New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

محمود درويش بعد عام- بقلم: المحامي جواد بولس

 

09/08/2013 10:21:00

المحامي جواد بولس – كفرياسيف

غاب الجسد وظل صاحبه حاضراً. عامٌ لم تخلُ به جريدة أو وسيلة إعلام في العالم العربي والغرب، إلا وانشغل كتابها بمقال أو دراسة عن محمود درويش وإبداعه. ملاحق خاصة خصصت وتناولته كظاهرة إنسانية، هذا إضافة إلى ما أعد عنه من أفلام وثائقية ودراسات.

لم نكن بحاجه إلى مثل هذا الغياب كي نعرف أن صاحبه باقٍ ومتجذِّر ومنحوت في كل شيء جميل وفي كل إبداع إنساني كبير. فهو مثل الجين الموروث، كالحمض النووي، يولد مع المولود ولا حيلة لهذا في اختياره، يكون حيث الإبداع، حاضراً، شاهداً، مقيماً، مقياساً، فهكذا مصير من بفنه وإبداعه يهزم الموت ليخلد ويبقى.

وعندنا، كما في جميع أنحاء الأرض، كتب الكثير وعقدت الندوات وانشغلت مدارس وتندر الأصدقاء، فكيف لا ومحمود منا وليس لنا وحدنا.

وعندما نتعامل مع ما حدث إزاء رحيله يشد ناظرينا ما شذ عن إجماع ما كتب وما قيل فيه وعنه. ولا اقصد هنا أولئك الذين رجموه كافراً مستعينين بحكم الرب وسلطانه، فمع هؤلاء تبقى قضيتنا أكبر وأعم، ولكنني سأعلق هنا على ثلاث مواضيع أخذت نصيبها في الإعلام المحلي وغيره وجميعها حدثت في هذه الذكرى والمناسبة.


جديدة - النصب التذكاري

قرر المجلس البلدي في قريتي جديدة المكر وضع نصب تذكاري، في إحدى ساحات البلدة، تكريماً وتخليداً لمحمود درويش، الذي عاش بضع سنوات من حياته يافعاً في هذه القرية التي ما زالت موطن عائلته.

بدايةً يتوجب الإشادة بمثل هذا القرار، فالجديدة تبدي وفاءها واعتزازها بابنها، وهذا واجبها وحقها وخيراً فعلت. والجديدة بوضع هذا النصب، الذي سيبقى شاهداً ومعلماً يستحث أجيال المستقبل للاقتراب والاقتران مع إرث محمود درويش ومخزونه الوطني والإنساني، سجلت موقفاً وطنياً وإنسانياً يشهد لها بذلك.

مع هذا أقول أن الأَوْلى بالقيمين على هذه المبادرة كان إشراكهم لفعاليات ومؤسسات وجهات قطرية أخرى لضمان مشاركه أوسع وتحويل الحدث الهام إلى حدث تتماثل معه جميع الشرائح وأطياف مجتمعنا العربي المحلي.

القضية لم تكن بعلم إسرائيل مرفوعاً من خلال سرية الكشافة ولا انشغال من كال بكيله في هذه القضية حول من هو المسؤول عن رفع هذا العلم ولا عن من أصر أن رد المشاركين كان برفعه علم فلسطين وكأننا بهذا ربحنا المعركة، فقضية العلم ستبقى إشكالاً لأنها تختزن وتختزل إشكاليات التناقض القائم لوجودنا في هذه الدولة ومن هنا لا افهم أولئك الذين ساروا في مسيرة جديدة وحاولوا أن يتنصلوا ويبتعدوا عن العلم المرفوع بضعة أمتار وعملوا في الكنيست الإسرائيلي على سبيل المثال أو في أية مؤسسة ترفع علم الدولة أو مناسبة رفع فيها هذا العلم. باعتقادي أولئك زايدوا وانتهزوا المناسبة وزجوا باسم محمود زوراً وجزافا.

أما عن تلك البيانات التي أصدرها ممثلو حزب التجمع، وأعضاؤه كانوا جزءاً من الفريق المعد لبرنامج الاحتفال، فأبسط ما يقال فيها أنها لم تكن موفقه ولم نكن بحاجه إليها. كان الأجدر بهم أن لا يزجوا بهذه المناسبة الهامة بمثل هذه الصراعات الحزبية الهامشية ضيقة الأفق، فهم بمشاركتهم هذه الاحتفالية، معدين ومشاركين سجلوا موقفاً يختلف عن موقفهم حيال زيارة محمود إلى حيفا ليلة 15/7/2007 ولا حاجه أن نستذكر كيف هاجموه حينها ومزقوه إرباً ولم يوفروا قذعاً إلا وألصقوه به. اتركونا ننسى إساءاتكم تلك فكدنا ننجح.

كان الأجدر بمنظمي هذه الاحتفالية الإحاطة بجميع التفاصيل ولم يفعلوا. وسواء رفع العلم عن قصد وتخطيط أو لا، لن يضير هذا الأمر الذكرى وموضوعها. محمود درويش ركيزة اتكأت عليه قضية فلسطين في حياته وأصبحت هذه علماً يرفرف في جميع أروقة العالم. محمود كان وسيبقى علماً محفوراً في قلوب جميع الفلسطينيين وأحرار الأرض.

أخيرا، على الرغم مما حدث، هنيئاً لجديدة بما فعلت، فكم قلنا أن العاقل يكبر بقامة مثل قامة محمود درويش والجديدة فعلت ذلك.

 

حديث المدينة

في عددها الصادر يوم 7/8/2009 نشرت محلية المدينة من حيفا مقابله مع ثلاثة من أصدقاء محمود درويش وهم: سالم جبران، عصام خوري، وسميح القاسم. ونشرت هذه المقابلة بالتزامن في جريدة الأخبار اللبنانية.

مع انتهاء قراءتي نص اللقاءات شعرت بغصة وعتب على ما نسب للشاعر سميح القاسم وما سأقوله هنا يجيء من باب عتب الأحبة ليس إلا.

أولاً علي أن أوضح أنني مطّلع على طبيعة العلاقة التي كانت قائمه بين محمود درويش وسميح القاسم خاصةً في السنوات الأخيرة وما أعرفه سيبقى جزءاً من ذكريات خاصة لا أرى سبباً لإشراك الغير فيها.

ضايقني، بعد قراءة النص، إصرار سميح القاسم، أو على الأقل هذا ما يفهم، على إبقاء تلك المنافسة بينه وبين الراحل محمود وإصراره كذلك على أنه الأول والأفضل في هذه المنافسة. أعتقد أن الأجدر أن نترك هذه المسألة للنقاد والباحثين وان شئتم للتاريخ، أما نحن القراء العاديين، فلنا أن نفرح ونعتز بمن لدينا من محمود وسميح وغيرهما، فلا تستكثر يا أخي علينا ذلك.

والغصة الأخرى كانت بعد ما قرأته عن البدايات وتفاصيلها كما رويت وعجبت لما كان المقصود من ورائها وإبرازها كما أبرزت! خاصةً وأن حولها أكثر من رأي وبعضها ينفي كلياً ما ذكر هذا علاوةً على أن أبطال هذه الروايات كلهم رحلوا وفارقوا منذ سنين.

أما العودة إلى قضية خروج محمود من البلاد في العام سبعين كانت دخيلة على اللقاء وهي قصة استنفذت منذ جيل، ولا يسعني إلا أن أحيل القراء إلى أجمل ما كتبه حولها محمود عام 1999 في كلمة قرأ نصها في حفلة جمعية يني في كفرياسيف وعنوانها البيت والطريق ونشرها مؤخراً كأحد نصوص كتابه حيرة العائد ويبقى، باعتقادي، هذا النص هو الأجمل والأدق. حيث أنهى هناك قائلاً: لم أذهب إلا مجازاً ولم أعد إلا مجازا.

رحل محمود وخلف ما خلف من إرث، لنا أن نعتز به ونفخر، وعلينا أن نقرأه وننقله من جيل إلى جيل، أما الشاعر سميح القاسم فله نتمنى طول العمر والسنين ليستمر في عطائه وإبداعه، اسماً وعلما وفكراً، شكل مع رفاقه وما يزال أنشودة الوطن الاقتلاع، البقاء، والأمل.

 

كفرياسيف

قبل عام، وإثر رحيل محمود درويش، كتبت مقالاً بعنوان عظم الله أجرك يا كفرياسيف، ذلك لأن كفرياسيف الرسمية والمؤسساتية وحتى الشعبية غابت عن هذه المناسبة وكان الأجدر أن تحتضن بعضاً من ذكراه، ففيها قضى سنين تعليمه الثانوي ومنها تخرج بعد أن سكن فيها وأحبها وبدأ أول إبداعاته.

إدارة المجلس المحلي وعدت، في حينه، أن تُعد ما يليق بالراحل، لكنها وعدت ولم تفِ. وكي لا أكرر ولا أطيل أعود وأقول عظم الله أجرك يا كفرياسيف.



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 99

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة