New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

 

08/01/2016 01:04:00

يوسف حاتم

 قبل سنوات كتب الشاعر الكبير محمود درويش: "وعند الفجر أيقظني/ نداء الحارس الليلي/ من حلمي ومن لغتي:/ ستحيا ميتة أخرى/ فعدِّلْ في وصيتك الأخيرة/ قد تأجّل موعد الإعدام ثانية/ سألتُ: إلى متى؟/ قال: انتظرْ لتموتَ أكثر/ قلت: لا أشياء أملكُها لتملكني". كان درويش في "جداريته"، الصوت المقبل من الموت، على ما قيل، والعارف بأسرار الحياة بعد فوات أوانها. كتب "جداريته" بعد أزمة قلبية رهيبة، بعدما دخل في حضرة الغياب، وصادق أسراره، وبواطنه، وكلماته، فرأى الموت من داخل، وعاشه، وتعايش معه، بل تقمصه، ثم خرج من حضرة الغياب الى حضرة الشعر، كأن ليولد ثانيةً وثالثة ورابعة، ويحيا ثانية وثالثة ورابعة، ويواصل العيش، قريباً من الموت، هاجساً به، لكنْ منتصراً عليه. إلاّ أن الموت هذه المرة كان هو الموت الحقيقي، الموت الخائن، الذي أدخل الشاعر في متاهته... من غير رجوع. فمن أي باب نكتب عن الشاعر الكبير، الذي كان اسمه يوازي قضيته بلاده، بل الذي كان يحسده ارييل شارون على كلماته، هذا الجلاّد الذي دأب على اغتيال الشعب الفلسطيني. محمود درويش ربما يكون الاسم الاكثر حضورا بشعره في العالم العربي. يقصد القارئ المكتبة ليشتري كتابه، فيختلط البعد الذاتي بالبعد الجماعي في شخصيته، حتى ليغدو مستحيلاً الفصل بينهما. هذا الشاعر الذي يمثل الضمير الحيّ لفلسطين وشعبها، هو أيضاً ذاكرة الحياة الملحمية التي عاشها الفلسطينيون. انه جزء من صناعة وطن وليس ايديولوجيا كما يحلو للبعض ان يقول. كان لافتا ان يرحل بعد ايام على رحيل الكبير الاخر يوسف شاهين. شاهين كان اسكندرانيا، ودوريش كان فلسطينيا مشرقيا، تحضر في شعره رموز التوراة، كما يحضر المسيح والقرآن. لسبب او لاخر صرنا نحفظ شعره، بسبب قضية فلسطين او من دون سببها. بل هو اصبح جزءا من ذاكرة الشعر، ومن ذاكرة البطولة، ومن ذاكرة الانتصار على الموت، فنقرأه في العين ونسمعه في الاغنيات ونحفظه في الضمير. محمود درويش، صاحب "ريتا" و"تصبحون على وطن"، و"لماذا تركت الحصان وحيدا"، الان يترك ريتا. الان بينه وبين ريتا ثمة الموت. بل الان يترك فلسطين وحيدة، وربما يكون اوصاها ان تحتفظ بشعره في ذاكراتها، هو الذي حفظ ذكرياتها في شعره. مات محمود درويش. سمعنا الخبر، فقلنا انه خبر عار من الصحة، لكن الشاعر الشاب بشعره وبحياته، كان دائما مهجوسا بالموت. حتى لكأن الموت كان مرآة يكتب فيها اللغة، او يرى فيها الايقاع والجناس، او يقرأ فيها "لسان العرب" الذي طالما احبه، بل يقرأ فيها الرواية التي دائما كانت شغفه على رغم انه الشاعر ويحب الشعر. لا ينتهي الكلام عن محمود درويش في اخر الليل، هو الذي خرج في مقتبل عمره من فلسطين الى المنفى الكبير، وعاد بعد ثلاثين عاماً من المنفى الكبير الى فلسطين التي لم يجدها، بل وجد جزءاً منها، ما برح محاصراً بالخوف والقلق وسؤال المصير: "الطريق الى البيت بات اجمل من البيت الذي لم أجده بعد عودتي". كانت هذه العبارة صاعقة بالنسبة الى الكثيرين، وهي صورة يمكن تفسير وجه فلسطين من خلالها، بل يمكن ان نعرف وجه المنفى من خلالها. عاد محمود درويش الى فلسطين لكنه لم يجدها، كما عاد ادوارد سعيد الى بيته فوجد المحتلين فيه.


ولادة

في 13 آذار 1941 وُلد محمود درويش في قرية البروة بالقرب من عكا، من أعمال الجليل. في إحدى الليالي استيقظ فجأة على أصوات انفجارات بعيدة تقترب، وخروج فجائي، وعدو استمر لأكثر من ست وثلاثين ساعة تخلله اختباء في المزار، بعيداً عن أعين وأيدي أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم: "عصابات الهاغانا". استيقظ محمود درويش ليجد نفسه في مكان جديد اسمه لبنان. هنا بدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات، وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول: "قيل لي في مساء ذات يوم... الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت". عاد محمود درويش إلى قريته فوجدها قد صارت أرضا خلاء، فصار يحمل اسما جديدا: "لاجئ فلسطيني في فلسطين"، وهو الاسم الذي جعله مطارداً دائما من الشرطة الإسرائيلية، لأنه "متسلل" ولا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية. تنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية، وكان من نتيجة ذلك أن صار محررا ومترجما في الصحيفة التي كان يصدرها حزب راكاح الشيوعي الإسرائيلي، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينات شعارا يقول: "مع الشعوب العربية... ضد الاستعمار"، وهي الفترة ذاتها التي بدأ فيها درويش يقول الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة، حيث كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر كل قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش. بعد سلسلة من الحصارات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظورا عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، ظانا أنه سيكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته. هنا بدأ محمود درويش الشاعر الشاب مرحلة جديدة في حياته بعدما سُجن في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات في 1961 و1965 و1967.


بيروت خيمتنا

في مطلع السبعينات وصل محمود درويش إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر. يقول درويش انه عندما غادر الارض المحتلة هاجمته الصحافة اللبنانية، للاعتقاد بأنه انتهى كشاعر بخروجه، حيث كان يُنظر الى الشعر الآتي من الارض المحتلة نظرة رومنطيقية، وكان العالم العربي يصفق للشعر من هناك ايا يكن، جيدا ام رديئا. لكن خروج الشاعر اولا الى موسكو ثم الى القاهرة، كان بداية تحول في شعريته، حيث شكلت القاهرة منعطفا في حياته الشعرية، ثم جاءت بيروت التي اورثته مرضا هو الحنين اليها بعد خروج المقاومة الفلسطينية منها. عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، فقد وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط. حتى ان إحدى قصائده "عابرون في كلام عابر" أثارت مناقشة حادة داخل الكنيست الإسرائيلية. هذا التأثير الكبير أهّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه الى أي جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينات، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مستشارا له في ما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف. يذكر زياد عبد الفتاح أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول: "قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة "مديح الظل العالي" فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة. وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر.
عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من الرفقاء يسقطون بأيدي الاسرائيليين، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال ماجد أبو شرار في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحافيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحافيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية. وضع "الموساد" المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده: "أصدقائي... لا تموتوا". محمود درويش الذي يعتبر بيروت جسر الحنين، عاش في كنفها يوم كانت زاخرة بالأحلام والمشاريع الثقافية. أصدر منها في أواخر السبعينات مجلة "الكرمل" التي رأس تحريرها. أثناء قصف بيروت كان درويش يعيش حياته صامدا، وعلى المستوى الشعري ساهم هذا القصف في تخليه عن بعض غموض شعره ليكون على مقربة من كل قارئ، فأنتج قصيدته الطويلة الرائعة "مديح الظل العالي"، معتبرا إياها قصيدة تسجيلية ترسم الواقع الأليم، وتدين العالم العربي، بل الإنسانية كلها. وعندما أسفر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عن خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، فضّل محمود درويش البقاء فيها، معولا على عدم أهميته بالنسبة الى إسرائيل، لكنه وبعد عشرين يوما من بقائه علم أنه مطلوب للتصفية، فاستطاع أن يتسلل من بيروت إلى باريس ليعود مرة أخرى إلى حقيبته وطنا متنقلا ومنفى إجباريا. بين القاهرة وتونس وباريس، عاش محمود درويش حبيس العالم المفتوح، معزولا عن جنته الموعودة فلسطين، وكتب كتابه الشهير "ذاكرة للنسيان".
كان محمود درويش يحلم دائما بالعودة إلى ارضه. في عام 1993 وأثناء وجوده في تونس مع المجلس الوطني الفلسطيني، أُتيح له أن يقرأ "اتفاق أوسلو"، واختلف مع ياسر عرفات للمرة الاولى حول هذا الاتفاق، فكان رفضه مدويا، وعندما تم توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى قدّم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، وشرح بعد ذلك أسباب استقالته قائلا: "إن هذا الاتفاق ليس عادلا؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه الهوية إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحا أمام مرحلة تجريب انتقالي. وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأسوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه هذا النص".
عاد درويش في حزيران 1994 إلى فلسطين، واختار الإقامة في رام الله، واستمر يكتب الشعر ويقوله تحت حصار الدبابات الإسرائيلية، إلى أن تم اجتياحها أخيرا. وقد أطلق درويش التساؤل الكبير: "إذا كنا هامشيين إلى هذا الحد، فكريا وسياسيا، فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟". وفي آذار 2002 قام وفد من البرلمان العالمي للكتاب يضم وولي سوينكا وجوزيه ساراماغو وفينشنسو كونسولو وبرايتن برايتنباخ وخوان غويتسولو إلى جانب كريستيان سالمون سكرتير البرلمان بزيارة درويش المحاصر في رام الله. وعلى هامش الزيارة كتب الأسباني خوان غويتسولو مقالا نشره في عدد من الصحف الفرنسية والأسبانية اعتبر فيه محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، وقال عن درويش إنه استطاع تطوير هموم شعرية جميلة ومؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا، فكان شعره التزاما للكلمة الجوهرية الدقيقة، وليس شعرا نضاليا أو دعويا. هكذا تمكن درويش، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه. وكان درويش شارك في الانتفاضة الأخيرة بكلماته، ويقول: "لم تكن لديّ طريقة مقاومة إلا أن أكتب، وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد، وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية". يضيف: "كتبت عن قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة بالأشياء والطبيعة. الطائرات تمر في السماء لدقائق ولكن الحمام دائم... كنت أتشبث بقوة الحياة في الطبيعة للرد على الحصار الذي أعتبره زائلا؛ لأن وجود الدبابة في الطبيعة وجود ناشز وليس جزءا من المشهد الطبيعي".


قصيدة النثر

على رغم تمسك درويش بالقضية الفلسطينية فإنه كان عرضة للاتهامات من هنا وهناك، وهو أشار إلى حملة من "الملاكمة"، قام بها بعض الشعراء الفلسطينيين ضده بسبب ما اعتبروه "هم" دفاعاً عن شعر "المقاومة" الذي يرون أن درويش ابتعد عنه في مجموعاته الشعرية الأخيرة، وتحديداً ديوانه "كزهر اللوز أو أبعد"، وهي حملة لا تقتصر مقالاتها وانتقاداتها على بعض الشعراء الفلسطينيين فحسب، بل تمتد إلى غيرهم من الشعراء والنقاد العرب الذين لا يملّون تمجيد قصائد درويش ذات الطابع السياسي، أو ذات "الموضوع" الواحد، الذي يتناول شأناً فلسطينياً، بل هم فوق ذلك يحبذون أن يأتي التناول الشعري أكثر مباشرة كلما أمكن.
في مقابل هذا النقد العصابي، ثمة جدل آخر تثيره آراء محمود درويش في "قصيدة النثر"، التي تركت الأبواب مشرعة على حق الجميع في كتابة شعرية لا تتقيد بشكل محدد. يرى البعض في آراء درويش عداء واضحاً لـ"قصيدة النثر"، وهو استخلاص خاطئ، يستند إلى انحياز الشاعر إلى خياره الشعري المتمثل في "قصيدة التفعيلة". لكن من يقرأ تجربته الشعرية يلحظ أن عالمه الفني يقوم في ركن أساسي منه على الاستفادة القصوى من إيقاعات الشعر العربي، وهي استفادة زاوجت في صورة خلاقة بين المعنى والصورة الشعرية، وحتى المناخ النفسي للقصيدة، وحواملها الشكلية وفي القلب منها الإيقاع. آراء درويش في قصيدة النثر فيها الكثير من رفض ما هو مطروح من نماذج تعتدي على الشعر، وتساهم في وجودها بكثرة بعض الصفحات الثقافية التي يشكو الشاعر من ركاكة بعض القائمين عليها، وهي شكوى محقة، على رغم أن درويش يؤكد في مساحة أخرى من آرائه أن "قصيدة النثر" حققت مشروعيتها.
اصدرت تهاني شاكر كتابا عنوانه "محمود درويش ناثرا" يخرج منه القارئ بانطباع مفاده ان الكتاب الموثق جيدا وبمنهجية تبدو "مدرسية"، لم يجب بوضوح عن سؤال يكمن في عنوانه نفسه. تقول شاكر إنها سعت في دراستها هذه إلى الاجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية أولها عن مضامين نثر درويش والثاني عن الفنون النثرية التي تنتمي إليها أعماله والثالث "هل استطاع محمود درويش أن يكون ناثرا كبيرا كما كان شاعرا كبيرا؟". ربما بدا للقارئ ان هذا السؤال الأخير الذي يحمله العنوان ضمنا بقي من دون اجابة واضحة على الرغم من تردد أقوال عن اظهار "مقدرة" هنا وأخرى هناك.
تستهل شاكر المقدمة بالقول إن محمود درويش شاعر كبير عني النقاد بشعره عناية فائقة واجروا حوله دراسات كثيرة لكنهم لم يلتفتوا إلى نثره. فالحديث عن نثره يكاد يكون مغيبا مع انه بدأ ينشر إنتاجه النثري منذ عام 1971 فصدر له في ذلك العام "شيء عن الوطن"، ثم توالت كتبه بعد ذلك، مثل "يوميات الحزن العادي" و"وداعا ايتها الحرب وداعا ايها السلام" و"ذاكرة للنسيان" و"في وصف حالتنا" و"عابرون في كلام عابر" فضلا عن الرسائل المتبادلة بينه وبين سميح القاسم.
وفي ما يكشف كذلك عن نظرة الباحثة إلى الانواع الادبية تقول "أما أبرز المشكلات التي تواجه الدارس في بعض كتبه النثرية فهي اختلاط الفنون فيها أو عدم تحديد الفن النثري الذي ينتمي إليه الكتاب"، وتتحدث مثلا عن عمل له هو "وداعا ايتها الحرب وداعا ايها السلام" الذي يشتمل على بعض النصوص التي تحيّر الدارس في تصنيفها أهي قصة أم مقالة. وتورد شاكر أسبابا للجوء درويش إلى النثر منها انه صاحب قضية يسعى إلى ايصالها إلى القارئ، والشعر في طبيعته يعتمد على الايحاء والتكثيف اللذين قد يحولان دون ذلك. ومنها انه "صحافي محرر" اشتغل في الصحافة وانه "يحب النثر ويرى ان فيه جمالية أكثر من الشعر أحيانا". واراؤه، كما تقول شاكر، لا تقتصر على بعض المقابلات التي أجريت معه بل تظهر أيضا في مقالات نقدية كتبها هو. ومن ذلك مقالة "بلاغ من النثر" تقول إنه يتناول فيها قضية الاجناس الادبية والتمييز بين النثر والشعر حيث يرى ان الجمالية قد تتحقق أحيانا في النثر أكثر من تحققها في الشعر لكن ذلك لا يلغي الفارق بين الكتابة النثرية والكتابة الشعرية. وتنقل عنه الباحثة استدراكا يتمثل في قوله: "لكن تحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصيدة أحيانا أو غالبا لا يهدم سياج القصب الدقيق والمرن بين الكتابة الشعرية والكتابة النثرية على الرغم من المحاولات البارعة لالغاء الفوارق بين الاجناس الادبية وتوحيدها في عملية واحدة هي الكتابة". يرفض درويش المفاضلة بين النثر والشعر لان لكل منهما جماليته فيقول: "أليس النثر هو حقل الشعر المفتوح. أليس الشعر هو نثر الورد على الليل ليضيء الليل".


انقذونا من هذا الشعر

كان المنفى مستمرا في ذات درويش، حتى لو وجد نفسه على قطعة ارض في فلسطين. اطلق مجموعة "شعارات" صارخة منها "انقذونا من هذا الشعر"، وفي احدى الامسيات رفض قراءة "سجل انا عربي"، حتى ليمكن القول انه ابن عصره، وان شعره ينبض بالحياة واللحظة، وان ذهب الكثير من شعره مع الزمن، وهو الذي قال انه لو عاد الامر اليه لانتقى خمسة دواوين من اعماله فحسب.
لم يكتب محمود في تنظير الشعر الحديث عن تجربته الكثير فهو قد قال شعراً ما أراد ان يقوله نثراً وهذا يحسب له بعكس الآخرين. لكننا إذ نقرأ مقابلاته التي تكلم فيها عن لحظة الشعر لديه نلاحظ وجود تباين متكامل في المواقف يكمل الدائرة لديه. فهو يقول في إحدى المقابلات التي أجريت معه: "أنا اعتبر أن المصدر الأول للشعر في تجربتي الشخصية هو الواقع، وأخلق رموزي من هذا الواقع، فرموزي خاصة بي، حيث لا يستطيع الناقد أو القارئ أن يحيل رموزي على مرجعية سابقة. أي أنني أحول اليومي إلى رمزي. الواقع هو مصدر رئيسي لشعري" ("البيان" الخليجية، 20/5/1986).
ثمة دراسات كثيرة أنجزت عن تأثره بشعراء عرب وغير عرب، منها تأثره في ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" بالشاعر نزار قباني، ولم ينكر هذا، بل أقرّ به في مقابلات عديدة. وتأثر درويش بإليوت ولوركا وأراغون ونيرودا، وهذا ما تابعه دارسون وكتبوا فيه، وهذا ما أقرّ به درويش نفسه.
في مجلة الكرمل (عدد 86، شتاء 2006) سأل عبده وازن محمود درويش عن الشعراء الذين يقرأهم الآن، فعدد له درويش أبرزهم: ريتسوس وأراغون، وأقر بأن شاعره المفضل هو نيرودا. ولما كان في فلسطين، قبل المغادرة في العام 1970، قرأ لوركا ونيرودا وتأثر بهما وخصوصا لوركا.
إذا كان محمود درويش قد خانه قلبه اخيرا، بعد خيانات سابقة، الا أن الموت الشعري لم يخف درويش الذي واجهه "جاعلاً منه الوجه الآخر للشعر واللغة". حتى الموت لم يركّع الشاعر ولم ينل منه. هاكم بعض ما قاله فيه: "هذا البحر لي. أما أنا وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل فلست لي"، "يحبونني ميتاً ليقولوا: لقد كان منا وكان لنا"، "قالوا: كيف تطلب موتك؟ قلت: سأسألكم أن تكونوا بطئين، أن تقتلوني رويداً رويداً لأكتب شعراً"، "أريد أن أحيا فلي عمل على ظهر السفينة"، "يا موت انتظر يا موت حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع وصحتي لتكون صيّاداً شريفاً لا يصيد الظبي قرب النبع"، و"أيها الموت انتظرني خارج الأرض، انتظرني في بلادك، ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي". فهل حقاً أنهى الشاعر الكبير حديثه العابر مع ما تبقّى من حياته؟

يوسف حاتم

 

أعمال

عصافير بلا أجنحة، أوراق الزيتون، عاشق من فلسطين، آخر الليل، مطر ناعم في خريف بعيد، يوميات الحزن العادي، يوميات جرح فلسطيني، حبيبتي تنهض من نومها، محاولة رقم 7، أحبك أو لا أحبك، مديح الظل العالي، هي أغنية ... هي أغنية، لا تعتذر عما فعلت، عرائس، العصافير تموت في الجليل، حصار لمدائح البحر، شيء عن الوطن، ذاكرة للنسيان، وداعاً أيها الحرب وداعا أيها السلم، كزهر اللوز أو أبعد، في حضرة الغياب، لماذا تركت الحصان وحيداً، بطاقة هوية، أثر الفراشة.

 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

1) طاق الجامعي
ارجومن سيادتكم مدي بعلاقة الموت في شعرمحمود درويش بالتوراة في اعماله الاخيرة

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 16

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة