New Page 1

     مختارات شعرية ونثرية

New Page 1

بيان الكرمل: نلمُّ فتاتَ الضوء- بقلم محمود درويش

 

08/09/2011 17:54:00

مجلة الكرمل الجديد

إفتتاحية العدد الأول من مجلة الكرمل . شتاء 1981

في هذا الانفجار المفتوح على الاحتمالات، الانفجار الذي يهز المجتمعات العربية يرتفع
السؤال عن ثقافة الأزمة.
الأزمة أيضاً، تصوغ ثقافتها. وثقافة الأزمة هي محصلة تاريخية لمعاناة مرحلة كاملة، مرحلة
تختلط فيها الحروب بالحروب الأهلية، والحداثة بالاغتراب والأصالة بالسلفية. ويتم الانفصال
فيها بين المسيطر والمسيطر عليه.
ولأنها كذلك، فهي مرحلة تختلط فيها النهايات بالبدايات. في ثقافة الأزمة، خيارات
ورؤى متشابكة بعضها يعلن الهرب من مواجهة الحاضر عبر اللجوء إلى صياغات الماضي، يعلن
اللاعقلانية ويرتهن للغيب، يغرقنا في جنون طوائف الملوك وحروب ملوك الطوائف ويدور في
الفراغ.
وفيها، نعلن أن الأشياء يجب أن تمضي إلى نهاياتها وأن على المنهار أن ينهار، وأن الاندفاع
إلى إعلان موت الثقافة المسيطرة والعاجزة عن الاحتفاظ بسيطرتها هو الطريق الوحيد لتحديد
الأزمة والقدرة على القول أنها ليست أزمتنا، وهي المحاولة الخلاقة للإمساك بطرف الأفق.
خيارنا الوحيد هو الانتماء إلى الإبداع في الثورة والثورة في الإبداع.
هو أن نحاول لملمة فتات الضوء المختلط بالوحل داخل مرآة تكون إطارا للحرية وأفقا لا تحده
المسبقات الجاهزة.
الانتماء إلى الإبداع والثورة هو المغامرة، لأنه انتماء إلى غد يتأسس، وفي المغامرة تكتشف أن
أرض خياراتنا لا تكون إلا أرض حرية.
والثقافة الجديدة هي إعادة اكتشاف الواقع العربي وكشفه والإسهام في تغييره. اكتشاف الواقع
لا يعني أن نعكسه، فالمرآة التي نختار نطمح أن لا تكون آلة انعكاس محايدة بل أرضاً لحوار
الاحتمالات الجديدة، وعلى هذه الأرض يكون المثقف المبدع كاتباً منشئاً، كاتباً يحطم صورة
النص المستعاد داخل هرم القمع، حيث تعاد صياغة اللغة المسيطرة أو لغة المسيطرين على اللحظة
العابرة في لهجة الاجترار. بل يكون مساهمتها في إنشاء الجديد. والجديد هو الأصوات التي
تتعدد وتتجاوز في حوار ديمقراطي حر.
والثقافة هي صراع وأرض صراع.
إنها صراع، لأنها تكتب لغة الصراعات والتناقضات، ولأنها لا تستطيع أن تكتب نفسها إلا
داخل الصراعات والتناقضات اليومية.
وهي أرض صراع، لأنها لا تستطيع إلا أن تنحاز إلى نفسها وإلى الذين يشكلون مصدرها،
وبهم يتشكل مستقبلها. وهي لذلك نص مفتوح. جاهز لم يجهز بعد. بداية تبدأ دائماً. ولذلك
أيضاً فهي أرض لصراعها مع نفسها.
والثقافة هي حرية وفعل حرية. لا تنمو إلا في الحرية ولا تتأكد إلا حين تقاتل من أجل الحرية.
والفعل كان البداية، وهو البداية التي نصنعها دائماً أو نسقط ونموت. وفعل الحرية يعني إعلان
القطيعة النهائية مع تلك العلاقة الملتبسة بين ثقافة السلطة وسلطة الثقافة. كأن المعارضة لا تنهض
إلا على أرض السلطة، ولا تخاطب إلا الرقيب الذي يجلس في مواجهتها أو في داخلها!

والقطيعة هي اختيار أرض جديدة. إعلان الانفصال النهائي والرفض المطلق لهذا الالتباس
المريب، والانتماء إلى الفعل. صياغة معادل متشابك مع آلام وأحلام الذين تصنع لغتهم لغة
الجديد الذي يولد. وتساهم من خلالها في إبداع رؤية مفتوحة لا يحدها الخوف ولا يؤطرها
الوهم هنا تدخل الكتابة مغامرتها مع نفسها. تسقط كل الأوهام التي علقت بها، وتبدأ مغامرتها
مع أرضها الخاصة التي تؤسسها مع بناء ثقافة المعارضة الجذرية.
والثقافة هي تجربة تجريب دائم. إنها ثقافة تجريبية – طليعية، أو لا تكون. ففي زمن هذا
الانهيار الجارف، لا يكون الفعل إلا بحثا، ولا يكون الإبداع إلا تجريباً وتجربة. والتجريب لا
يتأسس في فراغ، إنه يتأسس في التجربة الملموسة نفسها وكجزء منها. فحين تتدحرج المرحلة،
لا يستطيع أي فعل أن يتكون إلا بالعلاقة مع التجربة الملموسة، ولا تستطيع أية نظرية أن تتأسس
إلا كتلخيص للتجربة التاريخية.


مجلة الكرمل الجديد

فالإبداع الحقيقي هو الذي يبدأ من هذا الآن، ويرسم من الحاضر بكل تناقضاته أفق المستقبل،
ويؤسس لنضج ثقافي آن لنا أن نصل إليه، وآن لنا أن نسعى إلى إعلانه، باعتبار أنه هو هذا الضوء
في فتات وحل زمننا الذي نعيش.
والثقافة هي رؤية نقدية، هي نقد جذري وبأدوات جذرية صنعتها تجربتنا التاريخية وتجارب
الشعوب الأخرى، نقد للثقافة المسيطرة ولنقدها المسيطر. نقد لحياتنا ولتعبيراتها المتعددة. نقد
السلطة.
والنقد يبحث عن الإنسان الذي يصنع تاريخه حين يستطيع أن ينقد هذا التاريخ والنقد بحث
عن أنفسنا وكتاباتنا وآفاق المحتمل الذي نسعى إلى بلوغه.
والنقد لا يكون إلا داخل الرؤيا، داخل أن يكون الكاتب رائياً فيرى، وشاهداً فيشهد. والرائي
– الشاهد لا يعبر عن الذي يراه، بل يكونه، لا يعكس المرحلة، بل يساهم في تغييرها وصياغة
مستقبلها، لا يكون محايداً، لأن المحايد هو الوجه الآخر البارد لسلطة القمع.
مجلة جديدة، نعم.
جديدة لأنها لا تنطلق من الفراغ، بل من تراكم التجارب الإبداعية العربية.
جديدة، نعم.
لأنها تسعى إلى الجديد، وجديدها ليس جديدها، بل هو جديد الثقافة العربية، جديد هذا
الصوت الذي لم يختنق، وهذا الوعي القادر على أن يلملم شتاته وينهض، ويؤسس لاطار
صغير، قد يكون حاجة، وقد يكون إعلاناً عن الحاجة إلى الصراخ المدوي.
لذلك، يكون جديدها، هو قدرتها، على أن تكون أرضاً للحوار والتعدد. أرضاً للثقافة
وعلاقة كتابة الثورة بثورة الكتابة التي تبدأ من جديد.
وهذا الصوت ليس جبلاً.
الكرمل جبل يقع في فلسطين. وهذه “الكرمل” ليست إلا اسماً والاسم لا يدل على الشيء
إذا لم يكن فعلاً باتجاهه.
والاسم لا يدل إلا على رغبتنا في أن نساهم في تأسيس فلسطين الرؤيا، هذه الرؤيا المدهشة
التي تتشكل من مزيج الدم والتوقعات والخيبة، من هذا الأمل الفذ الذي يولد من جديد.
مجلة جديدة، نعم.
رسالة جديدة، نعم ولا.
هذا الانهيار الشامل ليس انهيارنا، ليس انهيار الإبداع والأمل، ولا هو انهيار فلسطين الصراع
والمعنى والمستقبل.
الانهيارات علنية، والبديل يتشكل من الأزمة والمجهول الذي يكور قبضاته ويتقدم لافتتاح
مرحلته وامتلاكها حول اسم فلسطين التي تتفجر إشارات وكلمة سر لم تعد سرية …
هذا الصوت ليس جبلاً، ولكن يطمح إلى أن ينحت طريقاً في حجر الطريق إلى الجبل.



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 45

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة