New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

محمود درويش لم يكن نبيّاً لكنّه صاحبُ رسالة بقلم : محمد كتيلة

 

02/01/2016 15:35:00

إدوارد سعيد - محمود درويش

إذا كان المفكر العالمي والفلسطيني 'إدوارد سعيد' عقل القضية الفلسطينية الواضح والساطع الرؤية بمعناها الحضاري والفلسفي وأبعادها السياسية فإن العبقري 'محمود درويش' ولا شك ، ضميرها الإنساني الحر والمخلص وشاعرها الثقافي بامتياز وعلى الإطلاق وباعتراف نخبة المثقفين في العالم وبمحبة الشارع العربي من محيطه إلى خليجه وبإعجاب قل نظيره من أعتى قيادات الحرب وأعداء الإنسانية وعلى رأسهم شارون . المبدع الرائع 'محمود درويش' لم يكن شاعراً عبقرياً وفذاً فقط ، كان وما زال ضرورة جمالية في المشهد الإنساني وللإنسانية جمعاء وفي المستوى الثقافي الأعم والمعرفي على وجه الخصوص... ضرورة مُلِحّة لقضية الشعر العربي وإشكالاته، كما أنه استطاع وبجدارة ملحوظة ورفيعة المستوى أن يكون وأن يبقى حاجة يومية للذائقة الإنسانية وخاصة الذائقة العربية والفلسطينية.
كان مَجْمعاً شعرياً متفرداً ونحاتاً لغوياً لايعرف التوقف أو القنوط ولا التراجع أو الانسحاب... يحفر بدأب بإزميله الذهبي ليصل إلى مكامن وخلاخيل اللغة، يقرع أجراسها في ثباتها وسباتها ويفترع نبرها وإيقاعاتها الجارية... أزال التراب وعفونته عن سطوح كهوفها وفي أعماقها، أحيا النضارة والجمال في كهولتها وكشف عن أسرارها، وهو الوحيد الصلد من الشعراء العرب قديماً وحديثاً الذي قال للغة أن تكون فكانت، لا كما يريدها هو بل كما يجب أن تكون . لم تستعصِ عليه مفردة إلا وجرها وطيعها وامتلكها إلى حد الوله والجنون . وهو من رَقّْصَ الأحرف جميعها في ناياته وكمنجاته ونفخ فيها. سار في اللغة إلى سبل ما وصلت إليه يوماً فجنت اللغة به وجن بها ... يسير بها إلى حيث يشاء وإلى أين يريد وتتبعه طائعة ، يسائلها ويمتحنها أحياناً لا ليحبها بل ليعشقها أكثر وأكثر. أرادها أن تكون له وحده وبطريقته هو لكنه لم يحتكرها وإلا ما أرانا وأسمعنا جمالها وسحرها ومفاتنها. هو العاشق المتيم والحزين .. لم يكن ابناً للغة ولا زوجاً أو حفيداً ، لكنه كان وكما صارحنا وبكل حرية وعنفوان وكبرياء ( أنا لغتي) .


الرائع الحاضر دائماً وأبداً فعل ما لم يفعله أحد من قبله .. أعلن وأذاع وأشاع حضوره في غيابنا نحن وليس في الغياب ـ كما يحلو للبعض- ولم يكتف بذلك بل ومنذ أكثر من سنة نعى الوجود وحقيقتنا، وأعلن موتنا المستمر لا ليسخر منا ولم يكن في نيته أبداّ إدانتنا، وهكذا هو ومنذ بداياته يعلو ويسمو ويحلق عالياً لنرتفع به ولنرتفع فوق الهزائم وجميع الانكسارات ولو قليلاً ..


يعبث بالموت ويسخر من الدمار، ينبش في الخراب ويرى أكثر مما نرى ويعرف ويعلم إلى أين سنصل بهذه المأساة ولكنه لا يدعونا إلا للأمل وتربية الأمل كما فعل في كتابه (حالة حصار).


الكتابة عن هذا المبدع الخلاق لن تتوقف يوماً، لا الآن ولا غداً ولا بعد هذا العمر ولا بعد حين، وانني أجزم أن هذا الرجل تجاوز شرط كينونته ووجوده وحتى أنه اخترق الزمان لأنه خلد ذاته المبدعة بطريقة ساحرة وملفتة للانتباه، كما أنه أرسى وبطريقته العبقرية والفظيعة مفهومه للمكان / الأرض/ فلسطين، واختزل هذا المكان المقدس ليكون كل العالم، أي أن البحث في هذا الوجود لا يمكن أن يبدأ إلا من هنا، أي على هذه الأرض/فلسطين ، وخلاص الإنسانية لا يمكن أن يجد طريقه إلا على هذه الأرض، فعندما كتب 'على هذه الأرض ما يستحق الحياة' أرادنا جميعاً كبشر في كل العالم، أن نفهم جميع مقاصده ومنها: ما لم تتحقق جميع المعاني والقيم الإنسانية الرفيعة والمُخَلصة لكل عذاباتنا ـ حرية وعدالة ومساواة ـ على هذه الأرض فهذا يعني أننا سنقترب من النهاية، لأن الحياة لا يمكن أن توجد ولا توجد إلا على هذه الأرض. هذه هي المعادلة والدليل دائماً من عنده هو وما نحن إلا شهود. لقد كتبها وثبتها وبكل طلاوة وعذوبة في أذهان كل البشر حين كتب 'فلسطين أم البدايات وأم النهايات' وأضاف: 'كانت تسمى فلسطين/ صارت تسمى فسلطين.


صَدْمَتُنا برحيله عنا لم تتوقف بعد، لقد أصابنا الذهول في مقتل وحيرة بالغة الصعوبة وما زلنا حتى الآن غير مصدقين، فما هو السر في ذلك؟؟؟ هل هذا المبدع كان ممنوعاً من وعن الموت.. هل كان من طينة أخرى؟؟ كان صاحب رسالة وهو ليس نبياً!! فإذاً، لماذا نصدق موت الأنبياء كما نصدق رسالاتهم ولا نصدق موته هو؟؟ ما هذه المفارقة الغريبة والعجيبة والمحيرة فعلاً!! كلنا يعلم ما الذي حدث له في آخر مرة عندما أجريت له عملية جراحية في القلب والتي تكللت- بجداريته ـ ملحمة العصر التي أعتبرها من أهم المنجزات الأدبية الفنية العظيمة في العصر الحديث ، ومن أهم إنجازاته الغير مكتوبة في الجدارية قدرته في جعلنا نشفق على حالنا وليس عليه، وقدرته الثانية أنه استطاع وبنبل سخي أن ينسينا كل ما عاناه لأنه بدل أن يمجد ذاته المبدعة كما يفعل العظماء مجد أبعاد هذه الذات من حيث أصولها ومكوناتها وأقوالها ورؤيتها في قضية الصراع والقضية، كقضية شعب صاحب حق، وفي علاقة هذه الذات مع الأرض. استهل الجدارية في الحديث عن الموت لينتهي بها في الحديث عن الحياة. من يكون هذا الرجل الذي كان كلما اقترب من رحيله ازداد تألقاً وإبداعاً خارقاً للمألوف، ما هذه القوة التي كان يمتلكها وخاصة أنه أشفق علينا جميعاً وكأننا نحن من سيذهب إلى الموت!! أيعقل أنه كان يؤمن بالخلود ولذلك لم يأبه لما سيأتي!! منعنا منعاً باتاً من التفكير في كل ما يعاني منه وخاصة أنه يعرف إلى أين هو ذاهب (وكأن الموت بالنسبة له ليس سوى نزهة عابرة ولكنها غير عادية، ولأنها نزهته هو كان عليه أن يتحملها لوحده وبصمت) ما هدفَ له هذا الخارق أبعد بكثير ولا يمكن للموت أن يوقفه من بعده . وكأنه وبوعي كامل وصادق أراد أن يبلغنا رسالته بعد نزهته: إذا كنتم تريدون محمود درويش فلقد ذهب، أما إذا أردتم ما كنت أبتغيه لكم فهو باق معكم ولكم وبينكم، فأعينوني لكي أنسى ذهابي لأبقى معكم ونكمل معاً.


*كاتب فلسطيني يقيم في كندا



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 15

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة