New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

 

04/03/2016 22:37:00

محمود درويش

  شغل المتنبي قرّاء الشعر ونقاده منذ العصر الذي عاش فيه حتى أيامنا، ولا ندري إلام سيظل يشغلهم. وكما لم يتفق الناس حوله في زمنه، فإنهم لم يتفقوا حوله في زماننا، فلقد انقسم هؤلاء بين مادح له وقادح له، بين معجب به ونافر منه ذامٍ له، وبين مردد لشعره وضارب بقصائده عرض الحائط. وقد أنجزت عنه وعن أشعاره، في القرن العشرين، عشرات الدراسات، وكتبت فيه قصائد عديدة لفتت أنظار أحد دارسي الشعر العربي، وهوالدكتور خالد الكركي، فخصّص لها كتاباً عنوانه: (الصائح المحكي: صورة المتنبي في الشعر العربي الحديث)، بعد أن كان أتى على المتنبي وهويدرس الرموز التراثية في الشعر العربي الحديث.

   ولا يحتاج المرء إلى عناء كثير حتى يعثر على هذه الصورة المتناقضة لهذا الشاعر، الصورة التي غلب على جانبها الأكبر طابع التمجيد والاعتزاز، وعلى جانبها الأصغر طابع المساءلة، والسخرية من الشاعر. مُجّد الشاعر لأنه ذوروح متحررة تنزع نحوالحرية، وهوجم لأنه شاعر مديح، يمدح إذ أعطي ويهجوإذا منع، وقصّته مع كافور الإخشيدي أفضل مثال على ذلك.

  ولئن قرأ المرء كتاباً مثل كتاب محمد شرارة (المتنبي بين البطولة والاغتراب)(2)، وهوكتاب يرفع مؤلفه فيه الشاعر إلى مرتبة الأبطال، فإنه سيقرأ مقالاً يشكل النقيض، وهوالمقال الذي كتبه حسين أحمد أمين(3) ونشره في مجلة القاهرة، في العدد (128)، في العام (1993)، ومنه يخرج المرء بانطباع هوأن المتنبي لم يكتب سوى أبيات قليلة، لأن أشعاره صادرة عن شاعر عنصري مغرور، وهي أشعار لا قيمة عليا فيها. ولئن كان المرء يقرأ في الشعر العربي الحديث، عشرات القصائد التي مَجَّدَ أصحابها فيها المتنبي، وهوما بدا في كتاب د. الكركي، فإنه –أي المرء- سيقرأ قصة لزكريا تامر هي قصة (نبوءة كافور الأخشيدي)(4) تبدوصورة المتنبي فيها صورة الشاعر الأضحوكة، الشاعر الذي يذله الحاكم لأنه رأى فيه شاعراً يمدح إذا مُنح، شاعراً بلا موقف، شاعراً تحرّك النقود والأطماع شهيته إلى الكلام.

  كيف ينظر شاعر، هوأدونيس، شاعر مُطَّلع على الشعر العربي اطلاعاً واسعاً، اطلاعاً دفعه إلى أن يختار قصائد رأى فيها ديوان الشعر العربي، كيف ينظر أدونيس إلى المتنبي في أثناء تقييمه الشعراء العرب القدامى؟ لنقرأ ما أورده أدونيس في مقدمته للشعر العربي:

  

(إنه جمرة الثورة في شعرنا، جمرة تتوهج بلا انطفاء، إنه طوفان بشري من هدير الأعماق، والموت هوأوّل شيء يموت في هذا الطوفان)(5)

 

 

 

وكيف ينظر شاعر آخر، هومحمود درويش، إلى المتنبي شاعراً أولاً وشاعراً له موقف من الحكام ثانياً؟ يقول درويش مبيناً مكانته الشعرية من مكانة المتنبي الشعرية:

 

 

 

(أنا كل ما أردت أن أقوله قاله هوفي نصف بيت: على قلق كأن الريح تحتي)(6)، وحين صدّر درويش ديوانه (هي أغنية ..هي أغنية) (1986) صدّره بهذا الشطر، وقد رأى في مكانة المتنبي الشعرية، في حركة الشعر العربي ما تقوله الأسطر التالية:

 

 

 

(لأن المتنبي أعظم شاعر في تاريخ اللغة العربية، وهوكما يبدولي تلخيص كل الشعر العربي الذي سبقه، وتأسيس لكل ما لحقه)(7).

 

 

 

وبتواضع عجيب يضيف درويش:

 

 

 

(نحن، حتى الآن، نحاول بكل الأشكال الشعرية الجديدة أن نقول سطراً واحداً للمتنبي. كيف؟ كل تجاربي الشعرية من أربع سنوات حتى اليوم (1982-1986) كتبت حوالي المائة قصيدة ثم انتبهت إلى أن المتنبي قال: على قلق كأن الريح تحتي)(8).

 

 

 

ولعلّ الأهم هونظرة درويش إلى موقف المتنبي من الحكام الذين مدحهم، وهوموقف يشبه الموقف الذي يتبناه أدونيس، أيضاً، حيث ردده أدونيس مؤخراً في بعض المقابلات المطولة التي أجريت معه ونُشرت في صيف العام (2000) على صفحات (الحياة الجديدة). يقول درويش في المقابلة نفسها، المقابلة التي أجرتها معه رفيف فتوح ونشرت في صيف العام (1986) على صفحات (الوطن العربي) الصادرة في (باريس):

 

 

 

(وأنا معجب بشخصيته إعجاباً شديداً، فالمتنبي لم يُفهم جيداً، عندما اتهم بأنه شاعر بلاط، لم يكن في ذلك العصر، ولا في كل العصور العربية السابقة، لم يكن المديح عيباً إطلاقاً. وبرأيي أن المتنبي لم يمدح أحداً، ولم يمدح سلطة الدولة، بل كان المتنبي يؤسس سلطته الشعرية. كان يستخدم القوة الشعرية من أجل تأسيس سلطة للشعر، وبالتالي كان سيف الدولة هوالمتنبي. هوكان يرى نفسه، لم يكن يرى سيف الدولة، واستعمل كافور استعمالاً عابراً من أجل توسيع نفوذ سلطته الشعرية، فالمتنبي ليس شاعر بلاط إطلاقاً، هوسلطة الكلام، وكل شاعر يطمح إلى تأسيس سلطته الجمالية واللغوية، وإلا فلماذا يكتب؟)(9) ولربما هنا نتساءل: أهكذا كان المتنبي أم هي رؤية درويش، لا للمتنبي، وإنما لذاته؟ وبخاصة أنه –أي درويش- هوجم من بعض الشعراء، بعد أن كتب قصيدته (مديح الظل العالي)(10)، بأنه المتنبي الجديد. لعلّ الذين تابعوا الصحافة العربية ما زالوا يذكرون ما قاله عنه أحمد فؤاد نجم, بعد العام (1982)، في الشام(11). لقد ذهب نجم إلى أن درويش شاعر سلطة مثله مثل المتنبي، فهل يدافع درويش، في كلامه عن المتنبي، عن ذاته؟ سوف أترك الإ جابة، وإن كان درويش ظلّ خلال السنوات المنصرمة حذراً في مواقفه حذراً لم يقُده إلى إنزلاق قاتل. إنه كمن يمشي بين حبّات المطر دون أن يتبلل، وما لا يقوى على قوله مباشرة يقوله من وراء قناع, وبخاصة في مواقفه الرافضة، مواقفه التي لا يُجيز له ضميره أن يغيرها ويبدلها بسهولة (12).

 

 

 

زمن كتابة القصيدة

 

 

 

يبدومحمود درويش واحداً من الشعراء الذين يجدردراستهم وفق واحد من المناهج النقدية التي تعتمد على معطيات أخرى غير أدبية، وإن كان يمكن أن يدرس، أيضاً، وفق المناهج النصية –أعني تلك التي تعتمد على النصّ الشعري فقط. ولربما يميل المرء إلى تفضيل منهج من المناهج الأولى، وبخاصة المنهج الاجتماعي، لأن درويش نفسه نشأ شاعراً كتب أكثر أشعاره الأولى، حتى أول السبعينات، تحت تأثير الأيديولوجيا، وظلّت هذه النشأة تحكمه وتؤثّر عليه، وظلّ يكتب الشعر حين يكون هناك باعث على قول الشعر، وغالباً ما كان هذا الباعث هوالقضية الوطنية. ويقرّ درويش نفسه، في المقابلات التي أجريت معه في التسعينيات، بأن النصّ الشعري إذا كان لا يحمل تجربة انسانية، أي إذا كان لا يحمل أنوات تشكّل التقاءً إنسانياً، فلا حاجة للقارئ به، مهما كانت شعريته... إذاً لم يكن حدّ أدنى من تاريخية النص وجماليته، فالقارئ لا يُعنى به.(13)

 

 

 

وأرى، من خلال تجربتي في قراءة نصّ درويش، أن الإلمام بزمن كتابة النصّ وما كانت عليه الأوضاع السياسية والاجتماعية وموقع درويش نفسه في حينه، أرى أن الإلمام بهذا يساعدنا كثيراً على فهم نصّ درويش فهماً جيداً، لا لمعرفة الموضوع فقط، وإنما للإلمام بالصورة، أيضاً، إلماماً جيداً.(14)

 

 

 

كتب درويش نصّه هذا في العام 1980(15)، وكانت مصر، في حينه، قد وقّعت اتفاقية سلام مع إسرائيل، وخرجت من قيادة العالم العربي لتعاني قدراً من العزلة بسبب اتفاقيات السلام المنفردة. وكتب درويش نصّه هذا حين كان يمرّ بأزمة خانقة مع قيادة منظمة التحرير في حينه، وقد وصف شكل العلاقة بينه وبينها في إحدى رسائله، فكتب:

 

 

 

(وحين سألتقي في الآخرة مع السيد ميغيل سرفانتيس سابدرا، سأعترف له بأن رحلته الثالثة مع دون كيشوته قد أنقذتني من الانهيار النهائي، قبل سبع سنين، حين اختلفت احلامي مع أدوات تحقيقها، واختفيت في باريس)(16)

 

 

 

كان العالم العربي، إذاً، يمرّ بمرحلة صعبة جدّاً، وكان الشاعر نفسه يعاني من إشكالات مع أدوات تحقيق أحلامه، ولربما، ولهذا السبب بالذات، اختار الشاعر المتنبي، واختيارات درويش لرموزه الأدبية التراثية ليست اختيارات عشوائية إطلاقا، إنها اختيارات تفرضها اللحظة التي يمرّ بها الشاعر وتطابقها –أي تطابق اللحظة- مع حالات الرمز المختار. ومن هنا نستطيع أن نتفهم اختيار الشاعر رمز امرئ القيس ورمز أبي فراس الحمداني(17).

 

 

 

ويجدر هنا أن نقارن بين تجربته، لحظة كتابة (رحلة المتنبي إلى مص) وتجربة المتنبي مع سيف الدولة وكافور. فكلا التجربتين تتقاربان. أقام المتنبي في بلاط سيف الدولة وخصّ الشاعرُ الأميرَ بعيون قصائده، ولقي في بلاطه ما لم يلقه شاعر في بلاط أمير أوملك، وهذا الذي أكثر من حسّاده الذين سمّموا علاقته بالأمير، حتى أن هذا لم يحرّك ساكناً، حين امتدّت يد أحد الحضور لتنال من الشاعر، وهكذا اضطر المتنبي إلى مغادرة بلاط سيف الدولة، وهكذا اتجه نحومصر قاصداً كافور الذي رحّب به وإن لم يعطه ما أراد. وحبّ المتنبي سيف الدولة حبّ لا يقارن بميله نحوكافور. لقد ذهب المتنبي إلى مصر، وهوكاره، وإلّا فكيف يمكن أن نفهم بداية قصيدة المديح التي خصّ بها كافور:

 

 

 

كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا"(18).
هكذا يكون الموت شافياً، وتكون المنايا أمنيات، وأين؟ في حضرة أمير تنشد بين يديه قصيدة مديح! ولئن كان ذهاب محمود درويش بعد العام (1970) إلى مصر مغايراً، لأن هواه كان هوىً مصرياً، حيث كانت مصر في عهد عبد الناصر مهوى الأفئدة، فإن الشاعر يكتب عن مصر السادات لا مصر عبد الناصر. والذهاب إلى مصر في نهاية السبعينيات ذهاب محفوف بالمخاطر لأنه سيضع الشاعر موضع الشكّ، إذ كيف يقترب من نظام وقّع معاهدة صلح ذليلة مع إسرائيل؟ لعل الموت، هنا، يكون، أيضاً، شافياً ويكون، أيضاً، أمنية يتمناها ذوالنفس الأبيّة. ولئن كان المتنبي مدح سيف الدولة قبل أن يغادر بلاطه، فإن درويش كتب في ياسر عرفات مقالات وقصائد تذكرنا بقصائد المتنبي في سيف الدولة، ولكن كتابته جاءت في لحظتين زمنيتين حرجتين جدّاً، تعرّض فيهما ياسر عرفات لما كان سيف الدولة يتعّرض له في المعارك؛ اللحظة الأولى كانت بعد معارك بيروت في العام (1982)، والثانية بعد الخروج من طرابلس في العام (1983)، في اللحظة الأولى كتب درويش (مديح الظلّ العالي) وفي الثانية كتب (ياسر عرفات والبحر).(19)، هذا إذا غضضنا الطرف عما ورد في كتاب درويش النثري (ذاكرة للنسيان)(20) الذي تتناول الكتابة فيه يوماً قاسياً ومشهوداً من أيام بيروت الجهنمية التي كان فيها أبوعمّار يشارك في المعارك، وكان مقصوداً من الطائرات الإسرائيلية التي أرادت أن تتخلّص منه.

 

 

 

ولئن كان المتنبي مدح هذا الأمير أوذاك، فإنه لم يكن صادقاً بالدرجة نفسها، مدح صادقاً ومدح كاذباً، وكان مديحه لسيف الدولة مديح صادق، فيما لم يكن مديحه لكافور كذلك، ولعلّ ما يفسّر لنا هذا أنه غادر حلب وهوحزين وآسف؛ غادرها وهويقرّ بحبه لسيف الدولة حتى بعد أن لم يغضب الأمير من الحسّاد، ولم يهجُ سيف الدولة بل عاتبه، في حين أنه هجا كافور وأمعن في الهجاء. أما محمود درويش فقد عبّر عن سخطه وغضبه هذا بأسلوب غير مباشر، وهوما بدا في قصيدته (أنا الآخر) التي لم يدرجها في أعماله الشعرية، وأخذ فيما بعد يقول إنه كتبها من وحي قصيدة رامبو(أنا آخر) وهوما قاله لي ذات نهار، وإن لم أتفق معه في هذا.(21)

 

 

 

ولئن كان المتنبي آثر عدم العودة إلى بلاط سيف الدولة، حتى بعد أن أرسل له هذا كتاباً يدعوه فيه إلى العودة إلى حلب، فإن درويش لم ينظر إلى الأمر من منظور كرامة شخصية جريحة، وهكذا لم يمكث في باريس طويلاً، وسرعان ما عاد إلى بيروت، حيث ياسر عرفات، ليحتلّ موقعه في مؤسسات الثورة وليواصل مشواره في النضال، جنباً إلى جنب مع رفاقه الفلسطينيين هناك، ولم يأبه كثيراً لما قاله في القصيدة على لسان القائل المتكلم في النصّ حين قال: (قد عدت من حلب، وإنّي لا أعود إلى العراق).(22)

 

 

 

لم يعد المتنبي إلى حلب بعد أن غادرها، أما درويش فقد عاد إلى بيروت.

 

 

 

العنوان ودلالاته

 

 

 

يختار درويش العبارة التالية عنواناً للقصيدة: (رحلة المتنبي إلى مصر)، وكان قد صدّر القصيدة، يوم نشرها على صفحات مجلة (الوطن العربي) الصادرة في باريس، ببيت شعر للمتنبي هو:

 

 

 

وأنا الذي اجتلب المنية طرفه
فمن المطالب والقتيل القاتلُ
ولم يظهر هذا البيت في طبعة (حصار لمدائح البحر). ولئن كان أنا المتكلّم في النصّ الشعري –في بيت المتنبي هنا- هوأنا المتنبي، فإن العنوان يوحي لنا أننا سنقرأ عن رحلة المتنبي الى مصر، لا من خلال كتابة المتنبي نفسه عن رحلته، وإنما من خلال قراءة طرف آخر عن الرحلة، ولولا وجود اسم محمود درويش الشاعر الذي نعرف أنه شاعر بالدرجة الاولى لذهبت مخيلتنا الى اننا سنقرأ لطه حسين أولعبده عزام أولمحمد شرارة أولآخرين ممّن قرأنا لهم ما كتبوه عن المتنبي. واقتران العنوان باسم الشاعر، في صفحة المجلّة، وإدراجه في مجموعة شعرية لمحمود درويش هوما يزيل هذا الشطط ليحل محله اعتقاد آخر هوأننا سنقرأ نصّاً شعرياً. ولما كنا نعرف ان درويش رحل الى باريس، فإننا بعد قراءة النص يمكن أن نستبدل العنوان بعنوان آخر وهو(رحلة محمود درويش الى باريس)، تماماً كما يمكن أن نستبدل داخل النص مفردات بمفردات واسماء بأسماء، لنجد أنفسنا نقرأ عن رحلة درويش لا عن رحلة المتنبي وإن تشابهت الرحلتان، وهكذا عبّر درويش عن تجربة تكررت في التاريخ لشاعرين كبيرين. هذا إذا غضضنا الطرف عن مقارنة بعض الدارسين، مثل مارون عبود وأستاذي د. محمود إبراهيم، القرن العشرين بالقرن الرابع الهجري.

 

 

 

يذهب مارون عبود في بعض كتبه إلى أن الشبه بين القرنين كبير جداً، ويورد في بعض كتاباته العبارة التالية: (ما أشبه الليلة بالبارحة)(23).

 

 

 

يحيلنا العنوان إلى (رحلة المتنبي إلى مصر) وما كتب حوله، ويندرج تحته نص شعري يقول صاحبه فيه هذه الرحلة، ونحن هنا نصغي إلى أنا تقصّ عن ذاتها، والقصّ بضمير الأنا غير القصّ بضمير الهو. لكأن الدراسات السابقة كلها عن هذه الرحلة هي رواية الغير، أما النصّ الشعري فهورواية الذات، وشتّان ما بين رواية الغير عن غيرها ورواية الذات عن ذاتها، وإن كانت رواية الغير، في الدراسات، تبتعد عن الانفعال وتقترب من الموضوعية، خلافاً لرواية الذات داخل نصّ شعري. إن هذه لا تتجرّد من ذاتها، وهكذا تصبغ بصبغة ذاتية، وحين تقال شعراً، وشعراً وجدانياً تحديداً، فإننا أمام شاعر مشاعر يغلب هذه على العقل. ولربما كانت دراسة محمد شرارة الوحيدة من بين الدراسات التي لم يستطع فيها صاحبها أن يغفل مشاعره وإعجابه بالشاعر حتى بدت دراسة شاعرية أكثر منها دراسة علمية.

 

 

 

ولربما يعود المرء، بعد قراءة رؤية أنا المتكلم في النص لرحلة المتنبي إلى مصر، وقد توحّد أنا المتكلم والمتنبي، لربما يعود المرء الى الروايات الاخرى لهذه الرحلة، ليقارن بين الروايات كلها ويرى الفرق بين ما يرويه دارس وما يرويه شاعر يرى في تجربته تجربة تشبه تجربة المتنبي.

 

 

 

ونعود الى البيت الذي صدّر به درويش القصيدة ثم تخلى عنه: يحيلنا هذا البيت الى قصيدة المتنبي التي قالها في مدح القاضي أبي الفضل أحمد بن عبدالله الانطاكي، ومنها:

 

 

 

لك يا منازل في القلوب منازلُ
يعلمن ذاك وما علمتِ وإنمـا

وأنا الذي اجتلب المنيّة طرفه
جمح الزمـان فما لذيذ خالـص

وإذا أتتك مذمتي من نـاقـص
أقفرت أنت وهنّ منك أواهلُ

أولاكمـا يبـكـي عليـه العـاقـلُ
فمن المطالب والقتيل القـاتـلُ

مما يشوب ولا سرور كـاملُ
فهي الشـهادة لـي بأني كـامـلُ
وهي قصيدة مديح لا يبدوفيها الشاعر متأزماً، وإن أتى على الزمان وأحواله وتقلّباته، ويفسر العكبري البيت الثالث على النحوالتالي:

 

 

 

(يقول: طرفي جلب موتي بالنظر فمن أطلب بدمي وأنا قتلت نفسي) وهومنقول من قول قيس بن ذريح:

 

 

 

وما كنت أخشى أن تكون منيتي
بكفي إلا أن من صان هائن
وأظن أن درويش أعجب بالبيت، ولم يلتفت إلى مناسبة قول المتنبي قصيدته، ولكنه وهو–أي درويش- يقرأ البيت استحضر تجربة المتنبي في الرحيل، وهي التي أودت في النهاية بحياته. ولا أدري إن كان درويش أدرك هذا، وبالتالي حذف البيت، وإن كان فعل فعله في بناء القصيدة، حيث سيحضر بعضه في بناء قصيدة درويش.

 

 

 

بين يَدَي القصيدة

 

 

 

ويبني محمود درويش نصّه بناءً هندسياً محكماَ، وسوف يتابع هذا النهج في كثير من قصائده التي كتبها بعد هذه القصيدة لتصبح القصيدة عمارة متناسقة، وهومايبدو، فيما بعد، في (أحد عشر كوكباً)(24) وفي (لماذا تركت الحصان وحيداً؟)(25) ويبدوالهاجس الجمالي لدى الشاعر هاجساً ملحاً، وهويدرك أنه حين يكتب النصّ يُقدم على مغامرة جمالية مدروسة وهذا ما يتحقق في النص الذي بين يدينا.

 

 

 

تتكون القصيدة من خمسة مقاطع يفتتحها الشاعر بسطرين:

 

 

 

للنيل عادات
وإني راحلُ
وتكرر هذه اللازمة التي تدعم العنوان وتتكئ عليه، تتكرر في النص ست مرات، وإذا ما عدنا الى كتاب د. عز الدين اسماعيل (الشعر العربي المعاصر)(26) لنستعير منه تعريفات للقصيدة الحديثة، قلنا إن (رحلة المتنبي الى مصر) قصيدة حلزونية الشكل ودائريّة في الوقت نفسه. إنها حلزونية الشكل لأن كل مقطع من مقاطعها الخمسة يفتتح بالعبارة نفسها: (للنيل عادات وإني راحل)، وهي دائرية لأن درويش يغلق الدائرة بالعبارة نفسها التي افتتح بها نصّه. وهكذا تغدوالعبارة الجسر الذي لا غنى عنه حين يقفل كل طابق ويغلق. وتقوم العبارة على ثنائية النيل/الشاعر أومصر، المتنبي، وتنبثق عنها ثنائيات أخرى هي الشاعر/ الشعراء والفقراء/ الامراء.

 

 

 

والسؤال الأول الذي يثيره المرء وهويقرأ العبارة هو: ما هي عادات النيل التي تدفع المتكلم إلى الرحيل؟ إنها عادات لا تسرّ، وإلا لما رحل أوفكّر بالرحيل، وليس الرحيل خاصاً بالأنا، فالنص يفصح عن مغادرة شعراء (هل غادر الشعراء مصر ولن يعودوا؟). ولئن كان المتنبي غادر مصر لأنه لم يحصل من كافور على ما يريد، أولأنه لم يشعر بما كان يشعر به وهوفي بلاط سيف الدولة، أولأنه رأى في شخصه ما يميّزه عن كافور حتى لوكان هذا أميراً، وأن الشاعر العربي أعلى مكانة من الأمير الذي أصوله أصول وضيعة، وهوما كرّره المتنبي عموماً في أشعاره حين قال:

 

 

 

لا تشترِ العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيدُ
لئن كان المتنبي غادر مصر لسبب من هذه الأسباب، أولهذه الأسباب مجتمعة، فإن الشعراء الذين غادروا مصر يوم نظم درويش القصيدة، والشعراء الذين لم يذهبوا إلى مصر في حينه، إنما أقدموا على ما أقدموا عليه، لأن السادات وقّع اتفاقية سلام مع دولة إسرائيل، ولأنه نكّل بالمعارضة وزجّ بقياداتها في السجون.لقد غادر مصر في حينه شعراء كبار من مصر نفسها، مثل احمد عبد المعطي حجازي، ولم يعد هؤلاء إلى مصر إلا بعد حين.

 

 

 

وعادات النيل هي تقلباته، وقد أطلق الشاعر لفظة النيل وأراد مصر، لأن عادات النيل نهراً هي عادات الأنهار: الفيضان، انخفاض منسوب المياه وما شابه. وعادات مصر هي تبدّل أدوارها ومواقفها في زمن كافور وفي العصر الحديث، ولأن بسط كافور سيادته، ولم يكن من أسرة حاكمة وإنما كان خادماً في القصر تمكّن من خلال دهائه وذكائه أن يصبح الأمير، لأن بسط كافور سيادته أمر مستهجن، فإن ما كان مستهجناً في مصر، بعد موت عبد الناصر، هوتولي أنور السادات قيادة الجمهورية، وتاريخ السادات ليس بأحسن حالاً من تاريخ كافور. هذه هي عادات النيل –أي عادات مصر التي يتحدث عنها أنا المتكلِّم في النص وهي تذكّرنا بقول المتنبي في داليته المشهورة:

 

 

 

أكلمـا اغتال عبد السود سـيده
صار الخصـي إمام الآبقين بها
من علم الأسود المخصي مكرمة
أوخانـه فله في مصر تمهيـدُ
فالحـر مستعبد والعبد معبـودُ
أقومـه البيض أم آباؤه الصِّيدُ؟
وسنجد أن درويش يكرّر، في نصّه، رؤية المتنبي لكافور: العبد الأمير، وذلك حين يقول:

 

 

 

(هذا هوالعبد الأمير

 

 

 

وهذه الناس الجياع

 

 

 

والقرمطي أنا

 

 

 

أبيع القصر أغنية

 

 

 

واهدمه بأغنية

 

 

 

واسند قامتي بالريح والروح الجريح

 

 

 

ولا أباع)

 

 

 

ولئن كان المتنبي يبيع قصائده، وهذا ما لا نلحظه، حتى الآن في مسيرة درويش، إلّا ما ندر جداً، فإن أنا المتكلم في هذه الأسطر تجمع بين صوتين: صوت المتنبي في نظرته إلى كافور وصوت محمود درويش في انه لا يبيع ذاته(27)، ودرويش كما أعرف لم يمدح أحداً من الحكام وهذا ما نعرفه عن المتنبي معرفة جيدة. أي أنه مدح الحكام وأكثر المديح.

 

 

 

ومن المؤكد إننا حين لا نفصل بين الصوتين، وإننا حين ننسب الكلام إلى درويش نفسه، من المؤكد أننا سنجد درويش شخصاً آخر غير الذي عرفناه في بداية حياته الشعرية. إن صدور عبارة (العبد الأمير) التي صدرت عن المتنبي حقيقة، وإن صدورها على لسان درويش، إذا لم يكن يضع فارقاً بينه وبين المتنبي، يعني تراجع الشاعر عن فكرة آمن بها ذات نهار وهي الأفكار الماركسية التي ترفض كليّاً فكرة الأمير/العبد أوالأسياد/العبيد، لأنها ترى أن الأحرار/العبيد ثنائية عرفتها المجتمعات البشرية التي عرفت الاستغلال فالرق، وتسعى الماركسية إلى إلغاء هذا الشكل من أشكال المجتمعات، وقد ناضل درويش نفسه ذات نهار لأجل هذا الإلغاء.

 

 

 

يتكوّن المقطع الأول من خمسة عشر سطراً شعرياً غير اللازمة، وفيه يعلن أنا المتكلم عن مشيه السريع في بلاد تسرق الأسماء منه، والأسماء التي تسرق منه هي هويته الخاصة، والبلاد هي البلدان العربية التي كانت، كما يعلن الشاعر في نصوصه، تضايق الفلسطيني (من ليس بوليساً علينا فليشرف، من ليس جاسوساً علينا فليشرّف)(28) هذا إذا ذهبنا إلى أن أنا المتكلّم هي أنا درويش لا أنا المتنبي، وإذا ذهبنا إلى إنها أنا المتنبي تذكّرنا قول هذا:

 

 

 

بكل أرض وطئتها أمـم
يستخشن الخزّ حين يلبسه
وإنما النـاس بالمـلوك
لا حسب عندهم ولا نسب
ترعى بعبد كأنـها غنمُ
وكان يُبرى بظفره القلمُ
ولا تفلح عرب ملوكها عجمُ
ولا عهود لهم ولا ذممُ
ويأتي السطر الثاني ليعبر عما جرى مع المتنبي: (قد جئت من حلب، وإني لا أعود إلى العراق). لقد غادر المتنبي حلب إلى مصر ولم يغادرها إلى العراق، وأن فكر، بعد تركه مصر، في العودة إليها لولا أنه قتل في الطريق، وأما درويش فقد غادر إلى باريس، وسرعان ما عاد بعد كتابة القصيدة إلى بيروت. وأمّا لماذا هذا الإعلان عن عدم العودة؟ فلأن التجربة في البلدان التي مرّ بها كلاهما لم تكن تجربة سارة: (سقط الشمال) وما دام الشمال سقط فلا عودة ولا تصالح مع مكان ساقط، وهنا لا بدّ من البحث عما يحقّق له توازناً نفسياً، وهكذا يسحبه الدرب إلى نفسه، ويضع الشاعر قبل أن يعطف مصر على النفس ثلاث نقاط، كأنه وهوذاهب إلى مصر ذاهب وهومتردد، لأنه قد لا يجد في مصر ما يلبي رغبته، فمصر صهيل اندفع إليها، وحين دخلها لم يجد فرساً وفرساناً، وهكذا أسلمه الرحيل إلى الرحيل.

 

 

 

لقد ذهب المتنبي إلى مصر وسرعان ما غادرها، وذهب درويش خلال العام (1970) إلى مصر، وسرعان ما غادرها أيضا. وأما الصهيل فهوصوت الحصان(29)، وكانت مصر في زمن جمال عبد الناصر الصهيل الذي لفت أنظار العرب إليها، وسرعان ما تراجع الفرس بعد موت الفارس، ويعبر أنا المتكلم في المقاطع اللاحقة عن هذا بوضوح: (لا مصر في مصر التي امشي إلى أسرارها، فأرى الفراغ). وهكذا يقول أنا المتكلّم:

 

 

 

(ولا أرى بلداً هناك

 

 

 

ولا أرى أحداً هناك

 

 

 

الأرض اصغر من مرور الرمح في خصر نحيل

 

 

 

والأرض اكبر من خيام الأنبياء

 

 

 

ولا أرى بلداً ورائي

 

 

 

ولا أرى أحداً أمامي

 

 

 

هذا زحام قاحل

 

 

 

والخطوقبل الدرب، لكن المدى يتطاول)

 

 

 

وليس وصف مصر على هذه الشاكلة وصفاً خاصاً بأنا المتكلم/درويش، فقد ذهب شاعر مصري، هوأمل دنقل، إلى هذا وعبّر إثر هزيمة 1967 وبعدها، عن خيبة أمله من بلد يكثر فيه الناس ولكنهم في كثرتهم، بسبب الهزيمة، لا يساوون شيئاً:

 

 

 

(لا تسألي النيل أن يعطي وأن يلدا

 

 

 

لا تسألي أبداً

 

 

 

إني لأفتح عيني، حين افتحها

 

 

 

على كثير ولكن لا أرى أحدا)(30)

 

 

 

وتصبح الأرض في نظر الشاعر، حين لا يتصالح مع بشرها، تصبح أضيق من مرور الرمح في خصر نحيل، على الرغم من إنها أكبر من خيام الأنبياء، ولأن جبهة الصمود والتصدي التي تشكّلت بعد اتفاقية (كامب ديفيد) لم تنجز إلا الكلام، فلم ير درويش بلدانها، كما انه لم ير أحدا أمامه، وهكذا كان الزحام قاحلاً. ثمّة كثير، كما قال دنقل، ولكن لا أحد، وتلك هي مفارقة، ومنها يشعر أنا المتكلّم بحالة من الضياع، فيصبح الخطوقبل الدرب، وهكذا يمشي لأنه يريد أن يمشي دون أن يحدّد طريقه، وهكذا يتطاول المدى لأنه حائر قلق، ولربما تذكرنا عبارة (ولكن المدى يتطاول) بقول المتنبي:

 

 

 

نحن أدرى وقد سألنا بنجد
وكثير من السؤال اشتياق
أطويل طريقنا أم يطولُ
وكثير من ردّه تعليلُ
يفتتح أنا المتكلم المقطع الثاني بإعلان الوطن الجديد الذي ينتمي اليه، وستكون القصيدة هي وطنه الجديد، لكأن مملكة الشاعر كما قال المسيح، ليست من هذا العالم الارضي. إنه ينتمي الى القصيدة التي سيكتبها لا التي كتبها لأنه لم يعد متصالحاً مع عالمه القديم، ولهذا فلا بد من قصيدة جديدة تعبّر عما هوفيه. وكما كتب المتنبي قصائد في كافور وفي غيره، ورأى أنها لم تحقق له ما يريد، وأن قسماً منها كتبه وهوغير راضٍ عن مضمونها أوما قاله فيها، وتحديداً تلك التي كتبها في مدح كافور، فإن درويش نفسه غدا غير قادر على التصالح مع ماضيه لأن الرفاق هناك في حلب أضاعوه وضاعوا، أولأن الرفاق هناك في حيفا أضاعوه وضاعوا بعد أن هاجموه إثر خروجه من الأرض المحتلة وهاجمهم، أيضاً، وقول أنا المتكلم في النصّ:

 

 

 

(أمشي إلى نفسي فتطردني من الفسطاط

 

 

 

كم ألج المرايا

 

 

 

كم أكسرها

 

 

 

فتكسرني).

 

 

 

وهوقول يعبّر عن عدم انسجامه لما هومقدّم عليه، يذكرنا بقول المتنبي في مديح كافور:

 

 

 

أريك الرضا لوأخفت النفس خافيا
أميناً وإخلافاً وعذراً وخسّة
تظن ابتساماتي رجاءً وغبطة
وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا
وجبناً، أشخصاً لحت لي أم مخازيا
وما أنا إلا ضاحك من رجائيا
ويعبّر أنا المتكلم عما عليه واقع الامة: دول توزع كالهدايا وسبايا تفترس السبايا، وانعطاف يتلوه انعطاف، وضفاف ولا نهر، وهذا كله ما جعله يجري لتكون القصيدة وطنه الجديد، ولكنه وقد ضاق صدره بالهروب ليلا، وقد ينجم عن ذلك موته، يتساءل حقاً: هل وطني قصيدتي الجديدة؟ وقول أنا المتكلم:

 

 

 

(إن هذا الليل قد يدمي

 

 

 

فأرمي القلب من سأمي الى عسس الامي)

 

 

 

يحيلنا إلى أيام المتنبي الأخيرة في مصر قبل هروبه منها، الهروب الذي كان من الممكن ان يودي بحياته. واذا كان المتنبي قال:

 

 

 

(إذا كان مدح فالنسيب مقدمُ
أكل فصيح قال شعراً متيمُ؟)
معبراً عن عدم ابتداء قصائده بالحبّ، ومفصحاً، من دون وعي، عن عدم التفاته إلى النساء قدر التفاته الى قضايا أخرى كان المديح مدخلاً لها، وإذا كان المتنبي قال هذا، فإن أنا المتكلّم في قصيدة درويش يقول:

 

 

 

(لا الحب ناداني

 

 

 

ولا الصفصاف أغراني بهذا النيل كي أغفو

 

 

 

ولا جسد من الأبنوس مزّقني شظايا)

 

 

 

ولهذا يكرّر قوله: (أمشي الى نفسي فتطردني من الفسطاط). إن بحث الشاعر عن انسجامه مع ذاته هوما يجعله يفكّر بالرحيل، فالفسطاط تضم كافورالإخشيدي، وفي مصر أنور السادات، وهذا كلّه كفيل بأن يفجّر الشاعر (في مصر كافور، وفي زلازل) وحين يمشي أنا المتكلم الى مصر يجد أن مصر التي يبحث عنها غير موجودة في مصر، ولا يرى فيها إلا الفراغ، ويحاول أن يصافحها، بل إنه يصافحها، ولكن:

 

 

 

(كلّما صافحتها

 

 

 

شقت يدينا بابل).

 

 

 

وربما تحيلنا بابل إلى سبي بابل وإلى اليهود واسرائيل، لتوقيع مصر معاهدة معها، هي التي أحدثت شرخاً بين مصر والفلسطينيين.

 

 

 

يفتتح الشاعر المقطع الثالث بقوله:

 

 

 

(حجر انا

 

 

 

يا مصر هل يصل اعتذاري

 

 

 

عندما تتكدّسين على الزمان الصعب أصعب منه؟).

 

 

 

وعبارة (حجر أنا) تحيلنا الى بيت المتنبي في داليته: أصخرةٌ أنا؟ مالي لا تحركني هذي المدام ولا هذي الأغاريد؟

 

 

 

هنا يسائل أنا المتكلّم مصر، ويتوجه بالخطاب إليها. إنه يسألها كيف تترك النهر مفتوحاً لمن يأتي؟ أيكون العرش قبل الماء؟ ولربما نتذكر هنا قول المتنبي:

 

 

 

(نامت نواطير مصر عن ثعالبها
فقد بشمن وما تفنى العناقيدُ)
ويبدوأنا المتكلم أمام ما يجري حائراً، ثمة مغتصبون وثمة من يمتصُّ الغزو، ومن هؤلاء انا الشاعر الذي يعرف ولا يعرف السرّالدفين. يذوب هذا في الغزوات وكلما حاول ان يبكي بعيني مصر تلتفت هذه إلى عدوه.إن انا المتكلم في النص هوابن مصر الذي كان يفتدي النيل كل عام بأضحية، بعروس لكنه، وقد غدا انساناً ذا وعي مختلف، يقرر:

 

 

 

(لا، لن يستبيح الكاهن الوثني زوجاتي

 

 

 

ولا، لن أبني الأهرام ثانية، ولا

 

 

 

لن انسج الأعلام من هذا الكفن)

 

 

 

تمضي مصر حافية لجمع القطن من الصعيد، وتسكت كي يضيع الفرق بين الطين والفلاح في الريف البعيد، وتجفُّ في دمها البلابل والذرة، ويطول فيها الزائل. إنه زمن الموات والتراجع، زمن اليباب والجوع، زمن يطول فيه الزائل، فيما يتراجع الجوهري لدرجة الاختفاء.

 

 

 

يؤدي هذا المقطع الى المقطع الرابع. ينجم عن الواقع المأساوي سالف الذكر هجرة الشعراء ومغادرتهم مصر، وتصبح أرض الله ضيقة وأضيق من مضائقها الصعود على بساط الرمل. ويكرر أنا المتكلم حديثه عن علاقته بمصر، فلئن لاحظنا في المقطع الثاني أنه لا يرى مصر في مصر التي يمشي إلى أسرارها، ولئن لاحظنا في المقطع الثالث أنه كلّما حاول أن يبكي بعينيها التفتت إلى عدوّه، فإننا نلحظ في المقطع الرابع الشيء نفسه (بلاد كلما عانقتها فرّت من الأضلاع)، وهكذا يقبل نحوها فتفرّ منه، ولكنها في المقابل، حين يحاول أن ينجومن النسيان فيها تطارج روحه، ثمة إقبال وإدبار، ولكن هذا الادبار يتحول حين يحاول صاحب الإقبال النسيان، يتحول إلى مطاردة. ويبحث الشاعر، وهوفي مصر، عن ذاته الحقيقية، ولكنه لا يجدها (ونفسي تشتهي نفسي ولا تتقابلان)، وفي مصر نجده يحنُّ الى طرق الشمال. تماماً مثل المتنبي: غادر الشمال الى مصر، ولكنه فيها فكّر بالهرب منها، وتماماً مثل حال محمود درويش: ذهب إلى مصر، بعد خروجه من فلسطين، لأنها كانت المثال، ولكنه في نهاية السبعينيات ما عاد يرى فيها المثال الذي نشده ذاه نهار.

 

 

 

وهنا في هذا المقطع نجده يكرر ما كرّره في المقطع الثاني: الرحيل الى القصيدة واللهب.

 

 

 

يخاطب أنا المتكلم، في نهاية هذا المقطع، مصر قائلاً:

 

 

 

(يا مصر لن آتيك ثانية

 

 

 

ومن يترك حلب

 

 

 

ينْسَ الطريق الى حلب

 

 

 

وانا اسير حررته سلاسل

 

 

 

وانا طليق قيدته رسائل)

 

 

 

ويحيلنا هذا الخطاب، من جديد، إلى تجربة المتنبي، ولكنه في الوقت نفسه يحيلنا الى تجربة درويش. لم يعد المتنبي إلى حلب، ولا ندري ماذا كان سيفعل لوامتدّ به العمر ولم يقتل وهوعائد من فارس الى العراق. أما درويش الذي امتدّ به العمر فقد عاد الى بيروت وعاد الى مصر وعاد الى فلسطين.

 

 

 

ولكن اللافت في المقطع السابق هوالسطران الاخيران، فإذا كانت الأسطر الثلاثة الأولى تعبّر حقاً عن تجربة المتنبي، فإن السطرين الأخيرين يخصّان درويش نفسه. إن انا المتكلم فيهما هي انا درويش بامتياز. إنهما يستحضران تجربة بعض المثقفين الفلسطينيين، ومنهم درويش، الذين غادروا فلسطين التي ولدوا وعاشوا فيها، هرباً من قمع السلطات الإسرائيلية آملين أن يجدوا الحريّة في الوطن العربي فإذا بهم يحنّون إلى الحياة في فلسطين، تحت الاحتلال، لأنها أكثر رحابة وحريّة من الحياة في الوطن العربي.

 

 

 

يكتب درويش في بعض قصائده، وتحديداً في قصيدته التي رثى فيها ماجداً أبا شرار:

 

 

 

(وكان السجن في الدنيا مكاناً

 

 

 

فحررنا ليقتلنا البديلُ)

 

 

 

ويكتب أيضاً في قصيدته التي رثى فيها راشد حسين، يكتب وينقل على لسان هذا:

 

 

 

(والتقينا بعد عام في مطار القاهرة

 

 

 

قال لي بعد ثلاثين دقيقة

 

 

 

ليتني كنت طليقاً في سجون الناصرة)

 

 

 

والسطر الأخير كان ورد بالفعل على لسان راشد حسين، في رسالة (بيت من هواء) (25/8/1986)، وفيها يأتي درويش على ذكر راشد حسين ولقائه به في القاهرة، وكان راشد قال بيتي شعر يعبّر فيهما عن غربته:

 

 

 

واقف كلّي مذلة
ليتني كنت طليقاً
في مطار القاهرة
في سجون الناصرة(31)
لقد رأى درويش أن السلاسل منحته الحريّة في حين منحته الرسائل، وهوفي العالم العربي، القيد. وعالم مصر عالم فراغ، عالم يطول فيه الزائل، ولهذا غادر الشعراء. وفي بداية المقطع الخامس يعلن انا المتكلم عن نيته في المغادرة.

 

 

 

يفصح انا المتكلم في المقطع الخامس عن ثلاثة أطراف غيره، وهي: الرفاق في حلب والعبد الأمير، والروم الذين ينتشرون حول الضاد، ويواصل كلامه عن مصر.

 

 

 

ثمة علاقة بينه وبين الرفاق، هناك في حلب، وهي علاقة تحيلنا الى علاقة المتنبي بالشعراء والمثقفين، ولم تكن علاقة حسنة، كما تحيلنا الى علاقة درويش بالشعراء والمثقفين في حيفا، وآلت هذه، بعد خروج درويش من الأرض المحتلة، إلى سوء، ولعل استخدام أنا المتكلم لفظة (رفاق) هوما يدفعنا الى هذا التفسير. وثمة علاقة بين أبناء الضاد ومن يحيط بهم، وهي أيضاً تحيلنا الى الواقع العربي الاسلامي في القرن الرابع الهجري والى علاقة سيف الدولة بالروم، ولم تكن العلاقة حسنة وودية، وإنما كانت علاقة عداء لا علاقة جوار، كما تحيلنا الى الواقع العربي في زمن كتابة القصيدة، وتحديدا الى علاقة الدول العربية باسرائيل التي تشكل خطراً على الامة العربية. وثمّة علاقة بين أنا المتكلم والعبد الأمير الذي يحكم مصر، وتحيلنا هذه إلى علاقة المتنبي بكافور، كما تحيلنا إلى علاقة درويش بأدوات تحقيق حلمه، بل وإلى علاقته بقيادة مصر-أي بأنور السادات- وسنجد أن درويش، في خطب الدكتاتور الموزونة التي كتبها في العام (1986)، يكتب خطاباً يترك فيه انور السادات يعبّر عن ذاته(32).

 

 

 

يعلن انا المتكلم في النص عن معتقده، فيقول:

 

 

 

(والقرمطي أنا، ولكنَّ الرفاق هناك في حلب

 

 

 

أضاعوني وضاعوا

 

 

 

والروم حول الضّاد ينتشرون

 

 

 

والفقراء تحت الضاد ينتحبون).

 

 

 

وتحيل عبارة (والقرمطي أنا) الدارس الى التساؤل عن قرمطية المتنبي. فهل كان المتنبي قرمطياً؟ ينفي د. شوقي ضيف(33) أن يكون المتنبي قرمطياً، ولكنه في نفيه يشير الى ان هناك من زعم ان المتنبي كان قرمطياً. ودرويش هنا يؤكد قرمطية المتنبي.

 

 

 

وإذا ذهبنا إلى أن أنا المتكلّم هي أنا محمود درويش، فإن إعلانه عن قرمطيته هي بتعبير غير مباشر إعلان عن شيوعيته.

 

 

 

وكان درويش قد انتمى الى الحزب الشيوعي، وذلك قبل العام (1970)، فهل عاد في العام (1980)، عام كتابة القصيدة ليعلن من جديد، عن شيوعيته؟ إن المقطع الخامس يفصح بأن أنا المتكلم يرى أن الناس أسياد وعبيد، وقد أشرت الى هذا من قبل، وهذا يتناقض والفكر الماركسي، ولكنه، كما ذهبت، لا يتناقض وما كان يؤمن به المتنبي، وقد عبّر هذا عن قناعاته مباشرة ودون مواربة.

 

 

 

ويحيل السطر الثالث (والروم حول الضّاد ينتشرون) الى اشعار المتنبي، وما قاله في سيف الدولة. لم يكن الروم في نظر المتنبي هم الخطر الوحيد على سيف الدولة، فقد كان ثمّة عرب يشكّلون خطراً، عرب نظر اليهم المتنبي على أنهم روم، وهوما بدا في قوله:

 

 

 

وسوى الروم خلف ظهرك رومُ
فعلى أي جانبيك تميلُ
ولئن كان المتنبي يرى في سيف الدولة بطلاً يقارع الروم وينتصر عليهم، وهوما أبرزه في كثير من قصائده، ومنها قصيدة (الحدث الحمراء(، فإن أنا المتكلّم في النص لا يرى من يقاوم الروم، ولا يرى في أي قائد من القادة العرب المعاصرين سيف الدولة، وهوما يبدوفي قوله:

 

 

 

(والصراع هوالصراع

 

 

 

والروم ينتشرون حول الضاد

 

 

 

لا سيف يطاردهم هناك ولا ذراع

 

 

 

كل الرماح تصيبني

 

 

 

وتعيد أسمائي إليّ

 

 

 

وتعيدني منكم إليّ

 

 

 

وأنا القتيل القاتل)

 

 

 

لكأن أنا المتكلم هنا هي أنا الفلسطيني المعاصر، أنا محمود درويش في العام (1980)، في لحظة غضب عارمة، لحظة كانت فيها اكبر دولة عربية توقّع صلحاً مع إسرائيل، وبدلاً من أن تنطلق الرماح باتجاه العدوأخذت تنطلق باتجاه الشاعر وفقراء الضاد.

 

 

 

ويبقى قول درويش التالي قولاً لافتاً للنظر:

 

 

 

(هذا هوالعبد الأمير

 

 

 

وهذه الناس الجياع

 

 

 

والقرمطي أنا، أبيع القصر أغنية

 

 

 

وأهدمه بأغنية

 

 

 

وأسند قامتي بالريح والروح الجريح

 

 

 

ولا أباع)

 

 

 

وهوقول يحيلنا من جديد الى رأي درويش في المتنبي: إنه يؤسس لسلطة شعرية، إنه يؤسس لسلطة الكلام. فهل يعبّر درويش هنا عن ذاته شاعراً، وهل ما قاله عن المتنبي هوما يدور بخلده؟

 

 

 

1-2 محمود درويش وامرؤ القيس:

 

 

 

على الرغم من أن درويش ممن وظفوا رمز امرئ القيس في أشعاره الأولى، إلا أن بعض دارسي ظاهرة توظيف الشعراء العرب المعاصرين التراث لم يلتفتوا إلى قصيدة (امرؤ القيس (التي ظهرت في مجموعة) يوميات جرح فلسطيني(.

 

 

 

لقد أتى د. علي عشري زايد في كتابه (استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر)(1977) على القصائد التي وظف فيه هذا الرمز التراثي في موضعين، في موضع دلالة الشخصية وكيفية توظيفها، وفي موضع الكتابة عن الأسلوب في القصائد التي وظفت فيها الرموز التراثية، والتفت الدكتور إلى شعراء عرب منهم الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، كما درس أيضا قصيدة درويش(34).

 

 

 

وخلافا للدكتور زايد لم يلتفت الدكتور خالد الكركي إليها في كتابه (الرموز التراثية العربية في الشعر العربي الحديث) (1989). لقد تناول الكركي حضور شخصية امرئ القيس تحت عنوان ( البحث عن نصير خارجي: امرئ القيس وسيف بن ذي يزن)(35) ودرس قصيدتين : الأولى للمناصرة من مجموعة ( يا عنب الخليل) (1970)، والثانية لعلي الفزاع من ديوانه الأول ( نبوءة الليل الأخي) (1978)، وأشار الدكتور إلى قصائد أخرى ظهر فيها رمز امرئ القيس.

 

 

 

وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الشاعر تخلى عن هذه القصيدة ولم يدرجها في أعماله الكاملة التي غالبا ما يعتمد الدارسون عليها، ولا ادري بالضبط متى نشر درويش قصيدته هنا التي ظهرت، كما أشرت، في ( يوميات جرح فلسطيني) (د.ت) الذي لم يكن الشاعر مسؤولا عن إصداره.

 

 

 

يورد زايد، في كتابه، ما يلي عن شخصية امرئ القيس: (فقد كان شاعراً وأميرا وعاشقاً ماجنا وشريداً، حيث طرده أبوه الملك حجر نتيجة لمجونه، فعاش طريداً في البلاد - ثم بعد أن قتل أبوه حمل هولواء الدعوة للثأر له، وطاف يستنجد بالقبائل لتعينه على الثأر لأبيه، ولما خذلته القبائل ذهب يستنجد بالقيصر، ثم مات مسموما في طريق عودته من عند القيصر بعد أن سعى الوشاة – فيما تروي بعض المصادر- بينه وبين القيصر فأهدى إليه – حلة مسمومة فلبسها فمات)(36)

 

 

 

ويتابع: (ومن ثم تعددت أبعاد شخصية امرئ القيس وكانت من أغنى شخصيات تراثنا الشعري، ولذلك فقد افتتن بها شعراؤنا المعاصرون كثيراً حتى أن شاعرا كمحمد عز الدين المناصرة يجعله علما على تجربته، ويستعير لنفسه اسمه.)(37)

 

 

 

واعتماداً على قراءته كتاب زايد أشار د.الكركي إلى أن امرأ القيس بدا، كما تعامل معه المعاصرون، ذا أوجه عديدة هي: وجه اللاهي اللامبالي، ووجه الضائع الشريد، ووجه النادب المفجوع، ووجه الموتور الساعي وراء الثأر ووجه اليائس المهزوم(38)، والسؤال الآن كيف تعامل درويش مع امرئ القيس ؟

 

 

 

تتكون قصيدة (امرئ القيس)(39) ( 1969 أو1970 ) من سبعة مقاطع، وتقع في أربعين سطرا شعريا، ويبدأها الشاعر بالأسطر التالية:

 

 

 

بيننا .. أفق دخان ورمال

 

 

 

وعصور أرهقت ذاكرتي

 

 

 

وملايين أغان، وبحار وجبال

 

 

 

وتناديني تعال ؟!

 

 

 

ويتضح من هذا أن درويش لا يتخذ من امرئ القيس قناعا يعبر من خلاله عما يعتمل في نفسه، وهذا ما بدا واضحا في (رحلة المتنبي إلى مصر)(40) (1980 ) وفي (من روميات أبي فراس)(41). ودرويش هنا، على الرغم من الصفة المشتركة بينه وبين امرئ القيس وهي صفة الشاعر، إلّا انه يختلف عن امرئ القيس. وما يفصل بينهما أشياء كثيرة: أفق دخان ورمال وعصور وملايين أغان وبحار وجبال . يعيش درويش في فلسطين، فيما عاش امرؤ القيس في الجزيرة العربية ودرويش هو ابن القرن العشرين، بينما امرؤ القيس عاش في القرن الخامس الميلادي. ومع ذلك ينادي امرؤ القيس درويشاً لعله هنا يطلب منه أن ينتمي إلى الشعراء الملوك أو شعراء القصور. وتقول لنا بقية مقاطع القصيدة هذا. ونحن، ابتداء، نوحد بين أنا المتكلم في النص وبين محمود درويش. ينتمي أنا المتكلم إلى بيئة ريفية والى أب ليس ملكاً، وهو أيضاً لا يغني للخيول العربية، وليس له حان ولا عشر حسان لينادي امرأ القيس : تعال، لأن امرأ القيس عاش في بيئة كهذه، وهو، من وجهة نظر درويش، لا يستطيع أن ينادي امرأ القيس خلافاً لهذا الذي يناديه، ونحن نعرف أن القصور تعرض على الشعراء الكبار أن يعيشوا في كنفها.

 

 

 

الاختلاف الأول إذن، اختلاف موقع، ونحن نعرف أيضا أن درويش حين كتب القصيدة، كان منتمياً إلى الحزب الشيوعي، وكان، في رؤاه، يصدر عن الفلسفة الماركسية، وفوق هذا، بل وقبل هذا، كان واحداً من آلاف الفلسطينيين الذين دمرت قراهم وأبعدوا عنها، وهذا اختلاف ثان، فبينما كان امرؤ القيس ابن ملك فقد ملكه، ومن هنا اخذ يبحث عن ملك أبيه، كان درويش ابن شعب فقد أرضه وطرد منها، ومن هنا أخذ يبحث مع شعبه عن أرضه، والاختلاف الثالث بينهما يكمن في النقطة الجوهرية المهمة التي ستظل تتردد في أشعار درويش التي يرد فيها ذكر امرئ القيس وتبدو في المقطع الرابع :

 

 

 

( يا أميري ! نحن لا نطلب من أفقٍ سوانا

 

 

 

مطراً، يروي ثرانا)

 

 

 

أما الاختلاف الرابع، وهو منبثق عن الاختلافين الأول والثاني، فيكمن في نظرة درويش، في حينه، إلى وظيفة الشاعر. كان الشاعر العربي القديم يركز في قصيدته على الديار المهجورة، وهو ما نعرفه باسم الوقوف على الأطلال، وأصبحت هذه اللازمة، فيما بعد، جزءاً مهماً من القصيدة، حتى لو لم يكن لصاحبها تجربة مع الأطلال، وظل الأمر كذلك فترة طويلة، حتى جاء أبو نواس وعبر عن رفضه نظم قصيدة تبدأ بوصف الأطلال -وإن كان نظمها – وسخر من شعراء عصره ونقاده الذين ما زالوا يمجدون هذا، سخر منهم قائلاً:

 

 

 

عاج الشقي على رسم يسائله
وعجت اسأل عن خمارة البلد
وكان درويش، وهو شاب، ينظم قصائد يدافع فيها عن شعبه المظلوم وعن الفقراء والمضطهدين، ولم يكن ينظر إلى الماضي كثيراً، لأنه كان يبحث عن يوم حرية، حتى أنه عرض تاريخ أجداده كله مقابل يوم حرية واحد – ما تراجع عنه فيما بعد حين أدرك انه خسر أحسن ما فيه يوم خسر ماضيه – ومن هنا خاطب درويش أمرأ القيس قائلا :

 

 

 

وقفة الأطلال يا شاعرها

 

 

 

في بلادي .. في زماني !

 

 

 

أي عار ترتدي هذي الأغاني

 

 

 

عندما تهدي إلى أطلال بئر.. و أوان ؟!

 

 

 

وأضاف معبرا عن انتمائه لأهله ولأغانيه الجديدة :

 

 

 

لا علينا!

 

 

 

صانع الأطلال فان،

 

 

 

وأنا أبقى، وأهلي، والأغاني!

 

 

 

ويعارض درويش، كما نرى، امرأ القيس في أقواله، فإذا كان هذا قال عبارته المشهورة (اليوم خمر وغداً أمر) فإن درويش يكتب :

 

 

 

( وغد الخمر .. ندم!

 

 

 

وغد النرد .. سأم !)

 

 

 

ويغدو الشعر، في قصائد درويش في حينه (1970)، سلاحاً يحارب صاحبه به – وهذا ما اختلف فيما بعد، لأن الشاعر أدرك مع مرور الزمن انه لم يجد جدوى من الكلمات إلا رغبة الكلمات في تغيير صاحبها، لا في تغيير الواقع. يدفع درويش وهو يكتب أشعاره يدفع عن رأسه بطش الصولجان.

 

 

 

يحضر امرؤ القيس مرة ثانية في أشعار درويش في قصيدته (أقبية أندلسية، صحراء)(42) ولكن حضوره لا يكون إلا من خلال الاتكاء على بيتي امرئ القيس المشهورين : بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه فقلت له: لا تبك عينك، إنما

 

 

 

وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وكان درويش يوم نظم القصيدة في عام (1980) يقيم في باريس بعيدا عن بيروت التي غادرها لاختلاف أحلامه مع أحلام القيادة، وهنا يستحضر درويش في لحظة التصحر امرأ القيس، كأنه هو:

 

 

 

البداية ليست بدايتنا، والدخان الأخير لنا

 

 

 

والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها،

 

 

 

فلا تبك، يا صاحبي، حائطاً يتهاوى

 

 

 

وصدق رحيلي القصير إلى قرطبة(43).

 

 

 

تهاوى ملك والد امرئ القيس، ولكي يسترده رحل إلى بلاد الروم، وتهاوت أحلام درويش فرحل إلى باريس. و الشيء المشترك في القصائد هذه وقصائد درويش اللاحقة التي استلهم فيها شخصية امرئ القيس هو: الدخان وتهاوي الحائط (الهزيمة) وطلب النجدة من الغريب الأجنبي القيصر.

 

 

 

هنا يمكن التوقف قليلا أمام (خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس)(44) وفيها يرد اسم امرئ القيس مرتين؛ في العنوان وفي الأسطر الأخيرة من القصيدة. ولأنني تناولت هذه القصيدة بالتفصيل في دراستي ( إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني: محمود درويش نموذجا)45) فسأكتفي هنا بالأسطر التالية :

 

 

 

يبدو الخلاف بين الضمير نحن الذي يمثل جموعا تشعر بالفقدان والخسارة، وبين امرئ القيس، يبدو الخلاف، كما يتضح من العنوان، خلافا غير لغوي. ويعزز النص ذلك، فالخلاف يعود إلى أن امرأ القيس، وهو هنا رمز لمن ساروا متتبعين خطى الآخرين، غير دربه وبعثر لغته، تماماً كما سار امرؤ القيس الجاهلي، حتى يعيد ملك أبيه، إلى بلاد الروم طالباً النجدة. ونلاحظ هنا أن الاختلاف له بذوره في القصيدة الأولى (امرؤ القيس): نحن لا نطلب من أفق سوانا مطراً( ولكنه هنا يقتصر على هذا الشيء، خلافاً لهناك، كما لاحظنا، يكتب درويش في نصه الجديد :

 

 

 

( لم يكن دمنا يتكلم في الميكروفونات في

 

 

 

ذلك اليوم يوم اتكأنا على لغة

 

 

 

بعثرت قلبها عندما غيرت دربها،

 

 

 

لم يقل احد لامرئ القيس: ماذا صنعت

 

 

 

بنا وبنفسك ؟ فاذهب على درب

 

 

 

قيصر ، خلف دخان يطل من

 

 

 

الوقت أسود. واذهب على درب

 

 

 

قيصر، وحدك، وحدك، وحدك

 

 

 

واترك لنا، ههنا، لغتك(46)

 

 

 

ويحضر امرؤ القيس في (جدارية) و يجدر قبل بيان حضور امرئ القيس فيها، أن يشار إلى أنها قصيدة تذكر المرء بقصائد (الأرض اليباب) لـ (ت.س. اليوت) و(بحار البحارين) لمظفر النواب، وقصائد بدر شاكر السياب التي حفلت بالرموز والأساطير، فهي – أي جدارية – تحفل بالرموز والإشارات التراثية العربية والعالمية، حتى يمكن القول إن ثقافة درويش الغنية التي اكتسبها عبر قراءاته الكثيرة، خلال السنوات الأربعين المنصرمة، وجدت طريقها إلى القصيدة، وسيصبح النص عبئاً على القارئ غير المثقف ثقافة درويش، وربما تحتاج دراسته إلى إلمام بكل تلك الرموز التي ورد ذكرها، بل والى استيعاب درويش لها، وهذا ما قد لا يتيسر حتى لمتخصص واحد.

 

 

 

يرد في (جداريه)

 

 

 

( تعبت من لغتي تقول ولا

 

 

 

تقول على ظهور الخيل ماذا يصنع

 

 

 

الماضي بأيام امرئ القيس الموزع

 

 

 

بين قافية وقيصر ..../

 

 

 

كلما يممت وجهي شطر آلهتي،

 

 

 

هنالك، في بلاد الأرجوان أضاءني

 

 

 

قمر تطوقه عناة...(47)

 

 

 

وكما نلحظ، يشار إلى امرئ القيس الموزع بين الشعر والسياسة، وإذا ما أمعنا النظر في الأسطر الأربعة عشرة التي سبقت الأسطر المقتبسة آنفاً، لاحظنا أن أنا المتكلم يحلم أيضاً، وإن لم يكن له هدف أخير، ولكنه أيضاً موزع بين ذاته و حلمه، حتى أنه لا يعرف تماماً من هو فينا ومن حلمه.

 

 

 

وهو يشير أيضاً إلى الرحيل إلى الشمال، ويرتبط هذا، ربما، برحيل أهل الشمال الفلسطيني، عام 1948، إلى شمال الشمال، و كان درويش قد أتى على هذا في (لماذا تركت الحصان وحيداً)(1995) لقد غادر، إذن، كلا الشاعرين موطنه، و ابتعد عنه، و هذا هو المشترك، غادرا الموطن بحثاً عن خلاص فماذا كانت النتيجة:

 

 

 

(كلابنا

 

 

 

هدأت، و ماعزنا توشح بالضباب على

 

 

 

التلال، و شج سهم طائش وجه

 

 

 

اليقين)(48)

 

 

 

و كما توزع امرؤ القيس بين قافية و قيصر، توزع درويش بين الشعر و السياسة، و لكنه اختلف عن امرئ القيس منذ البداية، في أنه في شعره، لم يسر على درب قيصر.

 

 

 

1-3 التناص الشعري في ديوان (لا تعتذر عما فعلت)

 

 

 

لا يقتصر التناص هنا على الشعر، ثمة تناص مع العهد القديم، ومع الأساطير ومع القرآن الكريم.

 

 

 

والتناص، كما يورد محمد مفتاح في كتابه (تحليل الخطاب الشعري: إستراتيجية التناص( (1985) داخلي وخارجي، وهو كما يذهب سعيد يقطين في كتابه (انفتاح النص الروائي: النص والسياق) (1988) ذاتي وداخلي وخارجي. يقصد بالأول تفاعل نصوص الكاتب الواحد مع بعضها، لغوياً وأسلوبياً ونوعياً، وبالثاني تفاعل نصوص الكاتب مع نصوص كتاب عصره، سواء كانت أدبية أو غير أدبية، وبالثالث تفاعل نصوص الكاتب مع نصوص غيره التي ظهرت في عصور بعيدة.

 

 

 

وقد أتى الشاعر نفسه، في المقابلات التي أجريت معه، على هذا المصطلح فقال:

 

 

 

(مسألة التناص أو الإحالات التي أمارسها بوعي تام، هي جزء أساسي من مشروعي، انطلاقاً من أنه لا توجد كتابة تبدأ (الآن)، ليست هناك أول كتابة، أو كتابة تبدأ من بياض، ولا يوجد أصلاً تاريخ للشعر، لذلك كان حرياً في عصر تداخل الثقافات، والمرجعيات الواضحة والتطور الهائل للإبداع الشعري، سواء على مستوى العرب قديماً أم على مستوى العالم المعاصر أن تدخل التناص لأن الكتابة الآن هي كتابة على ما كتب)(49)، و يضيف:

 

 

 

(أنت لا تستطيع أن تدخل عالم الشعر هذا برعويات).

 

 

 

إذا لم تكتب على الكتابة، فأنك تخرج الشعر من كينونته الثقافية، فللشعر كيانيه ثقافية في الدرجة الأولى.. وليس هناك شاعر خال من عدة شعراء، وقد يكون أي شاعر هو كل الشعراء... فالشاعر يجري حواراً مع غيره ومع كل شيء، ومع نفسه، وهو دائم المراجعة لتجربته الشعرية.(50)

 

 

 

وما قاله درويش، سابقا، نثراً، ورد في (لا تعتذر عما فعلت شعراً، لنقرأ هذا المقطع من القصيدة الأولى يختارني الإيقاع):

 

 

 

يختارني الإيقاع يشرق بي أنا رجع الكمان، ولست عازفه

 

 

 

أنا في حضرة الذكرى

 

 

 

صدى الأشياء تنطق بي

 

 

 

فأنطق.. (ص15)

 

 

 

إنه أسير الإيقاع، وهو رجع الكمان وليس عازفه، إنه ليس أول شاعر يكتب شعراً موزوناً. وتفعيلة البحر الكامل، والوزن جزء من بناء القصيدة القديمة، معروفة جيداً في الشعر العربي القديم. ومعلقة عنترة مثال واضح، بل إن هذه التفعيلة ليست جديدة في أشعار درويش نفسه. لقد وظفها، من قبل، بكثرة في أشعاره.

 

 

 

ويمكن أن نلحظ كلام درويش النثري بوضوح أكثر في قصيدة (تُنسى كأنك لم تكن) لنقرأ المقطع التالي:

 

 

 

(أنا للطريق.. هناك من سبقت خطاه خطاي

 

 

 

من أملى رؤاه على رؤاي.. هناك من

 

 

 

نثر الكلام على سجيته ليدخل في الحكاية

 

 

 

أو يضيء لمن سيأتي بعده

 

 

 

أثراً غنائياً.. وحدسا (ص71))

 

 

 

بل ونقرأ المقطع التالي، من القصيدة نفسها، على الرغم من طوله:

 

 

 

(أمشي على هدي البصيرة، ربما

 

 

 

أعطي الحكاية سيرة شخصية. فالمفردات

 

 

 

تسوسني وأسوسها أنا شكلها

 

 

 

وهي التجلي الحر. لكن قيل ما سأقول

 

 

 

يسبقني غد ماض. أنا ملك الصدى.

 

 

 

لا عرش لي إلا الهوامش. والطريق

 

 

 

هو الطريقة. ربما نسي الأوائل وصف

 

 

 

شيء ما، أحرك فيه ذاكرة وحسا) (ص72)

 

 

 

وما من شك في أن الأسطر السابقة تعيد قارئ النقد الأدبي العربي القديم إلى أبيات شعرية ومقولات نقدية مهمة. قال عنترة:

 

 

 

هل غادر الشعراء من متردم؟

 

 

 

كأنهم لم يتركوا شيئاً إلا وقالوا فيه. وقال آخر:

 

 

 

ما أرانا نقول إلا معاداً مكروراً. وقال الجاحظ: المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي.. و كتب نقّاد كثيرون عن توارد المعاني والألفاظ.

 

 

 

وربما يتذكر المرء هنا مقولات مهمة لأدباء عالميين.

 

 

 

قال (غوته) الأديب الألماني: إن الأدباء الكبار ليسوا أدباء كباراً لأنهم قالوا الأشياء لأول مرة، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أبرزوا الأشياء كما لو أنها تقال لأول مرة، ويعني هذا أن كثيراً مما يقولونه قيل من قبل، والسؤال هو: بم يختلف ما قاله درويش شعراً عما ورد في المقولات السابقة؟

 

 

 

يقر الشاعر بأن هناك من سبقت خطاه خطا الشاعر، وأن هناك من أملى رؤاه على رؤى الشاعر، بل وهناك من نثر الكلام ليدخل في الحكاية، أو يضيء لمن سيأتي بعده أثراً غنائياً.

 

 

 

وإن اختلف عن السابقين، فقد يكون اختلافه جزئياً كأن يعطي الحكاية سيرة شخصية، وهذا ما بدا في أشعاره منذ: (لماذا تركت الحصان وحيداً) مروراً بـ (جدارية) وبرز بروزاً لافتاً هنا، في (لا تعتذر عما فعلت). هنا يمزج الشاعر بين الخاص والعام.

 

 

 

هنا يكتب حكايته التي هي جزء من حكاية الشعب الفلسطيني، ويعترف بجرأة: لا عرش لي إلّا الهوامش. إنه يضيف إلى ما كتبه الآخرون الذين قد يكونون نسوا وصف شيء ما فجاء هو وأجاد التعبير. وهذه مقولات مهمة على أية حال. مقولات لم يصل الخائضون فيها منذ زمن بعيد إلى قول فصل.

 

 

 

ليس المهم ما تقول، المهم كيف تقول ما تريد أن تقول. وليس المهم الحكاية، الأهم كيف تحكى الحكاية.

 

 

 

وأحياناً نقتنع بهذا وأحياناً نجد أنفسنا مسوقين للأخذ به، فهناك عشرات الشعراء الذين كتبوا في القضية الفلسطينية ولكن شاعراً ما يشدنا أكثر من غيره، ونجد أنفسنا نتوقف أمام أشعاره دون أن نتوقف أمام أشعار غيره.

 

 

 

وإن كان المرء يقر أحياناً بأن المبالغة في الاهتمام بالشكل، وعدم الالتفات أيضاً إلى الحكاية/المحتوى يفقد الكتابة كثيراً من أهميتها.

 

 

 

ربما أكون أطنبت كثيراً في الكتابة السابقة التي قد تكون أبعدتنا عن العنوان المقترح، وهو (التناص الشعري) في الديوان (لا تعتذر عما فعلت). التناص الشعري:

 

 

 

عتبة الديوان هي أول ما يقول لنا إن الشاعر هنا يدخل في علاقة تناص مع نصوص شعرية لشعراء آخرين.

 

 

 

ثمة في العتبة نصان شعريان، كما ذكرت لشاعرين معروفين، عربي وعالمي، قديم ومعاصر، وثمة ذكر لاسم الشاعرين: أبو تمام ولوركا. وليس الأمر، على أية حال، مجرد تزيين أو مجرد ادّعاء. فدرويش ليس شاعراً ناشئاً ليترك ناقداً ما يصدر ديوانه بمقدمة تعرف بالشاعر وشعره، وهو لا يقل هامة عن الشاعرين، ومن هنا فهو ليس بحاجة إلى أن يقارن نفسه بهما. والشاعر الأول يرد نصه واسمه في قصيدة من قصائد الديوان هي (إن عدت وحدك) والشاعر الثاني يرد سطراه الشعريان، أيضاً، ثانية، في قصيدة أخرى من قصائد الديوان هي (شكراً لتونس).

 

 

 

والعبارة الأولى التي سبقت التضمين/والتصدير هي: (توارد خواطر أو توارد مصائ) عبارة مهمة تحيل إلى عالم كل شاعر من هؤلاء لتقرأه ولتلاحظ ما المشترك بينهم. أين ولد كل واحد منهم؟ وأين نشأ؟ وما علاقته بالمكان الذي عاش فيه؟ وهل ظل مقيماً في مكان واحد؟ أم أنه انتقل من مكان إلى مكان؟ وما شكل علاقته بالمكان الأول الذي عرفه ثم غادره ثم عاد إليه؟ وثمة أسئلة كثيرة يثيرها المرء حول الشاعر وعلاقته بالمكان.

 

 

 

كان أبو تمام يقول:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
ما الحب إلا للحبيب الأول
وحنينه أبداً لأول منزل
ويفهم من هذا أن الحنين أبداً هو لأول منزل، تماماً كما أن الحب أبداً هو للحبيب الأول. و هذا رأي أبي تمام، وقد لا يكون رأياً ملزماً للجميع، وإن احترم المرء رأي أبي تمام. وأبو تمام نفسه هو الذي قال: لا أنت أنت ولا الديار ديار. وقد يكون، وهذا ما أرى، الإعجاب بالماضي هو ضرب من الحنين ليس أكثر. فالماضي قد يكون صعباً وقاسياً، وقد يكون أقسى من الحاضر، ولكن المقارنة تتم بين الذكرى وما تبقى من الماضي، وبين قسوة الحاضر المعيش. وقد يتهرب المرء من ماضيه، وقد يكون حاضره أفضل كثيراً من ماضيه، والأمر في النهاية يتعلق بالتجربة الشخصية.

 

 

 

وربما لا يختلف درويش في علاقته بالمكان الأول، عن أبي تمام. المكان الأول له هو الجنة، ولقد ارتكب خطيئة كبرى حين غادر. إنه يدرك هذا، ويطلب من إخوة الزيتون: الغفران.

 

 

 

هل عبثاً قال درويش في قصيدة (زيتونتان):

 

 

 

(أنا آدم الثاني. تعلمت القراءة

 

 

 

والكتابة من دروس خطيئتي،

 

 

 

وغدي سيبدأ من هنا، والآن) (ص54).

 

 

 

لا يعتذر درويش بسبب خروجه إلا لأمه ويطلب من إخوة الزيتون الغفران، أو هكذا قالت له رسالة قائد الرومان في الزيتونة الثانية التي تقف إلى جانب الزيتونة الأولى التي وجد فيها بذور أغنيته، كأنه يعود إلى ما مضى. وهكذا يخاطب النفس:

 

 

 

(أمشي، أعرّف نفسي إلى نفسها:

 

 

 

أنت، يا نفسُ، إحدى صفات المكان) (ص136)

 

 

 

وثمة كلام كثير يمكن أن يكتب، كلام قد يجد فيه المرء توارد خواطر وتوارد مصائر، ولكن قد يجد فيه اختلافاً في الرؤيا.

 

 

 

وعموماً يمكن أن يكتب المرء، وهو يكتب عن التناص الشعري، عن ثلاثة أشكال هي:

 

 

 

1. تناص ذاتي
2. تناص داخلي
3. تناص خارجي.
وسوف أكتفي هنا بجانب واحد أيضاً، هو تناص أشعار درويش الجديدة مع نصوص الشعر العربي.

 

 

 

التفاعل مع نصوص الشعر العربي القديم:

 

 

 

يستطيع المرء هنا أن يتحدث عن نصوص حاضرة وأخرى غائبة، ويستطيع أيضاً، بسهولة، أن يميز بين نصوص قديمة وأخرى حديثة.

 

 

 

النص الحاضر:

 

 

 

يأتي درويش على ذكر أسطر شعرية، وينسبها إلى أصحابها بالاسم، ويذكر أسماء ثلاثة شعراء عرب هم أبو تمام والمتنبي والسياب، ولكنه في المقابل يورد عبارات لشعراء آخرين مثل أبي العلاء المعري. والنصوص الحاضرة هي، إذن، نصوص أبي تمام والمتنبي والسياب، والنصوص الغائبة هي نصوص للمعري ولغيره.

 

 

 

يذكر درويش أبا تمام في قصيدة (إن عدت وحدك)، ويذكر صدر بيته الذي صدر به مجموعته. هنا يخاطب درويش نفسه، ويطلب من ذاته إن عاد وحيداً أن يقول لنفسه: (غيّر المنفى ملامحه) و هو يدرك هنا أنه يفجع مثل أبي تمام الذي فجع قبله –أي قبل أنا المتكلم في النص- أي أنا درويش، إذا افترضنا أنهما واحد.

 

 

 

قال أبو تمام: (لا أنت أنت ولا الديار هي الديار)، -لنلحظ أن درويش هنا أضاف الضمير هي، وهو ليس موجوداً في النص.

 

 

 

لقد خذلت المرآة درويش حين نظر إلى ملامحه فيها.

 

 

 

إنه هو وليس هو (أنت.. ولست أنت)، وهنا يسأل نفسه: (أين تركت وجهي؟).

 

 

 

ويبحث عن شعوره بين سعادة تبكي وإحباط يقهقه، ويكتشف أنه عاد وحده ناقصاً قمرين، ولكنه، خلافاً لأبي تمام، يجد الديار هي الديار (لكن الديار هي الديار). ثمة اتفاق مع أبي تمام في جانب، ولكن ثمة اختلاف أيضا في جانب آخر، الديار، ديار أبي تمام، لم تكن كما تركها، ولكن ديار درويش هي الديار. ربما بقيت دياراً في جانب واختلفت أيضاً في جانب. بقيت بعض القرى الفلسطينية كما هي، وانمحت قرى أخرى، ومنها قرية درويش، (البروة) التي أقيم على أطلالها (كيبوتس) (يتسعور).

 

 

 

النص الشعري الحاضر الثاني من الشعر القديم هو نص عابر، ويبدو في قصيدة (طريق الساحل) فيها يقول درويش:

 

 

 

(طريق يطول ويقصر (وفق مزاج أبي الطيب المتنبي) (ص127)، وهنا قد يكون لنا وجهة نظر مغايرة لوجهة نظر درويش. يرى الشاعر أن مزاج المتنبي هو الذي يحدد الطول والقصر. وقبل مناقشته تجدر الإشارة إلى بيتي المتنبي:

 

 

 

نحن أدرى وقد سألنا بنجد
وكثير من السؤال اشتياق
أطويل طريقنا أم يطول
وكثير من رده التعليل
ولا أظن أن الطول والقصر هنا متعلق بالمزاج، إنه متعلق بالحالة النفسية التي كان عليها المحب العاشق الولهان. الطريق هو الطريق، وهو يقصر لغير العاشق، ولكنه يطول للعاشق، مثله مثل الليل في الشعر العربي، ومثل ليل المتنبي في القصيدة نفسها، ألم يفتتح المتنبي قصيدته بقوله:

 

 

 

(ليالي، بعد الظاعنين، شكوك طوالٌ وليلُ العاشقين طويلُ؟)

 

 

 

هنا ننتقل للحديث عن النص الشعري القديم الغائب. ثمة عنوان لافت لإحدى القصائد وهو (أنا وإن كنت الأخير..)

 

 

وسرعان ما يحيل هذا العنوان إلى قصيدة المعري التي مطلعها: ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل عفاف وإقدام وحزم ونائلُ




  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

1) محمد عبيدالله
دراسة معمقة وممتعة أعدها نموذجا ممتازا للدراسات الحديثة تحية إلى كاتبها الناقد المتميز عادل الأسطة وإلى روح درويش الحية الملهمة

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 103

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة