New Page 1

     مختارات شعرية ونثرية

New Page 1

شاهد على زمن الطغاة: خطب الدكتاتور الموزونة- محمود درويش

 

06/08/2011 07:01:00

-1 خطاب الجلوس

سأختار شعبي،
سأختار أفراد شعبي،
سأختاركم، واحداً واحداً، من سلالة أمِّي ومن مذهبي،
سأختاركم كي تكونوا جديرين بي.
إذن، أوقفوا الآن تصفيقكم كي تكونوا جديرين بي،
وبحبي،
سأختار شعبي سياجا لمملكتي، ورصيفا لدربي.
قفوا - أيها الناس - يا أيها المُنتقون كما تُنتقى اللؤلؤة،
لكلِّ فتىً امرأة
وللزوج طفلان: في البدء يأتي الصبي
وتأتي الصبية من بعد. لا ثالث.. وليعم الغرامُ،
على سُنَّتي، فأحبوا النساء، ولا تضربوهنَّ إن مسَّهُنَّ
الحرامُ،
سلامٌ عليكم .. سلامٌ..سلامُ
سأختارُ من يستحق المثول أمام مدائح فِكري
ومن يستحق المرور أمام حدائق قصري
قفوا، أيها الناس، حوليَ خاتَمْ
لنُصلح سيرة حواء.. نصلح سيرة آدمْ
سأختار شعبا محباً، وصلباً، وعذباً
سأختار أصلحكم للبقاء، وأنجحكم في الدعاء لطول
جلوسي..
فتُبّا
لما فات من دولٍ مزقتها الزوابعْ!
لقد ضقت ذرعا بأميّة الناس، يا شعب.. يا شعبي الحرّ،
فاحرسْ
هوائي من الفقراء، وسرب الذباب، وغيم الغبار
ونظِّفْ دروب المدائن من كلِّ حاف، وعارٍ، وجائعْ
فتُبّا لهذا الفساد، وتُبّا لبؤس العِباد الكسالى
وتُبا لوحل الشوارعْ!
سأختار شعبا من الأذكياء، الودودين، والناجحين
سأختاركم وفق دستور قلبي:
فمنْ كان منكم بلا علّة - فهو حارسُ كلبي
ومنْ كان منكم طبيباً - أعيّنه سائساً لحصاني الجديدْ
ومنْ كان منكم أديباً - أعيّنه حاملا لاتجاه النشيد
ومنْ كان منكم حكيماً - أعيّنه مستشارا لصك النقود
ومنْ كان منكم وسيماً، أعيّنهُ حاجبا للفضائحْ
ومنْ كان منكم قوياً - أعيّنهُ نائبا للمدائحْ..
ومنْ كان منكم بلا ذَهبِ، أو مواهب - فلينصرفْ
ومنْ كان منكم بلا ضَجَر ولآلئ - فلينصرفْ
فلا وقت عندي للقمح والكدح.. ولأعترفْ
أمامك يا أيها الشعب - يا شعبي المُنتقى بيديّ
بأني أنا الحاكمُ العادلُ
أنا الحاكم المُتسامح والعادلُ
كرهتُ جميع الطغاة، لأن الطغاة يسوسون شعباً من الجهلة
ومن أجل أن ينهض العدلُ فوق الذكاء المعاصر.. لابد من
برلمان جديد، ومن أسئلة:
مَنْ الشعبُ، يا شعبُ، هل كلُّ كائنْ
يُسمى مواطنْ؟
تُرى، هل يليق بمَن هو مثلي قيادة لص، وأعمى، وجاهلْ؟
وهل تقبلون لسيّدكم أن يساويَ ما بينكم، أيها النبلاء،
وبين الرعاع اليتامى الأرامل؟
وهل يتساوى هنا الفيلسوف مع المتسوّل؟ هل يذهبان إلى
الاقتراع معا كي يقود العوام سياسة هذا الوطنْ؟
وهم أغلبيتكُم، أيها الشعب، هم عددٌ لا لزوم له إن أردتُمْ
نظاماً جديدا لمنع الفِتنْ
إذنْ،
سأختار أفراد شعبي: سأختاركم واحداً واحداً كي تكونوا
جديرين بي، وأكون جديراً بكمْ
سأمنحكم حق أن تخدموني
وأن ترفعوا صوري فوق جدرانكم
وأن تشكروني لأني رضيت بكم أمّةً لي..
سأمنحكم حق أن تتملوا ملامح وجهي في كلِّ عام جديد..
سأمنحكم كل حق تريدون: حق البكاء على موت قط شريد..
وحق الكلام عن السيرة النبوية في كلِّ عيد
وحق الذهاب إلى البحر في كل يوم تريدون..
لكم أن تناموا كما تشتهون: على أي جنب تريدون.. ناموا!
لكم حق أن تحلموا برضاي وعطفي، فلا تفزعوا من أحدْ
سأمنحكم حقكم في الهواء، وحقكم في الضياء، وحقكم في
الغناء..
سأبني لكم جنّة فوق أرضي.. كُلوا ما تشاؤون من طيباتي
ولا تسمعوا ما يقول ملوك الطوائف عني..
وإني أحذركم من عذاب الحسدْ!
ولا تدخلوا في السياسة إلا إذا صدر الأمر عنِّي
لأن السياسة سجني..
هنا الحكم شورى. هنا الحُكْمُ شورى:
أنا حاكمٌ مُنتخبْ
وأنتم جماهير مُنتخبهْ..
ومن واجب الشعب أن يلمس العتبهْ
وأن يتحرى الحقيقة ممن دعاه إليه، اصطفاه، حماه من
الأغلبية، والأغلبية مُتعِبة مُتْعَبَهْ..
ومن واجب الشعب أن يتبرأ من كل فرد نَهَبْ
وغازل زوجة صاحبه، أو زنا، أو غصبْ
ومن واجب الشعب أن يرفع الأمر للحاكم المُنتخبْ
ومن واجبي أن أوافق، من واجبي أن أعارض، فالأمر
أمري والعدل عدلي، والحق مُلكُ يديّ
فإما إقالته من رضاي
وإما إحالته للسراي
فحق الغضبْ
وحق الرضا، لي أنا الحاكم المُنتخبْ
وحق الهوى والطربْ
لكم كلكم، فأنتم جماهير مُنتخبه!
أنا الحاكم الحرُ والعادل
وأنتم جماهيري الحرّة العادلة
سننشئ منذ انتخابي دولتنا الفاضلة
ولا سجن بعد انتخابي، ولا شعرَ عن تعب القافلة
سألغي نظام العقوبات من دولتي .فمن أراد التأفف، خارج
شعبي، فليتأفف
ومن شاء أن يتمرّد، خارج شعبي، فليتمردْ
سنأذن للغاضبين بأن يستقيلوا من الشعب، فالشعب حرٌّ
ومن ليس منّي ومن دولتي، فهو حرُّ
سأختار أفراد شعبي، سأختاركم واحداً واحداً مرّة كل
خمس سنين
وأنتم: تُزكونني مرّة كل عشرين عاما إذا لزم الأمر أو مرّة
للأبدْ..
وإن لم تريدوا بقائي، لا سمح الله، إن شئتم أن يزول البلدْ
أعدت إلى الشعب ما هبَّ أو دبَّ مِنْ سابق الشعب كي أملك
الأكثرية، والأكثرية فوضى
أترضى، أخي الشعب! أترضى بهذا المصير الحقير.. أترضى؟
معاذك!
قد اخترتُ شعبيَ، واختارني الآن شعبي
فسيروا إلى خدمتي آمنين،
أذنت لكم أن تخروا على قدمي ساجدين
فطوبى لكم، ثم طوبى لنا أجمعين!

-2 خطاب الضجر
ضَجَر
ضجر
ألا تشعرون ببعض الضجر؟
فمن سنة لم أجد خبراً واحداً عن بلادي
أما مِنْ خَبَرْ!
نُغيّرُ تقويمنا السنويَّ، وننقش أقوالنا في الرخام
وندفنها في الصحارى ليطلع منها المطرْ
على ما أشاء من الكائنات..
وأحمل عاصمتي فوق سيّارة الجيب كي أتحاشى
الضجر
.. وما من خبر!
وأكتبُ في العام عشرين سطراً بلا خطأ نحويّ
وتعرف، يا شعب، أني رسولُ القَدَر
وألغي الزراعة، ألغي الفكاهة، ألغي الصحافة، ألغي
الخبر
.. وما من خبر!
وأختصرُ الناس: أسجن ثلثاً، وأطردُ ثلثاً
وأبقي من الثلث حاشيةً للسَمَرْ
.. وما من خبر!
وأطبع وجهيَ من أجلكم فوق وجه القمر
لكي تحلموا مثلما أتمنى لكم: تُصبحون عليّ..ّ
وما من خبر!
وأمنعُ عنكم عصير الشعير،
لأن الشعير طعامُ الحمير.. وأنتُمْ
أرانبُ قلبي، كلوا ما تشاؤون
من بصل أخضر أو جَزَرْ
.. وما من خبر!
وأمرضُ، أو أتمارضُ، أخلو إلى الذات
أو أتفاوض سراً مع المعجزات
وأحرمُ نفسي من الكاميرا والصُوَر
.. وما من خبر!
أُوحّدُ ما لا يُوَحّدُ: أحرسُ إيوان كسرى
وأدعو إلى وحدة المسلمين على سيف قيصر
أرشي ملوك الطوائف.. أمحو شرائع سومر
أمنح أفريقيا صوتها .. وأعيد النظرْ
بتاريخ فكر البشر
.. وما من خبرْ!
وأُغلقُ كلَّ المسارح: لا مسرح في البلدْ
ولا سينما في البلد
ولا مرقص في البلد
ولا بلد في البلد
ولا نغم أو وتر
.. وما من خبر!
ضجر
ضجر..
وحيدٌ أنا أيها الشعب، شعبي العزيز..
ولكن قلبي عليك، وقلبك من فِلّز أو حجر
أضحي لأجلك، يا شعب، إني سجينُك منذ الصغر
ومنذ صباي المبكّر أخطب فيكم
وأحكمكم واحداً واحداً
وفي كل يوم أعدُ لكم مؤتمر..
فمن منكم يستطيع الجلوس ثلاثين عاما على مقعد
واحدٍ
دون أن يتخشّب، ومن منكمُ يستطيع السهر
ثلاثين عاما
ليمنع شعباً من الذكريات وحب السفر؟
وحيدُ أنا أيها الشعب: لا أستطيع الذهاب إلى البحر..
والمشي فوق الرصيف..
ولا النوم تحت الشجرْ
ثقيلٌ هو الحكم.. لا تحسدوا حاكماً
أيُّ صدر تحمل ما يتحمل صدري من الأوسمة؟
وأيُّ فتيٍّ منكم يستطيع الوقوف
ثلاثين عاما على حافة الجمجمة؟
وأيُّ يد دَفَعت مثلما دفعت يدُنا من خطر
ضجر
ضجر
يُخيّل لي، أيها الشعب، يا صاحبي
أن حقي على الله أكبرُ من واجبي
ولكنني لا أريد معارك أكبر منكم، كفانا الضجرْ
جراداً يحط على الوقت، يمتصُ خضرة أيامنا
ويفتح وقت الرمال رمالاً من الوقت
نمشي على الرمل، لا أثر.. لا أثرْ
ومن واجبي، أيها الشعب، أن أتسلى قليلا، فمَنْ
يُعيد إلى ساحة الموت أمجادها؟ أخطئوا، أخطئوا
واسرقوا، واحرقوا، وافسقوا
لأقطع كفاً، وأجدع أنفاً، وأدخل سيفا بنهدٍ نَهدْ
وأجعل هذا الهواء أُبَرْ
وأنسى هموميَ في الحكم، أنسى التشابُه بيني
وبين الملوك القدامى، وأنسى العِبَرْ..
أما من فتىً غاضب في البلد!
أما من أحدْ
تقاعس عن خدمتي، أو بكى، أو جحد!
أما من أحد
شكا أو كفرْ!
أما من خبرْ
ضجر
ضجر
وحيد أنا، أيها الشعب، أعملُ وحدي
ووحدي أسنّ القوانين، وحدي أحوّل مجري النهر
أفكّر وحدي .. أقرر وحدي. فما من وزارة
تُساعدني في إدارة أسراركم..
ليس لي نائب لشؤون الكناية والاستعارة
ولا مستشار لفك طلاسم أحلامكم عندما تحلمون
ولا نائب لاختيار ثيابي، وتصفيف شعري، ورفع الصورْ
ولا مستشار لرصد الديون
فوالله، والله، والله، لا عِلم لي
بما لي عليكم.. ومالي عليكم حلالٌ، حلال
كُلوا ما أعدُ لكم من ثمرْ
وناموا كما أتمنى لكم أن تناموا ودودين بعد صلاة
العشاء
وقوموا من النوم حين ينادي المنادي
بأني رأيتُ السَحَر
وسيروا إلى يومكم آمنين.. ووفق نظام كتابي
ولا تسألوا عن خطابي
سأمنحكم عطلة للنظر
بما يسّر الله لي من خطاب الضجر
ضجر
ضجر
سلامٌ عليَّ.. سلامٌ عليكم
سلامٌ على أمةٍ لا تمل الضجرْ..

-3 خطاب السلام
..
وأما الذين قَضوْا في سبيل الدفاع عن الذكريات
وعن وَهمهم، فلهم أجرُهُمْ، أو خطيئتُهم، عند ربهمُو..
حرام حلال
حلال حرامُ..
• • •
.. ويا أيها الشعب، يا سيّد المعجزات، ويا باني الهرمين!
أُريدك أن ترتفع
إلى مستوى العصر. صمتاً وصمتاً، لنسمع وقع خُطانا على
الأرض، ماذا دفعنا لكي نندفعْ..
ثلاث حروب - وأرض أقل
وخمسون ألف شهيد - وخبز أقل
وتأميم أفكار شعب يحب الحياة - ورقص أقل
فهل نستطيع المضي أماماً؟ وهذا الأمام حُطام
أليس السلام هو الحل؟
عاش السلامُ
• • •
.. وبعد التأمل في وضعنا الداخلي
وبعد الصلاة على خاتم الأنبياء، وبعد السلام عليّ..
وجدت المدافع أكثر من عدد الجند في دولتي
وجدت الجنود يزيدون عمّا تبقى لنا من حبوب
لهذا، سأطلب من شعبي الحرِّ أن يتكيّف فوراً
وأن يتصرف خير التصرّف مع خطتي:
سأجنح للسلم إن جنحوا للحروب
سأجنح للغرب إن جنحوا للغروب
سأجنح للسلم مهما بنوا من حصون، ومهما أقاموا
على أرضنا، ليعيش السلام.
• • •
حروب.. حروب.. حروب.. أما من قيادة
لتوقف هذا العبث!
وتوقف إنتاج مستقبل غامض من جثث!
أفي الغاب نحن لنقتل جيراننا الباحثين على أرضنا عن وسادة؟
وما الحرب، يا شعب، إلا غرائز أولى
خلاف صغير على الأرض. وما الأرض إلا رمال على الرمل هل
دمكم، أيها الناس، أرخصُ من حفنة الرمل؟
عمَّ نُفتش في الحرب، يا شعبي الحر، هل عن سيادة؟
أمعنى السيادة أن نتقوقع في ذاتنا،
ونعادي العدو المُصاب بداء التوسّع والخوف؟
فليتوسّع قليلاً، لماذا نخاف.. لماذا نخاف
فهل تستطيع الجرادة أن تأكل الفيل، أو تشرب النيل؟
في الأرض متسع للجميع، وفي الأرض متسع للسعادة..
ونحن، هنا، ثابتون..
هنا فوق خمسة آلاف عام من المجد والحب، مهما يمر الظلامُ
وعاش السلام.
• • •
ورثتك، يا شعب، يا شعبي الحر، عن حاكم ضللكْ
وحطم فيك البراءة والورد، ما أنبلك
وجرّك للحرب من أجل بدو أباحوا نساءك مُذ دخلوا منزلك
ولم يدفعوا الأجر .لا شيء في السوق.. لا شيء. منْ حلّلكْ
لبدو الصحارى .وحرّم لحم الخراف عليك. ومن بدّلك
وقادك نحو سراب العروبة حتى توّحد من شتتوا أملك؟
ورثتك، يا شعب، يا شعبي الحر، عن حاكم قتلك
وآن أوان الحقيقة. فليرجع الوعي للوعي.. لن أمهلك
سوى ساعتين، لتنسى الزمان الذي أهملك
وإلا، سأعلن إضراب زوجاتكم في المضاجع: إما الصيام
عن النوم ما بين أفخاذهن، وإما السلامُ.
• • •
أنا عودة الوعي. لا وعي حولي، ولا وعي قبلي، ولا وعي بعدي
عرفتُ التصدّي
عرفت التحدّي
وجرّبت أن أستقل عن الشرق والغرب، لكنني لم أجد
غير هذا التردي..
ففي عالم ينقسم:
إلى اثنين: شرق وغرب فقط
يكون الحياد شطط،
فمن نحن؟ هل نحن شرق .. ولا رزق في الشرق؟
في الشرق حزب النظام الحديدي، في الشرق تنمية للنمط
ولا شيء في السوق غير الخطط..
وهل نحن غرب؟ وفي الغرب أعداؤنا ينشرون اللغط
عن الحاكم العربي، وفي الغرب رامبو وشامبو وكوكا وجينز وكنز
وديسكو وسيرك، وحرية للقطط
فمن نحن؟ هل نحن حقا غلط
لنقضي ثلاثين عاما من الحرب، والحل في الغرب، هل نحن حقاً
غلط؟
ليهرب منّا الطعام
أما كنت تدرك، يا شعب، أن الطعام سلام
• • •
.. ويا أيها الشعب، آن لنا أن نصحح تاريخنا
كي نضاهي الحضارات قولاً وفعلا
وآن لنا أن نُلقن أعداءنا السلم، درساً وحلا
سنقطع عنهم جميع الذرائع، كي لا
يفروا من السلم. ماذا يريدون؟ ماذا
يريدون كل فلسطين؟ أهلاً وسهلا
يريدون أطراف سيناء؟ أهلاً وسهلا
يريدون رأس أبي الهول - هذا المراوغ في الوقت؟ - أهلاً وسهلا
يريدون مرتفعات الهجوم على الشام؟ أهلاً وسهلا
يريدون أنهار لبنان؟ أهلاً وسهلا
يريدون تعديل قرآن عثمان؟ أهلاً وسهلا
إلى السبي؟ أهلاً وسهلا "نابو" يريدون بابل كي يأخذوا رأس
سأعطيهم ما يشاؤون منّا وما لا يشاؤون كي آخذ السلم،
والسلم أقوى من الأرض، أقوى وأغلى
فهم بخلاء لئام
ونحن كرام كرام
وعاش السلام!
• • •
.. ومن أجل هذا السلام أعيد الجنود من الثكنات إلى العاصمة
وأجعلهم شرطةً للدفاع عن الأمن ضد الرعاع
وضد الجياع
وضد اتساع المعارضة الآثمة
فليس السلام مع الآخرين هناك
سلاماً مع الغاضبين هنا..
هنا لن تقوم لأي فئات يسارية قائمة
سأفرم لحم اليسار، وأحجب ضوء النهار
عن الزمرة الناقمة
وفي السجن متسع للجميع
من الشيخ حتى الرضيع
ومن رجل الدين حتى النقابي .. والخادمة
فليس السلام مع الآخرين هناك
سلاما مع الرافضين هنا..
هنا طاعة وانسجام
ليحيا السلام
• • •
.. وأمّا الذين قضوا في سبيل الدفاع عن الذكريات
وعن وهمنا، فلهم أجرهم، أو خطيئتهم عند ربهمو..
وما فات فاتْ
ومنْ مات مات،
سأقضي على الذكريات،
سألغي احتفالات يوم الشهيد لننسى الضغينة
سأحرث مقبرة الشهداء الحزينة
وأرفع منها العظام لتدفن في غير هذا المكان
فرادى فرادى،
فلا حق في دولتي للتجمّع، حياً وميتاً، لئلا يثير الفسادا
ولا حق للموت أن يتمادى
ويقضم نسياننا الحر منّا..
سأكسر كل المدافع حتى يُفرّخ فيها الحمام
سأكسر ذاكرة الحرب.. ناموا كما لم تناموا
غدا تصبحون على الخبز والخير .. ناموا
غدا تصبحون على جنتي، فاستريحوا وناموا
يعيش السلامُ
يعيش النظامُ
شلوم.. سلام!

4- خطاب الأمير

إذا كانت الحربُ كراً وفرّاً
فإن السلام مكرٌّ.. مفرُّ
أحبُوا الأمير، وخافوا الأمير
ولا تقنطوا من دهاء الأمير
فليست لنا غاية في المسير
ولا هدف، غير أن تستقرَّ الأمور
على ما استقرّتْ عليه: أمير على عرشِهِ
وشعب على نعشِه..
أنا خنجر من حرير
أحبُّ الرعيّة إن أخلصت
وإن أرخصت دمها في سبيل الأمير
فعمر الرعيّة في الحب عمر طويل
وعمر الرعيّة إن كرهتني قصير..
أنا صانع الجيش من كل جيش بلا أسلحة
جمعت الجنود كما تجمع السبحة
لأبني مجتمعاً للتحدي، ومجتمعاً للتصدي
ومجتمعاً يُدمن المذبحة
أنا السيف والورد والمصلحة
وليس على ما أقول شهود
وليس على ما أريد قيود..
وليست عقيدتنا صنماً جامداً، فاحذروا
نفاق الصديق.. وحاجته للتمدد خلف الحدود.
وليس العدو عدواً إلى آخر الحرب..
قد نتحالف في ذات يوم لنحمي أنفسنا من صديق لدود
ومن أخوة لا يطيعوننا، حين نذبحهم يصرخون
ويرموننا بالظنون، ولا يفهمون
سياستنا أو كياستنا حين نحرق أطفالهم بالصواريخ
كي لا يمروا
فإن كانت الحرب كراً وفراً
فإن السلام مكر .. مفرُّ
• • •
حقوق الأمير على الناس أكبرُ من واجبي
ألم أجد الناس جوعى.. فأطعمت
وعارية.. فكسوت
وتائهة فهديت؟
وساويت بين المثقف والمرتزقْ
]وأما بنعمة ما أنعم الحكم - حكمي - عليك.. فحدِّث[
ألم أبن خمسين سجناً جديداً لأحمي اللغة
من الحشرات ومن كل فكر قَلِقْ؟
ألم أخلط الطبقات لألغي نظام التقاليد والمرجعية والزمن
المحترق؟
فمن يذكر الآن أجداده؟
ومن يعرف الآن أولاده؟
ومن يستطيع الرجوع إلى شجرة العائلة
ومن يستطيع الحنين إلى زهرة ذابلة
ومن يستطيع التذكّر دون الرجوع إلى حارس القافلة؟
]وأما بنعمة ما أنعم الحكم - حكمي - عليك.. فحدّث[
ألم أجد الماء في غيمكم يختنقْ
فحركته واستجاب وآب إليكم.. ألم أنطلقْ
بكم نحو أعلى الشعارات كي نلتحقْ
بمجتمعات الرخاء؟ فكونوا كما أشتهي أن تكونوا..
وسيروا
إلى بلد لا حدود له، لا رعاة، ولا شاعر، أو ملكْ
فقد تغتنون وقد تتخمون.. وقد أمتلك!
دعوا الأرض بوراً، لأن الفلاحة عار القُدامى
قطعت الشجر
وألغيتُ بؤس الزراعة
لأستورد الثمر الأجنبي بنصف التكاليف،
فالشعب نصفان: جيش وباعة!
ولا تعملوا في المصانع، فهي ديون على دولة تتنامى
رويداً رويداً على فائض الحرب من شهداء
ومن جثث في العراء. . وبترولنا دمكم
والصناعة إنتاج ما أنتجت حربُنا من يتامى
نوظفهم في معارك لا تنتهي كي يعيشوا
وكي ينجبوا للإمارة كنز الإمارة، هاتوا يتامى
لتحيا الخزينة عاماً وعاما
وإلا، فمن أين أطعمكم.. والإمارة قَفرُ
وإن الحروب اقتصاد معافى.. وحرٌّ
وإن الهزيمة ربح ونصرُ
وإن كانت الحرب كراً وفراً
فإن السلام مكرٌ .. مفرُ
• • •
تقولون: ماذا يريد الأمير؟
أقول: أريد البعيد البعيد البعيد
ألا فادخلوا خاتمي واحداً واحداً بانضباط شديد
وشدّوا الحزام، وجوعوا قليلا ليشبع هذا الوطن
فلن نستطيع بلوغ المعالي بغير المحنْ..
شعاراتنا ذبلت فوق جدراننا، فارفعوها ليشهد هذا الزمنْ
على أمة لا تعيش من الخبز وحدَه
ومدت تماثيلنا يدها فاملأوا يدها وردة تلو ورده
ولا قمح في الحقل، فلتزرعوا الملح فوق المخده
وهزوا جذوع الشعارات يساقط التمر منها..
• • •
تقولون: ماذا يريد الأمير من الحرب .. ماذا يريد الأمير
المحارب؟
أقول: أريد حروبا صغيرة
سأختار شعبا صغيراً حقيراً أحاربه كي أحارب
وأحمي النظام من الباحثين عن الخبز بين الزرائب
فحين نخوض الحروب
يحل السلام على الجبهة الداخلية .. ننسى الحليب وننسى
الحبوب
فيا قوم، قوموا .. فهذا أوان الأمل
وهذا أوان النهوض من المأزق المحتمل
إذا حاصرتنا جيوش الشمال
نحاصر أخوتنا في الجنوب
وإن حاصرتنا جيوش الجنوب
ندمّر أخوتنا في الشمال
وحين نحاصر بين الشمال وبين الجنوب
أحاصركم في الوسط
فلا تقنطوا من دهاء الأمير، ولا تقعوا في الغلط
فخير الأمور: الوسط
وأنتم رهائن عندي. فخروا وخروا
ولا تسألوني: أفي الأمر سرُّ؟
إذا كان الحرب كراً وفراً
فإن السلام مكر .. مفرُ
• • •
تقولون: ماذا عن السلم؟ ماذا يريد الأمير؟
أقول: أريد من السلم ما لا فضيحة فيه
أغازله دون أن أشتهيه
وأبنيه سراً، وأحرسه بالحروب الصغيرة
كي يتقيني العدو، وكي أتقيه..
وأحمي سلام الخنادق من نزوات الخطاب
ومن طيش هذا الشباب..
وأحصي مدافعهم ثم أحصي مدافعنا - الفوارق سِلْمُ
وأحصي مصانعنا ثم أحصي مصانعهم - الفوارق سِلْمُ
وأحصي مواقعنا ثم أحصي مواقعهم - الفوارق سِلْمُ
ولكنني لا أريد السلام
لأن السلام المقام على الفرق بين العدوين ظُلمُ
وإن السلام المقام على الظلم ظُلمُ
وإن السلام المقام على الاعتراف بغيري ظلمُ
فلا بد من نصف سلم
ولا بد من نصف حرب
لأحفظ شعبي
وأحفظ حكمي..
أحارب منْ أستطيع محاربته
بلا رحمة أو حرام
أسالم منْ لا أريد ولا أستطيع محاربته
بغير معاهدة للسلام
فإن السلام مغامرة كالحروب .. وشرُّ
وإن كانت الحرب كرّاً وفرّاً
فإن السلام مكرّ.. مفرُّ!
• • •
.. ويا قوم، يا قوم، من آخر الليل يطلع فجرُ
سلام عليكم إلى مطلع الفجر، يا أيها الصابرون على الليل
حولي
أقاسمكم ما وُهبتُ من المعجزات .. وأذرف ظلّي
عليكم، لكي يتساوى الجميع بظلمي وعدلي..
وأعرف، يا أيها الناس، ما تحمل النفس، والنفس أمّارة
بالتخلّي
عن الصعب، والمجد صعب كما تعلمون، قليل التجلّي
ولكننا سنواصل هذا الطريق إلى منتهاه .. إلى منتهاكم
فلا تقنطوا من دهائي، ومن رحمة النصر. فالنصر صبرُ
على الليل.والليل - يا أمتي - درجات
فمنه الطويل، ومنه القصير.. ومنه الذي يستمرُ
ثمانين حولا، سأحكمكم.. لا مفرُّ
إذا كانت الحرب كرّاً وفرّاً
وكان السلام مكراً مفراً
فإن النظام مكرٌّ.. مكرُّ

-5 خطاب القبر
أعدّوا ليَ القبر قصراً يطلُ على القصرِ
من جهة البحر، قصراً يدّل الخلود عليّ
ويرفع لاسمي جبالا من المرمر الصعب
يدفع أحلامكم صلوات.. إليَّ
فمن كان يعبد هذا البَلدْ
فقد مات هذا البلد..
ومنْ كان يعبد هذا الجسد
فمن حقه أن يصدق أني حيْ،
وحيّ هو العرش حتى الأبد..
• • •
بلغت الثمانين، لكنني ما عرفت السأم
وقد أتزوّج في كل يوم فتاة
لأحمي النشيد من العنكبوت، وأحمي العَلَم
من السوس. قد يكبر البحر حولي
ولكنه يتقلّص حين أحرّك فيه القدم
وقد يتيبّسُ غيم السماء، ويمرض لون الفضاء
إذا نمتُ يوماً ونام الخدم..
ولكنني حين أصحو
أعيد الطبيعة، فورا، إلى رُشدها..
أعيد فصل الشتاء وزيرا لكل الفصول
وأعزل فصل الخريف
وأنقش صورة وجهي فوق الرياح، وحول الرغيف
ليهتف سكّان كفي: نعم
نعم..
بلغت الثمانين لكنني سأعيش ثمانين أخرى
وتسعين أخرى.. وأرفع سيفي قلمْ
وأحمل عنكم توابيتكم عندما تهلكون
وأبكي عليكم، وأرثيكُمُ يوم تهوي البيوت
على ساكنيها، ويسكنها العنكبوت
فمن واجبي أن أعيش
ومن حقكم أن تموتوا
لأنجب جيلاً جديداً يواصل أحلامكم..
فما من أحدْ
رأى ما رأيتُ. وما من بلدْ
رأى ما رأى بلدي من فتوّة هذا الجسدْ
فمن كان يعبد هذا البلد
فقد مات، أما الذي يعبدني
فمن حقه أن يصدقني حين أصدر أمري إلى الموت:
دعني وشعبي الولد
معاً للأبد!
• • •
وبعد الثمانين، تأتي ثمانون أخرى
وأرقد في اليوم عشرين ساعة
لأرتاح مما خلقتُ، وممن خُلقتُ
ومن دولة ستعمّر فيَّ وتركع: سمعا وطاعة
وتنهار بعدي، إذا نمت أكثر مما أنام
ولا شيء بعدي
ولا شيء بعدي..
فمن تعبدون؟
وكيف تعيشون بعدي؟
ومن سوف ينقذكم من زمان الجنون
ومن سوف يحرس أبوابكم من جراد المطر
ومن سوف يحمل ريح الشمال إليكم
ويحميكمُ من ذئاب الشجر؟
ومن تعبدون
لمن ترفعون تراتيلكم، ولمن تسجدون، وتتلون آيات منْ؟
أبالخبز وحده، وبالخبز وحده
تعيشون؟ والروح خاوية منِ عبادة مَنْ تعبدون؟
ومن أي معنى تشيدون مبنى الخيال لهذا الزمن
وفي البدء.. كنتُ، وكوّنتُ هذا الوطن
ليعبد خالقه أو يموت إذا لم يكن لائقا بعبادة خالقه
فاعلموا وأعلموا
بأن الذي خلقْ
أحق بهذي الحياة الطويلة ممن خُلقْ
وإن كان لا بد من موتنا فاسبقوني
إلى الموت كي تحملوني وتستقبلوني
خذوا زوجتي معكم، وخذوا أسرتي .. وجهاز القلق
ولا تُنشئوا أي حزب جديد هناك
ولا تأذنوا لقدامى الضحايا بأن يسكنوا معكم
ولا تسمحوا للتلاميذ أن يسرقوا دمعكم
ولا تفتحوا صحفا للحديث عن الفرق بين الحياة
على الأرض أو تحتها
ولا تسمحوا للمعارضة المستبدة أن تتساءل
عمّا رفضتُ التساؤل فيه..
أنا الموت، والموت لا ريب فيه
أنا من أعد لكم أجلاً لا مرّد له، فاعلموا
أن ما فوق أرضي يجري بأمري
وما تحت أرضي يجري بأمري
فلا تهربوا من مشيئة قصري..
فقد أختنقْ
وحيداً بغير جماهير تعبدني.. ولقد ألتحقْ
بكم كي أراقبكم.. كي أحاسبكم
فمن كان يعبد هذي الحياة
فقد هلكت..
وأما الذي كان يعبدني
فمن حقه أن يعيش معي فوق هذا التراب
وتحت التراب.. معي للأبد.
• • •
أعدّوا لي القبر قصراً يطل على البحر..
قصراً مليئاً بأجهزة الاتصال الحديثة..
قصرا معدا لمملكة الشعب في الآخرة
سآمر، فورا، بنقل الوزارات والذكريات
ومجموعة الصور النادرة
سأنقل كل الحصون، وكل السجون، وكل الظنون
لأحكمكم في المقر الجديد
بصيغة دستورنا الحاضرة
ولكنني سأعدل بند الوراثة:
لا حق للحي أن يرث الميت إلا إذا أثبت
الميتُ أن الذي كان حياً هو الميت فيه،
لئلا يطالبنا الدود بالآخرة..
أعدوا لي القبر أوسع من هذه الأرض
أجمل من هذه الأرض
أقوى من الأرض
قصرا يُلخّص بحراً بنافذة من سحاب.
سأجتاز هذا الممر الصغير
على فرس الغيم، والغيم أبيض يهتز حولي
ويرسم لاسمي تاجاً وقوس قباب.
سأجتاز هذا الممر الصغير
فلا عودة للوراء .. ولا رحلة في السراب
أعدوا لي العرش من ريش مليون نسر
أعدوا العذارى، أعدوا الشراب
ونادوا ملائكة الشعر: صلّي عليه وصلّي له
لينسى الهواء، وينسى التراب.
سأجتاز هذا الممر الصغير
إلى أمة سبقتني لتعرف تاريخ ما بعد تاريخها
فضلّت هناك وضيّعها الاغتراب
سأجتاز هذا الممر الصغير
لأقضي على الموت فيها.. وفيّ
وأفتح آخر باب
فمن كان يعبد منكم هنا الآخرة
فقد ماتت الآخرة
ومن كان يعبدني
فإني حيّ .. وحيّ.. وحيّ!

-6 خطاب الفكرة

إذا قدّر للشعب أن يحمل الدرب ..فكرةْ
وأن يرفع الأرض، أعلى من الأرض، فكرةْ
وأن يفصل الوعي عن واقع الوعي.. من أجل فكرة
.. فعندئذ يصبح الشعب شعباً جديراً بحزب.. وثورةْ!
• • •
أقول لكم ما يقول ليَ الحزبُ، والحزبُ فوق الجماعةْ
سنقفز فوق المراحل عصراً وعصرين.. في كلِّ ساعةْ
لنبني جنّة أحلامنا اليوم في نمطٍ من مجاعةْ
سنلغي الحِرَفْ
سنمنع صيد السمك
ونمنع بيع الدجاج، وبيض الدجاج
وملكية الظل ملكية خاصة،
فلنؤمم، إذاً، كل أشجارنا الجائعة
وكل نباتاتنا الضائعة:
ثمانين نخلهْ
وتسعين تينهْ
وعشرين زيتونةً
وألفا وسبعين فجلهْ..
سنلغي الزراعة
وندخل عصر الصناعة
بحزب، وشعب، وفكرةْ
• • •
أقول لكم ما يُقرره الحزبُ، والحزب سُلطتنا المطلقةْ
سننشئ من أجل برنامج الحزب، من أجلكم، طبقةْ
هي القوة الصاعدة،
ونعلن من أرضنا ثورة الفقراء على الفقراء
فليس على أرضنا أغنياء
لنأخذ أملاكهم. فلنوزّع، إذاً، فقرنا
على فقرنا، في إذاعتنا والجريدة.
سنقطع دابر أعدائنا الطبقيين .. أهل العقيدةْ
ونتهم الأنبياء بداء البكاء على حصةٍ في السماء
إذا الشعب يوما أراد
فلا بد أن يستجيب الجراد..
فهيا بنا، أيها الكادحون وصنّاع تاريخنا الحر، هيا بنا
لنحرق شعر المديح، وشعر الطبيعة، والحب، والعَبَرات
وكل الروايات، والأغنيات القديمة، والوجع العاطفي
وما ترك الغربُ والشرقُ فينا من الذكريات..
وهيا بنا
لنصنع من كل حبّة رملٍ خلية
وننجز خطتنا المرحلية:
سننتج في اليوم ألف شعار وعشرين شاعرْ
فإن الأرض كانت عاقرْ
فإن القيادة حبلى بما يجعل الأرض خضراء،
حطوا الشعار وراء الشعار وراء الشعار
وهزوا الشعار .. ليسّاقط الوعي فكرةْ
تدير المصانع، والثورة المستمرة
فنحن الذين
سننشئ جنة عمالنا القادمين
من الفكرة المطلقة
إلى الفكرة المطلقة
ونحن الذين
سنحرق كل المراحل، كي نصنع الطبقة
من المصنع اللغوي، وكي نرفع الطبقة
إلى سدة الحكم حتى نعبّر عنها
بحزب.. وثورة!
• • •
.. ويا شعبُ، يا شعبَ حزبك، شُد الحزام
لتحمي النظامْ
من الفكرة البرجوازية الفاسدةْ..
سنبحث عشرين عامْ
عن القيمة الزائدة
وعن سارقي عرق الفقراء الحرامْ
لنعرف أين التناقض في المجتمع
وأين التعارض بين القيادة والقاعدة،
لنعرف أنماطنا، والبُنى، وطبيعة هذا النظام..
ولكننا ندرك الآن أن الطبيعة أفقر منّا
وندرك أن السلع
دليل على النمط البرجوازي، فاجتنبوها
لننتج وعياً جديداً،
وربوا الشعارات.. وادخروها
وإن صدئت طوّروها
وإن جاع أولادكم فاطبخوها
وفي عيد مايو كلوها
وصلوا لها واعبدوها
وإن مسكم مرض .. علقوها
على موضع الداء، فهي الدواء..
وثروتنا في بلاد بغير معادنْ،
وواقعنا ما نريد له أن يكون
وليس ما هو كائنْ..
فماذا سننتج غير الشعارات؟
وهي رسالتنا الرائدة..
إذا استُثمرت جيداً أثمرتْ بلدا سيداً
حالماً سالماً
بحزب.. وفكرةْ
• • •
.. وصُفّوا التماثيل أعلى من النخل والأبنية
وصَفُّ التماثيل أفضل للوعي من أمهات النخيل
تماثيل ترفع كفي إليكم، وتُعلي تعاليم حزب لشعب نبيل
تذكركم بنشيد الطلائع: نحن أتينا لكي ننتصرْ
ولا بد للقيد أن ينكسرْ
ولا بد مما يدل على الفرق بين النظام الجديد
وبين النظام العميل
ولا بد من صورة الفرد كي يظهر الكل في واحد..
تماثيل تعلو على الواقع المندحرْ
وتخلق مجتمع الغد من فكرة تزدهرْ..
فلا تجدعوا أنفها عندما تسغبون
ولا تملأوا يدها بالرسائل ضدي.. وضد السجون
ولا تأذنوا للحمام المهاجر أن يستريح عليها
ولا ترسموا حول أعناقها صورة للرغيف الحزين
ولا تبصقوا حولها ضجرا،
ولا تنظروا شزرا..
سأزرع حول التماثيل جيش الدفاع عن الأمنية
وجيش مكافحة السخرية
سنصمد مهما تحرّش هذا الجفاف بنا
سنصمد مهما تنكّر هذا الزمنْ
سنصمد، حتى نهاية هذا الوطن،
سنصمد، حتى تجف المياه.. لآخر قطرةْ
وحتى يموت الرغيف الأخير.. لآخر كسرةْ
وحتى نهاية آخر مَنْ كان يحلم مثلي.. بآخر ثورةْ
فإن مات هذا الوطنْ
فقد عشتُ من أجل فكرةْ
فموتوا، كما لم يمت أحدٌ قبلكم
ولا تسألوا الحزب: من أجل أية فكرة
نموت؟
ومن أجل أية ثورة
نموت؟
فمن كل فكرة
ستولد ثورة..
ومن كل ثورة
ستولد فكرة
سلام عليكم
سلام على فكرة
سوف تولد من موت شعب.. وفكرة!!

-7 خطاب النساء

على كلِّ امرأة حارسانْ
وفي كل امرأة أفعوان
ألا.. فاجلدوهن قبل الأوان
وبعد الأوان،
اجلدوهن في الصبح جلدةْ
لئلا يوسوس فيهن شيطانهن..
وفي الليل جلدةْ
لئلا يعدن إلى لذة الإثم..
واستغفروا الله، وارموا
على مرفأ الجرح وردةْ
ولا تهجروهن فوق المخدةْ
فإن النساء على كل معصيّة قادرات
وإن النساء حبيباتُنا من قديم الزمان.
• • •
تزوّجتُ خمسين مرّةْ
لأعرف مرّةْ
إذا كان ابني هو ابني
وأي وليّ على العهد كنتُ أباهُ..
وفي كل مرّةْ
أرى رجلاً واقفا بين قلبي وامرأتي
ولكنني لا أراهُ
لأقتله، أو لأقتلها، بيد أني أراهُ
ويقتلني كل يومٍ. وفي كل سهرةْ
يهاجمني عاشقٌ سابقْ عند باب القرنفل
يغيب لأدخل، ثم أنامُ، فيدخل
فكيف أحرر أجساد زوجاتنا من أصابع غيري؟
وكيف أغيّر جلداً بجلدٍ، ونهداً بنهدٍ.. ونهراً بنهرِ؟
وكيف أُكوّنُ امرأة من بياض البداية؟
وهل أستطيع دخول الحكاية
وعندي من الليل أكثر من ألف ليلةْ
وأكثر من ألف امرأة لا تغيّر فخ الحكاية
ولكن قلبي مُوَلّه
وعرشي مُؤلّه
وفي كل امرأة شهرزاد.. وثعلبْ
وفي كل طاغية شهريار المعذّبْ
وإن النساء على كل معصية قادرات
وإن النساء حبيباتنا..
• • •
ضربنا على سحرهن الحجابْ
فشبّ الدبيب بأجسادهن، وضاجعن أوّل مفتاح بابْ
وأوّل قط، وأوّل ساعي بريد، أوّل كُتّاب هذا الخطابْ
قرأنا لهن كتاب النبي .. فصدقن نصف الكتاب
وبرأن عائشة من ظنون عليٍ
ولكن تأوهن بعد العتاب:
أصحراء حول الحميراء، مطلع ليل، وشاب طلي الشبابْ
لماذا.. لماذا؟
وكيف تحرّش ملح بثوب الحرير الأخير.. وذابْ
ضربنا على سحرهن الحجاب
ولكن هذا الذي لا يُرى قد رأى واستجاب
فهل تتغطى العواصف يوما بشال السحاب؟
وماذا وراء الحجاب؟
"صواحب يوسف" ألا .. إنهن
رغم الحزام، ورغم الحرام، ورغم العقابْ
قوارير تكسرْ
أساطير تسحر
وذاكرة للغياب..
ففي أي بئر نخبئ زوجاتنا...
وفي أي غاب؟
وفي وسعهن ملاقاة أي هلال
ينام على غيمة أو سراب
وفي وسعهن خيانتنا بين أحضاننا
والبكاء من الحب.. والاغتراب
وفي وسعهن إزالة آثارنا عن موضع أسرارهن
كما يطرد المرء عن راحتيه الذباب
ويلبسن في كل يومين قلباً جديداً
كما يرتدين الثياب
فما نفع هذا الحجاب؟
وما نفع العقاب؟
وإن النساء على كل معصية قادرات
وإن النساء حبيباتنا..
• • •
تعبتُ.. ولو استطعت جمعت النساءْ
بواحدة.. واسترحت
وأنجبت منها ولياً على العهد حين أشاء
وليا على العهد مثلي.. وحدي
صحيحاً فصيحا يواصل عهدي
ويحفظ خير سلالة
لخير رسالةْ
ويجمعكم حول قصري ومجدي.. هالةْ
ولكنني قلق، فالنساء هواء وماء
وفاكهة للشتاء
وذاكرة من هواء
وإن النساء إماء
يغيّرن عشاقهن كما يشتهي كيدهن العظيم
وكيدي عظيم .. ولكن فيهن موهبة للبكاء
وفيهن ما أحزن الأنبياء
وما أشعل الحرب بين الشعوب
وما أبعد الناس عن ملكوت السماء..
فكيف أحلُ سؤال النساء؟
وكيف أحرركم من دهاء النساء؟
على كل امرأة أن تخون معي زوجها
لأعرف أني أبوكم
وآخذ منكم ومنهن كل الولاء
وقد تسألون: وكيف تنفذ هذا القرار؟
أقول: سأعلن حرباً على دولة خاسرة
يشارك فيها الكبار
ومن بلغ العاشرة..
سأعلن حرباً لمدة عام
تكون النساء عليكم حرام
وأبعث غلمان قصري - وهم عاجزون - إلى كل بيت
ليأتوا إليّ بكل فتاة وبنت
لأحرث من شئت منهن:
بعد الظهيرة - بنت
وفي الليل - بنت
وفي الفجر - بنت
لتحمل مني جميع البنات
وينجبن مني وليا على العهد .. منّي
سأختاره كيف شئت
صحيحاً فصيحاً مليح القوام
.. وبعدئذ أوقف الحرب، من بعد عام
وأعلن عيد السلام
وأعرف مرّةْ
لأوّل مرّةْ
بأن الولي على العهد.. ابني
وأني أبني
بلاداً بلا دنس أو حرام
فألف سلام عليكم
وإن النساء حلال عليكم
فلا تهجروهن، ولا تضربوهن، هنّ الحمام
وهنّ حبيباتنا، و السلام عليكم، عليهن
ألف سلام
وألف سلام..

-8 خطاب الخطاب
-1
إذا زادت المفردات عن الألف، جفت عروق الكلامْ
وشاع فسادُ البلاغة.. وانتشر الشعر بين العوام
وصار على كل مفردة أن تقول وتخفي ما حولها من غمام
فأن تمدح الوردَ معناهُ: أنك تهجو الظلام
وأن تتذكر برق السيوف القديمة معناه: أنك تهجو السلام
وأن تذكر الياسمين كثيرا وتضحك معناه: أنك تهجو النظام..
ولا تستطيع الحكومة شنق المجاز، ونفي الأسى عن هديل الحمام..
وبين الطباق وبين الجناس تقول القصيدة ما بنينا من حُطام
وتنشئ عالمها المستقل، وتهرب من شرطتي والزحام
وتخلق واقعها فوق واقعنا، أو تجردنا من سياج المنامْ
فيصبح حلم الجماهير فوضى، ولا نستطيع التدخل بين النيام..
أنا سيد الحلم! لا تحلموا حول قصري بغير الطعام
ولا تأذنوا للفراشات بالطيران الإباحي في لغة من رخام..
.. فمن لغتي تأخذون ملامح أحلامكم مرّة كل عام
ومن لغتي تعرفون الحقيقة بين لفظين: حلال، حرام
فلا تبحثوا في القواميس عن لغة لا تليق بهذا المقام
فإن زادت المفردات عن الألف عمّ الفساد.. وساد الخراب
لأن الكلام الكثير غبار الذباب
وإن نظام الخطاب
خطاب النظام..
-2
.. وفي لغتي قوتي. واقعي لغتي. واقعي ما يقول الخطابْ
فقد تربح النظرية ما يخسر الشعب. والشعب عبد الكتاب
وليس على النهر أن يتراجع عمّا فتحنا له من سياق وغاب
سنجري معا فوق موج الدفاع عن الاندفاع الكبير لفكر الصواب
وماذا لو اكتشف القوم أن الدروب إلى الدرب معجزة من سراب!
وماذا لو ارتطم البر بالبحر، والبحر بالبحر، وامتد فينا العُباب!
إلى أين يا بحر تأخذنا؟ والخطاب يواصل خطبته في اليباب
أنرجع من حيث ضعنا؟ إلى أين يرجع هذا الكلام .. إلى أي باب؟
قطعنا كثيراً من القول، فليتبع الفعل خطوتنا في طريق العذاب
ولكن، إلى أين نرجع يا بحر؟ والبر ذاكرة صلبة للسحاب
قطعنا قليلا من الفعل، فليملئ القول ساحة هذا الخراب
ليسري الخطاب على موت أبنائنا الغائبين .. ويعلو الضباب
إلى شرفة القصر .. والمنبر الحجري المغطى بعشب الغياب
ولا تسألوا: منْ يذيع الخطاب الأخير، أنا؟ أم خطاب الخطاب؟
فقد يصدق القول، قد يكذب القائلون، ويحيا الغبار، ويفنى التراب
وقد تجهض الأم حين تشك بأن الجنين ابنها، ليعيش الخطاب
خطابي حريتي. باب زنزانة من ثلاثين مفردة لا تصاب
بصدمة واقعها، لا تغيّر إيقاعها، لا تقدّم إلا الجواب
كلامي غاية هذا الكلام
خطابي واقع هذا الخطاب
لأن خطاب النظام
نظام الخطاب..
-3
خطابي شد المسافات بين الكلام وبين معاني الكلام
إذا جف ماء البحيرات، فلتعصروا لفظةً من خطاب السحاب
وإن مات عشب الحقول، كلوا مقطعا من خطاب الطعام
وإن قصّت الحرب أرضي، فلتشهروا مقطعا من خطاب الحسام
ففي البدء كان الكلام، وكان الجلوس على العرش، في البدء كان الخطاب
سنمضي معا، جثةً جثةً، في الطريق الطويل على لغة من صواب
وماذا لو ابتعد الفجر عنّا ثلاثين عاماً وخمسين عاماً.. ونام!
أما قلت يوم جلست على العرش إن العدو يريد سقوط النظام
وإن البلاد تروح وتأتي؟ وإن المبادئ ترسو رُسُوّ الهضاب!
وإن قوى الروح فينا خطاب سيبقى، ولم يبق غير الخطاب!
فلا تسرفوا في الكلام لئلا تُبدّد سلطة هذا الكلام
ولا تدخلوا في الكناية كي لا نضل الطريق، ونفقد كنز السراب
ولا تقربوا الشعر، فالشعر يهدم صرح الثوابت في وطن من وئام
وللشعر تأويلهُ، فاحذروه كما تحذرون الزنا، والربا، والحرام..
.. وإن زادت المفردات عن الألف باخ الكلام وشاخ الخطاب
وفاضت ضفاف المعاني ليتضح الفرق بين الحَمام وبين الحِمام
.. وفي لغتي ما يُدير شؤون البلاد، ويكفي لنصمد خمسين عام
ويكفي لنستورد الخبز، يكفي لنرفع سيف البطولة فوق السحاب
.. وفي لغتي ما يعبّر عن حاجة الشعب للاحتفال بهذا الخطاب
فلا تسرفوا في ابتكار الكثير من المفردات، وشدوا الحزام
على لغة قد تُصاب بداء التضخم.. شدوا الحزام
فإن ثلاثين مفردة تستطيع قيادة شعب يحب السلام
وإن خطاب النظام
نظام الخطاب..




  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 36

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة