New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

شاعرُ المقاومة في جميع الأزمنة.... فيصل درّاج

 

03/02/2015 08:51:00

 

  لماذا أراد محمود درويش أن يكون "شاعرَ المقاومة الفلسطينية" في بداية مساره، وأصبح لا يميل إلى هذا اللقب في فترةٍ لاحقة؟
لم يبتعد الشاعرُ عن قضيته الوطنية، كما يظنّ الوعيُ القاصرُ وأنصارُ النميمة. لكنه تعلّم أنّ التجربة الفلسطينية، الموزَّعةَ على النجاة والغرق، تتطلّب أشكالاً مختلفةً من المقاومة.

 

 

في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، أَطلق غسّان كنفاني على أدب فلسطين المحتلة صفةَ "أدب المقاومة،" الذي اشتُقّتْ منه صفةُ "شعراء المقاومة،" وصولاً إلى "شاعر المقاومة الفلسطينية: محمود درويش." وقد ارتضى هذا الشاعرُ الشابُّ بلقبه، الذي عبّر آنذاك عن قصيدةٍ تبشيريةٍ تَعِدُ بتحرير الحاضر من قيوده، وعن شاعرٍ غاضبٍ اشتهى مستقبلاً لا شذوذَ فيه. كَتب الشاعرُ عمّا كَتب عنه غيرُه من "شعراء المقاومة،" لكنه لم يكن منهم تمامًا، بسبب نجابةٍ مبكّرةٍ لا تخطئُها العينُ النافذة.
في الديوان الأول، أوراقُ الزيتون، وهو ليس الأولَ تمامًا، أَعلن درويش عن موضوعاته التي تقترحها فلسطينُ المحتلّة، وعن القارئ الذي تتوجّه إليه قصيدةٌ مقاتلة. تحدّثت الموضوعاتُ عن ولاءٍ، وأملٍ، ومرثيةٍ، وعن رسالةٍ من المنفى، وعن الصمود، والبكاء، والحزن، والغضب، وعن بطاقةِ هوية، وعن الصاحب "الذي مضى وعاد في كفن،"... أمّا القارئ، فعيّنه الشاعرُ بجملةٍ قصيرة: "أجملُ الأشعار ما يَحْفظه عن ظهرِ قلْب كلُّ قارئ،" قاصدًا قارئًا عاديّاً، يذهب إلى قصيدةٍ منتظرةٍ، وتأتي إليه القصيدةُ سهلةً مُقْنعة. هكذا اعتبر الشاعرُ القصيدةَ الأولى في الديوان الأول (وعنوانُها "إلى القارئ") بيانًا شعريّاً مضمَرًا، يساوي بين الشاعر والقصيدة والغضب، سائلاً القارئَ ألاّ يرجو منه الهمسَ وألاّ ينتظرَ الطربَ: "غضبٌ يدي/غضبٌ فمي/ودماءُ أوردتي عصيرٌ من غضب!/يا قارئي!/لا تَرْجُ مني الهمسَ/لا تَرْجُ الطربْ!"
"أجملُ الأشعار ما يَحْفظه عن ظهرِ قلْبٍ كلُّ قارئ": من هذه الجملة البسيطة صاغ أنصارُ الشعر التحريضي معادلةً مريحةً مستديمةً. لكنها لم تُرِحْ، دائمًا، شاعرًا متطلِّبًا، احتَفَظَ بقارئه فعلاً، غير أنه بقي يبحث طوال حياته عن "أجمل الأشعار." لقد أدرك الشاعرُ مبكّرًا أنّ "أجملَ الشعر" حلمٌ متوالد، يسير إليه الشاعرُ النبيه، ويصدّه عنه قصر. ولعلّ إغفالَ البعض لحلم درويش بـ "أجمل الأشعار" هو الذي جَعَلَ منه، غيرَ مرة، هدفًا لبلاغةٍ مستهلَكة، تَشتقّ الواقعَ المرغوبَ من كلماتٍ جاهزة، وتُسبغ على الكلمات ما شاءت من ألوان الانتصار والمقاومة.
مَيّز محمود درويش، مبكّرًا، بين معنى الحقيقة في التصوّر الشعري، كما كان وكما ينبغي أن يكون، ومعنى الحقيقة في قصيدةٍ فلسطينيةٍ تبشيرية. فعَرف أنّ البحثَ الشعري يتجاوز "شعرَ المناسبات،" وأنّ عالم الإنسان ـ فلسطينيّاً كان أو غيرَ فلسطيني ـ يفيض في وجوهه المختلفة على التحريض والاستنهاضِ وبكاءِ الشهداء. ولعلّ هذا التمييز هو الذي جَعل محمودًا يعود، بعد عامين، مع ديوانه عاشق من فلسطين، الذي استولد فيه من "قصيدة الغزل،" التي تدور حول امرأة أَطربتِ الناظرَ إليها، "قصيدةَ العشق،" الأكثرَ رحابةً واتساعًا: إذ المعشوقُ المتعدّدُ الوجوه امرأةٌ ووطنٌ وأرضٌ وأمٌّ وأبٌ ووشمٌ قديم. في هذا الديوان، كما في دواوين لاحقة، عمل محمود على التمييز بين الشعر، الذي له تاريخُه ولغتُه ومعاييرُه...، والخطابة، التي لها لسانٌ مختصُّ بها، وجمهورٌ يفكّر أحيانًا بيديْه ولا يتأمّل الكلمات.
كان محمود يَعرف أنّ "الشعر الجماهيري" اليسير يسطو على الأفكار الجميلة، وينتزع منها شرعيةً زائفة. فآثر الالتزامَ بـ "الشعر الجميل،" الذي ينتمي إلى تاريخ الشعر، ويَحترم القصيدةَ والقارئَ في آن.
***
عثر محمود، ولمدةٍ ليست بالقصيرة، على هدفه الشعري في "الأنا الرومانسية": الشاعر ـ النبيّ، الدليلِ النقيّ الذي يَرى إلى ما لا يرى أهلُه، الشاعرِ الكلّيّ الذي يحمل في داخله الأرضَ والأشجارَ والحاضرَ والماضيَ والمستقبل. ولأنه يحمل في صوته الصادقِ كلَّ شيء، فإنّ فلسطينَ معه ومنه، عائدةٌ ولو كانت محتلةً، وقريبةٌ وإنْ بدت بعيدةً، وجميلةٌ ونقيّةٌ لأنها امتدادُ الشاعر ـ النبيّ: "وأنا البلادُ وقد أتت وتقمَّصَتْني وأنا الرحيلُ المستمرُّ إلى البلاد، وجَدْتُ نفسي قربَ نفسي."
البلادُ هي الشاعر، والشاعرُ هو البلاد، تأتي إليه وهي فيه، ويذهب إليها وهو منها، وضمانُ اتصالهما المستمرّ هو الرؤيةُ الصادرةُ عن قلبٍ بريءٍ لا يَعرف الكذب. يقول في تلك صورتها وهذا انتحار العاشق (1975): "المستحيلُ هويّتي/وهويّتي ورقُ الحقول/ (...)/والأرضُ تبدأُ من يديه ومن نهايتها/(...)/ والأرض تبدأ من نسيج الجرح ـ أُشْبهُها/ وأمشي فوق رأس الرمح ـ تشْبهني/وأمشي في لهيب القمح..."
ويقول في "قصيدة الأرض" من ديوان أعراس (1977): "أنا الأرضُ منذ عرفتُ خديجةَ/ لم يعرفوني لكي يقتلوني./ بوسع النبات الجليليّ ان يترعرعَ بين أصابع كفّي./(...)/ أنا الأرضُ. يا أيها العابرون على الأرض في صحوها./لن تمرّوا/ لن تمرّوا/لن تمرّوا."
للشاعر الرومانسي، كما أراده محمود درويش، وجوهٌ متعددة: المحرِّضُ الذي يَعِدُ الغزاةَ بالهزيمة، والأنا الشاسعةُ التي تلوذ بالأرض وتلوذ الأرضُ بها، والصوتُ النبويّ الذي يرى إلى أرض قديمة ـ مستعادة. آمنتْ تلك "الأنا الرومانسيةُ،" كما وعاها محمود الشابّ، بأنها الأنا ـ الأصل: أصلُ الأرض القديمة كما وُلدتْ نقيّةً، وأصلُ الأرض كما ستعود نقيّة؛ ذلك لأنّ الأصل هو النقاء، وهو الغربةُ الشاملةُ عن الملوَّث والـمـشوَّه والمريض. ولهذا عمل محمود، بجهدٍ متأنٍّ محسوب، على توليد لغةٍ شعريةٍ خاصةٍ به، لغةٍ أصليةٍ، لغةٍ ظَنّها جديدةً غيرَ مسبوقة، لغةٍ شعريةٍ عالية، أسهمَ في خلقها أجدادٌ شعريون مبدعون، وتتجدّد في أحفادٍ لا يقلّون إبداعًا.
***
عاش محمود، مثلَ كلّ مبدعٍ كبير، تناقضاتِ "الأنا الرومانسية" التي اطمأنّ إليها فترةً من مساره الشعري. فإذا كانت الأنا الرومانسية قد أَمّنتْ له صيغةً فنية، يَنطق بها الأرضَ، ويُنطق بها الأرضَ بلسانه، فإنَ سؤالَ اللغة ـ الأصل، أي اللغةِ الجديدةِ المتجدّدة التي ترفض التقليدَ والمحاكاة، دفع به إلى بحثٍ لغويّ ـ شعريّ دؤوبٍ لازمه حتى اللحظة الأخيرة. وهذا البحث، الذي حمله من حقبةٍ شعريةٍ إلى أخرى، نقله من قصيدةٍ فلسطينيةٍ تحريضية إلى قصيدةٍ أكثرَ اتّساعًا وتعقيدًا: تتّسع للفلسطيني المضطهَد وللمضطهَدين جميعًا، وتتّسع لهواجس الإنسان ـ فلسطينيّاً كان أو غيرَ فلسطيني. ذلك أنّ الشعر، من حيث هو شعر، يبدأ بالإنسان ويُعْرِض عن الجغرافيا. فالقولُ بقصيدةٍ مقاومة، فلسطينيةِ المضمون والشعار، قولٌ باختصاصٍ جغرافيّ ـ سياسيّ لا يأتلف مع الشعر، الذي يتأمّل إنسانًا كونيّاً: كونيَّ القلق والهواجس والرغبات. ولولا هذا الكونيّ، الذي يلامسه "الشعرُ الجميلُ" ويسائل قضاياه، لما التَفَتَ القارئُ غيرُ العربي إلى "العواطف الجميلة" (التي سَوّغتْ، ولا تزال، أشكالاً مختلفةً من الشعر الرديء). أراد محمود في فترة نضجه الشعري، التي عبّر عنها في ورد أقلّ وأرى ما أريد، أن يبرهن أنّ الشعر لا هويةَ له، وأنّ الهوية مقصورةٌ على مواضيع القصيدة لا أكثر. فقوله مثلاً: "ومثلما سار المسيحُ على البحيرة/سِرْتُ في رؤياي/لكني نزلتُ عن الصليب/لأنني أخشى العلوَّ/ولا أبشّرُ بالقيامة" قولٌ يلائم كلَّ مغتربٍ يعاتب الدنيا، وينتظر نورًا مخلِّصًا، يجيء ولا يجيء.
في بحث درويش عن لغةٍ أصليّة، أو عن اللغة ـ الأصل بتعبير أدونيس، وفي تطوّره السائر من مرحلة شعرية إلى غيرها، كان يعبّر عن أمرٍ ويَقْصد آخر: كان يعبّر عن قلق مبدع، يصحِّح خطأَ قصيدةٍ بأخرى، ويحاور قصائدَه المكتوبةَ وقصائدَه غيرَ المكتوبة وقصائدَ غيره، مدركًا أنْ لا وجودَ للمبدع بصيغة المفرد، وأنّ الإبداع يتوزّع على أكثر من شاعرٍ وقصيدة، وأنّ الحقيقةَ قائمةٌ في ما يُرى وقائمةٌ أكثر في ما لا يُرى، لأنّ الركون إلى ما يُرى يغلق جميعَ الأسئلة. والواضح في هذا فضيلةُ التنوع، والأوضحُ هو الاعترافُ بالتنوّع فضيلةً كبرى؛ ذلك أنّ اعتناقَ "مبدإ الواحد،" رومانسيّاً كان أو غيرَ رومانسيّ، يَقْطع مع الإبداع. وهذا المنظور قاد درويش إلى شغفٍ بالشعر العربي القديم، وإلى قراءة الأساطير اليونانية، وإلى تأمل الشعر العربي الحديث والإعجاب ببعض ممثّليه، وإلى معرفةٍ متواترةٍ بالشعر العبري، وإلى قراءة الكتب المقدّسة. يقول في مقابله معه: "يوجد جمهورٌ في داخلي، وأنا بدوري جمهور. وللحقيقة وجوهُها المتعددة. وحتى خصومُ الحقيقة لهم الحقُّ في أن يعبّروا عن أنفسهم؛ فأنا لستُ ملكًا على الحقيقة ... ومن وجهة نظرٍ أدبية، فإنّ الحوار يتيح للقصيدة أن تحمل جزءًا من العبء، الذي لا تستطيع حملَه لوحدها."
***
أمام التعدد، الذي يفْصح عنه جمهورٌ خارجيّ وجمهورٌ داخلي، أدرك درويش أنّ المقاومة مقاومات، وأنّ المقاومة المسلّحة غيرُ المقاومة الشعرية، وأنّ على الشعر المقاوم أن يكون شعرًا منفتحًا على كتاب الشعر كلِّه، قبل أن يحتفي بصفاتٍ خارجيةٍ لا يحتاج إليها الشاعر. كان في منظوره المتعدّد يَنقد سياسةً ثقافيةً فلسطينية، إنْ صحّت التسمية، تخْلط بين الشعر والثورة والثورة في الشعر، مسوِّغةً "شعرًا ثوريّاً" غريبًا عن الشعر. لقد قاوم محمود الشاعرُ، في قصيدته المختلفة، سياسةً ثقافيةً تتهاون في شؤون الكتابة والإبداع؛ وقاوم قصيدةً فلسطينيةً تستثمر اسمَ "فلسطين" ولا تفيدها في شيء. لكنه كان عليه، قبل هذا وذاك، أن يتحرّر من أسطورة الأنا الرومانسية: ذلك الواحدِ الحالمِ الواهم الذي يضع داخله كلَّ شيء، ويتحدّث عن نفسه ونيابةً عن الآخرين في آن.
بعد أفول "الأنا الرومانسية،" سار محمود في درب الشاعر الذي حلم بأن يكونه، فأصبح فلسطينيّاً كغيره من الفلسطينيين، وإنْ كان وطنُه المحتلّ ألزمه بعبءٍ شعريّ لن يتحرّر منه أبدًا. ولهذا أصبحتْ فلسطينُ مجازًا شعريّاً، يَظهر اسمُها حينًا ويغيب حينًا آخر. ولأنّ المفارقة روحُ العالم ، فقد وصل محمود إلى نضجه الشعري حين اهتزّ الحلمُ الفلسطيني، قبل أن تهبَّ عليه عاصفةٌ كاسحةٌ جاءت من جهاتٍ متعددة، وتركتِ المقاتلَ الفلسطيني فقيرًا في العراء.
"مَنْ تنازَلَ عن شيء امتلكَه." تنازل محمود، الذي غادر الشبابَ، عن لقب "شاعر المقاومة الفلسطينية" بعد أن غدا اسمُه رديفًا للقضية الفلسطينية. كان عليه أن يقاومَ خيبةَ اتفاق أوسلو، وأن يعاقبَ "أبًا" أمّن له الطمأنينةَ ذاتَ مرة. ففي زمن الأمان الرومانسي، كان الشاعر في آخر الليل (1967) يتّكئ على أبٍ يعَِدُه بصباحٍ ووطن: "إنني أُبصرُ في عينيك ميلادَ الغد،" قبل أن يتلعثم الأبُ في لماذا تركتَ الحصانَ وحيدًا (1995) ويعطي إجابةً لا تبشّر بالكثير: "إلى أين تأخذُني يا أبي؟ إلى جهةِ الريح يا ولدي!"
ابتعد الشاعرُ كثيرًا عن إيمانه الرومانسي القديم، وَدخل في مرحلةٍ عنوانُها "الاحتمال،" مقاومًا اليأسَ بالأمل، وموزِّعًا ذاتَه القديمةَ على موضوعاتٍ كثيرة، متحوِّلاً إلى "فلسطيني" يؤرّخ الوجعَ الفلسطيني بقصيدةٍ مفتوحةٍ ترى حاضرًا موزَّعًا على الحصار والحزن والتمسّك بالأمل. يقول في حالة حصار (2002): "قرْبَ بساتين مقطوعةِ الظلّ، نَفْعلُ ما يَفْعلُ السجناء، وما يَفْعل العاطلون عن العمل: نُربّي الأمل." ويقول أيضًا: "في الحصار، تكون الحياةُ هي الوقت، بين تذكّرِ أوّلِها، ونسيانِ آخرها."
في زمنٍ مضى كانت البدايةُ هي النهاية؛ كان الشاعرُ هو الأرض، يَدخل إليها ويَخرج منها حين يشاء. وكانت القصيدة مغلقةً، تَسرد حكايةَ أرضٍ عائدةٍ إلى أصحابها. لكن اختلف الأمرُ بعد الحصار، الذي سبقه حصارٌ، وتلاه حصار: فلا وضوحَ الآن إلاّ وضوح البداية، زمنَ الشتات والرحيل. قاوم الشاعرُ اليأسَ، وتمسَّكَ بالاحتمال ومساءلة الحياة: "والحياة هنا، نتساءل: كيف نعيد إليها الحياة؟" تخلّى محمود عن "واحده العليم،" وغدا "حرّاً بلا أبويْن،" ووقف إلى جانب العناصر التي يخلّفها الحصارُ: الحَمام، أشجار مقطوعة الظلّ، الضباب، التاريخ القديم، الأمّ الثكلى، السجن والحرية، الشعر والنثر... لا وقتَ للغد، ولا لذلك الوطن المهيبِ المسقوفِ بالورود والعصافير، بل الوقتُ كلُّه للانتظار: "الحصار هو الانتظار. هو الانتظارُ على سلّمٍ مائلٍ وسطَ العاصفة." قاوم الشاعرُ الحصارَ بقوةِ الأمل، وقاوم سلطةَ الموت بسلطةِ الحياة، وعَبّر عن المقاومتيْن بقصيدةٍ بصيرة.
يقول محمود في حالة حصار: "كتبتُ عن الحبّ عشرين سطرًا، فخُيّل لي أنّ هذا الحصار تراجع عشرين مترًا." كان الشاعر، الذي بلغ الستّين آنذاك، يعيش دلالةَ المقاومة في وجوهها الأكثر اتساعًا، يقف مع المحاصَرين ويصف أحوالَهم، ويطالب بمواجهة العاصفة ("حاصِرْ حصارَكَ")، ويُنْجز إبداعًا شعريّاً متواصلاً هو الردُّ الأكثرُ خصبًا على الحصار والمحاصِرين. لم يشأ الشاعرُ، الذي عاش محاصرةَ الحصار، أن يلتفت إلى خطابةٍ بلاغية، تَشتقّ المقاومةَ من كلام نافل، بل آثر جماليةَ الفعل الإنساني الذي يثق باحتمالات الحياة المفتوحة، وبأنّ الإبداع الشعري فعلٌ مقاوم. "أن تكتبَ قصيدةَ حبٍّ وأنتَ تحت الاحتلال شكلٌ من أشكال المقاومة،" يقول محمود، بعيدًا عن عقولٍ مغلقةٍ تعتقد أنّ "بلاغةَ الكراهية" تُنْجز وحدَها تحريرَ فلسطين كاملةً.
***
بدأ محمود درويش شاعرًا مقاومًا. وظلَّ مخلصًا لما بدأه، وإنْ كانت التجربة الفلسطينية، التي عَرفت الشوكَ ولم تعرفْ من العسل إلاّ اسمَه، قد علّمتْه أنّ المقاومة بصيغة المفرد لا وجودَ لها، وأنّ من يعيش التجربة يدرك أنّ لكلّ سياقٍ شكلاً من المقاومة خاصّاً به: المقاومة بالسلاح، مقاومة الكتابة الرديئة، مقاومة الخيبة ورثاء الحالمين الذين سَقطوا في الطريق، مقاومة اليأس، مقاومة الحصار، مقاومة الحقد الأعمى الذي هو العدوُّ الحقيقي للإبداع الشعري.
عرف الشاعر، المتعدّدُ في أطواره الشعرية، دلالةَ المقاومة المتعددة. وأَدرك وعيُه، المهجوسُ بالتعدّد، أنّ هوية الإنسان المقاوم محصّلةٌ لأشكال التحدّي والردّ عليه. قال في مقابلة معه بمناسبة احتفال فرنسا بتجربته الشعرية عام 2006: "الحاضر يَخْنقنا ويمزّق هويّاتنا. ولذلك لن أجدَ أنايَ الحقيقة إلاّ غدًا، عندما أستطيع أن أقول شيئًا آخر، وأن أكتبَ شيئًا آخر. الهوية ليست إرثًا، بل إبداع. إنني أسعى لأن أربّي الأملَ كما نربّي طفلاً، وحتى أكونَ ما أريد أن أكون، وليس ما يريد غيري أن أكون."
المقاومة وعيُ الضرورة، وهي البحثُ عن غدٍ يحقّق الهوية. والمقاومة هي السعي إلى هوية متطورة تُشتقّ من التجربة، وهي الفعلُ الحرّ الذي يَنْشد غدًا قوامُه ذاتٌ تكون كما تريد أن تكون. وما الأمل، الذي يحتاجه مقهورون صُودِرَ وجودُهم، إلاّ ذلك الطريقُ الشائكُ الطويلُ الذي يتلامح في نهايته شيءٌ يدعى: الحرية.
رَحَلَ محمود درويش على غير انتظار. لكنه أَنجزَ ما ينبغي إنجازُه؛ فكأنه ـ وهو القلِقُ المجتهدُ المتطلّب ـ قد استعدّ للرحيل قبل ساعةِ الرحيل.

 

 

   • كاتب فلسطيني مقيم في عمّان.

 

 

 

 




  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 38

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة