New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

محمود درويش، كل هذا الضوء في شاعر واحد - محمد شعير

 

13/11/2015 15:41:00

يظهر في الصورة محمود درويش وشقيقه أحمد

 

لم يكن حفل تأبين محمود درويش الذي أقيم في العاصمة الأردنية عمان، مجرد كلمات رسمية، ومجموعة قصائد غناها مارسيل خليفة، ولقطات مصورة لصاحب "في حضرة الغياب" يلقي فيها قصائده. كان أكبر من ذلك. كان محمود درويش حاضرا بقوة في حكايات الأصدقاء طوال الأيام الثلاثة للرحلة، منذ اللحظة الأولي بدأ الحديث عنه ، وكأنه وزع حكاياته علي الأصدقاء،كان لكل واحد معه حكاية، وموقف، طرفه، تعليق: هنا كان يجلس، هنا التقينا مرة، هنا قال " كذا وكذا"، وهنا..... وهكذا كان درويش حاضرا، في كل شئ. وهكذا لم يكن تأبينه رسميا.. كان مثلما أراد وأحب. وهكذا أيضا، توزعت الحكايات واختلط الرواة.
عندما اتصلت إلهام زوجة الشاعر السوري ممدوح عدوان بمحمود درويش، لكي يشارك في " أربعين" ممدوح رفض. أبدت اندهاشها فهما أصدقاء. قال: سأحضر ولكن لتتركي لي ترتيب الاحتفال. قال: نحن الشعراء نكره الكلمات الرسمية، ونعشق الموسيقي والنبيذ..ليكن الاحتفال هكذا. وبالفعل سافر محمود وكان له ما أراد. .
وهكذا تمني أن يكون تأبينه أيضا، كرة محمود " الكلمات الرديئة" ولذا كما يقول مريد البرغوثي " صعد محمود إلي جداريته ليرتاح هناك، لم يعهد لأحد برثائه، جلس في حضرة غيابه ورثي نفسه بنفسه، وكما يريد، لا ليعفي أحدا من المهمة. بل لأنه يخشي الركاكة ويمقتها مقتا".
الموسيقي والشعر أيضا لم يكونا وسيلته لمواجهة الموت، وإنما أيضا لمواجهة الحصار، يحكي صديقه الناقد والمترجم فواز طرابلسي: " خلال حصار بيروت صيف 1982، كانت اللقاءات شبه اليومية. لم تكن فرصتي للإفلات من شقتي وقد تحولت الي مقر للرفاق وغرفة عمليات عسكرية. وإنما اللقاءات فسحات استثنائية للصداقة والتضامن والأمل. وكان محمود قد انتقل حينها من شقته الي أحد فنادق شارع الحمراء حيث الماء متوافر للحمٌام اليومي، والكهرباء بالكاد تنقطع، وعلي البار بيرة مثلجة وعازفة علي البيانو. هكذا أخذنا نرجم الحصار بالموسيقي والشعر. وفي غرفته في ذاك الفندق تلي عليٌ وعلي سعدي يوسف الآيات الاولي من تلك الملحمة التي سوف تسمٌي "مديح الظل العالي": "إقرأ باسم الفدائي الذي خلقا/ من جزمة أفقا". وفي تلك الغرفة انعقدت حلقات الوداع بين رفاق السلاح والقضية الواحدة علي اختلاف بلدانهم العربية. وحده محمود يرفض مغادرة بيروت: أنا شاعر لست بمقاتل. لكنه سوف يضطر إلي المغادرة بعدما احتلت القوات الإسرائيلية المدينة".
" أنا شاعر ولست بمقاتل".. لم يقل هذه العبارة فقط أثناء حصار بيروت، كان يرددها دائما.
الشعر وحده كان وسيلته للمقاومة، وسيلة لكي يتغلب علي الحصار. عندما سألته عن ديوانه " حالة حصار" لماذا يعود فيه إلي الشعر المقاوم الذي يريد أن يهرب منه قال: "كنت أري من بيتي الدبابات والجنود، لم تكن لدي طريقة مقاومة إلا أن أكتب، وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد، وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية". ولذا كتب درويش عن " قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة بالأشياء والطبيعة: "لأن الطائرات تمر في السماء لدقائق ولكن الحمام دائم.. كنت أتشبث بقوة الحياة في الطبيعة للرد علي الحصار الذي أعتبره زائلا، لأن وجود الدبابة في الطبيعة وجود ناشز وليس جزءا من المشهد الطبيعي". يقول غانم زريقات : " كان الشعر هو سلاحه الأمضي في معركة الحفاظ علي الذاكرة، ومواجهة تزييف التاريخ والصراع علي الهوية". ويضيف محمد شاهين الناقد والمترجم الأردني: " الكتابة بالنسبة له كانت خطا أحمر، وكثيرا ما كان يردد أنه لا يستطيع التوقف عن الكتابة، ولو توقف مدة طويلة لشعر بعدم وجوده". ويضيف فواز طرابلسي: "هذا شاعر لا مهنة له إلا الشعر، وإن امتهن الصحافة للقيام بالأود. نادرا ما يترك وراءه نصا بخط اليد. نادرا ما يكتب الرسائل. لا يريد أن يبقي منه إلا شعره. ليس يريد أن يبقي منه شيء إلا الشعر".
" لسنا في حاجة إلي أمثلة لإثبات الجانب الإنساني لدي محمود درويش، بل إن الإنسانية لديه هي نمط حياة ثابت سواء في سلوكه الشخصي او في شعره". ولكن الأصدقاء لديهم مئات الأمثلة التي تكشف الكثير عن محمود درويش. وحياته. يقول الشاعر والإعلامي زاهي وهبي: " عرفت محمود درويش قبل أن التقيه من خلال أشعاره، ولمٌا التقيته بعد سنوات من الحروب والمحن، ومن الشعر والحب، أحببت فيه أنه لا يجشبه الصورة النمطية للشعراء. مثلما أحببت الشبه الكبير بينه وبين شعره. وجدت أنه لا يكتب قصيدته باللغة وحسب، بل بالسلوك والتصرٌف وبأسلوب التعامل مع الوجود والكائنات. وحين رحت أبحث عن وجه الشبه بين الشاعر وقصيدته، وجدت أنها تلك الغنائية الشفيفة المشوبة، أحيانا بشيء من الانكسار الإنساني أمام عاتيات الأيام، وتلك الروح المشعٌة التي تنتقل بالعدوي الجميلة الي كل من يقترب منها، وذاك الدفاع الرائع والانحياز الجميل إلي معني الحياة).
وهذا المعني يلح عليه أيضا فواز طرابلسي: " لم يكن يشبه الصورة النمطية الشائعة عن الشاعر. لا أثر فيه للبوهيمية. لا لحية له. ولا شارب. وهو حليق كل الوقت. ليس حزينا ولا مكتئبا، لا يريك وجهه اذا ما سيطر عليه الغمٌ. أنيق منتهي الأناقة. نظيف. جميل. ومجامل أحيانا. منظٌم ودقيق في مواعيده بطريقة مدهشة. ثابت في طقوسه. يكتب صباحا علي مكتبه. يكوٌر يده أمام الورقة، مثل الأولاد أيام الامتحانات، يخفي ما يكتب عن فضولي يتلصص عليه. أو يريد أن ينقل عنه. سألته لماذا. قال لست أدري. ربما خفرا. وربما لأني لست واثقا من أني سوف أبقي ما كتبت. لا يتردد في تمزيق قصيدة لم تصل إلي مستوي يريده. ولا يتردد في إهمال قصيدة اذا ما قرأ قصيدة أفضل منها. مزٌق قصيدة في رثاء بابلو نيرودا بعدما قرأ قصيدة إيتل عدنان "بابلو نيرودا شجرة موز".ويضيف طرابلسي: " يشرب في السهرات ولكنه لم يصل مرة إلي السكر، علي حد معرفتي، ولا يطيل السهر علي كل حال.".
"كان كريما" يأخذ غانم زريقات دفة الحديث، لم يدع احدا يدفع حساب المطعم إذا لم يكن مدعوا. يضحك غانم. ولكنه كان بخيلا في شئ واحد: " النبيذ.. الذي لم يكن يعشق مشروبا سواه، كان خبيرا به وبأنواعه، وذواقة أيضا. يقول أحمد درويش : دعاني مرة علي الغذاء في أحد المطاعم، وجاء النادل بزجاجة نبيذ. تذوقها وقال له: " هذه مضروبة".. وجاء بأخري. قال الكلمة نفسها، وهكذا تكرر الأمر أربع مرات متوالية، حتي غضب النادل. فقال محمود نحتكم إلي " ذواقة المطعم" الذي جاء وأيد محمود في موقفه، ولذا كان يختار المطاعم التي يتناول فيها طعامه بعناية. ويتذكر غانم مقولة محمود الدائمة: " الطعام إما طيب أو صحي" في إشارة إلي أن الطعام " الطيب كان مقترنا دائما بالدهون وتحذيرات الأطباء له من تناوله، ولكنه لم يكن يعتني كثيرا بهذه التحذيرات.
يكشف الدكتور محمد شاهين جانبا آخر من حياة صاحب " كزهر اللوز أو أبعد"..لم يكن مغرما كثيرا بترجمة أعماله إلي لغات أخري، كان يقول " المهم ان نكتب بالعربية. وما دون ذلك من النوافل" ولذا فكل مرة كنت أنا الذي أطلب منه أن أترجمه، لم يعرض علي احد أن يقوم بالمهمة. ويضيف شاهين : ترجمت له " في حضرة الغياب " و"كزهر اللوز". وعندما أعطيتهما إياه ليقراهما. لم يكن متحمسا في البداية، ولكن مع إلحاحي عليه قرأ العملين كلمة كلمة، وقد أدهشني إلمامه التام بالإنجليزية. وقدم اقتراحات لترجمة بعض الكلمات، ولكنه أيضا لم يفرض علي تصحيح كلمة واحدة إلا بعد أن يناقشني فيها".

 

 

 

***

 

 

 

جانب آخر يكشفه الأصدقاء، ولع محمود بالسخرية. كان ساخرا كبيرا، لكنها لم تصل إلي درجة السخرية الجارحة، لاذع أحيانا، ولكنه كان لديه يقين في السنوات الأخيرة أن العمر ليس فيه ما يستحق أن نتخذ مواقف من الآخرين، ولذا كان متسامحا حتي مع من أساءوا إليه. عندما علم قبل شهور من الرحيل أنه يحمل في قلبه " قنبلة موقوتة" يمكن أن تنفجر في اية لحظة، كان يداعب الأصدقاء الذين يصرون أن يذهب لإجراء الجراحة: " أليست قنبلة.. لو انني نذل لتركتها تنفجر وأنا معكم لنموت جميعا". لكن محمود لم يكن نذلا، قرر السفر في مغامرة لم تكن مضمونة النتائج. وعندما كان غانم زريقات يقول له: محمود ألن تتزوج.. بدنا نري أطفالك"..كان يرد: "لسنا في حاجة إلي لاجئين جدد".
غانم زريقات يعتبره البعض " خازن أسرار" درويش، جاره في السكن، ورفيقه في لعبة النرد، بدأت علاقتهما منذ أوائل السبعينيات، وهو الذي أقنعه بأن يسكن في عمان عندما عاد من باريس، كان معه أثناء حصار بيروت، وأثناء العملية الجراحية الأولي في فينيا، كان رفيقه في أيام المنفي، وجولات المرض، ورحلات الشعر. ولا كان درويش يسميه " أميجو غانم" وكان محمود يعتبره قارئه الأول: " لم أكن شاعر ا ولا ناقدا، ورغم ذلك كان يجرب في ما يكتب، وأحيانا كنت أطلب منه حذف بعض الصفحات. كما حدث في كتابه " في حضرة الغياب" عندما طلبت منه ان يحذف ال 12 صفحة الأولي. وقد استجاب. فقد كنت اشعر أنه يكرر ذاته في هذه المقدمة. وكان هو لا يحب ذلك، لأنه أدمن التفوق علي نفسه، فهو يريد فنا متطورا يخاطب الأغوار العميقة في النفوس، ويبقي أثرها في الوجدان، وكان دائما حريصا علي أن يجمع بين هذا الفن المتطور والانتشار الجماهيري الواسع.

 

 

 

***

 

 

 

غانم أقرب إلي أبناء البلد المصريين، لديه حس عال بالفكاهة أيضا، يمتلك الكثير من الأسرار والحكايات والوثائق عن حياة درويش، ورغم ذلك لا توجد صورة واحدة تضمهما معا، " صورة وحيدة التقطها أحد الأصدقاء بكاميرا موبايل، ولكن توزعت ولم أعرف أين استقرت".. حكي: "اختارني ياسر عرفات لرئاسة بعثة الحج الفلسطينية في احد الأعوام. وقد اعترضت بشدة. سألته: لماذا الاعتراض؟ أجاب علي الفور: لأني مسيحي". ضحكنا. وكان حديثنا بالأساس حول علاقة محمود وياسر عرفات، تلك العلاقة التي شهدت شدا وجذبا كبيرين، ولكن محمود كان لديه تقدير ومحبة خاصة لعرفات رغم اختلافه معه في الكثير من شئون الثورة الفلسطينية.. أو كما يقول فواز طرابلسي: " اقترب درويش من السلطة ولكن من دون أن يتماهي معها، أو أن يخدمها. ولسان حاله: (ما أضيق الدولة/ما أطول الرحلة/ما أوسع الثورة).
يوضح غانم:" عندما حدث خلاف بين إلياس خوري وياسر عرفات، استقال محمود من رئاسة تحرير " شئون فلسطينية" تضامنا مع إلياس، وعندما التقاه عرفات قال له: أنت شاعرنا، فقال له درويش ساخرا: "أنت شاعرنا العام. أي كان درويش يريد أن يقول له " أنت كل شئ، تفصل وتعين من تشاء، ولكن الغريب أن الكلمة أطلقها البعض علي محمود نفسه فيما بعد".
في الأمسية الأخيرة التي أقامها محمود في رام الله. وحضرها الرئيس أبو مازن بدأ درويش قراءة قصيدته " طباق" عن إدوارد سعيد، وفي منتصف القصيدة حضر أبو مازن، فتوقف درويش عن القراءة قائلا: " لقد وصل الرئيس الآن، وأنا مضطر أن أقرا القصيدة من بدايتها مرة أخري وإذا شعر أي منكم بالملل فلا يلومن إلا الرئيس.. وضحك الجميع، ويبدو أيضا أن الضجة التي أحدثها حضور الرئيس فجأة جعلت الشاعر يتوقف بعد قليل. وقال ضاحكا: " السلطة في كل شئ، حتي القصيدة". وهكذا أن يكون درويش " سلطة شعرية" فقط، لأن طبيعته الشعرية تتنافي من أن يكون جزءا من أيه سلطة. السلطة التي كان يبتعد عنها درويش ربما كانت سببا في مرضه الأخير، الصراع علي السلطة بين فتح وحماس، حتي أن درويش نفسه يمكن أن تصل إلي حد الاقتتال بين الاشقاء . ولهذا أكدت كل كلمات المقربين منه والأصدقاء أن محمود مات قتيلا. يقول غانم زريقات: " أنا أعرف كم أدمي احتراب الأخوة في فلسطين قلب محمود الجريح، حتي أنه كتب حتي أنه كتب قبل رحيله: (أعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين إن لم نجد مّنْ يهزمنا ثانية هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسي )..
وكرر الأمر أيضا مريد البرغوثي: " أنا سأصدق طبيبه الذي أعلن النبأ، وشرح أسباب الوفاة التي قهرت جسده هذه المرة، لكن الشاعر سيد اللغة وسيد الفكرة. قهرته أيضا ركاكة القيادات المتحاربة داخل حفرة الاحتلال السعيد، وقهره الساسة الذين يخجلون من مراياهم كأم هاملت ولا يكفون عن غسل أيديهم كليدي ماكبث، وأيضا قهرته ركاكة النظام العربي الخائف من النصر والمولع بطاعة الغزاة، فبأيديهم جميعا زاغت الأشياء عن أسمائها ونأي عن اسمه كل مسمي، وبأيديهم جميعا صار للموت الذي يطلبنا عشرون اسما". وأكده فواز طرابلسي: "محمود درويش قتيل. وهذه جريمة لا عقاب عليها. وكل ما كتبه محمود عن الموت يدور مدار هذه المأساة: الموت هو الجريمة الوحيدة التي لا مكان لها في القانون الجزائي. إنها الجريمة الوحيدة التي لا عقاب عليها!".
ربما لهذا السبب كان محمود يدرك قبل سفره إلي أمريكا أن هذه هي معركته الأخيرة مع الموت، لن ينتصر فيها " كان يردد في الأشهر الأخيرة أنه سوف يخسر الجولة هذه المرة وأنه بحاجة إلي بعض الوقت لأنه مازال يختزن الكثير ليعطيه لقضية شعبه ولقضايا العدل والرية والحب والجمال" يقول غانم.
حتي عندما زيارته الأخيرة لعائلته في الجليل..." ودعنا وهرع مسرعا إلي السيارة التي كانت تنتظره، ولم يرفع عينيه لينظر إلينا كما كان يفعل في زياراته السابقة". يقول شقيقه أحمد درويش.
حتي أصدقاؤه الذين لم يلتقيهم قبل سفره الأخير شعروا بذلك..يقول بول شاوول:
"اتصل قبل سفره بيوم بموسي برهومه، وطلب منه أن يتصل بي..وطلب منه أن يخبرني:" سلم لي علي بيروت"... كان غريبا أن يكون سلامه للمدينة بأكملها، ربما هو إحساسه بالغياب".
تناول محمود غذاءه في بيت غانم زريقات. وودع عائلته، وذهب إلي بيت الشاعر طاهر رياض ليتناول عشاءه وبعد أن انتهت من سهرته التي تأخرت، عاد بكل مفاجئ إلي بيت غانم لكي يودعهم مجددا.." كان أمرا غريبا..ربما كان يتوقع ألا يعود مرة أخري" يعلق غانم.
ولكن ماذا حدث في بيت طاهر رياض.. يقول الشاعر الأردني زهير أبو شايب.. " لم يكن يبدو عليه أن مقدم علي عملية جراحية خطيرة، كان متألقا كعادته، تحدث عن الشعر، ودخن ثلاث سجائر. ولكن اعترض علي قيام زوجة طاهر بتصويره بكاميرا الفيديو كما اعتادت عن زيارته لهم. احتج : شوا التصوير؟".
ويضيف زهير: امتدت السهرة حتي الثانية صباحا، قلت له: "عد غانما وسالما". فقال لي: أكيد سأرجع لكن سالما لا أضمن ذلك.
لم يكن يخشي الموت، ولكن كان يزعجه أكثر يعود بعد العملية الجراحية، مشلولا، كان قد درب نفسه علي أسير بعكازين إذا أصيب بالشلل، ولكنه لم يرق له الأمر، ولذا كان مترردا أمام " العملية" وقرر أكثر من مرة ألا يسافر. ولكنه خضع في النهاية لطلب الأصدقاء الذين ألحوا عليه بالسفر، عندما قرر إجراء الجراحة كان يريد بلدا توافق علي " الموت الرحيم".ولذا " رفض إجراء الجراحة في الأردن أو أي بلد عربي".

 

 

 

***

 

 

 

ولكن كان ما كان يشغل درويش قبل رحيله سؤال كان يطرحه علي أصدقائه: لماذا خلق الله للإنسان مليون شعرة، وقلب واحد؟" ولكنه " لم يصل إلي إجابة " كما يقول غانم الذي اختتم حكاياته بجملة تلخص محمود درويش " عاش كبيرا ومات كبيرا".. أو حسب تعبير زهير أبو شايب : " كل هذا الضوء في شاعر"... حياة محمود الثانية هي الأهم الآن. كتبه وأشعاره وتراثه ومواقفه..ربما تحوله إلي ما يشبه " الأسطورة".
يحكي مريد البرغوثي أنه أستطاع بصعوبة بالغة أن يصل إلي جنازة محمود بعد رحلة شاقة من القاهرة، عمان، وحتي رام الله، وهناك وجد آلاف من الجنود يمنعون المواطنين من الاقتراب، وكانت شقيقات محمود ممنوعات من الحضور بسبب الحصار الأمني. مشهد أصاب مريد بالاكتئاب. جعله يهب إلي الفندق، ولا يغادره ثلاثة أيام كاملة .
بعد ثلاثة أيام من الدفن غادر البرغوثي الفندق، وأوقف تاكسيا.. قال له: خذني إلي محمود. لم يسأل السائق من هو محمود، التزم الصمت حتي وصل إلي الضريح، ونزل السائق قرأ له الفاتحة.. وانتظر مريد بعيدا بدون أن يطلب منه ذلك" خوفا من ألا يجد تاكسيا يعيده إلي الفندق مرة أخري". ربما كان الأمر صدفة. ولكن في اليوم التالي. فعل مريد الأمر ذاته مع سائق آخر، لم يسأل من هو محمود الذي أصبح محطة فلسطينية مهمة. كنا ننصت جميعا إلي ما يقوله البرغوثي. قبل أن يضيف الشاعر زكريا محمد : "محمود هو أول مسلم يدفن في رام الله".. يضيف الشاعر زكريا محمد: " حتي ياسر عرفات نفسه مدفون بعيدا عنها. رام الله مدينة للمسيحيين تقريبا، تضم مقابرهم، بينما يتم دفن المسلمين في منطقة أخري بعيدة.. كان درويش هو الاستثناء الوحيد.

 

 

 

اخبار الادب
26 اكتوبر 2008

 

 

 

***

 

 

 

محمود درويش الذي لا يعرفه أحد

 

 

 

(شقيقه أحمد يتحدث عن طفولته وشبابه ومستقبل أوراقه الخاصة)

 

 

 

محمد شعير
(مصر)

 

 

 

" شو بدك؟!"..
عندما نطق أحمد درويش بهذه الكلمة ونحن في بهو الفندق الأردني، تذكرت علي الفور شقيقه محمود . لقد سمعت منه هذه الكلمة أكثر من مرة، بنغمة الصوت نفسها. قلت له: أنت تشبه محمود؟ قال: في الصوت. قلت: وأيضا في طريقة السير، عندما تضع يدك في جيب البنطلون، وفي كثير من إيماءات الوجه. يكبر أحمد أخاه بعامين، يشتركان أيضا في أمراض القلب، أجري أحمد العملية نفسها التي أجراها محمود قبل شهور قليلة من رحيل شقيقه. عاشا سويا الثلاثين عاما الأولي، سنوات الطفولة والشباب، قبل أن يخرج محمود إلي موسكو في أوائل السبعينيات، ثم إلي القاهرة لتبدأ رحلة منافيه المتعددة.

 

 

 

يبدو أحمد عنيدا أيضا، مثل شقيقه، يصر علي التدخين بشراهة، رغم وصايا الأطباء بالامتناع عنه. قال: لم أكن أدخن هذا النوع من السجائر، ولكنني اخترته لأن محمود كان يحبه. كما أن أحمد ليس بعيدا عن الثقافة والأدب، له كتابان: الأول بعنوان "ذاكرة التراث" والثاني "حزيران البارد في البروة" يكتب فيه عن آخر شهر لهما في البروة قبل أن يتم تدميرها.

 

 

 

" شو بدك.. من الحوار؟!" سألني.. قلت : كل شئ عن محمود ولتكن البداية من الطفولة.. ما المؤثرات التي جعلت من محمود شاعرا؟ سألته... وأجاب:

 

 

 

” أعتقد أن طبيعة ما جري في فلسطين في 48 عندما وجدنا أنفسنا خارج القرية ولجأنا إلي لبنان، طريق في غاية الصعوبة، محمود كان عمره 7 سنوات، وعمري 9 سنوات ومشينا في منطقة جبلية، وعرة وصعبة، وصلنا إلي لبنان، العائلة متوسطة الحال التي تملك الأراضي، ولديها منزل معقول، وجدت نفسها لا تملك أي شئ، وصلنا إلي قرية، استقررنا بها، ثم انتقلنا إلي " الدامور" وعند ذلك بدأنا نسمع أشياء في الطفولة لم نكن نعرفها. كل الطفولة وألعاب الطفولة لم نعد نعرفها، عشنا وسط الجبال والوديان، لم يعد هناك طفولة، لقد صرنا لاجئين، ومن وقتها بدأت تدخل وعينا مفردات جديدة :
الصليب الأحمر، لاجئ، وكالة الغوث، وقضينا عاما في لبنان، ثم رجعنا خلسة، وحسب القاموس الإسرائيلي " تسللا" في الطريق نفسه، وكانت مخاطرة، لأن إلقاء القبض علي متسلل معناه السجن وتغريبه من جديد. وصلنا إلي قرية جبلية في الجليل، اسمها " دير الأسد" لأن البروة هجدمت، وصجودرت كل أراضيها ، واضطر أبي الفلاح العريق أن يعمل في المحاجر حتي نستطيع أن نعيش، ويستطيع أن يوفٌر لقمة الخبز والكتاب، هذه الحياة لم تستمر، انتقلنا إلي " جديدة" لأنها قريبة من البروة، كما أن أغلب سكان البروة التي تهدمت سكنوها، في كل هذه الظروف كان لا بد أن نتسلٌي، وكانت التسلية الوحيدة المتاحة أمامنا هي الكتاب، كنا نتطلع إلي العالم الخارجي من خلال الكتاب بذلك أقبلنا بنهم علي القراءة، وفي ذلك الفترة لم يكن هناك أية مكتبة، كنا نستعير الكتب من أصدقائنا، وقرأنا بهذه الطريقة سيرة بني هلال، والزير سالم، وسيرة عنترة.. وغيرها. ولأننا يجب أن نعيد الكتب إلي أصحابها كان محمود ينسخ بعضها، نسخ أشعار نزار قباني والسياب، والبياتي، نأخذ الكتاب ونكتبه في الدفاتر حتي يمكننا أن نحتفظ به. هذا هو المؤثرالأول. يضيف أحمد: في الطفولة كان محمود يحب الانطواء، كما كان يحب الموسيقي، خصوصا أم كلثوم وظل يحبها، كما أحب أيضا عبد الحليم حافظ، وكان يهتم بالسياسة لأن طبيعة حياتنا العامة والخاصة كانت تدفعنا إلي ذلك، كنا نتابع كل ما يحدث في الدول العربية،.

 

 

 

***

 

 

 

صدفة جعلت محمود وشقيقه يكملان تعليمهما، يوضح أحمد: عندما عدنا لإكمال التعليم الابتدائي لم يكن لدينا " قسائم، الهويات في ذلك الوقت كانت تسمي قسائم، لذلك كان ممنوعا قبولنا في المدرسة، ولكن بالصدفة كان مدير المدرسة وطنيا فقبلنا بشرط أن نخرج من الفصول عندما يأتي مفتش، وهذه أحد الأسباب التي جعلت محمود يهتم بتثقيف نفسه، كما أن القرية التي كنا نسكنها اسمها " دير أسد" ولا تبعد كثيرا عن قرية بعنة، والتي كانت تجسمي بـ " البعنة الحمراء" لأن معظم سكانها ينتمون إلي الحزب الشيوعي، كان محمود يذهب كثيرا إلي هناك ليطٌلع علي ما يكتب في جريدتي الاتحاد والجديد وما تقدمانه من أدب طليعي، من العالم العربي والعالم، وهذا ساعدنا علي متابعة أخبار الإبداع وبعد ذلك انتقلنا إلي قرية أخري اسمها "كفر ياسيف" لأن بها مدرسة ثانوية، والمدارس الثانوية كانت قليلة في ذلك الوقت، وكانت أيضا تضم قيادة للحزب الشيوعي، الجبهات الوطنية الأخري والأحزاب الأخري، وكان هناك نقاش مستمر بين هذه الأحزاب. وكان ذلك أحد المؤثرات علينا سياسيا وفكريا. وفي المدرسة الثانوية حسم أمره بأن يصبح شاعرا.

 

 

 

***

 

 

 

كانت بداية الشعر عند محمود أسبق من ذلك بكثير، قرر في المدرسة الثانوية أنه لن يكون شيئا آخر سوي " شاعر"، ولكن بداياته كانت أسبق من ذلك، في الصف السابع الابتدائي - يتذكٌر أحمد - " كتب قصيدة إلي معلمه شكيب جهشان، أذكر أول بيت منها : ضحك القرنفل فاستبد بخاطري، وأهاج شوقا الجمال العابر«. وكان ينشر شعره في هذه الفترة في الصحف المحلية، ولكن في "كفر ياسيف" تبلور أكثر ونضج أكثر، وكان ينشر شعره في المرحلة الثانوية بجريدتي الاتحاد والجديد، وكان يظهر في المهرجانات الحزبية التي كان يقيمها الحزب الشيوعي الإسرائيلي في مناسبات شيوعية مثل الأممية وأول أيار والانتصار علي النازية، ومن خلال هذه المناسبات كان محمود يذكر كثيرا مفردات الحنين والعودة واللاجئين وهي المفردات التي في المستقبل ستكون المفردات الأساسية في شعره".
المفارقة أن واحدة من قصائد الطفولة تسببت في فصل والده من عمله، وهو ما أدٌي لأن يترك أحمد تعليمه بحثا عن عمل، يوضٌح: "كتب محمود إحدي القصائد وهو في الابتدائية دفعت الحاكم العسكري، وكنٌا تحت حكم الحكم العسكري، إلي أن يطرد والدي من العمل وأصبحنا بلا مصدر للدخل. وكان الوضع الاقتصادي في غاية الصعوبة والتعليم الثانوي كان بمقابل مادي كبير وعندما انهيت دراستي الثانوية التحقت بكلية الحقوق في القدس لكن اضطررت إلي أن أترك الكلية لأن أخي الثالث قد دخل الثانوية عمليا وصرنا ثلاثة نتعلٌم واتجهت إلي العمل حتي أساعد الأسرة. وكان معروفا أن محمود غير ميال إلي الوظيفة."

 

 

 

* ماذا تقصد بأنه لم يكن ميالا للوظيفة؟

 

 

 

يجيب: كان اتجاهه نحو الأدب واضحا، وأصدر ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" وهو في الثانوية ونشره في عكا ووزٌع الكتاب جيدا. ولكنه رفض فيما بعد أن يضمه إلي أعماله الكاملة لأن به تأثيرات من عاطفية الشباب. مع العلم أن الديوان طبع طبعتين في الأردن مع مقدمة لأحد مدرسي الأدب العربي في الجامعة الأردنية. وغير النواحي العاطفية يوجد بالديوان قصائد قومية ووطنية فلسطينية لأن تلك الفترة كانت غنية بالهم الوطني فهناك كانت ثورة عبد الناصر وثورة العراق وسوريا والجزائر. الناحية القومية كانت واضحة جدا وتطفو علي السطح في هذا الديوان. وعندما أنهي الصف الثاني عشر أي المرحلة الثانوية أقنعه الكاتب إميل حبيبي بأن يعمل في الاتحاد الجديد ولذلك انضم مبكرا إلي تحرير الاتحاد الجديد وأصبح رئيس تحرير الجريدة. وسججن محمود عام 1965 لأنه سافر إلي القدس لإلقاء الشعر أمام الطلاب العرب دون تصريح حيث كنا ما نزال تحت الحكم العسكري وأجقيمت محكمة عسكرية في الناصرة وحضرت المحكمة وكان موقفا مؤثرا جدا عندما زرته أنا وأمي في سجن الرمل. وفي تلك الفترة كتب علي ورق السجائر قصيدته الشهيرة "أحن إلي خبز أمي" وهربها معنا في الزيارات. في عام 1967 اختبأ ليحرر جريدة الاتحاد من مخبئه وتبين بعد ذلك أنه اختبأ عند توفيق طوبي زعيم الحزب الشيوعي، ولكن تم القبض عليه وسجن ثلاثة أشهر.

 

 

 

***

 

 

 

أتوقف قليلا عند " الهم القومي " لدي محمود درويش.. فيؤكد شقيقه: كان زادنا في الخمسينيات والستينيات: خطب عبد الناصر، ومقالات " بصراحة " لهيكل، وحفلات أم كلثوم، وأغنيات عبد الحليم الوطنية، ومحمود كان يعشق عبد الناصر وثورته، وكانت إحدي أمنياته أن يلتقي به ولم يكن يجد تناقضا في ذلك مع انتمائه إلي الحزب الشيوعي، وفكرة الأممية، وأتذكر أننا أقمنا احتفالات عندما حدثت الوحدة بين مصر وسوريا، وعندما حدث الانفصال، حطم محمود الراديو الوحيد الذي استدنا لكي نشتريه.

 

 

 

* سألته: ولكنه لم يلتق بعبد الناصر لأنه جاء إلي القاهرة بعد أن رحل؟!

 

 

 

أجاب: لست متأكدا إن كان قد التقي عبدالناصر أم لا، ولكن قيل إنه التقاه وسميح القاسم في موسكو عام 1969 أثناء زيارة لعبد الناصر هناك عندما كان يدرس محمود، ولكن لم أساله عن حقيقة الأمر لأن محمود لم يكن يحدثني عن أية مقابلة أجراها. محمود عندما كان يأتي لزيارة البيت كانت النكتة والمزاح ولم يكن يتطرق إلي الأشياء العامة.

 

 

 

* وما أول رحلة له خارج فلسطين؟!

 

 

 

كانت إلي صوفيا في مؤتمر شباب العالم ثم عاد إلي حيفا. وسافر موسكو عام 67 للدراسة ثم وصلتني رسالة منه يخبرني فيها أنه قادم، وحدد التاريخ، وجهزت نفسي لاستقباله في المطار ولكن صدر بيان من وزير الإعلام المصري وقتها محمد فايق يؤكد أن محمود في مصر.

 

 

 

* كان الأمر مفاجأة لكم؟ كيف استقبلت العائلة قرار محمود بالإقامة في القاهرة؟

 

 

 

علي المستوي الشخصي كنت سعيدا جدا، كنا تعوٌدنا علي غربة محمود وكانت والدتي قد رضيت بالأمر الواقع، ولكن كان لدينا إحساس بأننا قد نتعرض لمضايقات أمنية، وأن تقوم الشرطة بتفتيش البيت أو اعتقالنا ولكن ذلك لم يحدث. الوالدة تعوٌدت علي غربة محمود وعلي حياته العامة لكننا كنا سعداء بإقامته في القاهرة.

 

 

 

* لكن هل تعرف لماذا ترك القاهرة إلي بيروت؟

 

 

 

أعتقد أنه كان يريد أن يظلٌ بالقرب من الحياة الفلسطينية الفكرية الثقافية العامة. مثلا حتي وهو ضد أوسلو، قرر مغادرة باريس لأنه كان يريد أن يكون قريبا من الفلسطينيين فاختار عمان أقرب عاصمة عربية إلي فلسطين.

 

 

 

* خلال فترات خروجه المستمرة منذ بداية السبعينات إلي أوسلو التي سمحت له بالعودة، هل كانت هناك لقاءات تجمعكم به؟

 

 

 

بعد خروجه من بيروت 1982 إلي باريس كنت نلتقيه أنا واخوتي، والتقينا أيضا في فيينا والقاهرة عدة مرات. ولكن والدتي التقته أول مرة في القاهرة ربما في بداية الثمانينيات.
يضحك أحمد: " كنا في فندق، وكان لمحمود اثنان من الحرس الشخصي يرافقانه في خطواته،سألتهما أمي ما الذي تفعلانه هنا؟ قالا إنهما يحرسان الأستاذ. فقالت من باب النكتة: ما همٌا الحراس اللي قتلوا أبو إياد".

 

 

 

* هل اكتسب محمود حسٌه الساخر من والدته؟

 

 

 

صحيح إن الوالدة كانت شخصيتها قوية وكنا نخافها جميعا، وكانت الشخصية المركزية الموجودة في البيت، جميلة المنظر وقوية. وكان لدي محمود إحساس بأنها لا تحبٌه لقسوتها علينا جميعا، ولكن العكس هو الصحيح. وكانت تحبه أكثر منٌا جميعا بسبب طفولته في الغربة وقصائده والسجن وخروجه من البلاد وأخبار مرضه كوٌنت مكانة خاصة له عند أمي. وسبب آخر يجعلها تحبه أنه يشبه كثيرا والدها، جدي، في عينيه، وشعره، وقوة شخصيته.

 

 

 

* كانت شاعرة؟

 

 

 

هي ليست شاعرة.. لكن كان عندها بديهة في المناسبات خاصة في الحزن كانت تبدع. وكنا نقول مرات أنها "تعتب شعرا".حتي من كان يزورنا من الكتٌاب، من الأردن أو من الضفة، كانوا يقولون: عرفنا بمن تأثٌر محمود.تأثر بها. وعندما كانت تغنٌي للطفل الصغير في السرير كان يجصغي إليها. أما تأثٌره بالسياسة فكان من جدي لأبي سيدي حسين أبو جميل الذي كان يحب السياسة كثيرا. وأبو جميل مذكور في "لماذا تركت الحصان وحيدا". كان جدي في البروة قبل 48 يحب الأرض كثيرا و ذكيا، ومالكا للأرض، كان يطلب منٌا ،ونحن أطفال صغار، أن نقرأ الجرائد. بل كان يجبرنا أن نقرأ جريدتي "الدفاع" و"فلسطين". وكان يحب لعبة النرد والضامة ولعب الورق ويدخن النرجيلة. وبعد أن خرجنا ظل (سيدي) متابعا للسياسة وعن طريقه كان محمود يقرأ الكثير من الصحف اللبنانية لأننا كنا في لبنان، أذكر مثلا جريدتي الحياة والنهار في ذلك الوقت. ومنه أحبٌ محمود القراءة، وقرأ معه أعمالا تراثية كثيرة مثل مقدمة ابن خلدون والمتنبي.

 

 

 

* كان محمود يقرأ العبرية أيضا؟

 

 

 

كان يتقنها بشكل مثير للدهشة، حتي أن كبير الشعراء اليهود حاييم جوري ،وهو ما يزال حيا حتي الآن، قال لليهود في الستينيات: عليكم أن تتعلموا العبرية من محمود. محمود كان قارئا أدبيا وسياسيا ممتازا. لذلك كان مغرما بقراءة الصحافة العبرية خاصة في الملاحق، كانت له مقالات طويلة جدا فيها. واستغربت عندما جاء إلي حيفا وأجري مقابلتين مطوٌلتين مع جريدتي الاتحاد وهآرتس. وعندما سألته إن كان قد أجري الحوار بالعربية أم العبرية أجاب أنهما كانا بالعبرية.

 

 

 

* ما آخر كتب كان قد قرأها؟!

 

 

 

في شقة رام الله جميع الكتب التي قرأها عبرية. عندما زار المستشفي بعد أن أجريت عملية في القلب ومكث مع أمي وأخي كان يأخذ أعمال الكتاب المعروفين. فوجدت آخر كتابين عنده بالقرب من الطاولة عبريين. وكان حريصا علي أن يسمع نشرات الأخبار بالعبرية لأنه كما يقول يريد أن يعرف عدوٌه، كيف يفكٌر.

 

 

 

* ومتي كانت أول زياراته لكم منذ خروجه؟

 

 

 

أول زيارة له لفلسطين كانت في جنازة إميل حبيبي وكان أول مرة يزورنا فيها..وجاء مساء إلي البلد، ولم نكن نعرف في أية ساعة سيصل واتصلت حتي أعرف متي سيصل حتي أكون في استقباله فلم يجب ثم حاولت مرة أخري فأجاب وقال إنه يعرف البيت. وأصررت علي استقباله لأن الدنيا كانت قد تغيٌرت، وقلت له سأنتظرك بجوار البروة لأنه يعرفها ولأن قرية أجدادي التي يسكنون بها بالقرب من البروة لكن عندما وصلنا المنزل كانت القرية كلها موجودة بالبيت. وفي الساعة الحادية عشرة اضطر إلي المغادرة لأنه كان يريد أن يكتب الكلمة التي سيلقيها عن إميل حبيبي. وفي ملعب كرة القدم اجتمع الناس وألقي كلمة مختصرة. وطلبوا منه أن يلقي شعره فقال إنه لا يحفظه. وهذه كانت أول مرة نلتقي به، وبين الناس.

 

 

 

* هل كان يكره أن يجقال عنه أنه شاعر المقاومة؟

 

 

 

في "سجل أنا عربي" كان لديه وعي بأنه لا يريد أن يكون شاعر العموم السياسي الفني، ولذلك كتب في عام 1969" أنقذونا من هذا الحب القاسي"؟ ولكن المشكلة كانت في تقييم الكتٌاب العرب في العالم العربي. وكان يكره تقييمه من هذا الجانب وكان يحب أن يتم تقييمه فنيا. ولكنه لم يكره أبدأ أن يتم اعتباره شاعر مقاومة،كره فقط أن يتم اعتبار كل من يكتب قصيدة عن فلسطين شاعر ولم يكن يريد أن يتم تقييمه علي أساس أنه فلسطيني.

 

 

 

* آخر مرة زاركم فيها ؟

 

 

 

قبل سفره إلي أمريكا لإجراء العملية. وهو في الشهور الأخيرة كان يزورني كثيرا لأن أغلبنا أجري عمليات. لكن في المرة الأخيرة زارنا في الصباح الباكر وودع الأهل..لكنني لاحظت أنه غادر مبكرا ولم يلتفت إلينا كالعادة. وقد التقط له ابني صورا كثيرة، وسأله محمود:فيه إيشي علشان الصور دي؟ كان لدينا إحساس بالبيت أن العملية في غاية الخطورة. طبعا أنا كنت أسمع أكثر لأني كان لي صديق طبيب وجاء إلي البيت وتحدث عن العملية وأنها ليست سهلة. لكن كنا مطمئنين لأنهم قالوا إن المستشفي التي سيجري محمود بها الجراحة الأفضل بالعالم، وأن الطبيب، عراقي الأصل، أفضل جرٌاح بالعالم.

 

 

 

* هل كان خائفا من الجراحة؟

 

 

 

محمود كان متهيٌبا لكن حياته لا تشي بشيء من ذلك. الابتسامة نفسها والمرح نفسه والنكتة نفسها، وحديثه عن الطعام ومداعبته للأطفال أيضا.لم يتغير فيه شئ.

 

 

 

* هل كانت هناك وصية تركها؟

 

 

 

لا.

 

 

 

* هل كان نادما علي شيء؟

 

 

 

لا. محمود كان يعيش حياته كشاعر. يريد الهدوء والاستقرار وتأملات الكتابة. كان يعيش حياته العامة والشخصية كشاعر. وفي آخر زيارة لنا سألته هل أكملت الديوان الذي كنت تكتبه؟ فأجاب إن الديوان لن يكتمل. ولكن لم أكن أعرف أنه يجهٌز نفسه للرحيل.

 

 

 

* هل كان لديه رغبة أن يعود إلي الجليل؟

 

 

 

البروة تم تدميرها، ونحن في موقعنا هذا نعتبر لاجئين، نحن ضحية قانون يسمي "الحاضر غائب"، يعني تم مصادرة كل أراضينا، لم يبق منها شئ، نحن نشتري الآن زيت زيتون، يمكن أن يكون من زيتوننا في البروة، لا نملك أي شئ، ولذا في كل الحالات أنت لاجئ، وهذا أصعب عمليا لأنك في البلد تري قريتك وجهد الأباء والأجداد، ولكن لا تستطيع أن تمرٌ عليها. برغم أن لدينا الجنسية الإسرائيلية، ونشارك في الحياة العامة، ولكن نحن ضحية قانون لا يوجد مثله في العالم.

 

 

 

* تردد مؤخرا أن الجنسية الإسرائيلية لم تسقط عن محمود ؟

 

 

 

هذا كلام ليس صحيحا، لأنه، حسب القانون الإسرائيلي، إذا ذهبت إلي دولة معادية تسقط عنك الجنسية أوتوماتيكيا، ومحمود سافر إلي مصر، ولبنان.

 

 

 

* أنت الآن الحارس علي إرث محمود؟

 

 

 

أنا واخوتي، ولكن الهم الأكبر علي الكبير كما يجقال. ونحن ثمانية أشقاء، خمسة ذكور، وثلاث بنات، وأخي الأصغر زكي كاتب قصة معروف.

 

 

 

* تراث محمود الكبير ما الذي سيتم فيه؟

 

 

 

السلطة الفلسطينة ستقيم له متحفا، وهناك لجنة تبحث في هذا الموضوع، وأنا عضو فيها،. الأمر الثانية: ستجقام مؤسسة تحمل اسمه، ستضم ليس فقط أدباء فلسطين، بل أدباء من العالم العربي والأوروبي، ونحن في الداخل أقمنا مؤسسة. الآن بعد أن هدأ الأمر سندرس ماذا سنفعل بما ترك محمود من أوراق داخل بيت رام الله، لديه أوراق كثيرة، بعض مخطوطات لدواوين، بعض المراسلات مع أدباء ومفكرين من العالم كله، هناك قصائد لم تنشر، ولكننا لم نتأمل فيها جيدا، وكل هذه محفوظة. سنعيد دراستها، وسنفحص ما ترك من شرائط كاسيت وفيديو قد تضم أشياء مهمة. ونريد أن نري الكثير من القصائد والنصوص التي لم يضمها في دواوينه مثل "خطابات الديكتاتور الموزونة" وقصيدة " محمد الدرة"،... يجب إعادة النظر والبحث من جديد عمليا لنجمع المقالات النثرية، المفروض أن تقوم المؤسسة بذلك.

 

 

 

* هل كان حادا في التعامل مع الناس؟

 

 

 

أحيانا، كان خجولا جدا، ولكن إذا كان هناك شخص لا يطيقه تظهر عليه العصبية فورا، من السهل أن تشعر بعصبيته.

 

 

 

* هل تعرف أنك تشبهه؟

 

 

 

الناس يقولون ذلك،خاصة الصوت.قلت.. ورسمة الوجة أيضا..

 

 

 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 80

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة