New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

محمود درويش: أتعلم من قصيدة النثر- إبراهيم اليوسف

 

03/09/2015 04:57:00

إبراهيم اليوسف

 

يعد الشاعر محمود درويش إلى جانب مكانته كأحد أهم أصوات الشعرية العربية المعاصرة، واحداً من أهم كتاب النثر المعاصر على الإطلاق، وذلك بعيداً عن تحديد موقعه في العد الترتيبي الذي قد يثير إشكالات لا نهاية لها، على اعتبار أنه نفسه كان يطلق مثل تلك الصفة على سواه* بروح الشاعر أو الناقد، وهو كلام آخر.
ولقد لفت الناقد د. صبحي حديدي الانتباه إلى كتابة محمود درويش لقصيدة النثر، وليس النثر الفني وحده، فحسب، كما أشار إلى ذلك الشاعر حسان عزت في تحقيق أجريناه في" الملحق الثقافي لجريدة الخليج" حيث أشار إلى أن الافتتاحيات التي كتبها درويش لمجلتي" شؤون فلسطينية" والكرمل" لتعد ذات أهمية كبرى، لما تمتلكه من سحر العبارة، وفرادة توظيف المفردة في خدمة ظل المعنى الذي يركز عليه الشاعر، بل يتاخم الشعر، فتحلق عالياً، ما كان يدفع بكثيرين ممن يستغلق عليهم فكّ شفرة غامض الشعر، أن يقبلوا على قراءته، لأن النثر أكثر قابلية للفهم، مادامت السهولة تكاد تكون أحد شروط النثر.

 

 


هناك من لا يزال يناقش واقع قصيدة النثر من داخل مفاهيمية نقدية تقليدية، واعتماداً على عناصر غيرها، وهذا ما يشكل تجنياً كبيراً عليها، لأنه ينبغي تقويمها انطلاقاً من داخلها، لا كما يتم الحكم عليه من الخارج .

 

 


لقد طور محمود درويش اكتشافاته المتفردة في الاشتغال على القصيدة، وتمكن اعتماداً على خبراته الواسعة، ورؤيته الثاقبة، وضع إصبعه على بؤر جديدة في المفردة، من الممكن أن تفتح لها آفاقاً جديدة مذهلة، وهو ما اشتغل عليه منذ السبعينيات من القرن الماضي وحتى نصوصه الأخيرة التي تخلص خلالها من سطوة الأنساق القديمة التي كان الفكاك منها جد صعب، ويحتاج إلى جرأة المواجهة . وإن كان في إمكانها أن تعطي النسق الجديد الذي يشتغل عليه أبعاداً أخرى، وهو يزاوج بين ما يلتقطه من مكونات وعناصر مهمة في قصيدة التفعيلة، وما توصلت إليه حفرياته، وتنقيباته غير المستنفدة التي كانت في متناول أبي حيان التوحيدي والمتصوفة وبعض رموز أبولو وبعض الدادائيين العرب، وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وغيرهم كثيرون، كتجربة سابقة، اتكأ عليها ضمن مشروعه في عالم قصيدة النثر، والمغاير الذي يطفح برائحة أصابعه، ما يسجل له علامة فارقة، وما يشير إلى ضرورة أن يكون في كل تناول جديد لفضاء قصيدة النثر تسجيل إضافة في الكشف، لا الاكتفاء بالتكرار الببغاوي الذي يجعل من الكتابة في مستوى نثري دوني، لا أهمية له، ولا طائل منه، وهو ما يقع في شراكه-للأسف - كثيرون من الموهومين، بل إن مثل هذا الوهم ليستمر عند بعضهم منذ عقود وحتى الآن .

 

 


طبيعي، أن شاعراً كبيراً بمقام درويش، وصاحب مشروعات ثقافية كبرى، من ضمن برنامجه - كما قيل - قبل أن يختطفه الرحيل المباغت، كان منذ قصيدته الأولى مشغولاً بتجاوز الذات، ما دعاه إلى التنكر لمجموعته الأولى التي طبعها، وإن راح يثبتها ضمن أعماله الكاملة، وهو ما لم يتخل عنه خلال ما يقارب نصف القرن من علاقته العبقرية مع القصيدة، فكانت كل قصيدة لا تذكر بالسابقة عليها، بل تشكل فتحاً جديداً في تجربته، ليعد بذلك واحداً من أهم شعراء العربية، وقد كان قارئ هذه اللغة في انتظار جديده، غير المستنفد، مادام أنه يمتلك سر الإبداع الذي لا يصدأ، ولا يبهت بريقه، ولا يفتقد سحره، وديمومته، وألقه .

 

 


من هنا، كان توق الشاعر يدفعه - بعد كل قصيدة - إلى أن يستزيد من مثل كشوفاته الكبرى، حيث ضاقت بإبداعاته تلك القيود التي بات يخففها، كما يشاء هو، ليكتب قصيدة جديدة، يتجدد شرطها في كل مرة، وكان بذلك أن أكمل مغامرته صوب بوار النثر، ليوقد في ترابه جنائن الشعر، ما دامت هذه التربة أوسع مما يمكن لأصص معدودة من أن تحتفظ به من تراب، طالما كررته الأشجار والغراس عبر خمسة عشر قرناً من عمر القصيدة التقليدية .

 

 


أجل، بعيداً عن مثل هذا الضرب من النثر، فإن دارسي شعر درويش أشاروا إلى أنه كتب الكثير من قصائد النثر، وإن مثل هذه الكتابة التي تبلورت في مجموعاته الشعرية الأخيرة، لم تكن نقطة البداية في كتابة هذه القصيدة من قبله، بل إن د . صبحي الحديدي ليشيرإلى أنه في مجموعته “أحبك أو لا أحبك” التي صدرت في العام 1972 إنما قد وشحها بقصائد نثرية أيضاً .

 

 


وإذا كان كثيرون من أنصار قصيدة التفعيلة، بل وقصيدة العمود، لطالما أدلوا باستشهادات من الشاعر محمود درويش يواجهون بها كتاب قصيدة النثر، لما فيها من ذم مقذع بحقها، يكاد يصل إلى درجة ذلك الذم الذي بدر عن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وهو في ذروة ردود فعله تجاه شعراء قصيدة النثر، وربما ليس تجاه القصيدة نفسها، وهو موضوع آخر، إلا أن موقف الشاعر درويش لمختلف تماماً، فهو ليس مجرد مستسيغ، أو محبذ لنماذج إبداعية راقية لا يمكن إنكارها من قصيدة النثر، وإنما هو منتج متحمس لها، بل إنه راح يفلسف رؤيته لهذه القصيدة، وكأنه يرى فيها - الجناح الآخر - لطائر الشعر، الذي طالما عميت عن رؤيته بعض الأبصار .

 

 


وإذا كان الشاعر محمود درويش قد أصدر بين مجموعتيه الشعريتين “عصافير بلا أجنحة” 1960 و”أنت منذ الآن غيرك” 2008 عشية رحيله، واعتبار مجموعته “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” التي صدرت بعد رحيله 2008 وأشار بأن لها وضعاً خاصاً، فإن الشاعر أصدر بذلك ستة وعشرين كتاباً أكثره مجموعات شعرية، فإن مجموعته “أحبك أو لا أحبك” والمطبوعة بعد اثني عشر عاماً على إصدار مجموعته الأولى التي طبعها في وقت جد مبكر من عمره، إن تلك المجموعة جاءت في ذروة تألق إبداع محمود درويش عربياً، وتبلور رؤيته الشعرية، حيث ضمت “ست قصائد نثرية” بل وإن ما جاء من كتابات رفيعة ساحرة عالية أخاذة، في عدد مجلة “الكرمل” الذي خصص بمناسبة غياب الشاعر، وغيرها الكثير، ليؤكد بجلاء مدى ولع محمود درويش بالنثر .

 

 


وقد أصدر درويش مجموعته الشعرية “كزهر اللوز أو أبعد” في العام 2005 بعبارة لأبي حيان التوحيدي، وهي: “أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم” وهو - أي التوحيدي - كان قد أشار في مكان آخر “في النثر ظل النظم” - بحسب دراسة د . الحديدي (محمود درويش والتفعيلة المنثورة)، ويرى أنه سعى إلى جسر الهوة، إذا كان ثمة هوة بالفعل، بين وزن الشعر ونثر الشعر، بل إن درويش كان قد قال: “أحب من الشعر عفوية النثر” وقال أيضاً: “أنا أتعلم من قصيدة النثر” .

 

 


طبعاً، إنه لحري بشاعر كبير مثل محمود درويش، وهو ليس أحد أهم الشعراء الذين كتبوا باللغة العربية من خلال مئة السنة الماضية، فحسب، أن يكون حقاً أحد الشعراء الأكثر كتابة للشعر الخالص، في تاريخ الشعرية العربية على الإطلاق، لما كان يتمتع به من ذائقة فريدة، استثنائية، لإعادة صياغة العبارة في مختبره الروحي، ومنحها تلك الشحنة الكهربائية - التي يحدد درجاتها كما يريد، وهو يخلق عالمه الشعري، كي نكون أمام صور شعرية تترى في بنية نصه، ضمن هندسته البارعة التي تكاد لا تذكر بأحد، ما يؤهله نتيجة حساسيته وروحه العبقريتين أن يستشف في عالم النثر الرحب، ذلك المنجم الشعري الهائل، وهو يفجر في عمق النثر كيمياء القصيدة، بعدما أغوته مناجم النثر الباذخة، بألقها، وسحرها، كمادة خام هائلة، لما لاقت من يؤجج في دواخلها روح الشعر الكريمة التي راح بعض الشعراء يأنفون الدنو منها، متوهمين أن لا شعر خارج حمحمة خيول الخليل، وإيقاعات حوافرها في بوار اللغة .

 

 


إذا كان الشاعر محمود درويش قد أسقط ذلك الجدار العازل بين رافدين مهمين للشعرية، هما: قصيدة النثر والتفعيلة، فإن سطوة اسمه الكبير لتشفع له ذلك، لأن أي إعلان عن مثل هذا الكشف، ليستجلب على صاحبه لعنة الخيانة المجانية .

 

 

وإذا كانت قصيدة محمود درويش قد احتلت مثل هذه المنزلة التي أشرنا إليها، ما جعلها -وزارة إعلام كاملة لقضية فلسطين على حد قول بعضهم- ناهيك عن قيمتها الجمالية والفنية، وألقها، وفذاذتها، وتفردها، فإن اللغة النثرية، بل وقصيدة النثر الدرويشتين لم تقلا منزلة عن قصيدة التفعيلة لديه، ما جعل كثيرين لا يستطيعون الإعلان عن جهلهم بتجاور النثر والتفعيلة، في هذه القصيدة أو المجموعة الشعرية أو غيرهما، حتى وقت طويل، وقد كانت ذريعة كثيرين - كما سبقت الإشارة - من خصوم قصيدة النثر استشهادهم بمواقف مضادة منها، منسوبة إلى هذا الشاعر الكبير، أو أن بعض هؤلاء كان يسترسل في السماجة نافياً أن يكون الشاعر قد كتب هذا الضرب المتآمر من الكتابة على اليقينيات المطمئنة لديهم .

 

 


ولئلا يتم الغلو في التشيع لقصيدة النثر، لا بد من التذكير بأن الشاعر كان يتبع - هدهد - الشعرية، ليحفر أنى كان هناك الماء الذي يطفئ ظمأ الروح الأبدي، أو ليشعل أتون الشعر أنى حل، وإن اللهاث وراء السراب لا طائل منه، وما أكثر زائف الشعر الذي يقدم في هيئة قصيدة التفعيلة، أو النثر، بل والعمود، وهو ما حدا بالشاعر لأن ينحاز إلى الشعر وحده أينما كان، بعيداً عن الشكل الذي لا شعرية جاهزة الصنع في أوصاله، مهما رافع عنه مناصرو هذا الأنموذج أو ذاك .

 


إن معرفة حقيقة أن درويش قد كتب النثر، لا بد وأن تدعو لإعادة النظر في - شعرية النص - أياً كان - مرة أخرى، وهو - في المقابل - إعادة اعتبار للأنموذج الرفيع من قصيدة النثر، كما أنه انتصار وفتح جديدان لقصيدة التفعيلة نفسها التي يعاد ضخ الدم في عروقها، وبث الحياة في روحها - مرة أخرى - ليكون ذلك دفعاً لها إلى تحقيق إنجازات جديدة، في عالمها، بتنا نفتقد إليها منذ وقت طويل، وجاء غياب أحد أهم أعمدتها المبدعين، ليشيع في نفوسنا الذعر، خوفاً على مستقبل هذه القصيدة الآسرة، التي تشكل -نصف - شعرية الحداثة، وبخاصة أننا - وبحق - ما عدنا نقرأ تلك النصوص المائزة المحلقة من شعر التفعيلة، التي دونها ستكون قصيدة النثر نفسها ناقصة، عجفاء، جرداء، وإن كان من بيننا - وتحت هيمنة ردة فعل أو غير ذلك - من يعدها مستقبل الشعر، وعنوانه الأول . . . أبداً .



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 102

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة