New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

بين الذكرى .. والذاكرة: محمود درويش في ذكراه الثالثة- بقلم: د. منى ابوعيد

 

13/12/2013 09:32:00

محمود درويش

يتبنى المثقفون في الحركات الوطنية مهام متعددة؛ فمنهم من يعمل على تشكيل الهوية والذاكرة الجمعية، ومنهم من يعكف على خلق الأساطير والطقوس والرموز الوطنية، في سبيل بناء وحدة الصف والمجتمع. فما هو الدور الذي تبناه الشاعر محمود درويش في الحركة الوطنية الفلسطينية؟
يجمع الباحثون على أن الوطنية إنما هي ظاهرة حديثة العهد نشأت في أعقاب الثورة الفرنسية، أي في أواخر القرن الثامن عشر (انثوني سميث، ارنست غلنر، بنديكت اندرسون وغيرهم). لكنهم يختلفون في تحديد العوامل المؤسسة لها. فمنهم من يعتقد أن الوطنية كانت نتيجة مباشرة للثورة الصناعية وتطور وسائل الإنتاج ونمو الرأسمالية (غلنر واندرسون). ومنهم من يؤكد على أن الوطنية إنما جاءت متخيلة ووليدة تطور وسائل الطباعة وانحسار اللغة اللاتينية وانتشار المطبوعات باللغات الشعبية (اندرسون)، بينما يعتقد البعض الآخر أنها ضرب من الإيديولوجيات السياسية لعب فيها المثقفون الملتزمون على وجه الخصوص دورًا رائدًا (ايلي خضوري واريك هوبسباوم).

منذ نهاية القرن التاسع عشر شكّل توسيع رقعة أصحاب حق الاقتراع في اوروبا تهديدا سياسيا للطبقة الأرستقراطية والبرجوازية الرأسمالية الحاكمة. فعمدت على ابتكار الروايات واختلاق الأساطير والرموز في سبيل توحيد الصفوف وكبح جماح الاندفاع الشعبي نحو الديمقراطية. من هنا فقد شارك مثقفون وسياسيون في عملية اختلاق الروايات والأساطير التي تتسم بالأصولية والقدم. وفي فرنسا شكّلت عملية الإختلاق والتزوير عاملا هاما في حماية الجمهورية من خطر الاشتراكيين وعناصر اليمين. فصدرت أناشيد تمجّد عهد الثورة الفرنسية (1793)، وتم ابتكار الأعياد الوطنية التي شملت إقامة الاحتفالات والمهرجانات الرسمية والشعبية وإضاءة المشاعل وخلافها. وفي ألمانيا يعزو هوبسباوم عملية الخلق والتزوير إلى عهد الملك ويلهلم الثاني على وجه التحديد (1888-1918)، وهي الفترة التي شهدت تشييد المباني وإقامة النصب التذكارية وخلافها. يقول هوبسباوم في المقدمة لكتاب لاري مكمورتري "اختلاق الغرب" أن لا شيئ يبدو ضاربا بالقدم والماضي البعيد أكثر من بيت العائلة المالكة في بريطانيا، الباكنغهام، بينما هو من صنع الفترة ما بين القرن التاسع عشر والعشرين. ويخلص هوبسبام إلى القول "إن الثقافات التي تبدو ضاربة في القدم .. غالبًا ما تكون حديثة العهد".

يقول كل من يوسي دهان وهنري فسرمان في انطولوجيا "أن تخترع أُمّة" (2006) إن الحركة الصهيونية، التي نشأت وتبلورت في خضم حركات التزوير في اوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إنما تشكّل هي الأخرى مثالاً مثيرًا لنظريات الاختلاق والتزوير. وهي التي عملت على اختلاق الروايات والأساطير من التاريخ اليهودي القديم، والتي توحي بالمصداقية وبالاستمرارية التاريخيّة للشعب اليهودي. وهي التي اختلقت ثقافة (لغة وأيديولوجيا) وطنية جديدة مغايرة ومنفصلة تمامًا عن ثقافة المهجر، التي سيطرت عليها لغة "الييدش" أو اللغة العبرية الألمانية. وعملت على اختلاق "يهودي جديد" ووطن جديد على أرض فلسطين. وجعلت من مجموعات وثقافات مختلفة مجتمعا عسكريا وطنيا منصهرا ومتماسكا إلى حد بعيد.

من هنا لجأت المؤسسات الصهيونية في فلسطين منذ أواسط العشرينات من القرن الماضي إلى "تهويد" الاراضي و"عبرنة" الخرائط والقرى والبلدات والتضاريس الفلسطينية. وكانت مؤسسة "الكيرن كيمت لإسرائيل"، التي حملت على عاتقها مهمة "تهويد" الأرض وتوطين اليهود في فلسطين، أولى تلك المؤسسات. كما عمل مستشارون يهود في قسم الخرائط التابع لسلطة الانتداب البريطاني، مما سهل على الحركة الصهيونية نسخ الخرائط وعبرنتها في مرحلة مبكرة قبل النكبة، ثمّ استغلالها عسكريا (من قبل عصابات "الهجنا") وتوظيفها سياسيا ووطنيا من أجل إقامة دولة إسرائيل. فغدت - على سبيل المثال لا الحصر - بلدة تل الرحمة "يروحم" والمجدل "اشكلون" وبيسان "بيت شان". وغدا وادي رمانة في الجنوب "مَخْتِش رَمُون".

وفي الشمال بات جبل فقوعة "جِلْبُواع" والجرمق "مِيرُون" ومرج ابن عامر "عيمق يِزرَعالْ". ولم يسلم من عملية "العبرنة" سوى القليل القليل من الأماكن منها – الجليل والكرمل والرملة. يقول المؤرخ الإسرائيلي ميرون بنبانشتي، وهو يساري، أن عملية رسم الخرائط و"عبرنة" الأماكن لم تكن عملية فنية فحسب، بل كانت عبارة عن "نقل ملكية المكان" بشهادة عبرية. ومع أن تعبير بنبانيشتي يضفى على عملية "نقل الملكية" صبغة قانونية، لكنه تجنب على الأقل استخدام التعبير الصهيوني "استعادة ملكية".

ولم تكن الأماكن الا مرحلة أولى تلتها "عبرنة" الكائنات الحية، فغدت النباتات البرية (التي بلغت أكثر من 2600 نوع، منها 264 أُدرج في قائمة المحميات) تعرفبالإسم الجماعي "نباتات أرض إسرائيل"، ثم "حيوانات أرض إسرائيل". وغدا الغزال "تْسفِي ارض إسرائيل" والأفعى الرقطاء "تْسِيفَع أرض إسرائيل". وغدا البطم "إلَه أرض إسرائيل" والصنوبر "أورِن" والبلوط "ألون" والسنديان "ألون مَتْسُويْ" والسرو "بْرُوش" والكافور (الكِنيا) بات يعرف بالإسم اللاتيني "أوكَليبتوس". وأضحى السوسن الفلسطيني "إيرِيسْ أرض إسرائيل" والنرجس "نَرْكِيس" وشقائق النعمان "كَلَنيُوت" وعصا الراعي "رَكِفِتْ" وعباد الشمس "حَمَنِيَّه" والزعتر "إزُوبْ مَتْسُويْ" والمريمية "مَرْوَه" والخبيزة "حَلَمِيتْ" والريحان "بَزِيلِكوم" واكليل الجبل "روزمارين". وبقي على حاله البعض القليل، منها التوت والبابونج والرجلة (الفرفحينة او البقلة) والعكوب واللوف.

هنا، وفي ظل هذا العبث غير المحدود، لعب محمود درويش دورًا ملتزمًا ومتعددًا على حد سواء. بوعي كامل والتزام مطلق حمل محمود درويش على عاتقه جهد النضال ومقارعة الصهيونية )ومحاولاتها محو الذاكرة والتشكيك في الرواية والهوية الفلسطينية) على مستوى النص الأدبي والشعري. فيقول في قصيدة "يوميات جرح فلسطيني" (1970):

عالِمُ الآثار مشغول بتحليل الحجاره/ إنه يبحث عن عينيه في ردم الأساطير/ لكي يثبت أني/ عابر في الدرب لا عينان لي لا حرف في/ سفر الحضاره!/ وأنا أزرع أشجاري على مهلي وعن/ حبّي أغني".

حمل محمود درويش على عاتقه عبء الإتيان بالبرهان، اي كتابة الرواية الفلسطينية بكافة فصولها وتضاريسها - من النكبة (والاقتلاع والتهجير عام 1948) إلى العودة والصمود ومعارك الوجود الفلسطيني داخل وخارج الوطن المحتل - كي يفوت الفرصة على الرواية الصهيونية. حمل محمود درويش على عاتقه مهمة تشكيل الهوية وتخليد الذاكرة الجمعية وبناء الأمة. فانبرى يدافع عن ثقافة اللغة و"عن ذاكرة جماعية ومكان مكسور وهويّة، وعن عناد الأمل المحاصر بالقنوط والتشكيك". كانت غايته واحدة: أن يمنع الذين استوطنوا الوطن من محاولة استيطان الذاكرة أيضا. يقول في وصف النكبة، الاقتلاع والتهجير عام 1948:

"لم يكن للشهور أسماء لا تذكر متى انقصف حبق الطفولة. ولكن الليلَ لم يكن بارداً كما هو الآن. ولم تكن للقمر أغانٍ عبرية مُعاصرة. ولكنني أتذكّرُ ساحة الدار التي تتوسّطُها شجرةُ التوت التي تشدُّ البيوتَ لتحوّلها إلى دارٍ هي دارُ جدّي. تركْنا كلّ شيءٍ على حاله: الحصان، والخروف، والثور، والأبواب المفتوحة، والعشاء الساخن، وآذان العشاء، وجهاز الراديو الوحيد لعلّه ظلّ مفتوحاً ليذيعَ أخبارَ انتصاراتِنا إلى الآن. هبطْنا الوادي الحادّ المؤدّي إلى الجنوب الشرقيّ المفتوح على بئر يُشرقُ من سهل يقودُنا إلى قرية شعب حيث يُقيمُ أقاربُ أمّي وأهلها القادمون من قرية (الدامون) التي سقطتْ تحت الاحتلال... وهناك – بعد أيامٍ قليلة – تنادى فلاّحو القرى المُجاورة، الذين باعوا ذهبَ زوجاتهم، ليشتروا بنادقَ فرنسيّة الصنع لتحرير (البروة). حرّروها في أول الليل. شربوا شايَ المُحتلّين الساخن. وباتوا ليلة النصر الأولى، وفي اليوم التالي تسلّمها (جيشُ الإنقاذ) بلا إيصال، ليُعيدَ اليهودُ احتلالها وتدميرَها حتى آخر حجر... ونحن ننتظرُ العودة على مشارف الوطن".

عن النكبة والاقتلاع من البيت والأرض والوطن عبّر الكاتب إميل حبيبي أيضًا في مشهد مقتضب من "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1972):

"الحاكم العسكري في السيارة التي توجهت بنا غربًا في طريق ترابي بين أعواد السمسم. قلت: إلى أين؟ قال: عكا وانكتمْ. فانكتمتُ. وما أن مرت بضع دقائق حتى أوقف الجيب فجأة. وانطلق منه كالسهم وقد أشرع مسدسه. ثم اخترق أعواد السمسم وكشفها ببطنه. فإذا بامرأة قروية مقرفصة ووليدها في حجرها.. فصاح: من أي قرية؟ فظلت الأم مقرفصة تطل عليه بنظرات شاخصة مع أنه كان واقفا فوقها كالطود. فصاح: من البروة؟ فلم تجبه.. فصوّب مسدسه نحو صدغ الولد، وصاح: أجيبي أو أفرغه فيه... أجابته هذه المرة: نعم من البروة. فصرخ: أعائدة أنت اليها؟ فأجابته: نعم عائدة. فصرخ: الم أنذركم أن من يعود اليها يقتل؟.. فقامت المرأة وقبضت على يد ولدها وتوجهت شرقا دون أن تلتفت وراءها. وسار ولدها معها دون أن يلتفت وراءه.. وكلّما ابتعدت المرأة وولدها عن مكاننا، الحاكم على الأرض وأنا في الجيب، ازدادا طولاً حتى اختلطا بظليهما في الشمس الغاربة. فصار أطول من سهل عكا. فظل الحاكم واقفا ينتظر اختفاءهما. وظللت أنا قاعدًا أنكمش، حتى تساءل مذهولا: متى يغيبان؟

والبروة هذه هي قرية الشاعر.. فهل كان هو الولد، وهل ظل يمشي شرقاً بعد أن فكّ يده من قبضة أمّه وتركها في الظلّ؟".

بيد أن التعبير عن الأحداث في كتابات محمود درويش لهو مكثف ومتواصل يشمل شتى مراحل الحياة الفلسطينية - التي كان الشاعر طرفاً فيها وشاهدًا عليها - داخل الخط الأخضر وخارجه. من هنا تُحقق كتابات الشاعر قراءة متميّزة وقصرية لسوسيولوجيا الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية. لا لأنّ الشاعر كان شاهدًا على تلك الأحداث وحسب، بل لأنه كان في الوقت ذاته أحد ضحايا النكبة والاقتلاع واللجوء خارج الوطن وداخله. ما خلّده درويش لا يقتصر على النكبة والاقتلاع والتهجير وحسب، وإنما يشمل أحداثاً ومعارك فاصلة في التاريخ الوطني الفلسطيني، داخل وخارج الوطن المحتل. هو محمود درويش لم يدع مناسبة وطنية تمرّ دون أن يعبر عنها، لأنه هو من يطلّ على المفردات التي انقرضت في "لسان العرب". فيقول في الذكرى الـ 60 للنكبة:

"عُشْبٌ، هواء يابس، شوك، وصبار/ علي سلك الحديد. هناك شكل الشيء/ في عبثية اللاشكل يمضغ ظِلَّهُ/ عدم هناك موثق ومطوَّقٌ بنقيضه/ ويمامتان تحلقان/ علي سقيفة غرفة مهجورة عند المحطةِ/ والمحطةُ مثل وشم ذاب في جسد المكان/ هناك أيضًا سروتان نحيلتان كإبرتين طويلتين/ تطرّزان سحابة صفراء ليمونيّةً/ وهناك سائحةٌ تصوّر مشهدين: الأوّل، الشمسَ التي افترشتْ سرير البحرِ/ والثاني، خُلوَّ المقعدِ الخشبيِّ من كيس المسافرِ/ ..وقفتُ على المحطة لا لأنتظر القطارَ.../ بل لأعرف كيف جُنَّ البحرُ وانكسر المكانُ/ كحجرة خزفية، ومتى ولدتُ وأين عشتُ،/ وكيف هاجرتِ الطيورُ إلى الجنوب أو الشمال.../ كنا طيبين وسُذَّجاً. قلنا: البلادُ بلادُنا/ قلبُ الخريطة لن تصاب بأيَّ داءٍ خارجيٍّ/ والسماء كريمة معنا، ولا نتكلم الفصحى معاً/ إلا لماماً: في مواعيد الصلاة، وفي ليالي القَدْر.../ كنا طيبين وحالمين/ فلم نر الغدَ يسرق الماضي.../ ويرحلُ".

بخلاف "النسيب" في الشعر العربي الكلاسيكي، فإن البكاء على الأطلال في شعر محمود درويش لم يكن بطبيعة الحال غرضًا أو أسلوبًا يستهل به قصائده، كما جرت العادة في الشعر الجاهلي. إن البكاء على الأطلال وعلى صور الحياة الفطرية "الرعوية"، التي داستها أقدام الغزاة، لهو تعبير عن مأساة حقيقية شخصية ووطنية على حد سواء. يقول في وصف طريق العودة (1949) والبيئة القريبة، وهي بيئة ريفية شكلت نواة المجتمع الفلسطيني ورمز الهوية الفلسطينية:

"هل تَعِبْتَ من المشي/ يا وَلَديي ، هل تعبتْ؟/... سنقطع عمَّا قليلْ/ غابة البُطْم والسنديان الأخيرةَ/ هذا شمالُ الجليلْ/ ولبنانُ من خلفنا / والسماءُ لنا كُلٌّها من دمشقَ/ إلى سور عكا الجميلْ/ ثم ماذا ؟/ نعود إلى البيت .../ هل تعرف البيتَ، يا ولدي/ مثلما أَعرف الدرب أَعرفُهُ:/ ياسمينٌ يُطوِّقُ بوَّابةً من حديد/ ودعساتُ ضوءٍ على الدرج الحجريِّ/ وعبَّادُ شمسٍ يُحَدِّقُ في ما وراء المكان/ ونحلٌ أليفٌ يُعِدُّ الفطور لجدِّي/ على طبق الخيزران/ وفي باحة البيت بئرٌ وصفصافةٌ وحصانْ/ وخلف السياج غدٌ يتصفَّحُ أَوراقنا/. - يا أبي، هل تعبت/ أرى عرقا في عيونك؟/ - يا إبني تعبت... أتحملني؟/ - مثلما كنت تحملني يا أبي،/ وسأحمل هذا الحنين/ إلى/ أوّلي وإلى أوله/ وسأقطع هذا الطريق إلى/ آخري وإلى آخره".

إن ما خلده محمود درويش لا يشمل أحداثاً ومعارك فاصلة في التاريخ الوطني الفلسطيني وحسب، وإنما فلسطين بكل ما لها وما عليها من رموز واماكن وكائنات حية شكلت النسيج الطبيعي للبيئة الفلسطينية. هو محمود درويش، لسان حال الشعب الفلسطيني بلا منازع، لم يغفل حتى عن الإشارة إلى اهمية انتقال الرواية الفلسطينية عن طريق المشافهة، من شخص لآخر ومن جيل إلى جيل، فيقول (في "أبد الصبار"): سوف تكبر يا/ إبني، وتروي لمن يرثون بنادقهم/ سيرة الدم فوق الحديد".

ثم يقول "في حضرة الغياب":

"أنين البيوت المدفونة تحت المستعمرات يورثه الغائب للغائب والحاضر للغائب مع قطرة الحليب الأولى". بمعنى أن ليس بالضرورة أن يكون الراوي قد شارك بالأحداث أو كان شاهدا عليها، لأن ضمان الاستمرارية والحياة للاسطورة يعزز الهوية الفلسطينية ويحمي اللغة "من إفراغها من اصوات الضحايا المطالبين بحصتهم من ذكرى الغد على تلك الأرض التي يدور الصراع عليها إلى ما هو أبعد من قوة السلاح: قوة الكلمات".

ويشكل باب الرثاء وسيلة الشاعر في تخليد ذكرى رموز الوطن. كان أولهم الأديب والمناضل غسان كنفاني (1936-1972) في "محاولة رثاء بركان". ثمّ تلاه ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، عز الدين القلق (في قصيدة "الحوار الأخير في باريس")، والكاتب ماجد أبو شرار (1936-1981)، في قصيدة "اللقاء الأخير في روما" ومرثية "صباح الخير يا ماجد". وفي ذكرى الشاعر معين بسيسو (1926-1984) كتب محمود درويش نصًا أدبيًا بعنوان "معين بسيسو لا يجلس على مقعد الغياب". ثم كتب نص "خليل الوزير ومرارة الحرية" في رثاء قائد الجناح العسكري لحركة فتح (أبو جهاد). كما كتب درويش "رسالة الغائب إلى الغائب" في رثاء ابن الناصرة، الشاعر توفيق زياد (1932-1994). أمّا إميل حبيبي (1921-1996) فقد رثاه الشاعر في حفل التأبين (3 مايو/ايار 1996).كما رثى الزعيم الفلسطيني فيصل الحسيني (1940-2001) في افتتاحية مجلة "الكرمل". أمّا المثقف الفلسطيني إبراهيم أبولغد (2001-1929) فقد رثاه الشاعر في حفل تأبينه (17 من مايو/أيار 2001). ولذكرى المثقف الفلسطيني ادوارد سعيد (1935-2003) كتب محمود درويش قصيدة "طباق". وكتب مرثية "فدوى" في رثاء الشاعرة فدوى طوقان (1917-2003). أمّا للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (1929-2004) فقد كتب الشاعر مرثيّتين: الأولى بعد وفاته مباشرة، والثانية - في ذكرى الأربعين.

بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات كتب محمود درويش نصًا أدبيًّا بعنوان "فاجأنا بأنه لم يفاجئنا". وبعد مرور أربعين يومًا كتب نصًا آخر: "تأخر حزني عليه كثيرًا". وفي كلا النصين عبّر درويش عن عميق حزنه وتقديره للرئيس الفلسطيني الذي أضحى رمزًا وطنيًا "شديد اللمعان"؛ رمزًا للثورة، للفداء وللوحدة الوطنية الفلسطينية. في رثائه عكس درويش صورة الرئيس عرفات كما أدركها الفلسطينيون وعمل عرفات على إرسائها: صورة المناضل بسلاحه وزيّه العسكري، وعلى رأسه الكوفية "المعقودة بعناية رمزية وفولكلورية معًا" لتغدو "الدليل المعنوي والسياسي إلى فلسطين". "لم ينتصر في المعارك العسكرية، لا في الوطن ولا في الشتات. لكنه انتصر في معركة الدفاع عن الوجود الوطني ووضع المسألة الفلسطينية على الخارطة السياسية الإقليمية والدولية، وفي بلورة الهوية الوطنية للفلسطيني اللاجئ المنسي عند أطراف الغياب، وفي تثبيت الحقيقة الفلسطينية في الوعي الإنساني، ونجح في إقناع العالم بأن الحرب تبدأ من فلسطين، وبأن السلم يبدأ من فلسطين". والحاصل أن عرفات جعل من القضيّة الفلسطينية أيقونة في الميدانين، الساحة العربية والساحة الدولية.من هنا فإن ما أنجزه كان مثابة "إشعال نار في الجليد".

في تحويل القضيّة الفلسطينية إلى أيقونة اجتمع ياسر عرفات ومحمود درويش في علاقة تكافل تبادلي. كلاهما يشكلان رمزًا للوطن، ويمثلان وحدة الشعب الفلسطيني، لكن بطريقة مختلفة. عرفات هو رمز وطني أسهم في جعل محمود درويش رمزًا وطنيًا وثقافيًا، وتضافر الرمزان في جعل القضيّة الفلسطينية أيقونة في الساحة العربية والدولية. جعل عرفات فلسطين أيقونة بالوسائل العسكرية والسياسية، بينما جعل درويش فلسطين أيقونة شعريًا. أسهم عرفات في ترميز محمود درويش، وأسهم الأخير في ترميز عرفات.

عكس رثاء محمود درويش بشكل ملحوظ التحولات في صورة الرئيس ياسر عرفات - ليس من وجهة نظر الشعب الفلسطيني فحسب، وإنّما من وجهة نظر الشاعر أيضًا: من رمز لا تشوبه شائبة، إلى رمز خدشته مظاهر الفساد، التي تفشت في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية؛ إلى رمز وطني "شديد اللمعان" ورمز للتضحية والفداء - في وفاته. يقول الباحث مناحيم كلاين في وصف الحزن العميق الذي خيم على الشعب الفلسطيني بوفاة عرفات: "إن مئات الآلاف، الذين اقتحموا مركز المقاطعة وعرقلوا مسيرة الجنازة، لتأكيد على ذلك. ما أن هبطت الطائرة العمودية التي أقلت نعش الرئيس، حتى تهافتت الجماهير الفلسطينية توقاً إلى لقاء الرمز ولمسه. في هذه اللحظة تحرر الرمز من فساد السلطة التي مثلها الرئيس، ليغدو شهيدًا ضحى بحياته من أجل الشعب". يعتقد الكثيرون من أبناء الشعب الفلسطيني أن عرفات مات مسمومًا. "هذا الاعتقاد يبعث ويستنسخ الرمز في الذاكرة الجماعية وفي الخطاب الفلسطيني، ويضفي الشرعية على لقب (الزعيم الخالد)".

هل أسهم محمود درويش دون أن يدري في تكريس صورة عرفات شهيدًا؟

كان محمود درويش قد تنبّأ في ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدًا" (1995) بموت عرفات مسمومًا من قبل إسرائيل، باستعارة شخصية "الملك الضليل" امرئ القيس (496-544)، وإن كان بصورة رمزية. امرؤ القيس كان ابن الملك الكنْدي، الذي اغتالته قبيلة أسد، فضلّ به السبيل ولجأ في نهاية المطاف إلى قيصر الروم – لكي يثأر لأبيه ويستعيد عرشه. استقبل امرؤ القيس استقبال الملوك ومنح جيشًا وعباءة مسمومة فتقرّح جسده ومات. بوفاة عرفات تحققت النبوءة وتطابق وجه الشبه، فغدا الرئيس الفقيد شهيدًا في نظر أبناء شعبه. مع ذلك لم يغدُ عرفات في كتابات درويش شهيدًا، بل رمزًا شديد اللمعان، ورمزًا للثورة ورمزًا للوطن فلسطين. هذه الصور متواترة في كتابات الشاعر على الأقل منذ العام 1983. هنا يختلف محمود درويش عن الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني الذين توسّموا "الشهادة" أو "الفساد" في شخص الرئيس.

وصف محمود درويش في رثائه ياسر عرفات بأنه رمز لوحدة الشعب الفلسطيني الوطنية. نحن "نحبه". أولا، لأن حصاره في الانتفاضة الثانية هو رمز لحصار ومعاناة أبناء شعبه: "فهو معنا، وفينا، ومثلنا" أي تحت الحصار والمعاناة. وثانيًا "لأننا لا نحب أعداءه". ولعل هذا ما لم نجده في كتابات الشاعر بعد جلاء منظمة التحرير الفلسطينية عن بيروت عام 1982 والانشقاق الكبير في حركة فتح، كبرى الحركات الفلسطينية آنذاك. في عام 1983 عكست عبارات الشاعر الانقسام في الصف الفلسطيني: فغدا "بعضنا" يحبه و"أكثرنا" لا يحب أعداءه. ثم نحن "نحبه ونريده لأنه رجل على مقياس قلوبنا، التي تعج بتناقض عواطفها، قلوبنا التي لا تساس، لأننا لم نحكم مرة واحدة في تاريخنا.. وقد اخترنا حاكمنا: ياسر عرفات، لأن بعضنا يحبه ولأن أكثرنا لا يحب أعداءه.. قد اخترنا بحرية كاملة أن يكون حاكمنا ياسر عرفات".

بعد خروج منظمة التحرير من بيروت عام 1982 وصف درويش ياسر عرفات بأنه الشرط الوحيد لشرعية القضية الفلسطينية ولشرعية الوطن: "حيث كان عرفات.. كانت شرعية فلسطين" و"حيث يكون، يكون الموضوع، وتكون فلسطين".وبعد وفاة عرفات كرّر محمود درويش الصورة ذاتها. وكما طالبه الشاعر عام 1983 بأن "عليه أن يحيا.." و"عليه: أن يكون. فإما أن يكون الآن، وإما أن لا نكون الآن" – فقد طالبه بعد وفاته بأن يرفض الغياب: "أريد أن أراه رمزًا.. لتاريخ شعب وتحولات هذا الشعب من الغياب الكامل إلى لاجئين، فإلى مقاتلين، فإلى مؤسسي مشروع وطني وثقافي، ثم إلى حضور كثيف في خريطة العالم".

أشاد محمود درويش في رثائه بقدرة الزعيم ياسر عرفات على البقاء: "كان ياسر عرفات الفصل الأطول في حياتنا. وكان أسمه أحد أسماء فلسطين الجديدة، الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة، إلى فكرة الدولة، على واقع تأسيسها المتعثر". ثم تطرق الشاعر بإيجابية بالغة لصور البقاء التي مثلها عرفات - بقائه داخل منظمة التحرير الفلسطينية وبقائه على قيد الحياة. كما أشاد درويش بقدرة عرفات على البقاء والحفاظ على حياته الشخصية: "كانخارجاً من حصار شارون، نجا من ملاحقة الطائرات ومن عدسة القناص، ومضى فيرحلة أوديسية، محملاً بنهاية مرحلة، ليقول: أنا ذاهب إلى فلسطين. أعادترميم الحكاية والرحلة، نجا من غارة على غرفة النوم في تونس، ونجا مرةًأخرى من سقوط طائرته في الصحراء الليبية، ونجا من آثار حرب الخليج الأولى،ونجا من صورة الإرهابي واستبدلها بصورة الحائز على جائزة نوبل للسلام،وحقق نبوءته التي سكنته طيلة العمر، عاد إلى أرض فلسطين، عاد إلى أرضميعاد".

تعبّر الوثيقتان اللتان كتبهما محمود درويش في رثاء ياسر عرفات، أصدق تعبير عن شخصية القائد وعن مشاعر الفلسطينيين وشاعرهم تجاه قائدهم. إن مقارنة الوثيقتين، اللتين كتبهما الشاعر في وفاة ياسر عرفات، بوثيقتين أخريين كتبهما الشاعر في أعقاب الانشقاق الكبير في صفوف حركة فتح عام 1983 (نص "ياسر عرفات.. والبحر" وقصيدة "مديح الظل العالي") - إنما تكشف عن الفارق في إدراك شخصية القائد. فبينما رأى محمود درويش في قائده رمزًا علمانيًا، رأى الشعب الفلسطيني في الرئيس "شهيدًا" تمّ اغتياله بالسم (مستمدًا هذه الصورة من وحي الاستعارة، التي أوردها الشاعر في ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدًا"). وكما أسهم الرئيس في ترميز الشاعر من قبل، أسهم محمود درويش في تخليد وترميز الرئيس ياسر عرفات.

في محاولة لتثبيت الأرض في اللغة والجسد والروح، خلدت قصائد وكتابات محمود درويش فلسطين بكل ما لها وما عليها - من بيوت وقرى وبلدات وكائنات حيّة ورموز وأحداث ومعارك هامّة في تاريخ الشعب الفلسطيني - وحفرتها في الذاكرة الفلسطينية والعربية بشكل راق ومتميّز وغير مسبوق. خلّدت كتابات محمود درويش التجربة النفسية والاجتماعية والسياسية من حياة الشعب العربي الفلسطيني - في المخيمات والشتات وتحت الاحتلال. فانفرد في التعبير عن مشاعر الأسى والإحباط والغربة والحنين بفنية شعرية رفيعة جدًا. وهو الذي جعل الوطن حقيبته. وهو من آمن "أن الكلمات هي وحدها المؤهّلة .. لترميم ما انكسر من زمان ومكان". وهو من أدرك أن "الكلمات هي المواد الأوّلية لبناء البيت" وأن "الكلمات وطن".

لم يكن ذلك ممكنا، لولا التزامه وإيمانه الشديدين "بقدرة الشعر على إجراء تعديل ما في المصائر وإعادة الحياة إلى ما يشبه الحياة". يقول في افتتاحية العدد الأول من مجلة الكرمل (1981): "الكرمل جبل يقع في فلسطين.. الاسم لا يدل إلا على رغبتنا في أن نساهم في تأسيس فلسطين الرؤيا.. هذا الصوت ليس جبلاً. ولكن يطمح إلى أن ينحت طريقاً في حجر الطريق إلى الجبل". ويقول في افتتاحية العدد 50 من المجلة: "سنستمر في محاولتنا المتواضعة، كما يفعل أي مشروع ثقافي مرتبط بمشروع الحرية والتحرّر. سنروي روايتنا بلساننا، سنكتب حبكتنا التاريخية وعلاقتنا بالمكان، وسنكتب ذاكرة المكان، ومكان الذاكرة..". ثم يقول "في حضرة الغياب": "تعرف تمامًا ماذا تركت وراءك: ماضيًا غير مدوّن في نشيد، عن طرواديين جدد لا يُروى عنهم إلاّ ما يقول أعداؤهم عنهم".

أجل، لم تفلح قصائد محمود درويش في تحرير فلسطين ولا في إعادة المهجرين إلى بيوتهم، لكنها أفلحت في إعادة تشكيل المكان والزمان. فلم يعد بالإمكان أن يشكك أيّا كان بهوية الأرض وهوية أصحابها الاصليين؛ لأننا "نحن... نحن البرهان، إذ أننا لم نولد في غيرهذا المكان ولم نضع على الورق مشروعًا لبناء أمّة تبحث عن أرض خالية من السكان".



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 33

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة