New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

محمود درويش:مقالات وحوارات (1961-1970) إعداد: د. محمد خليل

 

19/09/2015 09:23:00

نقدم فيما يلي كتاب الدكتور محمد خليل بعنوان "محمود درويش - مقالات وحوارات ""وموقع مؤسسة محمود درويش "، حين ينفرد بنشر الكتاب على حلقات متتابعة، انما يشير إلى ضرورة ذكر المصدر عند النقل

 

 

المقال الثاني- رأي.. في شعرنا

مرة أخرى أعود للحديث عن شعرنا..

 

 

 

 

(الحلقة -2-)

 

 

 

 

قد يكون هذا الحديث تتمة للحديث السابق ، أو لا يكون ، وقد يسمى نقداً ، أو لا يسمى ، وقد يكون خواطر أو لا يكون ، المهم أنها آراء في هذه الحركة الشعرية التي تتقدم ببطء وتقف بذعر ، وتضطرب أغلب الأحيان . مرة تكون في جزر وأخرى في مد ، وهذا طبيعي في كل حركة تريد أن تنطلق وتبلور شخصيتها .
قد تذكر ، يا صديقي القارئ ، أني تحدثت في الحديث السابق عن الواقعية في شعرنا ، وقد تذكر أني تحدثت عن مضمون شعرنا الإنساني الثائر الذي يأخذ عن الحقيقة.. ويخدم الجماهير في قضاياها الإنسانية.. وحين نتحدث عن الأدب وخاصة عن الشعر ، لا نستطيع بسهولة أن نفصل بين ما يسمى مضموناً ، وما يسمى شكلاً مع أن هذا الأمر ليس مستحيلاً ، ولكن هذا لا يعني أن القصيدة تستطيع أن تنجح وتؤدي رسالتها الإنسانية والفنية إذا اغتنى مضمونها ، وحمل أفكاراً رائعة هذا لا يكفي ، لأن الشعر ، كما قلنا ونقول دائماً ، رسالة وفن.. الرسالة في المضمون ، والفن يكمن في الشكل.. وبمقدار ما يكون الشكل ملتحماً مع المضمون تدنو القصيدة من المعنى الصادق القريب للشعر الرائع.. وهنا أراني معجباً بما قاله الشاعر الكبير ناظم حكمت : يجب أن يكون القالب كالجلد فوق الجسم وليس كالثوب الفضفاض..
ومن هنا ، تبدأ ضرورة البحث عن قوالب جديدة لتلتف حول المفهوم الجديد للشعر الواقعي الذي يفتح آفاقاً جديدة رحبة أمام الإنسان ، قوالب وتعابير لتسع الأفكار الجديدة التي تولدها الحياة كل يوم..
فالفن.. أي فن ، لا يمكن أن يقف عند حد ، لأن الوقوف يعني الجمود ، والجمود

 

 

 

 

_______________
* الجديد ، العدد 9 ، أيلول 1961 .
يصل في نهاية الأمر إلى الموت.. فمضمون الفن دائم التجدد.. وهذا المضمون يتطلب بطبيعة الحال قوالب جديدة.. فالمسألة ليست مسألة هواية وزخرف.. إنها ضرورة واقعية يفرضها تطور الحياة والتاريخ . وهنا تكمن خطورة مهمة الفنان ومسؤوليته أمام المسائل الكثيرة التي تطرحها الحياة كل ساعة..
وفي شعرنا ، هل يتلاءم الشكل مع المحتوى ؟ هذا السؤال دقيق ، وقد يراه البعض متطفلاً ، ولكنني أريد أن ألفت النظر إلى ظاهرة أعتقد أنها خطرة ، فأكثر شعرائنا يصوغون قصائدهم بالشكل الجديد للشعر ، في حين يكون المحتوى بدائياً ساذجاً ، قاله الشعراء من قبل ألف سنة ولا يزالون يقولونه ، وفي هذه القصائد لا ترى إلا الشكل جديداً . قد يقول البعض.. يكفي أن يكون الشكل جديداً.. وقد أوافق على هذا الجواب ولكن الواقع عندنا لا يرضى ، لأنني أستطيع أن أؤكد أن لجوء أكثر شعرائنا إلى هذا الشكل ، ليس وسيلة ضرورية ، أو ليس لجوء الشاعر القادر الذي يريد أن يلوّن ، ولكنه لجوء العاجزين.. وإلا فما معنى أن الشاعر عندنا ما يكاد يفتح عينيه على الشعر ، ولا يكاد يمسك القلم ، فتراه يكتب على الطريقة الجديدة ؟ ثم.. ماذا تكون النتيجة في نهاية الأمر ؟ ضعف لغوي مسرف.. وتفكك وتضعضع في لغة الشاعر ، فلا تتمالك القصيدة من الوقوف على قدميها إلا وتسقط.. حتى لو كانت أفكارها في غاية الإبداع ، فإنها تكون أشبه بحبات السبحة التي يربطها خيط مهلهل لا تصمد أمام أية لمسة..
أنا شخصياً أقف موقف الحياد من هذه القضية ، ولكن مطلبي الوحيد هو أن تقنعني القصيدة بشكلها ، أن أحس بأن القصيدة وحدة كاملة وغير منقسمة على نفسها.. ولا يمكن أن تكتب إلا بهذا الشكل .
* * *
ظاهرة واحدة تطبع أكثر الشعر عندنا ، ظاهرة ضعف التركيب اللغوي والبناء للقصيدة ، أكثر قصائدنا مصابة بالعصبي أحياناً والكساح أحياناً أخرى ، وإذا بحثنا عن سر هذا لوجدنا ببساطة أنه عائد إلى عدم تعمقنا في دراسة الأدب القديم والتراث الوطني لشعبنا ، إن الشاعر الحق : ليس فقط الذي يصور واقع شعبه ونفسيته ، ولكنه الذي يربط هذا الواقع بتاريخه الماضي وتراثه القديم ، الشاعر كما يصور المستقبل ، يأخذ من الماضي ، يجب أن تكون للشاعر جذور عميقة وأرض يابسة يقف عليها ، ويأخذ من أساطير شعبه وحكاياته ، مادة رائعة يمزجها مع واقعه ..
أستطيع أن أتهم شعراءنا أنهم بلا جذور ، بلا ماض ، وهذا يعود إلى عدم اهتمامهم بدراسة تاريخ أمتهم وتراثها الخالد ، إن ضعف وضحالة الثقافة الوطنية عندنا من الظواهر الخطرة في أدبنا ، قد يعود هذا السبب إلى صغر سننا وحداثتنا ولكنه ليس مبرراً في أي شكل من الأشكال ، يجب علينا أن نعود إلى تاريخنا ونأخذ منه ، ونشعر بعقلنا وإحساسنا بالجذور العميقة التي تشدنا إلى التاريخ.. ليس هذا فحسب ، بل إن إهمال دراسة أدبنا وتاريخنا القديم يسبب كل ظواهر الضعف في صنع الشعر عندنا .
وإلى جانب ضعف ثقافتنا العربية ، يقف ضعف ثقافتنا الأجنبية . قليلون منا هم الذين يجيدون لغة غير اللغة العربية ، وعدم إجادة لغة أخرى يقطعنا قطعاً مؤلماً عن العالم والآفاق الأدبية ، هذا إذا ما عرفنا أيضاً أننا منقطعون عن موارد الثقافة العربية الحديثة ، والأدب العربي ، بسبب الحصار الأدبي الذي فرضته علينا الحالة السياسية . فإلى أين نذهب إذن ؟ ولمن نعمد ؟ إذا كنا مخلصين حقاً لمهمتنا ومقدرين لخطورة القضية الإنسانية التي نعمل لها ، فعلينا أن نبحث أولاً عن الثقافة الثقافة في كل شيء ، لنلقح الموهبة والطاقة الأدبية في نفوسنا . ولكن من أي طريق نصل إلى هذه الثقافة ، ليس أمامنا إلا اللغة الأجنبية . إنني متأكد من صعوبة القضية وجدتها ، ولكن الأدب ليس عملاً سهلاً وهيناً .

 

 

 

 

الشعراء المتفرجون

 

 

 

 

وبجانب المشاكل والعراقيل الأساسية التي تقف أمام حركتنا الشعرية ، تأتي يد من أعلى لتقضي عليها..
السلطة التي يزعجها الأدب الواقعي الثائر ، لأنه يضع سلاحاً بيد الشعب ضد
السياسة التي تفرض عليه هذا الواقع المؤلم ، ويفتح العيون عليه ، تقف دائماً أمام التيار لتحوله.. شأنها في كل بلاد وفي كل منطقة من مناطق التاريخ ، وإذا دققنا النظر في الأدب ، أي أدب في العالم فلا نقسمه إلا إلى قسمين : أدب يخدم الشعب وأدب يخدم أعداء الشعب والسلطة الحاكمة ، أما باقي الأسماء الملونة من تجريدية وسريالية وغيرهما من هذه الأسماء التي يطلقونها على أنواع معينة من الأدب فليست إلا ستاراً زائفاً تخدع أبصار الناس . كل هذه الأنواع من الأدب تخدم السلطة بما تبثه في الشعب من انحلال وغيبية ولا مبالاة ، وتبعده عن مشاكله وأزماته وقضاياه الملحة .
هذا التفسير الواقعي للأدب تدعمه كل الدلائل والبراهين..
وفي بلادنا ، كأكثر بلاد العالم التي تعيش في تناقضات طبقية ، نقسم أدبنا إلى قسمين أيضاً ، أكثر ما يكتب في ((الهدف)) و ((اليوم)) هو كلام يخدم السلطة أو يرضي السلطة ، ولكنه لا يرضي الشعب لأنه مخدرات مؤقتة زائلة ، والسلطة تدفع للكتّاب كل ثمن شرط أن يبعدوا عن شعبهم ويرتموا في أحضانها .
جمال قعوار مثلاً كتب بعض قصائد جميلة عن الشعب ، قابلها الشعب باستحسان وتقدير ، وتأمل أن يظل جمال معه ، ولكن جمال لم يستمر ، لأن السلطة قد اشترته ليخدمها ولتقضي على سلاح كان يمكن أن يكون في يد الشعب.. نحن لا نتهم هؤلاء بالخيانة الآن . فهذا اتهام مقدّم ، ولكننا نتهمهم بالخنوع والتفرّج . والمتفرج لا يقول للظالم : اضرب ! ولا يحب للمظلوم أن يضرب ! ولكنه يتفرج ، والتفرج معناه السكوت ، والسكوت معناه الرضوخ للأمر الواقع ، والرضوخ معناه الموافقة.. والموافقة على الأمر الواقع ليست من مبادئ الأديب . الأديب الحق لا يستطيع أن يتحمل الأمر الواقع . الأديب ثائر دائم الثورة ، والثورة من أهم صفات الأدب الواقعي .
فما معنى أن يجلس جمال قعوار إذن في مكتب تزينه شعارات مباي الذي لا ينفك عن اضطهاد الشعب العربي بكل وسيلة ؟ معناه خدمة للسلطة أولاً بأول.. وينتهي به الأمر إلى العمى واللامبالاة.. وليثبت عدم خنوعه ، يلجأ إلى وسائل التعبير الغيبية التي يسميها شعراً.. يكتب كلمات مقسمة إلى أجزاء ، يحشد فيها قصة العطر والسمراء والأزهار في كل مرة ، ويجيئنا قائلاً : هذا شعر!.. وفي النهاية يقضي على كل عاطفة شعبية فيه ويتخدر ويصبح الأمر عنده طبيعياً..
وهناك شكل آخر من أشكال الأدب المتفرج . والاسم الثاني ينطبق أكثر على راشد حسين .
فراشد مهما صال وجال وسبّ وشتم المباي كل أسبوع في المرصاد.. زميلة المباي في الصهيونية.. فإنه لن يعوّض عن موقفه كمتفرج . إن المسؤول عن مآسي شعبنا والسوط الذي يقع على ظهره لا يجد له المباي فقط بل الصهيونية بمجموعها .. وتنكر المبام وسائر الأحزاب الصهيونية لحق المليون المقدس ، لا يمكن لأديب واقعي أن يسكت عنه ويتعاون مع أصحابه .
إن مهاجمة راشد للمباي وانتقاده الشديد له حق.. وكل كلمة تقدم ضد المباي حق وتخدم قضية العرب هنا . ولكن السكوت عن أشياء كثيرة وخاصة عن المبام ذنب كبير يدفع ثمنه نزع الثقة بينه وبين القراء الذين لا يخدعون .
هذا الكلام سياسي أكثر مما هو أدبي ، ولكن ما العمل والسياسة تفرض طابعها على كل حركة من حركات حياتنا ؟ وهذا الكلام أسوقه لأصل إلى الشعر الذي ابتدأنا في الحديث عنه..
القارئ عرف راشد شاعراً كان يمكن أن يقدم لشعبه شيئاً . وأحبه الشعب وصفق له ، ثم انصرف..
انصرف راشد إلى الصحافة . وهنا لا نستطيع أن نلومه فكثير من الشعراء كانوا صحافيين ، ولكن راشد أخذ يعمل في الصحافة على حساب شعره.. وأخذ يتأخر في مجال الشعر حتى اعتقد بعض الناس أنه انتهى ، في الواقع لم ينته راشد ولكنه مصاب بمرض حب الشهرة السريعة ، ولهذا هجر الشعر وركض وراء الصحافة وبذلك نضيف شاعراً آخر ممن خسرهم الشعب والشعر ..
وهناك شكل ثالث من أشكال (التفرج).. لقد عمد بعض شعرائنا إلى الصمت هؤلاء لا يستطيعون أن يهاجموا السلطة بسبب الوظيفة ، ولا يستطيعون أن يرتموا في أحضانها خوف الشعب أو بسبب وخزات الضمير ، من هؤلاء شكيب جهشان وشكيب ابتدأ شاعراً يجمع في شعره الواقعية مع الفن ، وكان يمكن أن يقدم قصائد تصور بعض نواحي واقعنا تصويراً جميلاً ، ولكن الأمر انتهى به إلى الصمت لأن شكيب أدرك أن الشاعر الحق إما أن يكون صريحاً واضحاً على طول وإما أن يسكت ، أما أن يخدع ويتلون ويلبس كل يوم ثوباً جديداً فليس صحيحاً..
وهكذا وقفت قضية الخبز أمام شعرائنا . أنت حر أن تقول ما تشاء شرط أن تدفع الثمن ، والثمن هو الاستغناء على الوظيفة . والعدو وراء الخبز ، خاصة وأكثر شعرائنا يعملون في سلك التعليم.. ولذلك نرى الحركة الشعرية في بلادنا متقلبة غير مستقلة تتخذ كل يوم طريقاً آخر ، وترتفع تارة لتنخفض طوراً .
ولكن ، كان هناك جانب آخر من الشعراء.. شعراء آمنوا بالشعب إلى أبعد حدود الإيمان.. شعراء آمنوا بعقيدة معينة ومبدأ معين . وصاحب العقيدة والمبدأ مستعد أن يضحي في كل وقت ، مستعد أن يدفع ثمن الكفاح كل شيء ، هو مستعد أن يتنازل عن كل شيء إلا العقيدة والكفاح ، هؤلاء الشعراء هم الشعراء الشيوعيون واليساريون.. الذين واكبوا كفاح الجماهير العربية في كل مراحله ، وقدموا قصائد في سجل أمين لتاريخ كفاحنا في هذه البلاد ، فمضمون هؤلاء الشعراء مضمون واقعي ثائر.. تحس وأنت تقرؤهم أنهم لا يتصنعون ولا يتكلفون ولا يخدعون فشعرهم يخرج من القلب إلى القلب لاهباً حار العاطفة ، ولكن الثورية عندهم أو عند بعضهم تمزق أحياناً الإطار الفني فيجيء الشعر خطابياً .
وبعد.. أرجو أن تكون هذه السطور قد حملت بعض الملاحظات والخواطر والنقد لشعرنا ، مع أنها ليست وافية وكاملة ، ولكنها مجرد آراء معرضة للنقاش.. وإلى اللقاء....

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقال الثالث
3 دواوين من الشعر الحديث

 

 

 

 

• العودة من النبع الحالم ..
• مدينة بلا قلب ..
• أعطنا حُبَّا ..
1
العودة من النبع الحالم !
للشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي رأي في النقد ، يعطي الناقد حق اختيار الزاوية التي ينظر منها إلى العمل الأدبي ، وهي لا تحاسب الناقد إذا هو شرح ناحية معينة من العمل ولم يتعرض للناحية الأخرى.. ثم هي لا يعنيها إذا اختار الناقد المنهج الذي يعنى بنقد النصوص مستقلاً عن علاقته بظرف الأديب وحياته وتاريخه.. لأنه يكون بذلك قد اختار منهجاً معروفاً له مؤيدون ومدافعون عنه ، أما إذا اختار منهجاً تحليلياً يستمد مقدماته من دراسات علم النفس والزمن والبيئة.. فهذا أيضاً منهج معروف له أنصاره..
ولا يعنيها ثالثاً أن يتعرض الناقد للناحية اللغوية والعروضية ، مهملاً كل ما عدا ذلك.. فهي تفصل بين نقد اللغة والنقد الفني ألتقييمي.. وهذا أيضاً لون من النقد مستقل خاص له أصحابه .
ولذلك.. بناء على هذه التسهيلات والحقوق التي تمنحنا إياها الشاعرة المثقفة في شعرها ونقدها ودراساتها ، فإننا نبيح لنفسنا حق اختيار الزاوية التي سنطل منها على (العودة من النبع الحالم) ، مع أننا لا نوافقها على كل ما جاء في مناهجها من النقد..
أول قراءة للديوان تقول لك : إن الشاعرة تغرف فنها وشعرها من نبعين..
_______________
* الجديد ، العدد 10 ، تشرين أول 1961 .

 

 

 

 

الأول.. داخلي وهو تجربتها الذاتية .
والثاني.. خارجي.. وهو تجربة الشعب ممتزجة مع تجربتها الذاتية..
سأهمل هنا الناحية الأولى لسببين :
الأول.. ضيق المجال..
والثاني.. تجاوبي الأكثر عمقاً وحاسية مع قصائد سلمى المستمدة من تجربة الشعب المحللة بذاتها.. لأنها تخلو من حشد الصور الضبابية الكثيرة الازدحام والتوتر لدرجة الضياع.. والمليئة بالأسف والشكوى.. وتضايقي من فلسفة الذات المكررة.. والتي لا تنفك تشكو من متاعب الحياة وعدم جدواها.. ومن عجز الإنسان أمام ما يعترضه من مشاكل الزمن والطبيعة.. وغيرها من الشكوى والفلسفة في الحياة التي لا تزيدها إلا غموضاً وطلاسم..
مع أن قصائد كثيرة عند سلمى من هذا اللون لا تخلو من الزخم الموسيقي والانفعال الحار المتوتر مثل قصيدة (الرحيل).. والرقة والعذوبة مثل قصيدتي (يا قمر) و (انبعاث).. والدفء والعمق مثل (عطاء)..
هذا بالإضافة إلى أن شعرنا العربي أكثر ما يكون بحاجة إلى الواقعية التي تستمد من تجارب الشعب.. بعدما أتلف آلاف السنين من عمره شارداً تحت القمر يغني لذاته على موعد مع الضياع..
والحركة الواقعية في الشعر العربي الحديث هي من أبرز ظواهر التفاؤل في مستقبله وبقائه..
وسلمى الخضراء الجيوسي.. واحدة من شواعر ثلاث يحملن راية الشعر الحديث.. نازك الملائكة.. فدوى طوقان.. وسلمى الجيوسي..
وسلمى.. حين تتحدث عن تجربة الشعب لا تستطيع الانفلات من تجربتها.. لأنها ابنة هذا الشعب الذي أصيب بأعمق جرح عرفته الإنسانية.. فهي شاعرة فلسطينية شُرّد أهلها وأقاربها وأعمامها . فجمعت صور هذا التشرد والجوع والأمل الضائع لترسمها في لوحات من رائع الشعر المعاصر.. وسلمى تعتمد في شعرها اعتماداً ملحوظاً – وإن لم يكن دقيقاً – على التشخيص.. والتشخيص من أهم العناصر التي تضمن للشعر البقاء والعمق..
والشعر العربي الحديث يحاول بكل جدية وإخلاص أن يتخلص من التقريرية والخطابية اللتين رافقتاه طوال رحلته البعيدة من الصحراء حتى أبواب هذا القرن.. ويحاول أن يقدم موضوعه بلوحات وصور تعتمد على رسم الظلال والرموز بطريق الموسيقى.. ويعبئ الكلمة بشحنة ثقافية أو شعورية تؤدي حاجة ملحة للتعبير..
وسلمى الجيوسي.. تمكنت من وصول الذروة في قصيدة واحدة اعتمدت فيها اعتماداً باهراً على القصة الشعرية والتشخيص.. فكانت مزيجاً من الحكاية والمذكرات والخواطر.. والتقريرية.. كيف ؟
يظن بعض القراء أو حتى بعض النقاد أن التقريرية أو الخطابية عنصر خطر على الفن الشعري .
هذا الظن صحيح إلى حد تبدأ منه روعة الخطابية إذا أحسن استعمالها والتغلب على استعبادها بحيث تصبح وسيلة.. ففي قصيدة سلمى الرائعة (بلا جذور) تروي ذكرياتها مع ابن عمها حسيب.. الذي شردت معه في ((الذرى الخضراء)).. و ((جزعا لانفلات الشمس خلف المنحنى)) وبضميرها ((عبق من ورق التين الذي ظللهما)) ثم تسأله عن أخباره بعد أن أصبح لاجئاً.. تقول :
ولقد عشنا معاً في أرضنا
ولقد كان ابن عمي
زينة الشبان في قريتنا
ما الذي جمّده
لم يكن ميتاً.. أنا أعرفه
فلقد شدنا أمانينا معاً..
وتظاهرنا مع الجمع الغفير
وهتفنا ملء إيمان الضمير
ملء أصداء الرحاب :
(يا بريطانيا لا تغالي
لا تقولي : الفتح طاب
سوف تأتيك الليالي
نورها لمع الحراب!)
هذه الأبيات الخطابية الأخيرة اكتسبت روعة عندما أوردتها الشاعرة في سياق التجربة.. أوردتها وسيلة للتعبير ولم تكن غاية تقصد لذاتها.. لا تريد أن تؤدي بها معنى بل تعبيراً عن شيء أهم..
* * *
والقصيدة في الواقع لوحة قصصية إنسانية حشدت فيها سلمى زخماً عاطفياً وموسيقياً بقالب فني كامل ..
وموضوع اللاجئين ، يمتاز ببراعة ووصف الحزن والبؤس والتمزق الذي يعيشه اللاجئون.. كل هذا يعتمد على وصف الذكريات.. ويعتبر بعض الشعراء المعاصرين.. يعتبر الشعر (فن الذكريات) .
وسلمى في هذه القصيدة استطاعت أن تبكيني بكلمات صغيرة بسيطة لا تسرف ولا تبالغ :
أرسلي غولك شرقا
كل أعمامك أمسوا لاجئين
فتنهدت مليا.. وتحرقتُ عليهم
ثم أرسلت لأعمامي ثيابا
كنت قد جمعتها للسائلين
*
وقروشاً لزجة ، لا وهج فيها أو رنين
ودموعاً ودموعاً ودموعاً وأنين..
وزبيباً كان عندي.. لم نكن نأكله
*
منذ ذاك اليوم لم أمنح قروشي سائلا
فبنو عمي أمسوا لاجئين..
أرأيت ؟ إنها لم تعط السائلين ثيابها.. لأن أبناء عمها أحق السائلين بهذه الثياب.. أو لعلهم مضطرون أو محتاجون أكثر من السائلين لهذه الثياب.. فهم لاجئون.. وأقسى تعبير من الجوع هو هذا الزبيب الذي كانوا لا يأكلونه.. لا يأكلونه لماذا ؟ لأنه لا يصلح للأكل.. فلمن يصلح إذن ؟ للسائلين.. وأبناء عمها اليوم أصبحوا أكثر حاجة لهذا الزبيب الذي لم تكن تأكله..
وتقول سلمى إن شخصيات العم وابن العم والجد شخصيات خيالية أدخلت لتصوير التمزق والحيرة واللاإنتماء الذي يشعر به اللاجئون.. فالعم جاع ثم أشبعوه شهراً من قراهم ! ثم (أسلموه للكون الكبير)..
وابن العم أصبح عازف النظرات.. فارغ الصبر ، كلما ساءلته الشاعرة ليحدثها عن ذكرياته معها قال : ((أنا غريب)) !
والجد.. يبدد شعوره بالتمزق والحيرة بظاهرتين :
الأولى.. كان شعوره يتلخص في حب الشاعرة الطفلة ويغني لها يوم كانت طفلة ويعلمها الشعر القديم ويحميها من غيظ أبيها ، والثاني.. الإيحاء الديني.. فقد كان يعلمها بالإضافة إلى الغناء والشعر القديم ((أصول الدين والذكر الحكيم)) . هذان الشعوران.. الديني والدنيوي.. استبدلا.. فعلاقة الجد بالشاعرة قد تغيرت..
قلت : يا جدي.. سلاما وهدى .
قلت : يا جدي.. نشدناك الرضى .
قلت : يا جدي.. أما تعرف صوتي
أو لم يبعث بذكراكم صدى..
قال لي جدي : ((قومي واتركينا !))
وُقرت أسماعنا
والصدى جرح بأعماق الضمير..
كنت رددت لك الرجع المرير
لو تمكنت على النطق ، فقومي ودعينا
أنت لا تدرين معنى الصمت في قلب كسير .
بالطبع.. لم تتصور الشاعرة من جدها الذي تسند على صدره رأسها.. لم تتصور هذه الصدمة.. فلم تقل كلمة.. بل دفعت دفعاً لاستعادة أغنية قديمة كان يغنيها لها لما كانت طفلة.. وبهذا الهروب استطاعت سلمى أن تجيب أروع جواب على الصدمة . وكذلك الشعور أو الإيمان الديني فتر في قلب الجد أيضاً.. فحين :
علا صوت المنادي للصلاة
قلب جدي غافل لن يسمعه
* * *
وفي اللوحة يبدو الأطفال الذين كانوا أزهار المأساة.. الأطفال الذين ((وُلدوا دون جذور ، أو غد)) .
وبكى طفل وغالى في بكاه
لم يجد من رشفت بالشفتين أدمعه
صاح عمي : أخرسوا الطفل العليل
واسألوا جارتنا أن ترضعه
أمه غالته والطفل هزيل
أنا لن أحرق أيامي معه..
وروعة القصيدة لا تقف عند حد التصوير والموسيقى والعاطفة الساخنة دائماً فحسب ، فالشاعرة أدخلت إلى القصة أغنية شعبية باللغة العامية.. اتخذتها ملجأ تهرب إليه كلما عجزت عن الصمود أمام الأزمة النفسية :
بلدتي يا عالية.. وبرأس تلة
طفلتي يا غالية.. يا زر فلة..
فتكررها أربع مرات متتالية بانفعال عاطفي مؤثر..
* * *
ولكن ليس كل ما جاء في الديوان رائعاً مثل هذه القصيدة.. وليس هذا يعني أن شعر سلمى يخلو من الثغرات الفنية..
فالشاعرة سلمى مغرمة غرماً مسرفاً بالشرود والضبابية في أكثر قصائد الديوان وخاصة الذاتية غامضة ومغلقة عن عمد بستار ضبابي كثيف.. وهذا ما لا أحبه عند سلمى.. صحيح أن الرمز من العناصر الهامة التي يرتكز عليها بناء الشعر الحديث.. فالرمز وسيلة فنية راقية تعمّق الشعر.. وصحيح أن الغموض الذي يخلقه الرمز يتيح للنفس فرصة للتأمل.. وتمنح الشعر جمالاً وحلاوة .
ولكن ليس كل غموض جميلاً ، خاصة عندما يكون ضحلاً لم يخلقه إلا العجز.. أو عندما يكون ظلاماً وتشويشاً على النفس كما يحدث كثيراً في شعر سلمى.. إذ يصبح أقرب ما يكون إلى الغيبية.
وبعد ليس هذا كل ما جاء في ديوان سلمى الأنيق.. ولكنها لمسات سريعة نرجو أن تكون قد أعطت فكرة عن شعر سلمى..

 

 

 

 

2

 

 

 

 

مدينة بلا قلب..!
الشاعر الانجليزي المعروف ت. س. إليوت قال عن المدينة إنها ((وحش ضرير أو هوة للموت تبتلع من فيها ، وتحيل الفرد إلى قزم)) .
ومن هذا التعريف الصارخ للمدينة الحديثة التي يضيع فيها الإنسان.. نستطيع أن نعثر على طرف الخيط الذي يمسك قصائد أحمد حجازي في ديوانه الرائع (مدينة بلا قلب).. والديوان أولاً.. وقبل أن نبدأ في استخلاص ملامحه ومميزاته أو قبل أن نعرض لمأساته.. لأنه في الواقع مأساة إنسانية تخلقها المدينة.. نود أن نشير إلى ظاهرة جديدة في الشعر الجديد.. ظاهرة نشير إليها ونتركها بدون تعليق..
فهذا الشعر بعد أن تخلص من التجزئة الفكرية للقصيدة واعتمادها على البيت .. أصبحت القصيدة وحدة كاملة.. لا تجزئة فيها ولا انقسام.. ليس هذا ما أريد قوله.. ولكني أريد أن أمضي إلى أن الشاعر تجاوز حد وحدة القصيدة إلى وحدة الديوان..
فقبل ديوان أحمد حجازي الموحد ، طلعت علينا دواوين تحمل هذه الظاهرة.. قصائد
الديوان كلها مستمدة من المدينة..
والمدينة بما تتسم به من قسوة وضياع وقلق وازدحام ، هي المصادر التي يحس منها حجازي بالقسوة والضياع والقلق.. فهذا الشاعر الذي عاش في القرية.. قرية محدودة يعرف الناس فيها طعام بعضهم.. ويحسون بمشاكل بعضهم.. ويفهمون كل شيء بالفطرة والبدائية.. هذا الشاعر دفعه طموحه إلى الرحيل عن هذا العالم المحدود..
وأحس نفسه في القاهرة.. مدينة الأنوار حوله فإذا به ضائع هناك.. لا صديق ولا رفيق.. وهنا يقف الشاعر الغريب مصوراً فطرة القروي الذي يصحو على نفسه فجأة في دوامة الضوء والضوضاء..
كل شيء غريب هنا.. كل شيء مغاير لعالمه الصغير الآمن هناك.. ويلتقي بمشاكله الصغيرة.. المشاكل المادية.. التي تكون فيما بعد سر أزمته المأساوية.. فماذا يعمل هذا المهاجر الذي لا يملك إلا الشعر ؟ فأصبح هذا الشعر عنده وسيلة من وسائل التعبير عن شعوره الغريب.. ويبدأ بتصوير ما يخيفه.. ما يخيف الإنسان الخام الذي يرى القطار لأول مرة.. والناس العجيبين الذين يختلفون عمن يألفهم :
الناس يمضون سراعا
لا يحفلون
أشباحهم تمضي تباعا
لا ينظرون
حتى إذا مر الترام
بين الزحام
لا يفزعون
لكنني أخشى الترام
كل غريب ههنا يخشى الترام..
ثم.. ما هي خصائص المدينة.. ؟ وما هي الأزمات الخارجية التي يصطدم بها
فتتولد أزماته وجراحه الصغيرة..؟
أشد ما يدهشه.. ما يدهش هذا القادم من الريف ، هو الغربة التي يشاهدها بين الناس.. فلا أحد يكلم الآخر ولا يحييه..
الناس حولي ساهمون
لا يعرفون بعضهم.. هذا الكئيب
لعله مثلي غريب
أليس يعرف الكلام
يقول لي.. حتى.. سلام..
وفي قصيدة (مقتل صبي) تتأزم هذه المأساة بصورة مفجعة أكثر.. صبي تدوسه عربة.. فلا يلتفت إليه أحد.. ولا أحد يعنيه أمره.. لأن الناس في المدينة غرباء لا يعرفون بعضهم.. ولأن السرعة تحدد حتى إنسانيتهم.. فالسرعة من أهم ما يزعج أحمد حجازي ويرد إليه الأزمات :
العجلات صفرت.. توقفت
قالوا : ابن من ؟
ولم يجب أحد
فليس يعرف اسمه هنا سواه
فالناس في المدائن الكبرى عدد
جاء ولد.. مات ولد !
ومن خلال كل هذا.. لا ينسى الشاعر الريف الذي عبأ منه قلبه حباً وروائح خصب.. فكلما شعر بالمأساة.. تذكر حالاً قريته.. التي لا تزال تحتفظ بنقاوتها وهدوئها وعذريتها.. ففي (مقتل صبي) لا يترك القتيل وحيداً بلا حنان.. بل يستورد صورة للحنان.. صورة انتزعها أو استقرضها من القرية النائية.. ذبابة خضراء تحوم على مكان الجثة..
وعندما ألقوه في سيارة بيضاء
حامت على مكانه المخضوب بالدماء
ذبابة خضراء..
جاءت من المقابر الريفية الحزينة..
والصور الجزئية والكاملة التي يصور لنا بها حجازي سرعة المدينة الحمقاء صور كثيرة يطفح بها الديوان.. خذ هذه الصورة :
أقدام لا تتوقف.. سيارات
تمشي بحريق البنزين..
وفي قصيدة نادرة أخرى يجمع الشاعر كل أسباب تألمه من المدينة .. إنه يلخص المدينة بهذه الكلمات التي يخاطب بها أباه الذي سافر ولم يودعه.. إلى مدينة مجهولة :
وكان أن عبرت في الصبا البحور
رسوت في مدينة من الزجاج والحجر
الصيف فيها خالد.. ما بعده فصول
بحثت فيها عن حديقة.. فلم أجد لها أثر
وأهلها تحت اللهيب والغبار صامتون
ودائماً على سفر..
لو كلموك يسألون : كم تكون ساعتك
رأيتهم يحترقون وحدهم في الشارع الطويل
حتى إذا صاروا رماداً في نهايته
نما سواهم في بدايته
وجدفت ساق الوليد فوق جثة الفقيد
كان من مات قضى ولم يلد
ومن أتى ، أتى بغير أب..
* * *
ويشتد شعور أحمد حجازي بالوحدة والوحشة والضياع.. فها هو يجوب شوارع المدينة.. يدوس على شعاع مصباح فضولي ممل.. ثم يسأله الحارس :
- من أنت يا.. من أنت ؟
الحارس الغبي لا يعي حكايتي
لقد طردت اليوم من غرفتي
وصرت ضائعاً بدون اسم..
وفي وسط هذه الأزمات النفسية يبحث الشاعر عن ملجأ.. عن امرأة.. بعد أن لم يجد صديقاً.. يريد أن يبحث عن الحب.. عن المنبع الذي يحمل إليه عطش عشرين عاماً لم يذق قطرة حب واحدة.. عطش ألهبه أنه يرى هذه الصورة أمامه :
العاشقون في الدجى الصافي ذراع في ذراع
وكلمة لكلمة.. وبسمة بلا انقطاع
إلا ذراعي لم يزل يهتز في ليل الضياع
وكلمتي أخاف أن يمضي الصبا.. ولا تذاع
ولكن الشاعر الحزين يلتقي بصخرة هائلة.. فالشاعر يفشل في حبه.. يفشل فشلاً واقعياً.. صارخاً ، كان من أبرز أسبابه التناقض الطبقي في المجتمع الذي يعيشه.. هو وأبناء جيله ، فالثورة لم تقض بعد قضاء تاماً على الفوارق الطبقية في المجتمع المصري خاصة في القاهرة..وهي المدينة التي يصطدم فيها أحمد حجازي بمأساته. هذا لا يقوله الشاعر بشكل صريح مباشر.. ومن قريب.. ولكنه يلمح إلى ذلك بالرمز من بعيد.. ويعتمد على القصة الشعرية اعتماداً كبيراً..
في قصيدة (الأميرة والفتى الذي يكلم المساء) قصة الفتى وهو الشاعر الذي لا يملك في الدنيا إلا القلب والشعر.. يلتقي بواحدة من المجتمع الأرستقراطي التي تتظاهر بحب الناس والفقراء.. هذا الإدعاء بهذا الحب الاشتراكي يرمز إليه حجازي بهذه الأغنية التي تغنيها :
قلبي على طفل بجانب الجدار
لا يملك الرغيف..
فيعتقد الشاعر أنه نجح في الحب.. وأن هذه الأميرة قد رضيت به رغم أنه (لا يملك الماس ولا الحريرا) :
ثم تسأله ما الذي تعطيه لي لو أننا عشنا معاً..
فيقول لها : ((سيدتي أنا فتى.. فقير
لا أملك الماس ولا الحريرا
وأنت في غنى عما تضم أشهر البحار من لآل
فقلبك الكبير جوهرة
وجدتها لما سمعت لحنك المنساب كالخرير
يبكي لطفل نام جائعا))
فابتسمت قائلة : لا أنت شاعر كبير
يا سيدي أنا بحاجة إلى أمير
إلى أمير..
وهكذا ينتهي هذا الحب الذي لم يبدأ.. أو هذا الأمل في الحب.. لتبدأ مأساة طويلة طويلة..
* * *
إلى هنا.. كانت هذه بعض خطوط ملامح أزمة أحمد حجازي الذاتية.. أزمته الخاصة.. ولكن حجازي شاعر إنساني ذو قلب كبير حساس ما في ذلك شك.. يأخذ التجربة العامة لمجتمعه ويصهرها في ذاته.. ويقدمها إلى الناس قصائد رائعة حقاً.. وهو شاعر ثائر واضح الثورة.. ثورة في مضمون الشعر.. وثورة في طريقة أداء هذا المضمون..
الفرق بين الشعر القديم والحديث هو باختصار.. أن الشعر القديم فكرة.. والشعر الحديث صورة وإحساس.. هذا في الشكل.. وفي المضمون ، أصبح الشاعر إنساناً بعد أن كان مغنياً أو واعظاً أو فارساً..
وكون الشاعر إنساناً.. ألقى عليه مهمات كثيرة.. مهمة حياة مجتمعه وإنسانيته.. فالشاعر مسؤول عن معرفة ما يدور في مجتمعه وعالمه والانفعال معه.. حيث انتهت كلمة : لا يعنيني !
وأحمد حجازي ، واحد من هؤلاء الشعراء الذين يخلصون لقضيتهم.. ، يخلصون
للكلمة لأنهم يرون فيها وسيلة هائلة من وسائل التعبير عن الذات والمجتمع من جهة.. ووسيلة من وسائل الخلاص في الأزمة النفسية من جهة ثانية.. ولهذا فقد تطلع حجازي إلى مجتمعه وأحس بقضاياه وأزماته.. ولكنه اختار من هذه الأزمات الشخصيات التي تشبه آلامها آلامه.. وقلقها قلقه.. ولهذا أصبحت جزءاً لا ينفصل عنه..
لماذا اختار الشاعر صورة جميلة بو حيرد في (القديسة) ؟
لماذا اختار صورة صلاح الدين الصباح في (بغداد والموت) ؟
لماذا اختار (الصبي) من بيروت ؟
لأنهم جميعاً من هؤلاء الذين يشاركونه الأزمة من أبناء جيله الراغبين أشد الرغبة في الحياة والعاجزين في نفس الوقت عن تحقيق تلك الحياة..
ويمضي الأستاذ الناقد رجاء النقاش إلى أن هؤلاء يمثلون في جانب من جوانب حياتهم أسطورة (سيزيف) اليونانية.. فسيزيف يريد أن يرفع الصخرة إلى القمة.. ويسعى إلى الوصول إلى قمة الجبل ، فإذا بالصخرة تتدحرج ، ويعود سيزيف إلى محاولته القاسية من جديد.. ولكن الأستاذ رجاء النقاش يسارع للقول إن هذه الأسطورة لا تنطبق على أبناء هذا الجيل من بعض الجوانب.. فالأسطورة تصور العجز عن البلوغ إلى غاية معينة ، وعدم جدوى الكفاح في سبيل تحقيق تلك الغاية ولكن الجيل الذي يعبّر عنه أحمد حجازي يعرف لنفسه غاية ، ولكن لا يعرف الطريق إلى تلك الغايات ، فالاضطراب والقلق والحزن تنبع كلها من التفكير في الوسائل.. إن جيل أحمد حجازي ، كما يبيّن النقاش – يعرف أنه يريد وضع الحجر على قمة الجبل ، ويعرف قيمة هذا الأمر تماماً ، ولكن الغاية السليمة ينبغي أن تتوفر لها الوسيلة السليمة أيضاً ، حتى لا يتدحرج الحجر كلما شارف بلوغ القمة.. هذا هو مصدر القلق إذن..
وأحمد حجازي حقاً شاعر فنان.. ينتبه انتباهاً عجيباً لكل الدقائق التي تبدو في الحياة تافهة لأول وهلة.. ويخلو من التعقيد والغموض المبهم خلواً باهراً.. وشعره أقرب ما يكون إلى النثر.. لا يعتمد على صخب الألفاظ وضجيجها ، عندما تجف عنده الصورة وتمحل ، كما يفعل كثير من الشعراء المعاصرين عندما تشل تجربتهم وتجمد.. بل يظل شعره هامساً منساباً .
وبعد.. فأهمية هذا الديوان المبدع تكمن في كونه نصراً كبيراً للشعر الحديث الذي أمن له في هذا الديوان عناصر هامة من عناصر البقاء..

 

 

 

 

3

 

 

 

 

" أعطنا حُبّاً.. ! "
.. وفي الوقت الذي ننادي فيه بواقعية الأدب والشعر.. وندعوه للنزول إلى واقع الحياة.. لا نتنكر بأي شكل من الأشكال لحقيقة هامة تبدأ من عندها حرية الشاعر وفتحة آفاقه التي ينطلق منها.. والحقيقة هي أن الشاعر حر في التغني بعاطفته ومشكلته الذاتية.. ونعترف كل الاعتراف أننا إذا ما حاولنا خنقها باعتدائنا على حق مقدس يتيح له حرية عمل مقدسة.. نكون قد فرضنا على الشاعر القيد الذي لا يرضاه.. والذي يشل كل إمكانياته وطاقاته الكامنة.. ولكننا في الوقت ذاته ، لا نستطيع إلا أن نحذّر من التورط.. وعدم استعمال هذه الحرية في المجال الذي خلق له.. المجال الذي يُحد بالواجبات والمسؤوليات الإنسانية ، والمشاعر الجماعية العامة.. التي يُشكل الابتعاد عنها عزلة ليست من واجبات الأديب وصفاته في شيء .. أي أنه يبعد في الخطأ من يظن أنّا حين ننادي بواقعية الأدب ، لا نعترف بحق الأديب بالتغني بمشاكله الذاتية الخاصة ، خاصة في مجال الشعر الذي خُلق للغناء أولاً.. فالشاعر مغني عواطف وحب قبل أن يكون حكيماً.. ولكننا نستطيع أن نطالب بواقعية هذا الغناء.. ولا نستطيع أن نمنحه حق الانعتاق الأعمى الذي ينطلق من حدود الإنسانية.. ولا يعترف بالمجتمع الإنساني على الإطلاق.. وشعاره أمام وقائع الحياة ونداءاتها : لا يعنيني !
فالواقعية في الأدب يمكنها أن تشمل كل ألوانه حتى في الغزل.. دون أن تخدش فنيته.. فالتغني بمشاعر الحب الإنسانية التي لا تدعو إلى السوداوية ، والانطوائية واليأس الشرس ، الذي يشوّه واقع ومصير الإنسان.. ، ولا تنادي بالغيبية السوداء
المتلبسة بلباس الفن العميق !
فهذا الغناء.. الذي يمنح الإنسان راحة نفسية ، ويصوّر له حب ، وجمال ، ووفاء الحياة ، واقعي بدليل أنه يخدم الإنسان ويؤدي وظيفة تقترب من وظيفة الموسيقى.. ولهذا.. فإن تخوّف (الحالمين) من الواقعية.. واتهامهم إياها بأنها تقضي على مشاعر الحب والعاطفة وتنادي بانصهار الفرد انصهاراً تاماً في المجموع.. هو ادعاء باطل..
لماذا أسوق هذا الكلام ؟
إنه مقدمة لرأي نقدمه بديوان ((أعطنا حباً)) للشاعرة فدوى طوقان.. و((أعطنا حباً)) هو من هذا النوع من الشعر الذي وهب نفسه للغناء.. للذات ومشاكل الحب والعاطفة.. والقلق والضياع ، والبحث وراء شيء من وراء الأفق البعيد .
والقصيدة الغنائية.. في كل لغة ، وعند أي شعب.. تعتمد على عنصرين هما من أهم العناصر التي تمنحها الحياة والبقاء..
العنصران هما.. الموسيقى.. والعاطفة.. وللموسيقى أكثر من مصدر واحد في القصيدة . فموسيقى الألفاظ متحدة مع بعضها في البيت.. وموسيقى الألفاظ التي تتحد في حرف أو حرفين عندما يشكلان ما ندعوه بالقافية..
وموسيقى حروف الكلمة ذاتها.. أو الموسيقى الخفية النابعة من احتكاك الحروف واتحادها..
هذه المصادر الموسيقية لا غنى للشعر الغنائي عنها.. كما لا يستطيع الاستغناء عن العاطفة أو حرارة الشعور الذي يهز القارئ.. ويدفعه أن يعيش الجو الخاص للقصيدة..
القصيدة الأولى
شعر فدوى طوقان
((.. وسألها : تحبينني ؟
ورنت إليه ولم تجب))
لا ، لا تسلني ، لن أبوح به
سيظل حبك سر أغواري
أعطيه من ذاتي ، وأمنحه
ما عشت عاطفتي وإيثاري
أسقيه من عطري ، أوسده
صدري ، أناغيه بأسفاري
* * *
لهواك كل مواسمي امتلأت
وسخت يفيض جنى وأزهار
لهواك آفاقي مرصعة
يزهو السنا في صدرها العاري
لهواك هذا الليل أسهره
نشوى ، أبيح الليل أسراري
أمضي مع الذكرى فتحملني
بجناحها للدرب ، للدار
وأضم أجفاني على حلم
متوهج الأنفاس ، معطار
* * *
ها أنت ، في عينيك عاصفة
تجتاحني ، وهبوب إعصار
ها أنت ، بحر راح يأخذني
في موجتيه أخذ جبّار
ها أنت ، ها أنا
قصة بدأت
مكتوبة في سفر أقداري
* * *
لا ، لا تسلني ، لن أبوح به
سيظل حبك سر أسراري !
وديوان فدوى – كما قلنا – هو مجموعة قصائد غنائية.. والديوان بمجموعه يمثّل قصة حب.. قصة حب رومانسية بدليل أنه حب فاشل.. فمن أهم ميزات الشعر الرومانسي هو بدايته بطريقة غامضة.. وانتهاؤه – بالطبع – إلى مصير غامض.. إلى مصير فاشل.. وفي هذا الطريق الممتد من نقطة الغموض حتى المصير الفاشل.. كان لا بد من رحلة غامضة.. رحلة وراء القلق والضياع ، والبحث عن أشياء غامضة تخلقها المشكلة النفسية لتتسلى بها عن مشكلتها.. أو لتزيدها غموضاً وتأزماً.. ثم لجوء الشاعر إلى أحضان الطبيعة في مواقف متعددة.. لجوؤها بطريق مباشر.. أو بطريق ملتو يتمثّل في حبه ومناجاته لأشياء منتزعة من الطبيعة..
ولكن الشاعرة فدوى طوقان.. تتخلص من الرومانسية بمعناها الضائع (الميت).. الذي كان سائداً في أوج انتصارها قبل نصف قرن تقريباً.. فإن فدوى تجمع إلى جانب الرومانسية لمحات باهرة من الواقعية ممتزجة بمواقف فلسفية تأملية..
وهذا هو المنفذ الوحيد الذي تتسرب منه فدوى من الرومانسية التي لا تجد لها مكاناً محترماً في الشعر الحديث.. فحب فدوى غامض إلى حد غير خطير.. غامض إلى حد يمنحه نعومة وحلاوة.. فأنت تفهم هذا الحب ، ولا تفهم مسبباته وجزئياته.. وفي الواقع ، ليس من حقنا أن نتدخل في دقائق أي حب.. تكفينا صورة منتزعة من عاطفة معينة يحس بها الشاعر ويشرك القارئ بهذا الإحساس.. والعاطفة التي ترويها لك فدوى بهدوء واطمئنان ونعومة وليونة ظاهرة بوضوح ، ليست عاطفة أنانية انطوائية ، صحيح ، إنها عاطفة فدوى ذاتها.. ولكنك تقرؤها وكأنها عاطفتك الخاصة.. لا تشعر أبداً أن فدوى طوقان أنانية في رواية قصة حبها.. بل أم ذات قلب طيب توزع الحب لكل إنسان بخجل لطيف..
اقرأ هذه الأغنية الحلوة حيث (تلعثم) اسم حبيبها.. ألا تشعر يا عزيزي أن هذا أيضاً هو اسم حبيبك الذي تخجل أن تقوله بصراحة :
اسمك ؟ يا تنهيدة الورد
تعبق في نداوة الحرف
اسمك ؟ يا طلة فجر على
تعثري في عتمة الدرب
يا نغماً أصحو وأغفو على
رنينه المحبب العذب..
أقول ؟ لا أقول ، لي وحدي
اسمك لي.. يا كلمة ما تني
تجاور اسم الله في قلبي
وتمضي قصة الحب على هذا النحو من الهدوء والقلق الناعم مروياً بصور جزئية.. لأن هذا الشعر غناء.. والغناء في الشعر يقدّم بالصور الجزئية.. والموسيقى..
اقرأ هذه الأغنية الثانية التي اكتملت فيها كل مقومات الشعر الغنائي..
الحبيب وعد بزيارة ، فأي جو جديد خلق بهذا الوعد ! وأي دنيا جديدة ، تعيش فيها الشاعرة.. دعها تروي لك :
يزورنا في الجمعة المقبلة
وددت لو أفرش عيني له
وددت.. كم وددت لو في يدي
مملكة الضياء.. لو في يدي
أشيد من نجومها سلما
لدارنا..
أشيده من أجله حينما
يزورنا..
وتنتهي الأغنية عند هذا الموقف القلق ، الذي يكسب الشعر كثيراً من الجمال .
وددت ، كم وددت ، لكنما
هذي أنا
ما في يدي من أجله إلا
قصيدة جذلى..
وأخيراً.. تنتهي قصة الحب الناعمة العاثرة.. هذا الحب الواضح الذي لا التباس فيه ولا غيبية.. سوى لمحات خفيفة من الغموض والقلق والخوف..
ولكن فدوى تفسر هذا الحب.. فهو ليس مجرداً مطلقاً أعمى.. ولكنه حاجة نفسية داخلية :
الهوى كان ملاذاً وهروب
من ضياعي وضياعك
كان لاستقرار نفس لقيت نفساً وروح
عانقت روحاً ، لإرساء قلوب
عند بر آمن يمنحها دفء الحياة
والهوى.. كان ليعطينا الرضى والبسمات
ولينسينا جراحات الليالي الموحشات
لا ليرمينا على صحراء تيه
وفراغ وموات..
الهوى كان لنبني ولنعطي
خير ما فينا
ليفنينا..
وحيل النور والخصب ظلاماً ورماد
في أغانينا..
وهنا.. تفترق الشاعرة فدوى طوقان افتراقاً باهراً وبعيداً عن الرومانسيين.. فهي شاعرة حب ولكنه حب واقعي له خطوطه وملامحه وحدوده الواضحة.. ثم.. هو بناء وليس فناء.. وملاذ من الضياع.. وليس طرقاً إليه.. كما يلذ للرومانسيين أن يفسروه.. وهو ليعطي الهوى والبسمات والنور.. لا ليفتح الجروح.. وليعصر الظلام في الكلمات والنفس.. ويشق طريقاً إلى الصحراء والفراغ والموت.. ولهذا فالشاعرة تبعد عن الشعراء الرومانسيين الذين آلوا على شعرهم أن يكره الحياة.. وأن يعبس.. ويضيع.. ويرمد النور..
ولا تقف فدوى عند هذا الحاجز.. بل تمضي إلى أبعد فأبعد في تفسير مواقف حبها وأسبابه ونتائجه :
انتهينا يا رفيقي
حبنا كان استغاثات غريق بغريق
لم تكن تملك لي شيئاً.. ولا كان لدي
لك شيء..
أنت تدري.. لا تسل عن حبنا
نحن حاولنا.. ولكنا فشلنا..
* * *
وأخيراً.. لن يفلت الديوان من دون ملاحظات..
أولاً.. أحب أن أسأل لماذا تحررت الشاعرة هذا التحرر الذي جاوز حدوداً كثيرة لبناء الشعر الغنائي ؟ مع أن كثيراً من شعرنا الغنائي.. والذي كتب على العمود الكلاسيكي للشعر لم يستطع غبار العصور أن يطمس معالمه.. وظل تراثاً خالداً في مكتبة التاريخ.. قد نجيز للشاعر أن يفلت من قيود القافية الواحدة ، والتفعيلات المتساوية للقصيدة ، إذا حتمت التجربة الجديدة ذلك والتي لن ترتاح إلا في هذا القالب..
وتحرر فدوى طوقان المتطرف في هذا الديوان أوقعها في أزمة الشعر العربي المعاصر.. فلم تستطع الشاعرة أن تحافظ على موسيقية شعرها في بعض القصائد التي انفلتت انفلاتاً بعيداً من القوافي والتفعيلات.. فجاء بعضها مشوشاً جافاً.. وبشكل مفضوح عندما تندفع وراء التأمل الفلسفي مهملة ما عدا ذلك.. أي عندما تبحث عن الفكرة على حساب الصورة.. والشعر والعاطفة.. كل هذا يبرز في القصيدة الفلسفية (لا مفر).. فالشاعرة تريد أن تبرهن نظرية حول الجبرية.. فهي لا تؤمن بجبرية تأتينا من الخارج.. وإنما الجبرية تكمن في داخل الذات ، هي جزء لا
ينفصل عن النفس ، ومن هنا مأساة وجودنا الإنساني..
كان بإمكان الشاعرة ، أن تثبت نظريتها بطريق غير مباشر ، يرسم صورة للذات القلقة التي لا تعرف سر هذا القلق الداخلي الذي لا يلمس . ولكن فدوى قدمت كلاماً عادياً مباشراً يخلو من العاطفة والحرارة والشعر :
لو أني رجعت صغيرة
لحولت مجرى حياتي
لغير خط اتجاهي
وحررت ذاتي..
وما كنت أسلك نفس الدروب
دروبي الوعرة..
والملاحظة الثانية أن فدوى تتجاوز أحياناً منطقة الرقة والعذوبة حتى تصل إلى الركاكة في التعبير.. وتعزز هذه التهمة وتزيدها وضوحاً القصائد المكتوبة على الطريقة الحديثة.. بحيث تبدو خالية من كل شيء ينتسب إلى الغناء .
والملاحظة الثالثة هي أخطر ما يواجه شاعرنا المعاصر.. وهي التكرار.. إن فدوى تكرر بشكل خطير.. وأكاد أتطرف وأدعي ، لولا قصائد قليلة – أن ليس في ديوانها شيء جديد.. فما قالته في ديوانها الأول ((وحدي مع الأيام)).. وفي ديوانها الثاني (وجدتها) ترجمته هذه المرة.. وصاغته بالشكل الجديد للشعر ، وقدمته في ديوان جديد الاسم وهو ((أعطنا حبّا)) !

 

 

يتبع....



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 55

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة