New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

حيث يعيش الظل - جمانة حداد

 

26/04/2014 17:22:00

جمانة حداد

لا أحتاج الى تذكّر محمود درويش،شاعراً وشخصاً، لأنه مقيم في وجداني، وفي ثقافتي، وفي الحياة، وفي الأدب، وخصوصاًفي الشعر. بل في القصيدة.
لن أقول إنه مقيم في أرضه فلسطين، وهي أيضاً أرضي،فذلك من باب تحصيل الحاصل. ولا أحبّ أن أذكّر ببديهيات كهذه.
هذا هو مقام محموددرويش.
مَن يقوم هذا المقام، فلا خوف عليه من عوادي الزمن، ولا خوف على أدبه منالإهمال والإغفال والتناسي.
لم أكن أراه، أو ألتقي به كثيراً، لكنه كان مقيماًفي المتن لا في التفاصيل. مَن يكون مقامه هنا، وهكذا، فغيابه وإن يكن مفجعاً ومبكراً، لا يُفسد لاستمرار إقامته قضية.
شأنه في ذلك شأن الأدباء والأشخاص الغائبين، الذين لا يغيبون، لأنهم مقيمون في المقام الذي لا يبرّحه نقصان.
غائبون، ويجعلهم غيابهم نازلين أعمق في البئر المتراكمة. كما لو أنهم لايقيمون في مكان خارجي، مبدّد، قد يصبح، يوماً، عرضةً للتغيّر والتبدّل، أوالاندثار.
هذا النوع من الإقامة، قد لا يكون معايَناً تحت المجهر، ومرئياً بالعين المجرّدة، أو من خلال صخب اللغة. لكنه نوع من الإقامة طويل الأمد، متين،راسخ، لأنه مقيم تحت الجلد، تحت جلد القول لا على سطحه، أي في اللحم الحيّ للغة والوجدان. ومقيم تحت الضوء، في النسغ، في الوادي، حيث يحلو للظلال أن تقول للشمس تعالي، لتعاين جسامة النور المشعّ وحضوره الدفين من غير شمس.
نحن في الذكرى الثانية لمحمود درويش.
ربما نكون في العلن الأدبي الصاخب منشغلين بأمور أخرى. هذا أيضاً، وإن بدا إهمالاً لمحمود درويش في الظاهر والشكل، لا يفسد لاستمرار إقامته النوعية قضيةً.
فهو يقيم بين هؤلاء الذين لا تعتري إقامتهم قشعريرة زمن. يقيم حيّاً في الأدب والوجدان، في الهواء الحرّ، جنباً الى جنب مع هؤلاء الأحياء،وهذا على الرغم من أنه وإياهم قد ماتوا جميعاً بالجسد، وقد ماتوا عميقاً وكثيراً. يا للألم الشديد!
أن لا يكون محمود درويش يقيم معنا الإقامة الحسية، فنراه،ونلتقيه، ونقرأه، ونستمع اليه، ونتحاور وإياه، ونتبادل معه الأنخاب والأوجاع وسوىذلك من أمور الدنيا، فذلك ليؤلمني الألم الحقيقي. لكن محمود درويش يقيم حيث يليق به أن يقيم، وراء الوقت العابر، والمكان العابر، في المكانين اللذين يتمنى كلٌّ أديبأن يقيم فيهما أبداً، بعد انتهاء الأعمار: الأدب الحقيقي والوجدان الحقيقي. مكانانيجعلان الموت منتصَراً عليه، قليلاً أو كثيراً، ويجعلان الحياة مَعيشةً كما لايُعطى لأحد أن يعيشها في الواقع.
نحن في الذكرى الثانية لغياب محمود درويش.
هذا صحيح. صحيحٌ أيضاً أن الشاعر والصديق غادر الى غير رجوع، لكن الصحيح الصحيح أنه مقيم هنا والآن. وغداً. شأنه شأن الذين أعمارهم من أعمار الأدب والوجدان ومن أعمار... ظلالهما الغامرة.
•••
يا لاعب النرد، نحن مثلك نلعب.
مثلك نحن نتعلّم الخسارة.
ما لم نتعلّمه بعد، ولن، خسارتنا لك أنت.


جمانة حداد - جريدة النهار



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 37

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة