New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

محمود درويش يتحول إلى اسطورة شعرية وإنسانية - محمود قرني

 

01/01/2016 11:50:00

محمود قرني

القاهرة ـ سيظل رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير موضعا لاهتمام الدوائر الثقافية العربية الخاصة منها والعامة، فمكانة محمود درويش الشعرية تجاوزت كونه شاعر القضية الفلسطينية إلى كونه شاعرا للألم الإنساني بمعناه العميق، وأحد الضمائر الكبرى في التاريخ الإبداعي بمفهومه الإنساني الواسع. في عددها الصادر هذا الاسبوع احتفت أسبوعية 'أخبار الأدب' التي تصدر عن مؤسسة الأخبار بالشاعر الراحل محمود درويش وكرست له العدد بكامله وتعهد رئيس تحريرها الروائي والكاتب جمال الغيطاني بوجود دائم لمحمود درويش في جريدته طالما بقي رئيسا لتحريرها وقال في مقاله الافتتاحي الذي احتل الصفحتين الثانية والثالثة: 'قرأت كتابه 'في حضرة الغياب' هذا النص الذي يمسك بناصيتي الشعر والنثر، وهو ليس إلا أنشودة رحيل مؤلمة، مرثية للذات واحتفاء بالأبدية، قرأته مرات وتمنيت أن أحفظه عن ظهر قلب، إنه يؤسس لفقه الفراق، فراق الذات للذات، فراق الأصل للظل، فراق المحسوس الى اللا محسوس، ما يمكن تحديده الى ما لا يمكن تحديده أو تعيينه، في هذا النص النادر يلقي الأضواء الخفيتة، على خباياه التي لم يدركها أحد، حتى إبداعه للشعر، فيه وجدت تفصيلا لجملة قالها لي مرة، أنه اعتاد أن يفتح القاموس عند بدء نشاطه اليومي، لسان العرب لابن منظور، يفتح على أي صفحة، يتوقف أمام كلمة معينة، يقرأ ما أورده المؤلف عنها، أذكر أنه قال معلقا باختصار، هذه علاقتي بالتراث!!' ثم يردف جمال الغيطاني قائلا عن علاقته الشخصية بمحمود درويش: 'كنت بعيدا وكان بعيدا، وكانت لقاءاتنا مثل لقاء القطارات التي تعبر بعضها بسرعة، غير أنني قرأت نصوصه جيدا، وتمثلتها، وقرأ نصوصي ايضا، آخر ما قرأه 'نثار المحو' الدفتر الخامس من دفاتر التدوين، حدثني عنه، لكنني لا أظن أنه قرأ الدفتر السادس 'الرن' وقد خجلت في آخر اتصال ان استفسر عما إذا كان وصله بالبريد أم لا؟ تعارفنا عبر النصوص وهذا أصدق ما سيتبقى منا، فالكاتب أولا وأخيرا ماثل في نصه، أما الوجود المحدود فيمضي، غير أنني في العلاقة الشخصية الشاحبة أحببته، وقدرته، وأصغيت إليه جيدا، ولاحظته بدقة، أذكر أننا عندما سافرنا من بوردو الى باريس لاحظت أنه لا يحمل إلا حقيبة يد مما يصعد به الراكب الى الطائرة، فقط ليس غير، ورغم وسامته وأناقته، إلا أنني لم أره إلا عبر لونين، الجاكت الأزرق والبنطلون الرمادي، يقول البعض انه كان حادا، وأحيا جارحا، وفي تقديري أن هذا نوع من الدفاع عن الذات في مواجهة الخشونة والغلاسة، هكذا رأيت أمل دنقل الذي أعتبره من أرق الذين التقيت بهم رغم ما أشيع عن خشونته'.
ويختتم الغيطاني مقاله الافتتاحي بالقول المزدحم بالتساؤل: 'هل تكتسب النصوص قيمة إضافية في حالة اكتمال أصحابها وخروجهم إلى النهار؟ بالتأكيد، يصبح للنص حياة قائمة بذاته، منفصل عن صاحبه، أقرأ بدهشة وإعجاب، وأسى، أما الدهشة فلأنني لم أنتبه كفاية الى ان محمود يحتضر منذ زمن ليس بالهين، عاش موته قبل موته، أما الإعجاب فمصدره رفعة النصوص، اما الأسى، فمصدره الفراق، وقد توقفت طويلا امام الفصل الذي خصصه للحنين في 'حضرة الغياب، لقد أسس به لفقه الفراق الانساني، فكل منا مفارق، مفارق'.
تضمن العدد أيضا عددا من التقارير لكن من المترجمة والمحررة مرفت عمارة، والصحافي بالجريدة طارق الطاهر، والمحرر أحمد ناجي، كما نشر العدد مقالا للشاعر الجنوب أفريقي المرشح لجائزة نوبل 'برايتن براتينباخ' وقد ترجمه مجدي عبدالمحسن خاطر، يقول الشاعر الجنوب أفريقي: 'لقد رحل محمود درويش، وانتهى المنفى، ولن يعيش حتى يرى نهاية لمعاناة شعبه. الأمهات والأبناء والأطفال الذين يجهلون سبب ضرورة مجيئهم للعالم في قلب هذا الرعب، والقسوة المتعسفة التي تشكل لحظاتهم الأخيرة، لن يغيب محمود درويش أبدا، لن تغيب الصورة الظلية للملابس الأنيقة التي عفا عليها الزمن والأحذية المصقولة، لن تغيب عيناه اللتان تلمعان ببريق الذكاء خلف العدسات السميكة، لن تغيب المضايقة، الفضول للعالم في حميمية إدراكه للمقربين منه، ولا التحليلات الحادة لنقاط الضعف وحماقة الساسة، ولا إنسانيته أو ابتعاده عن الخمور وإقباله على التدخين بشراهة، لن يغيب كرم ضيافته الذي يمنعه من فرض آلامه عليك، ولا الصوت الذي يتكلم من مساحات متجددة الشباب من الشعر ولا القصائد ولا كلماته التي صنعت حبا لكل زمان'.
يذكر أن أخبار الأدب نشرت التعقيب التالي أسفل المقال: 'المقال ينشر في أخبار الأدب قبل نشره في الانجليزية، حيث أرسله براينتباخ' فور كتابته الى عدد من الأصدقاء ' المشتركين مع درويش من بينهم الشــاعر لينا الطيبي، وقد كتب إليها في رسالة خارج المقال: 'إن درويش الذي منعني من تقبيل يده لن يمنعني من أن أكون فلسطينيا، وقد صرت فلسطينيا بفضله، وبهذه الصفة سوف أعيش وأحب البشر'.أيضا نشر العدد مقالا مطولا للدكتور فيصل دراج الناقد المعروف تحت عنوان 'اللقاء الأخير مع محمود دروش'، حيث يتناول فيه آخر جلساتهما قبل السفر إلى هيوستن لإجراء الجراحة المميتة، وضم هذا اللقاء معهما الدكتور محمد شاهين المترجم والناقد وأستاذ الأدب الانجليزي بالجامعة الأردنية.
أما الروائي عزت القمحاوي مدير تحرير جريدة أخبار الأدب فقد كرس زاويته الاسبوعية لرحيل محمود درويش وكتب تحت عنوان 'ميتنا لا يموت': 'الشاعر مات شاعرا، وإن ترك الموت ينال من قلبه المتعب، فإنه لم يستجده أو يطلب منه أياما إضافية ينامها كخرقة، لينام قاتل مثل شارون حتى تشفق عليه عظام الضحايا، لكن ميتنا الموهوب في زرع الحياة ليس بحاجة الى هذه النومة، ولا ينتظره في الأبدية ما يخيف.
ويضيف القمحاوي: كانت وصيته قصيدته الأخيرة المباغتة والمنسقة مع سيرته، فالشاعر الذي رفض شفقة النقاد في بداية حياته، وأدرك مبكرا جدا بؤس النص الذي يستند الى قضية مهما كان نبلها، وصرخ 'ارحمونا من هذا الحب القاسي' وهو بعد شاب يليق به التيه بالتدليل، هو نفسه الذي رفض شفقة الحياة، ولم يطلب احتساب وقت إضافي في منفى جديد'.
ويختتم القمحاوي مقاله بالقول: 'واليوم عاد، ليس إلى البروة، قريته التي استعارها الشعب المستعار من أشتات الأرض، ولم يعد إلى الجديدة القرية البديلة لأسرته، ولكن إلى رام الله، المجسم الكرتوني للوطن، وهو يعرف أن الطريق الى رام الله أجمل من رام الله نفسها.
ومحمود عباس الذي رأى أن ضريح درويش في أرض السلطة يكفل له زيارة محبيه، لا يستطيع هو غيره أن يضمن سلامة الضريح من قصف الإسرائيليين الذين سيستفزهم أن ميتنا لا يموت'.
أيضا كتب الشاعر اليمني الدكتور عبدالعزيز المقالح مقالا تحت عنوان 'غيابه' معبرا للخلود، يقول في جانب منه: رحل محمود درويش لكنه يعرف قبل قرائه وأصدقائه أنها غيبة مؤقتة عابرة أو معبر لخلود وحضور دائمين، كثيرا ما حكي عنهما في شعره، بل اختصرهما ببلاغة حين وضع عنوان أحدث كتبه 'في حضرة الغياب'.
كذلك كتبت الشاعرة لينا الطيبي تحت عنوان 'غارت السماء من زرقتك، فآوتك زرقتــها'، تقول لينا في مقالها الذي يحلـــق في أفق قصيدة النثر: 'كنت انتظرك على شرفة البيت في بيروت مقابل جامعة بــيروت العربية، كان عمري 15 سنة، وكان صوتك يأتينـــــي من مكبرات الصوت، كبرت على صوتك في أذني، وكبرت على قصيدتك التي كانت تكبر بي.
يأخذ الله أنفاس الشعراء بعد أن يكتبوا رسائلهم التي منحها، يأخذ أنفاسهم ليوسع السماء التي من دخان وموت، يأخذها بعد أن يقولوا كل شيء، لكنك لم تقل بعد الأشياء كلها، لم تقل بعد، منحتنا الكثير، غير أن في ضوء روحك الأكثر مازال ينتظر وينتظر'.
كذلك نشر العدد حوارا مع الإذاعي نبيل درويش أحد الأصدقاء المقربين من محمود درويش، كما نشر العدد حوارا مع الدكتور جابر عصفور قدمه الصحافي ومحرر الجريدة محمد شعير حول رحلة محمود درويش الشعرية، ونشر العدد كذلك مقالا للناقد السوري المقيم بباريس صبحي حديدي وهو المقال الذي يحمل عنوان 'عائد الى الجليل' وكانت قد نشرته 'القدس العربي' في اليوم التالي لرحيل درويش كذلك نشر العدد شهادة للشاعر المصري المقيم بمدريد أحمد يماني تحت عنوان 'النجاة بالشعر من المعركة'.
أما الشاعر خيري منصور فكتب كلمة تحت عنوان 'أصابعه نايات وموته قيامة'، يقول فيه: 'قبل أشهر قليلة بدل محمود ألوان الأثاث في شقته، بألوان زاهـــية كما لو كان يستعد لزفاف قادم، وحين أطلق اسمه على ميدان في رام الله وحمل طابع بريد فلسطيني صــــــورته وكانت البشائر قد بدأت تتحــول إلى نذر، وإذا بالغسق هو الشفق، لكن ما فاض من شهوة الحياة حذف الفارق بينهما.
قد يكون تكرار القول بأن درويش الآن قد تفرغ تماما لاستكمال نشيده الخاص فخلع حتى جسده، ونادم جذور السنديان وصار ماء في الماء، وخضرة في عشب الربيع القادم، ووميضا في رماد هذه الحقبة السوداء'.
ويختتم خيري منصور كلمته بالقول 'أهلا بك عائدا من كل الجهات فلا الوداع ولا الحداد يليقان بغياب السطوع من أي حضور وبموت من تحول رغم أنف جبروته وطغيانه إلى قابلة'.
أما الشاعر الليبي الأمريكي خالد المطاوع فقد كتب تحت عنوان 'استعادة الطفولة وحكمة الأمل' يقول' درويش كان مزجا عبقريا بين الشعبية والشعرية الرفيعة بعد أن أصبح رمزا او اسطورة يشكو أن شعره الأخير لم يلق الاعجاب الكبير حتى من هؤلاء الذين يعرفون الشعر، ربما بدا أن درويش في الماضي كان يمتلك موقعا سحريا سمح له أن يكتب القصائد التي يتلـــقاها المثقفون والقراء العاديون على السواء بدهشة وإعجاب، بعد ذلك انكشف هذا السحر أمامنــا وكأنه قدرات عظيمة في الكيميائية في أعماله المتأخرة ظل أفضل من معظمنا حتى وهو قد تغير ليصبح واحدا منا في عمله على الكلمة وصراعه مع الشعر ولكن كان عنده تميز لم يكن عند أحد آخر في هذا القرن العربي، عندما كان الساحر القادر على كل شيء، استطاع أن يمنحنا 'الأنا' التي رفعت أرواحنا وفتحت آفاقا جديدة'.
كذلك كتبت الشاعرة إيمان مرسال في مقال مطولا لها تقول: 'كون محمود درويش ابن مأساة لحظتــــه التاريخية لا يجعله محظوظا، ما يجب أن نحزن لأجله أنه لم يكتب الكثير من القصائد العظيمة الممكنة لموهبة عظيمة مثله، لأنه ابن هذه اللحظة بالذات، ابن المأساة أي عبث في أن يتخيل الواحد نفسه في وضع درويش التاريخي؟.
أي كابوس؟ ربما لو كنت طفلا طرد من قريته وعندما عاد لم يجدها لظللت أبحث عن الغياب، ربما لو كان هناك من يشكون في وجودي وفي وجود أهلي لكتبت شيئا من قبيل 'سجل أنا عربي'، ربما لو كنت شابا وذكيا ومثقفا وأكتب الشعر وأسأل عن العدل لكان أفضل ما يمكنني أن أنتمي إليه هو 'الحزب الشيوعي' وبما لو كنت منفيا من بلد إلى بلد لحلمت أن أخلد الحنين'، وتستطرد الشاعرة إيمان مرسال في مقالها لتختتمه بالقول: ربما لو كان ألمي أقل ومحبتي لألمي أكبر ما كنت دمرت قلبي هكذا، ربما بعد أن عشت كل هذه السنوات أتحدث باسمكم جميعا ثم رأيتكم تتقاتلون في غزة وفي غيرها لكنت قررت أن أموت'.
أما الشاعر علاء خالد فقال في مقال صغير له: كان محمود درويش أنيقا في اختيار الآخر هو العدو، أو المرأة، أو الاستلاب، أو تراث الوعي بما يحمله من متناقضــــات، لم يتورط في إلغاء أي من هذه المفردات الأساسية، ولم يتعال عليها، بل سمـح دائما بحوار متــصــــل معها، ربما لم يكن جذريا، ولكنه لم يكن جماليا فقط، وهو الوعي النسـبي داثة بدون حوار، حداثة لا يكون الغناء جزءا من مكوناتها'.
وتحت عنوان 'معلقة من زماننا' قدم عدد أخبار الأدب النص الكامل لقصيدة جدارية لمحمود درويش واحتلت ثماني صفحات كاملة، كذلك نشر العدد حوارا قديما أجراه محمد دكروب مع درويش في موسكو، وكما تقول الجريدة فهو أول حوار مع محمود درويش في الصحافة العربية أجراه معه الناقد اللبناني محمد دكروب ونشرته مجلة الطريق عام 1968 في موسكو أول عاصمة يزورها محمود درويش.
كما ترجمت شيرين عصمت الحوار الأخير لمحمود درويش لجريدة الباييس الإسبانية تحت عنوان 'الموت أفضل من حياة الاحتلال'.
وكتب الدكتور صبري حافظ مقالا مطولا تحت عنوان 'في قلب العالم، كما قدم المحرر بالجريدة نائل الطوخي تقريرا عن وداع أدبـــــاء إسرائيل لمحمود درويش تحت عنوان 'وداعا، عدونا الذي نحترمه'، وكتـــــب الشاعر شعبان يوسف تحت عنوان 'في مصر لا تتشابه الأشياء، كما نشر العدد مقالا نادرا للناقد الراحل رجاء النقاش كان قد نشره في مجلة المصور في 22 ديسمبر 1967 تحت عنوان 'مطلوب محاولة عالمية، لإنقاذ هذا الشاعر'.
وتضمن العدد نص المقال الشهير الذي كتبه محمود درويش تحت عنوان 'انقذونا من هذا الحب القاسي'.

" القدس العربي"



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 159

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة