغي أن تكونَ تُهمة. لكنّك تتحرّك في مُجتمع خاص بمعطيات خاصة. تُريد القيام بعمل تعبويّ. وأنتَ سجين الآن ومُحاصر. فلماذا لا تُواصل مهمّتك التعبوية بينَ المجنّدين والمتطوّعين أنفسهم. ليكُن ما يكون.. إقبَل مهمَّة تعليم الجنود. لم لا؟. إنّهم أبناء شعبك. وهم ضحايا لُعبة سياسية أكبر منهم وأكبر منكَ. لن تحمل السلاح.. هذا أمر مؤكّد ومحسوم.. ولن تمسّ بسوء أياً من أبناءِ شعبك.. وهذا أمر مؤكَّد ومحسوم.. لكنك تستطيع غرس كلمة طيّبة في إخوانك المجندين والمتطوّعين البؤساء.
قرَّرتَ أن تقبل التحدي. وفي صبيحة اليوم التالي ناديتَ أحد السجانين:
- إذهب إلى باشي وقُل له إنني سأعمل مُعلِّماً بدون مرتَّب. وليهنأ هو بالثروة التي يقتطعها من مُرتّبي.
حَضَر باشي القصير والنحيل واللئيم، ليقولَ بجفاء:
- القيادة أعادَت النظر في الاتفاق وقرّرت تجميد تنفيذه. ستبقى مُعتقلاً إلى أن تبت في شأنك. أمّا الآن فقد تقرّر نقلك إلى المعتقل في معسكر 'فرّان' الصحراوي في النقب.
كانَ في معسكر 'فرّان' خليط من الجنود.. يهود وعرب وشركس.. دروز وسنّة ومسيحيون مدنيون وفلاحون وبدو.. استقبلوكَ بمشاعر مختلطة. لاحظت أنهم يحبونك ويحترمونك ولا يتوجهون إليك إلاّ بنداء 'يا أستاذ'..
وضعَتكَ القيادة في خيمة خارج حدود المعسكر.
في الصباح اتكأ على سياج الخيمة ضابط وقال:
- مهمّتي هُنا هي تكسير رأسك.
قُلتَ بهدوء:
- ومهمَّتي هُنا هي تكسير رأسك ورأس أبيك ورأس دولتك.
قال:
- كيفَ تجرؤ على هذا الكلام وأنا قريبك؟ زوجة خالك إبنة عمّي. أنا من دالية الكرمل..
قُلتَ:
- لو كُنتَ قريبي حقاً لما تفوّهتَ بمثل هذا الكلام.. هذا الجيش يذبح شعبك. وأنتَ تُهدّد بتكسير رأسي؟
رَدَّ غاضباً وساخراً:
- عَن أيِّ شعبٍ تتكلّم؟ الذينَ أهانوا آبائي وأذلُّوا أجدادي ونهبوا مواشينا وقطعوا أشجارنا وشتموا ديننا في أيام الأتراك وأيام الإنجليز ليسوا شعبي ولا أريد أن يكونوا شعبي. اليهود لم يظلمونا مثل الذين تقول إنهم شعبي. أنتَ ما زِلتَ ولداً ولا تعرف هذه الأشياء! اليهود أرحَم يا خال. اليهود أرحم!
رددت مسفِّها:
- أنتَ أكبر مني عُمراً لكنّكَ أصغر عقلاً. ما كان في زمن الأتراك والانجليز وما يجري في زمن اليهود ليسَ إلاّ لعبة سياسية وسخة. كلّهم يضحكون على ذقنك وذقني وذقن شعبنا وأمَّتِنا..
في ساعات الظُّهر جاء جندي ليقول لك: أنتَ مدعوّ على الغداء عندَ حضرة الضابط. ينبغي أن تتغدى. فلتذهب للغداء ولتواصل الحوار غير الممتع.
وفوجئتَ عندَ الضابط إياه بضابط شركسي كانَ مِن أبناء صفِّك في ثانوية الناصرة البلدية.. وضابط آخر مِن لاجئي قرية 'إقرث' في بلدك.. بالطّبع فلم تجد عزاءً في اتّساع رقعة المحنة. لكنّكَ وجدتَ مزيداً من الألم ومزيداً من الإحساس بالمسؤولية في مُعالجة هذه العُقدة المركّبة..
بعدَ أيّام قيلَ لك:
- ستُباشر التعليم غداً.
وباشَرتَ التعليم.
بعدَ أيام قيلَ لك:
- أنتَ تدسّ السّم في الدسم. أنتَ تُحرِّض على الدولة وعلى الجيش حتى عبر دروس قواعد اللغة العربية.
بعدَ أيام قِيلَ لك:
- قرَّرنا نقلك إلى قسم الشؤون الاجتماعية..
وبعدَ أسابيع قيلَ لك:
- أنتَ تُميّز في توصياتك ضد المتطوّعين.. أنتَ تُحاربهم وتنتقم منهم.. لن نسمح لكَ بذلك.. قرَّرنا إرسالك إلى دورة تمريض في مُعسكر صرفند. مُدّة الدّورة عشرة أشهر فسنرتاح منك طيلة هذه المدّة.
أخذوكَ إلى معسكر صرفند وباشرتَ دورة التمريض. وفي اليوم التالي ضربتَ الأومباشي تسباري فاقتادتك الشرطة العسكرية إلى المعتقل..
لم يُفرَج عنكَ إلاّ حينَ تدخَّلت ضابطة شابة جميلة جداً، اتضح لك لاحقاً أنّها كانت صديقة طالب جامعي من أبناء عمومتك في الجامعة العبرية. وتعترف الآن بأنّك حسدته كثيراً على هذه النعمة!!
بعدَ انتهاء الدورة قرّر الأومباشي تسباري معاقبتك فأرسلك للعمل في غرفة الموتى في مستشفى 'رمبام' في حيفا.
وفي نهاية العمل المضني والمرعب في غرفة تشريح الموتى أعادوكَ إلى 'فرّان'، حيث كُنتَ أصررت على ممارسة التدريبات العسكرية وفزتَ بالتفوّق، لتفنيد الشائعات التي أطلقوها بين إخوانك من أنّك شخص أرستقراطي مُترفّع عليهم، وأنّك مِن عائلة مُتعلِّمة مُتعالية وأنَّكَ مُرفّه لا تستطيع القيام بالأعمال الصعبة التي تتطلّب جُهداً خاصاً وجُرأة خاصة، وأنّ ادّعاءاتك القوميّة والسياسية ليست السبب الحقيقي لرفضك الخدمة!
في فرّان كانَ عليك أن تتناول طعامك بعلبة صفيح، تحملها وتقف بالدور حتى يسكبوا لك فيها الطعام، أسوةً بكلّ الأسرى.
قُلتَ: لن أتناول الطعام إلا على مائدة نظيفة، وليتابعوا الإدعاء بأنّني مُدلّل مرفّه!
جاءَ الضابط (قريبك من دالية الكرمل) وقال:
- بعدَ دورة التمريض تستحقّ رُتبة تُتيح لك تناول الطعام في غرفة طعام الضابط.. هذه مسألة قانونية ولا يستطيع أحد حرمانك منها.
وتَرَك ذلك الضابط الجيش.. وتزوّج وأنجب ولداً أطلقَ عليه إسم 'سميح'.. ويوم توفّاه الله، مشيتَ في جنازته.. وكانَ إبنه 'سميح' ما زالَ صغيراً، فلم يسر إلى جانبك في جنازة أبيه.. لكن كثيرين من إخوانك أسرى الجيش ورافضي الخدمة كانوا إلى جانبك.. يسلِّمونَ عليكَ هَمساً.. ويشدّون على يدك..

***

لا تثريب عليك. غيّرتَ ما بنفسك، حينَ أوصلتكَ أفكارُك وحواراتُكَ الذاتية إلى ضرورة التغيير. لكنّك لم تدّخر وسعاً لحماية وجدانك من حمأ الغضب وإفرازات الصراع الملوثة. فشلت العُنصرية التي انقضّت عليك، في تحويلك إلى عنصري.. ولم تنجح أوجاع الطائفية والإقليمية في تحويلك إلى طائفي وإقليمي. لكنّك في الوقت نفسه لم تحطَّها واطية، كما يقولون، لأوباش القبلية والطائفية والإقليمية والتعصب القومي الأعمى الشوفيني. لم تُجامل مدّعياً ولم ترحَم مُتغطرساً ولم توفر دعيّاً.. وعلّمتك تجاربُ الحياة وعِبَرُ السفر كثيراً..
يوم لاحت غيوم حرب أكتوبر 1973 في الأفق قلتَ لنفسك: إذا نشبت الحرب هذه المرّة فلن أسمح لهم باعتقالي، سأختفي في مكانٍ ما وسأُتابع أخبار الحرب وتطوّراتها على راحتي.
وقُلتَ هذا الكلام في اجتماع على جبل الكرمل حضرته عناصر يهودية وعربية مُناهضة للحرب. في نهاية الإجتماع دَنَا مِنكَ شاب يهودي:
- أنا يساري من الأرجنتين. حضرتُ مع زوجتي وطفلتي قبلَ شهور. منذ أيام تلقّيت أمراً للإلتحاق بفرقة عسكرية يبدو أنّها ستذهب على عجل لمحاربة أبناء شعبك على السويس. زوجتي أيضاً يسارية وهي ضد الحرب. إنّها لا تُتقن العبرية بما فيه الكفاية لتصريف شؤون البيت في غيابي. نحنُ نسكن هُنا على الكرمل. إذا رغبتَ فإنّك تستطيع الاختباء في بيتي، مُقابل رعاية زوجتي وطفلتي لحين أعود.. إذا أُتيحَ لي أن أعودَ حياً من هذه الحرب القذرة.
أَذهَلَكَ العَرض وقبلته.
وبعدَ الحرب نشرتَ قصيدة 'تعتيم'.. ودُعيتَ لقراءَتها في جامعة تل أبيب لجمهور من الطلبة والأساتذة.. أنتَ قرأتها بالعربية وقرأها أحدهم بالعبرية. وسُجّلت النّدوة تلفزيونياً وإذاعياً..
وَحينَ نشر الروائي العبري سامي ميخائيل روايته الشهيرة 'حَسُوتْ' (حِماية-وصاية-رعاية) فقد نَشَرت صحيفة عبرية خبراً موسعاً عن التشابه بين الرواية وبين قصيدتك- التي سبقت الرواية بوقتٍ كافٍ لكتابة رواية!
ليسَ مُستبعداً أن يكون ميخائيل قد قرأ قصيدتك بالعربية التي يُتقنها أو أن يكونَ قد قرأ الترجمة أو استمعَ لندوة جامعة تل أبيب.. وقد يكون صحيحاً أيضاً أنّ حالة الاحتكاك العربي اليهودي ولّدت فيه هذه الرواية.. لكن التشابه 'المدهش' بين رواية ميخائيل الأخيرة وبين رواية غسان كنفاني 'عائد إلى حيفا' يستدعي مراجعة أخرى للموضوع.
وقرأت في أكثر من ندوة في القدس وتل أبيب ويافا وحيفا مقاطع من سربية 'ملك أتلانتس' بالعربية والعبرية.. وبعدَ ذلك ظهرت المسرحية العبرية 'مانو، ملك أتلانتس'.. أهو نوع مِن التأثير؟ أهوَ شكل من التلاقح؟ أم هي مُجرّد مصادفة؟ أنتَ لا تميل إلى الاحتمال الثالث.. ولا تستبعد أن تكونَ صيحات وجعك الإنساني والشعري قد تركت صدىً في الآخر الذي هو أحد شقّي المعادلة المأساوية الشاقة التي تطبخك في حليب أمك وتطبخه في حليب أمّه!
لقد آمنتَ دائماً بضرورة الحوار مع الآخر. رفضتَ الزّج بمعنى 'الحوار' في مقولة 'التطبيع'.. قُلتَ كثيراً إنّ 'الحوار' واجب. والمثقف الذي يهرب من الحوار هو كالجندي الذي يهرب من المعركة..
ذات يوم اتصلوا بك مِن إذاعة صوت إسرائيل العبرية. قالوا إنّك مدعو لحوار ببث مُباشر مع الرابي مئير كهانا، ضمن برنامج 'هل توجد أسئلة؟'.. كانَ البرنامج شهيراً جداً ونسبة الاستماع إليه عالية جداً فلم تتردّد، قُلت: أنا على استعداد لمحاورة الشيطان نفسه.. قضيّتي عادلة وأنا أُتقن المرافعة عنها.
قالوا: وهل تُمانع أيضاً في أن يُشارك تساحي هَنِغبي؟
قلت: ولِمَ لا تشارك أيضاً أمه غئولا كوهين؟
قالوا: وللموازنة نُريد دعوة أفراهام بورغ.
قلت: لا بأس. أهلاً وسهلاً بكل مَن تريدون دعوته، شريطة أن يُتاح لي الوقت الكافي للتعبير عن رأيي.
وحدّدوا الموعد للمناظرة في قاعة كليّة بتسالئيل في القدس. اتّصلتَ بصاحب سيارة تكسي من بلدك إسمه عفيف وشرحتَ له الأمر مُضيفاً أنّ زعران كهانا قد تسول لهم أنفسهم الاعتداء عليك.
قالَ عفيف: أنا سأوصلك إلى المناظرة في سيارتي. وسيكون مسدّسي في حزامي. وإذا تجرّأ أحد عليك فسيلوم أمّه وسيندم على يوم مولده، لأنني لن أجلس مُتفرجاً..
كانَ جمهور الندوة نُخبة من يهود القدس، مِن تيارات فكرية عديدة. تكلّم مئير كهانا وتكلّمتَ أنت ثم جاء دَور تساحي هنغبي وأفراهام بورغ. واحتدّ النقاش حينَ قُلتَ لكهانا:
- لن أدعوكَ 'رابي' لأنني أحترم الربانيم الحقيقيين. أنتَ أصدرتَ كتاباً بعنوان 'كالأشواك في عيونكم' وفي كتابكَ وصفتَ قصائدي بأنّها مصدر الأناشيد العسكرية للجيوش العربية. وزوّرتَ في الترجمة. أنا أقولُ في إحدى قصائدي 'لكنّا لا نتعطّش للدم'.. وأنتَ ترجمتها 'نحن متعطشون للدم'.. أنتَ زوّرتَ وزيّفتَ وكذبت ومثل هذه الأفعال لا تليق برابي حقيقي..
صفّق لكَ الجمهور. وصفّق أفراهام بورغ. فنهضَ مئير كهانا من مقعده قائلاً لك:
- أنتَ عدوّ واضح. وأنا أحترمك مع تأكيدي على ضرورة القضاء عليك. إمّا أنا أو أنت.. لكن الذي يؤلمني كثيراً هو وقوف مدنّسي إسم الرب من اليهود أمثال بورغ، إلى جانبك وتأييدهم لادّعاءات شعبك.
قُلتَ بهدوء:
- لطالما تفرجتم على حروب العرب. وسيسرّني الآن أن أتفرّج على حروب اليهود.. تفضّلوا.. وعاوَدَ الجمهور التصفيق.. والضحك.. وخرِسَ كهانا..

***

كثُرت أسفارُكَ خارج البلاد. ليس لضرورة الشعر والمنتديات الثقافية والفكرية والسياسية فحسب، بل لأنّك أحببتَ السفر لأكثر من ثلاثة عقود.. أصبحت بعدها مُتعة الإستذكار أكبر مِن متعة السفر نفسه، لا سيّما بعدَ حادث الطرق الشّرس الذي جعلَ العصا طرفاً مِن أطراف جسدك..
وتستعيد رحلة أخرى في ربوع الاتحاد السوفييتي، رحمة الله عليه ورضوانه وغفرانه. كانت الرحلة إلى جمهورية جورجيا (غروزيا) وعاصمتها تفليس (تبيليسي).
في زيارة إلى إحدى القُرى قالَ لكَ مرافق جورجي إنّ مختار القرية (العمدة) يُريد تقبيل يدك.
قُلتَ: ولِمَ يقبّل يدي؟ هل يظنني قيصر؟
وضحِكَ المرافق وتحدّث بلغة القوم فضحكوا جميعاً. قال المرافق:
- حَدَث شيء مماثل لهذه الطرفة. أراد المختار تقبيل يد شاعر فتساءَلَ الشاعر، بمثل ما تساءَلت:
- وهل أنا القيصر؟
فردَّ هذا المختار:
- لو كُنتَ القيصر لقطعنا يدك.. لكننا نُقبّل أيدي الشعراء!!
***

بين الحلم والخيـبة. مع الفرح والإحباط. بمزيد من التناقضات والمفاجآت السارة والموجعة، تابعتَ ترحالك وتجوالك في ما أتيح لك من وطنك العربي الكبير ومن العالم الخارجي.
كُنتَ قد أويت إلى سريرك في أمستردام، بعدَ منتصف الليل بأكثر من ساعة حينَ رنّ التلفون. مَن يمكن أن يكون هذا في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ هواتف الساعات المتأخرة من الليل مُرعبة. إنّها على الغالب من مقتضيات التعامل مع المآسي. أعوذ بالله. أعوذ بالله:
- هالو!
- هالو.. الأخ سميح؟
- مَن يريده؟
- الأخ أبو عمّار يريد أن يكلّمك.
- مفاجأة سارة إن شاء الله. أهلاً وسهلاً.
- إزيَّك يا سميح. عامل إيه يا خويا في بلاد البرد. لماذا لا تأتي إلى القاهرة. دَعوكَ أكثر من مرّة ولم تحضر. إنهم إخوتك ومحبّوك. ووجودك بينهم يخدم قضية شعبنا وثورتنا. جمهورك الكبير هُنا مُتعطّش للقائك. لا تهتم بحواديث التطبيع. أنتَ تأتي إلى القاهرة مندوباً عن شعبك ووطنك وأمّتك وقضيّتك. نحنُ بحاجة إليكَ هُنا وفي جميع أنحاء البلاد العربية. هذا واجب وطني وقومي وليس سياحة وتطبيعاً. تعال. خلاص. المسألة مش عايزة كلاماً كثيراً. تعال. نحنُ وإخواننا المصريون بانتظارك.
*
وذهبتَ إلى مصر، لتبتهج بترحاب مُنقطع النظير، شعبياً ورسمياً. أذهَلَكَ الكم الهائل من العمارات العالية واللافتات المكتوبة باللغة العربية. وقفتَ في ميدان التحرير رافعاً ذراعيك مُتسائلاً بدهشة:
- يا إلهي. هل سكّان كل هذه العمارات هم من العرب؟
وفرحتَ بالتعرّف شخصياً إلى 'أصدقاء' لم تقابلهم من قبل.. يوسف إدريس.. نجيب محفوظ.. جمال الغيطاني.. يوسف القعيد.. رجاء النقاش.. أحمد عبد المعطي حجازي.. غالي شكري.. أسامة الباز.. فاروق حسني.. سمير سرحان.. محمد إبراهيم أبو سنة.. عادل إمام.. رغدة.. سميحة أيوب.. سعد الدين وهبة.. نور الشريف.. عزّت العلايلي.. كرم مطاوع.. صلاح السعدني.. محمد حسنين هيكل.. صلاح أبو سيف.. خالد محيي الدين.. نوال السعداوي.. شريف حتاته.. الشيخ إمام.. وعشراتٍ آخرين لا يقلّون أهمية وحضوراً وألفة..
ولن تنسى لقاءَكَ المؤثر جداً بالشيخ إمام عيسى.. لم يكن لديه تلفون لتتصل به وتحدد موعداً. ذهبتَ برفقة اثنين من أصدقائك العرب المصريين.. توغّلتم في 'الحواري' المتربة الوسخة، إلى أن بلغتم محل مكوجي في حي إسمه حوش قدم.. أو حوش آدم.. مَن يدري الآن؟.. ودلّكم المكوجي على 'عشّة' صغيرة ومنتنة على السطوح.. تسللتم في الظلام وعبر المياه الراكدة الآسنة.. وبعدَ جُهدٍ جهيد كان اللقاء بهذا الفنان العظيم الذي تعتقد أنّه يستحق الإقامة في مكان أفضل من العشّة المنتنة.. تعانقتما بحرارة. وشكا لك الفنان الضرير 'البصير' ما يُعانيه مِن شظف العيش لأنّ موزّعي كاسيتاته وأغانيه في الوطن العربي يسرقونه ولا يدفعون له مستحقّاته. وهو في وادٍ والدولة في وادٍ..
كُنتَ قد 'ترجمتَ' بعض الدولارات إلى العملة المحلية، لشراء كمية كبيرة من المسابح من خان الخليلي، لتوزيعها على أصدقائك في الوطن.. وحضرتك فكرة سريعة:
- لا يا شيخ إمام. لا تظلم جميع الموزعين. أنا أحمل إليك هذا المبلغ من الموزعين في بلادنا. وأخرجتَ من جيبك بضع مئات من الجنيهات المصرية وقدّمتها له.
تردّد الرجل. لكنّك أصررتَ على أنّ هذا حقّه ولا يجوز له التنازل عن هذا الحق..
وقبلَ الرجل على مضض.
وفي طريق العودة من هذه الزيارة المثيرة والممتعة والموجعة قال صديق مصري:
- هذا المبلغ يكفيه سنة كاملة.. شكراً لك. لم تكن مضطراً.
قُلتَ بوجع خفيّ:
- لم أفعل شيئاً. هذا قليل من حقّ الرجل علينا.. إنه حقّه. وأنا لم أفعل شيئاً.
***

وها أنتَ تتذكّر وتكتب كيفَ بدأت فكرة الزواج عندك. كُنتَ مُقيماً في شقة حيفاوية مُقابل المستشفى الإيطالي، في عمارة تملكها عائلة خياط الشهيرة.
ذاتَ يوم قالَ لكَ صديقك ورفيقك الكاتب والمفكر السياسي صليبا خميس:
- ثمة مشكلة صغيرة بيني وبينَ زوجتي. هل تعطيني غرفة في شقتك فأخفف عنك عبء الإيجار؟
قُلتَ:
- أهلاً وسهلاً. أنا بحاجة ماسة لِمَن يُخفّف عنّي هذا العبء.
وانتقل صليبا للسكن في شقتك.
ذات يوم تغيّب صليبا عن العمل في صحيفة 'الاتحاد' وحينَ عُدتَ إلى المنـزل وجدتَهُ مريضاً محموماً في فراشه، حتى إنّه كانَ عاجزاً عن إحضار كوب ماء يطفئ به ظمأه.
حَزِنتَ كثيراً لهذا المشهد، الذي فجَّرَ فيك ينابيع أحزان أخرى كثيرة.
قُلتَ:
- يا صليبا. أنا متعب من هذه الحياة الدنيا، وأعتقد أنه آنَ لي الأوان لأختار: إمّا الزواج وإمّا الانتحار.
حاوَلَ صليبا الابتسام. وأجهَدَ نفسَه ليقول:
- جرّب الزواج. لعلّه أفضل. مَن يدري؟
لعلّه أفضل. وعلى أية حال فإنَّ الإمكانية الثانية تظلُّ قائمة بعدَ الزواج أيضاً!
وفي باص حيفا الرامة، وفي نهاية الأسبوع التقيتها. ولأنّها مِن بنات عائلتك فقد سمَحتَ لنفسك بالتسليم عليها.
سألتها:
- ماذا تفعلين في حيفا؟
قالت:
- أتعلّم الإدارة والحسابات في التخنيكوم.
وفي أثناء الحديث اكتشفتَ لديها فِكراً ديموقراطياً 'تقدّمياً' وانفتاحاً على العالم، مع تمسّكٍ أصيل وواعٍ بإيجابيات العادات والتقاليد.
مساء اليوم التالي زُرتَ أسرتها، وقُلتَ لوالدها، أبي جمال، إبن إبن عم أبيك:
- أنا أفكّر بالزواج. التقيت إبنتك 'نوال' في الباص وأريد مُتابعة حديث بدأناه. هل تُمانِع. قد نتفاهم. قد نتّفق. هل تُعارض؟
قالَ منقلاً نظره بينَ زوجته أُم جمال وبينك:
- لقد أخبرتنا بذلك اللقاء. ولك أن تحدّثها بما تشاء. لها حريتها ولها شخصيتها. ونحن نحترم قرارها.
وكان بعدَ عدّة لقاءات أن عرضتَ عليها فكرة الزواج فترددت. ونما إليك، فيما بعد أنّ زميلاتها الحيفاويات حذّرنها:
- إنّه دون جوان شهير. مالك وله. لا يمكن أن يكونَ جدياً. نحنُ نعرفه إحذري..
وحذرَت في البداية، لكن حينَ يقع القدر لا ينفع الحذر. والتقادير أقوى من التدابير.. أليسَ كذلك؟
وكانت حفلة الزفاف 'مهرجاناً وطنياً' شاركَ فيه عدد كبير من أصدقائك ورفاقك يتقدّمهم توفيق طوبي وإميل حبيبي وإميل توما وتوفيق زياد وعصام العباسي وكريم خلف وآخرون ممّن جمعتكَ بهم أواصر النضال وعرى الأخوّة والصداقة.
ولأنّ زواجَكَ جاءَ متأخراً بعض الشيء، في المقاييس الشعبية السائدة، فقد وجدتَ نفسَكَ مُحاصراً بضيق الوقت وشحّ المصادر المادية لتكوين البنية المادية المناسبة للأسرة الجديدة. وقدّم والداك الحل المناسب:
- دارنا كبيرة والحمد الله. وتستطيعان، أنتَ ونوال الإقامة معنا، للتخلّص من عبء المنازل المستأجرة ولتوفير ما يمكنكما توفيره من عملكما. ونحنُ نقدّم أيضاً ما نستطيع ولن يقصّر أحد من أبناء الأسرة، وقريباً بعَون الله يكون لكما بيت مستقل ومناسب.
ووُلدَ طفلكُما الأول في المستشفى الإيطالي بحيفا، حيثُ وُلدَ فيما بعد جميع أشقّائه.
جاء المولود واسمه معه.. 'محمد' تيمّناً بالوالد، وكانت كنية 'أبو محمد' لصيقة بك من قبل الزواج، رغمَ أنّك الأوسط بين أشقائك. ولأنّك كُنتَ توقّع بعض مقالاتك وتعليقاتك الفنية بالإسم المستعار 'وطن محمد'، فقد طابَ لكَ إطلاق الإسم المركّب 'وطن محمد' على المولود الأوّل الطازج.. وهكذا كان.. لا بدّ من تسجيل المولود الجديد. ذهبتَ إلى مكتب تسجيل السكان في عكا وقابلتَ الموظف المسؤول.
سألَ الموظف:
- ما اسم المولود الجديد؟
- وطن محمد.
- وطن محمد؟ وماذا يفعل موسى وعيسى؟
بدا مِن لهجته عراقيّ الأصل، فأجبتَه:
- عيني. أغاتي. وهل أنا موظف في وزارة الإسكان مهمّته إسكان الأنبياء والرسل؟
ضحكَ الموظف مغيظاً. ولم يكن له بد من التسجيل.
*
وفي معرض الحديث عن أسماء أبنائك، فإنَّ ابن عمِّكَ وجارك وصديقك الدكتور نبيه فريد القاسم حسين، يوقظ في ذاكرتك وَمضَتين ساخنتين..
ذات يوم رافقك نبيه لتهنئة الكاتب عاموس كينان بمولد طفلته البكر.
سألتَ عاموس: وما الاسم الذي منحتموه للمولودة السعيدة؟
فردَّ عاموس: أنتَ تعلم أنني طيلة حياتي وأنا أُناضل مِن أجل السلام، لذلكَ أطلقتُ على طفلتي الأولى هذه إسم 'شلوم تسيون'.
فوجئتَ بالشطر الثاني من هذا الاسم المركّب شلوم تسيون تعني 'سلام صهيون'.. شعرتَ بالتواءٍ في أعماقِكَ، فقُلتَ وعيناكَ تطيرانِ عبرَ النافذة:
- أنا سأتزوّج قريباً يا عاموس. وسأنجب ولداً أسمّيه 'وطن محمد'!
فَهِمَ عاموس. وتوتّر نبيه قليلاً. ودارت الأيام.. وحينَ أصبحَ 'وطن محمد' في حدود الرابعة من عمره فقد جاءَ عاموس كينان وزوجته الباحثة والناقدة نوريت غيرتس وطفلتهما 'شلوم تسيون' لزيارتكم في الرامة..
كانت زوجتك نوال مُنهمكة في إعداد وجبة الغداء. ودخلتَ المطبخ لتساعدها في إعداد السَّلَطة التي تزعم أنّك تُتقنها بامتياز. فجأة اقتربَ وطن محمد وأمسَكَ بساقك، سائلاً ببراءَة جارحة:
- أبي. هل أصدقاؤك هؤلاء يهود؟
- نعم يا ابني. إِنّهم يهود.
- وأينَ دبّابتهم؟
صُعِقْتَ وصُعِقَتْ نوال.
قُلت لمحمد:
- لا يا ابني. لا يا حبيبي. لا توجد عند كل يهودي دبابة. هؤلاء أصدقاؤنا ويكرهون الحرب والدبابات.
ثم قُلتَ لنوال:
- لن أوجّه لهم سؤال محمد إلاّ بعد الغداء. لا أريد أن أسمِّمَ أبدانهم قبل الطعام.
ولم تصبر طويلاً. بعدَ الطعام مباشرةً، وقبلَ ارتشاف فناجين القهوة الحلوة قُلتَ لضيوفك:
- أنظروا ماذا تفعلون بأطفالنا وأطفالكم. حينَ عرف محمد أنّكم يهود فقد سألني عن دبّابتكم.
صَمَتَ الجميع.
ثم نهضَ عاموس كينان وأخذ بيد محمد متوجّهاً إلى السيارة، سيارتهم، ليقول له:
- أنظر يا محمد. هذه سيارتنا. إنّها مثل سيارتكم. أنتم لا توجد عندكم دبابة. ونحن أيضاً لا توجد عندنا دبابة. نحنُ لا نحبّ الدبابات. نحن نحب السيارات فقط، لأننا نحبّكم أنتم فقط. نحب الأطفال ونحب السلام..
أشكُّ في أنّ محمد فَهِمَ آنذاك كُلَّ ما قاله عاموس، لكنه أصبح، كما بدا لي، أكثر اطمئناناً لأنَّ ضيوفَنا اليهود لا يملكون دبابة..
***

لا. ليسَ لأجل الإطالة، بل للتذكير إن نفعت الذكرى. إروِ شيئاً مِن 'طرائف' عملك في سلك التدريس. إحكِ مثلاً قصة تلك المعلمة التي قرعت باب صفك في وقت الدرس. خرجتَ إليها فقالت على استعجال وارتباك:
- معذرة يا أستاذ. آسفة على الإزعاج لكنني أعلّم الأولاد في صفي درساً في علم الطبيعة. والموضوع لهذا اليوم هو 'البغل'، ولأنني لا أعرف فقد ارتأيتُ أن أسألك قبل تقديم الدرس: هل للبغل قرون؟
فوجئتَ بالسؤال العجيب من المعلمة العجيبة، ولم يكن لكَ إلاّ أن تجيبَ حانقاً:
- لا يا عزيزتي. لا قرون للبغل. لكن توجد قرون لدى بعض المعلمات.. والمعلمين.. والمديرين.. والمفتشين..
وتريدنا الآن أن نتعاطف معك ضد وزارة المعارف التي فصلتكَ من سلك التدريس لأسباب بيداغوجية، واحتفظت بتلكَ المعلمة حتى سنّ التقاعد؟ تُريدنا أن نتعاطف معكَ يا مَن تنكر أنّ للبغلِ قروناً؟!
*
وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.. يا لعمق الحكمة وبهاء الكلام. وإذا كانت وزارة المعارف قد عاقبتك على استنكارك لمناهج التدريس وخروجك عليها أحياناً وإصرارك على أنّ لا قرون للبغل، فقد عوَّضك الله بمزيد من اهتمام شعبك بمجموعتك الشعرية الثانية 'أغاني الدروب' التي كانت السبب الحقيقي وراء إقصائك عن تلاميذك الذين أحببتهم ورعيتهم مثل إخوتك. ففي إحدى القرى كانَ شاعر شاب يوزع لأجلك ديوان 'أغاني الدروب'.. واستوقفه رجل ليسأله:
- ماذا تبيع؟
- أبيع ديوان سميح القاسم الجديد.
- أعطني نسختين.
- لكنّك لا تعرف القراءة يا عمّي.
- لا أعرف القراءة لكنني سمعت هذا الشاعر ذات يوم وعلمتُ بما أصابه من الحكومة. ولذلك أريد أن أساعده. أعطني نسختين، فلا أملك الآن ثمن ثلاث نُسخ!!
***
... ويجدر بك هنا الحديث عمّا اصطلحوا على تسميته بأدب الرسائل. وتتصدّر المشهد على الفور الرسائل المتبادلة بينك وبين أخيك محمود درويش والتي أطلق عليها الكاتب محمد علي طه عنوان 'رسائل بين شطري البرتقالة' أيام كانت تنشر في صحيفة صديقكما بلال الحسن، 'اليوم السابع' في باريس وفي صحيفة 'الاتحاد' الحيفاوية.
وللحقيقة فلم تبحثا، لا أنت ولا محمود عن فكرة تجديد أدب الرسائل.. وكل ما في الأمر هو أنّ الضرورة دفعتكما إلى هذا الشكل من أشكال التواصل.
إلتقيتما ذاتَ يوم في مطار 'فرانكفورت'.. كانَ هو مُسرعاً باتجاه طائرته وكُنتَ أنتَ مُسرعاً باتجاه طائرتك. تصافحتما على عجل ولم تتبادلا سوى كلمات قليلة.
لاحقاً، التقيتما في أمسية شعرية مشتركة في ستوكهولم. كانَ عليكما أن تُغادرا صبيحة اليوم التالي كلٌّ إلى شأنه.. وقبل الانصراف إلى النوم قال محمود:
- هذا غير معقول. لقاءاتنا مُقتضبة وعاجلة ولم تَعُد كافية لتبادل الحديث في فكرة مكتملة. أتعلم؟ ينبغي علينا أن نتبادل الرسائل لتوضيح أفكارنا.
فيما بعد، اتصل بك بلال الحسن من باريس طالباً رقم الفاكس ليحوّل إليك رسالة محمود الأولى إليك، ولترسل الردّ عليها للنشر في العدد القادم.
وفي واقع الأمر فقد بدأ الأمر لعبةً بين صديقين، لكنّ الإقبال الواسع لدى القرّاء على مُتابعة هذه الرسائل، جعلها ظاهرة 'أدبية' استثنائية آنذاك.
وذات يوم، على مائدة صديقكما محمد حسنين هيكل في القاهرة، فاجأكما الرجل بأنّه من مُتابعي الرسائل المتحمّسين، وأنّه على استعداد لتقديمها إلى القرّاء في كتاب..
وطُبعت الرسائل أكثر من مرّة وفي أكثر من بلد، ونُشرت كاملة في ترجمة عبرية أثارت صدىً كبيراً في الأوساط الثقافية والسياسية الإسرائيلية العُليا.
وأبدى أكثر من فنّان رغبته في مسرحة هذه الرسائل التي 'تؤرّخ' روحيّاً لفترة هامة من حياتكما غير الهامة على الإطلاق، ما دامَت الرياح تجري بما لا تشتهي القصائد أو.. الرسائل!!
***

قصص السفر مُشبَعَة دائماً بالدموع وبالابتسامات، فما من سفر مُحايد كما ترى، وما من سفر يقتصر على جواز السفر والتذكرة ومواعيد الإقلاع والهبوط ومراكز التسوّق..
ثمة مصادفات ومفارقات ومفاجآت كثيرة تحدُث للمسافر هُنا وهناك.
في العام 1971 سافرْتَ إلى موسكو للدراسة وهناك تعرّفْتَ إلى عدد من الأدباء والشعراء والفنانين العرب العابرين أو المقيمين.
ذات يوم قال صديقك الكاتب السوري سعيد حورانية إنه يُقيم حفل عشاء على شرفك يدعو إليه نُخبة من المبدعين العرب والروس، ولم يكن عليكَ سوى أنْ تُحضر بعض زجاجات الويسكي من المخزن الذي لا يبيعها إلاّ لضيوف البلد الأجانب.
وصلْتَ إلى منـزل سعيد حورانية في الموعد المحدّد، وكانَ هُناك قرابة العشرين شخصاً من الرجال والنساء العرب والروس.
إنتظرَكَ سعيد بالباب قائلاً بلهجته السورية المحببة:
لدينا هُنا مفاجأة لك. بينَ الضيوف توجد فتاة عربية تعني لكَ شيئاً خاصاً جداً. حاوِلْ أنْ تعثُر عليها بنفسك. ويبدو أنَّ الضيوف أعدّوا بروفا جيّدة فلم تفلح في اكتشاف الفتاة المعنية بالنظرة العابرة من وجه إلى آخر.
قال سعيد:
- ليست عربية فحسب، بل هي من فلسطين..
وكرّرْتَ عملية المسح مرةً أخرى ولم يُحالفكَ الحظّ..
وأصرَّ سعيد:
- ليست فلسطينية فحسب، بل هي من بلدتك الرامة! هُنا تغيَّرت قواعد اللعبة. وخفقَ قلبُكَ واحتدَّتْ نظرتُك.. وإزاء وجهٍ جميلٍ بريء أمسكت بجوارحك دمعتان تسحَّان من عينين جميلتين بريئتين منقوعتين بعسل النحل البريّ على سفح جبلك، جبل رامتك، جبل حيدر الأخضر النّظيف..
نهضَتْ من مقعدها مُقتربةً منك. ومشيتَ إليها كالمسرنم..
- أنا أمل.. أنا أخت الممثل يوسف حنا. أنا بنت بلدك الرامة وأعيشُ مع أهلي في دمشق.
نسيتما الناس من حولكما وبكيتما. بكيتما بحُرقة وألم. وتكلَّمتْ أمل حنا، كأنما من حلمٍ في حلم:
- كُنتُ صغيرة يوم غادرت الرامة. لكنني لا أنسى أشجار الحور والكينا الضخمة بجوار منـزل جدّي يعقوب.. ولا أنسى أننا أكلنا حزوزَ البطّيخ على سطح الدّار، ولا أنسى الشمس الحمراء ساعة الغروب. أنا أدرس الإخراج السينمائي والمسرحي هُنا في موسكو وسيأتي يوسف بعد أيام. ستحبه كثيراً لأنه يحبُّكَ كثيراً.
وجاء يوسف حنا إلى موسكو والتقى أفراد العائلة وكانَ يوسف أوّل مَن غنّى أمامك وبإتقانٍ شديد أغاني الشيخ إمام. ويوم ودّعتَ يوسف في مطار موسكو أخذ منك معطف جلد الخروف (الجاعد) وأعطاكَ معطفه الأزرق، كزرقة السماء التي حملته بطائرة إيروفلوت لتُعيده إلى دمشق لجوئه وإبداعه وموته.. ولا تستطيع مُغالبة الدموع التي تقهرك قهراً كُلَّما تذكَّرتَ لقاءَكم وسهراتكم القليلة في موسكو التي كانت 'موسكو' بمعانٍ أخرى وآفاق أخرى وأحلام أخرى..
***

وتحدّاكَ إعلاميٌّ آخر ذاتَ يوم أنْ تشرَحَ له كيفيّة تحوّل قصيدة 'تقدّموا' إلى أكثر قصائد الانتفاضة رواجاً وانتشاراً وشعبيّة، رغم بساطتها الفنية ومباشرتها ووضوح ألفاظها وصورها.
وبالفعل فقد كانت تلك أوّل قصيدة عن الانتفاضة الأولى، وما زالت إلى يومك هذا نشيد الانتفاضة المعتمد في كل مهرجان وكل فعالية وطنية.
وكانَ عليكَ أنْ توضّح: في الحقيقة فإنّ اسم القصيدة هو 'رسالة إلى غزاةٍ لا يقرأون'، وحملت اسماً آخر هو 'قصيدة الانتفاضة'، بيدَ أنَّ الجمهور العريض يطلب منك دائماً أن تقرأ قصيدة 'تقدّموا'، فهذا الاسم غلب على ما سواه ورسَخَ في الذّاكرة الشعبية.. ويحضّك الجمهور على القراءة مُردّداً قبلك:
تقدَّموا تقدَّموا!
كُلُّ سماءٍ فوقكم جهنَّمٌ
وكُلُّ أرضٍ تحتكم جهنَّمُ
تقدَّموا
يموتُ مِنَّا الطفلُ والشيخُ
ولا يستسلمُ
وتسقُطُ الأمُّ على أبنائها القتلى
ولا تستسلمُ
تقدَّموا
بناقلات جُندكم
وراجماتِ حقدِكم
وهدِّدوا
وشرِّدوا
ويتِّموا
وهدِّموا
لَنْ تكسروا أعماقَنا
لَنْ تهزِموا أشواقَنا
نحنُ قضاءٌ مُبرَمُ
تقدَّموا..
وأضفْتَ موضّحاً لذلك الإعلاميّ الطيّب والساذج بدون شك:
أتعلم؟ هي بالفعل قصيدة بسيطة ومباشرة وواضحة إيقاعاً ولغةً وصورةً، لكنّني أشُكّ في أنْ يتمكّن أي شاعر كتابة قصيدة تضاهيها تأثيراً جماهيرياً. وأكثر من ذلك فأنا أعترفُ بعجزي أيضاً عن كتابة قصيدة تشبهها.. لماذا؟ رُبَّما لأنَّ السهل الممتنع 'هو أشد أشكال الفنون صعوبة'. أو لعلَّ الحالة الخاصة جداً التي ولَّدَت هذه القصيدة غير قابلة للتكرار.. وكانت هذه القصيدة قد بدأتْ تتشكّل في غمرة مظاهرة حاشدة حولَ أسوار القدس العربية المحتلة، وانهمرَ علينا الرصاص المطاطي والهراوات والغاز المسيل للدموع، وتدخّل بضعة أطفال لفكّ الحصار المضروب علينا.. وراح الأطفال المقادسة يقذفون جنود الاحتلال بالحجارة المخبّأة في حقائبهم المدرسية وهم يصرخون بالعبرية: 'كَديما.. كَديما.. يا أولاد الكلب.. كَديما.. كَديما..' ويلحق بهم الجنود، ويتصدّع جدارُ الحصار من حولنا.. ومن صرخة الأطفال تلك 'كَديما.. كَديما' (تقدَّموا.. تقدَّموا..) بدأتْ القصيدة.. ولن تنتهي أبداً!!

***
هل أنتَ غاضب على أحد الآن؟ هل أنتَ حاقد على أحد؟
أنتَ لا تدّعي العصمة والتنـزُّه والملائكية، لكنّك تجيب عفو السليقة وعلى السجية:
- لا. أُقسم بالله وبكلّ ما هو عزيزٌ عليّ، ما أنا بغاضب أو بحاقد على أحد.. وإذا كانت تلمُّ بي أحياناً نوبات غضب عابرة على قاتلي شعبي وقامعي الشعوب وأعداء السلام وأعداء الحضارة وأعداء الديموقراطية والتعددية وحقوق الانسان، كائنين مَن يكونون، فإنّني أنفي إمكانية الحقدِ نفياً قاطعاً.. لا لسبب سوى الأنانية وحبّ الذات في مسألة لا أسمح بها أبداً.. لا أسمح لأحد بتجريدي من إنسانيّتي. لم أسمح. ولا أسمح. ولن أسمح.. سمِّها أنانية. سمِّها استكباراً. سمِّها غروراً. سمِّها بما تشاء وأمري لله..
أترى؟ أقولُ لكَ وتقولُ لي.. لا بأسَ عليّ. لا بأس عليك. لا بأس علينا. لكن لماذا تُطلق عليّ هذه الكلمات الرشَّاشة؟
آه. أتصوَّر. أتصوّر أنّكَ تريد التمييز بين الغضب والعِتاب.. أنتَ عاتب على بعض الناس المفترض فيهم أنّهم أحبابك، لكنهم كثيراً ما يسيئون إليك، إمّا لأنّهم لا يفهمونك أو لأنّهم لا يفهمون أنفسهم، ولا يُقرّون بأنّ تجاربك الخاصة والصعبة علّمتك كيف تفهم نفسك وكيف تبذل قصارى الجهد لفهم الآخر، السوى، الغير.
إذن فأنتَ عاتب. ولا تثريبَ عليك. ولأنني أحبّ حُبَّكَ العاقل والمتّزن لذاتك وأحترم احترامك لذاتك، فإنّني أغفر لك عتبك ولومك، وحتى تقريعك، لكنني أتمنى لك وأتمنى عليك ألاّ تتخلّى عن الإنسان فيك، والذي هو في نهاية الأمر إنسان مُعرّض لهزّات أرض الحياة وأعاصير الطبيعة البشرية، إنسان قد يُخطئ بمثل ما قد يُصيب، لكنّه لا يدّعي احتكار الحقيقة المطلقة، ولا يتنصّل من تبعات الميول والأهواء والعنفوان الذاتي.
تتأمّل الصور واللوحات على جدرانك التي تبتعد عنكَ حيناً وتقترب أحياناً. تقترب حتى لتكاد تلتصق بك. وتلتصق بك حتى لتكاد تهصرك لتصهرك. تندُّ عنك نأمة ضيق يُنذر باختناق وشيك. تستغفر الله وتثوب إلى صوابك. وتستغفره وتثوب إلى ضلالك. وتستغفر متمسّكاً بأستار الرّشد. وتستغفر لائذاً بمغفرات المحن، وتسامُح شموخ القدرة الإلهية مع التواءات الضعف الإنساني.
أو.كي. تحتمي بِوَهْمِك المزمن بأنّ حسناتك أَوْزَنُ مِن سيِّئاتك، لكنّ الله سبحانه وتعالى ليسَ مُلزماً بتبنّي وهمكَ هذا جملةً وتفصيلاً وعلى مقاساتك أنت. وبقدر ما هو حيٌّ فهو حُرٌّ، وحسابك بين يديه غير حسابك بين يدي حضرتك! ثُمَّ مَن تظنُّ نفسك لتخطِّئَ مَن تشاء وتبرّئَ مَن تشاء؟. ها. قُل لي. مَن تظنُّ نفسك لتزعم أنّكَ الوحيد القادر على محاكمة نفسك؟ لا يا سيّدي. لا يا ابني. أنت، في نهاية الحساب، فردٌ من سبعة مليارات من البشر، فبأَيِّ حقٍّ تُخرِج روحَكَ من خانتِهِم؟ ومِن أينَ لكَ القُدرة الاستثنائية على اجتراحِ رؤىً لم تستفتِ فيها كل هذه المليارات، الناغلة كالنمل وكالنحل في خلايا الله الواسعة؟
لنتوقّف هُنا قليلاً. لنأخذ شهيقاً ونضحك قبل الزفير.. ثم فلنأخذ شهيقاً ونبكي قبل الزفير..
ولنتابع المسيرة.. خطوة من النور إلى الظلام وخطوات من الظلام إلى النور..
ولنتابع ما تيسَّرَ من المسيرة.. شهيق. ضحك. زفير. شهيق. بكاء. زفير. شهيق. ظلام. زفير. شهيق. نور. زفير..
شهيق. زفير. شهيق. زفير. شهيق. زفير. توقف لحظة لتُسقط رماد تبغك في منفضة سجائرك. شهيق. زفير. شهيق. زفير. شهيق. زفير. زفير. خمودٌ مطمئنّ. هدوء رائن رائق. صَمتٌ مُطبق.
وها هو رمادُكَ يتساقط في منفضة العالم، منفضة الحياة الدنيا.. ها هو رمادك يتهاوى في منفضتك. وإلاّ فماذا ظننتَ يا أخي وصديقي؟ ماذا ظننتَ دُنياك أيّها الإنسان الذي أرادَ أن يكونَ شاعراً وأيّها الشاعر الذي أرادَ أن يكونَ إنساناً؟. ماذا ظننت؟ هل فاتَكَ أنّ دُنياكَ ليست سوى منفضة؟
بَلَى. إنهّا مِنفضة.
إِنّها مُجرَّد مِنفضة..



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 78

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة