New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

كيف انطلق محمود درويش؟.... وإلى أين وصل؟- بقلم: عبد الله الحوراني

 

03/01/2016 17:44:00

عبد الله الحوراني

وصلت مكانة شاعرنا الكبير الراحل محمود درويش حداً عالياً من التقدير والتقييم، بحيث قورن بشاعر العربية الأول أبو الطيب المتنبي فسمي "متنبي العصر" وهو لقب لم يحظ به من شعراء العربية المعاصرين غير شاعرين اثنين هما الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري، وشاعر عراقي آخر هو الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد الذي تجاوز الآن الثمانين من عمره. غير أن شهرة محمود، وانتشار أشعاره على مستوى الوطن العربي والعالم فاقت بكثير - لأسباب متعددة - مكانة هذين الشاعرين العربيين. وقد بدا ذلك واضحاً في حجم ما كتب وقيل عن محمود بعد رحيله. لكن معظم ما قيل وكتب كان حول الجانب الإبداعي في شعر محمود، بينما لم يجر التركيز كثيراً على الظروف التي أحاطت بمحمود، والحياة التي عاشها، والتي ساهمت في صنع إبداعه وانتشاره. ولهذا سأتناول هذا الجانب في حديثي هذا عن محمود.

بالتأكيد أن انطلاقة محمود الشعرية جاءَت نتيجة موهبة إبداعية تمتع بها منذ ميلاده، واقترنت بذكاء وحيوية وسرعة بديهة. وكان رحمه الله ينسب هذه الموهبة إلى والدته التي حظيت باهتمامه الكبير وخصها بالعديد من قصائده بحيث أعطت هذه القصائد معاني كبيرة لقيمة الأم، كل أم، وأصبحت عنوانا لمعنى الأمومة يتردد شعراً وغناءً على كل الألسنة.

أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر فيّ الطفولة

يوماً على صدر أمي

وأعشق عمري لأني

إذا مت أخجل من دمع أمي

لكن موهبة محمود لم تكن وحدها من صنع مكانته الشعرية وصعد بها إلى أعلى القمم. بل كانت هناك مجموعة عوامل غذت هذه الموهبة ووجهتها وأطلقت إبداعاتها.

كان من أول هذه العوامل، بقاؤه في أرض الوطن، واستمرار حياته وعيشه فيها، وتعرضه مع شعبه للاضطهاد والتفرقة العنصرية من قبل دولة الاحتلال الصهيوني، وعدم السماح له ولأهله بالعودة إلى قريته الأصلية "البروه"، مما جعل منه مهجراً داخل الوطن. فتواجدت لديه حالة من القهر أطلقها شعراً وتحدياً في وجه قوى الاحتلال، منها قوله:

أقول للمحكم الأصفاد حول يدي:

هذي أساور أشعاري وإصراري

في حجم مجدكم نعلي

وقيد يدي في طول عمركم المجدول بالعار.

كما كان للثقافة السياسية والوطنية، وتربية الحفاظ على الهوية الوطنية التي تلقاها محمود دور هام في تكريس شعره نحو الوطن وقضيته. فقد انتمى محمود منذ شبابه لما يسمى "الحزب الشيوعي الإسرائيلي" وهو حزب لم يحمل صفة "الإسرائيلي" إلا لأنه موجود في "دولة إسرائيل" بينما هو في الواقع حزب يشكل عرب فلسطين الذين بقوا في أرضهم في دولة الاحتلال "الإسرائيلي" الأغلبية الساحقة من أعضائه، وهو امتداد لعصبة التحرر الوطني التي كانت قائمة في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني. وقد كان لهذا الحزب ولقياداته العربية أمثال توفيق طوبي، وإميل توما، وإميل حبيبي، وتوفيق زياد، وكثيرين غيرهم، دور أساسي في تثبيت عرب الجليل والمثلث والنقب في أرضهم وعدم الرحيل عنها، والدفاع عن حقوقهم، وتربية أجيالهم على التمسك بهويتهم القومية العربية، والحفاظ على تراثهم الوطني. وكانت الهوية القومية وحدها هي الجامع بين عرب الداخل، بكل أطيافهم الدينية والمذهبية. وهي الراية التي رفعوها في وجه ما سمي بالقومية اليهودية والصهيونية. ولهذا أنشد محمود قصيدته الشهيرة بعنوان "سجل أنا عربي" ولم يقل سجل أنا فلسطيني.

وفي قصيدة أخرى بعنوان نشيد قال:

سنخرج من معسكرنا ومنفانا

سنخرج من مخابينا

ويشتمنا أعادينا

"هلا.. همج هم.. عرب"

نعم.. عرب

ولا نخجل.

وقد ساهمت هذه الحياة التي عاشها محمود درويش وشعبه، في ظل الاضطهاد العنصري الصهيوني، والثقافة الوطنية والقومية التي تربوا عليها للصمود في وجه العدو، في تنمية القدرات الإبداعية، وانطلاقها، لدى العديد من الشخصيات في مجالات الشعر والرواية والفن عموماً. منهم إميل حبيبي، راشد حسين، توفيق زياد، حنا إبراهيم، سالم جبران، سميح القاسم، محمد علي طه، وآخرون كثر.

وكان من العوامل التي ساهمت أيضاً في تعزيز انطلاقة محمود الإبداعية، انطلاق الثورة الفلسطينية منتصف الستينات، والتفاف الشعب الفلسطيني والعربي حولها، مما فتح آفاق الأمل لتحرير فلسطين، ودفع بمحمود وغيره من الشعراء الفلسطينيين والعرب عموماً، لأن يجعلوا من المقاومة العنوان الأول والأهم لأشعارهم. مما عزز مكانته الشعرية وانتشاره الجماهيري الواسع.

كذلك تزامنت حياة محمود ونشأته الأولى مع مرحلة كانت فيها القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، وكان الفهم العربي لطبيعة الخطر الاستعماري الصهيوني يقوم على اعتبار هذا الوجود الصهيوني على أرض فلسطين تهديداً للأمة العربية وأراضيها ووحدتها وتاريخها وتراثها. وكانت حركة التحرر القومي العربي في أوج تصاعدها في مشرق الوطن العربي ومغربه. مما فتح آفاقاً أوسع أمام إبداعات محمود، وجعل منه شاعر العربية الأول في هذا العصر.

وكان لمغادرة محمود الأرض المحتلة عام 1970 - رغم أن البعض لم يتفهم ذلك، ولم يشجعه عليه-، دور هام في نشر الوعي بالقضية الفلسطينية في كل أرجاء الوطن العربي، وفي انتشار أشعاره الثورية أيضاً في أوساط الجماهير العربية. إذ أن القارئ العربي، وحتى أواخر الستينات من القرن الماضي، لم يكن يعرف شيئاً، أو ربما القليل فقط من أشعار شعرائنا داخل المناطق المحتلة عام 1948. وعلى ما أذكر، فإن كتاباً واحداً فقط تناول هذه الأشعار وأصحابها، كتبه ونشره في دمشق أواخر الستينات الشاعر العربي الفلسطيني الكبير يوسف الخطيب المقيم في دمشق. وقد ساهمت لقاءاته مع المبدعين العرب وعلاقاته بهم في تفعيل دورهم الثقافي في خدمة القضية الفلسطينية وتعزيز مكانتها العربية. ومثل هذا الدور لم يتح وقتها لغير محمود من شعرائنا الذين بقوا في الداخل.

ونتيجة لهذه الثقافة السياسية الوطنية والقومية التي عاشها محمود وتربى عليها، أدرك محمود معنى الفن بكل وسائله الإبداعية من شعر ورواية وقصص ومسرح.. الخ، ومفاهيمه الحقيقية. وارتباط الفن بالمجتمع والتعبير عن قضاياه السياسية والوطنية والاجتماعية. إذ أن القيمة الحقيقية للإبداع تأتي من ارتباطه بحياة الناس وهمومهم وقضاياهم. فالفن ليس للفن وحده، بل الفن للحياة. وعلى هذا الأساس كرس محمود مضامين شعره لقضيته الوطنية واهتمامات شعبه وهمومه، مما أعطى أشعاره بعداً جماهيرياً واسعاً في أرجاء الوطن العربي، وساهم في ارتفاع مكانته الأدبية والنضالية. وهو ما لم يحظ به العديد من الشعراء العرب ممن يسمون شعراء كباراً بسبب تكريسهم حياتهم الأدبية للفن ذاته، واهتمامهم باللغة وتطويرها فقط. ولذلك لا تجد لمثل هؤلاء الشعراء مكانة في ذاكرة المواطن العربي. بل ربما لا تسمع بيتا واحداً من أشعارهم يتردد على لسان المواطن العربي.

ولم يصل محمود لهذه المكانة الرفيعة التي وضعته في مقدمة المبدعين العرب والعالميين نتيجة اهتمامه فقط بالجانب الوطني في شعره. بل كان لإبداعه اللغوي والفكري دور بارز في وصوله لهذه المكانة. إذ اهتم محمود بتطوير لغة التعبير، والتحكم فيها، وترويضها. وبدا ذلك واضحاً في شعره وفي كتاباته النثرية، أو القصيدة النثرية - إذا جاز التعبير - منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. وهو ما ساهم في انتشار أشعاره وكتاباته على المستوى العالمي، وترجمتها لأكثر من عشرين لغة. ونادراً ما تجد شاعراً مثل محمود يحظى من جهة بهذه الجماهيرية الواسعة لدى المواطن العادي، وحتى بين الأطفال. ويتمتع من جهة أخرى بمكانة ثقافية وفكرية وإبداعية عالية بين المثقفين والمفكرين.

وعندما انخرط محمود درويش في العمل السياسي الرسمي حين انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1987، لم يقع في فخ الخلط بين دور السياسي التكتيكي الذي يتعاطى مع الحدث السياسي اليومي وينغمس فيه، ودور المثقف والمبدع الذي هو دور استراتيجي يتعاطى مع الأهداف الكبرى والأحلام والآمال. فقد يجيز السياسي لنفسه أن يدعي، أو أن يسمي ما يقوم به من تحركات واتصالات مناورة تكتيكية تفرضها ظروف الواقع، لتحقيق أهداف مرحلية في معركة طويلة الأمد. أما الثقافي فهو محروم من هامش المناورة. إذ ليس في قاموس الثقافة كلمة مناورة. هناك مناورة سياسية، وإعلامية، وعسكرية. ولكن ليس هناك مناورة ثقافية. فالمثقف يتعامل مع قيم مطلقة، ولا يمكن تجزئتها إلى أجزء ومراحل. وهو حامل راية الحق التاريخي، والمدافع الأول عنه، ومهمته أن يستخدم كل أدواته وأشكاله الإبداعية للتعبير عنه، وحمايته، وإحاطته بسور من المحرمات التي تمنع المساس بقدسيته.

وإذا كان السياسي يبرر موقفه بأنه يحرق دمه في البحث عن صيغة يدفع فيها أقل الخسائر، مقابل تحقيق أفضل الممكن. فإن الثقافي الذي هو ذاكرة الأمة ووجدانها وحارس روحها، لا يمكن أن يكون شريكا للسياسي في ما هو مجبر عليه، أو مضطر له.

هذا الفهم المتمايز بين دور السياسي، ودور المبدع الثقافي هو ما عمل عليه محمود درويش وتصرف على أساسه خلال تواجده في موقع سياسي قيادي. ولذلك غادر محمود موقعه في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عندما علم أن هناك اتفاقية سياسية تمت - وقبل أن تعلن - بين الجانبين الفلسطيني و"الإسرائيلي". (اتفاقية أوسلو). وهو الموقف نفسه الذي اتخذته عندما عرض علينا "اتفاق أوسلو" في اللجنة التنفيذية لإقراره، فرفضته وغادرت اللجنة التنفيذية بعد مغادرة محمود لها بأسبوع.

هذه المواقف عززت مكانة محمود السياسية، وكانت شبه رسالة موجهة للمبدعين الفلسطينيين والعرب عن التزامات المثقف ودوره الاستراتيجي في الحياة السياسية.

هذا هو محمود درويش، حياة وتاريخاً وإبداعاً ورسالةً، وهو ما سيبقيه خالداً فينا، لا يغيب عنا، حتى وإن غادرنا، وابتعد بجسمه عنا.

 

ملاحظة: معذرة إن كنت قد اكتفيت في حديثي بذكر اسم محمود دون لقب أو صفة. لأنني شعرت أنني أتحدث لمحمود وأخاطبه، ولا أتحدث عنه.

(ثقافة)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 84

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة