New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

قراءة في قصيدة محمود درويش لاعب النرد - حسين سليمان

 

07/01/2016 01:18:00

حسين سليمان

قراءة النص الأدبي، لمحاولة كشفه، إنما هي كشف للناقد القارئ أكثر مما هي كشفٌ للنص، ذلك لأن النص له حيواته المتعددة.. وأي محاولة لتسليط الضوء عليه ستكون محاولة جزئية ناقصة. فالنص المقروء ليس سوى نفس الناقد القارئ.

ولأن النص حر بطبيعته فإن الإقتراب منه يجب أن يتسم بالحرية نفسها، الحرية المزال عنها الحدود - حدود المدرسة النقدية على سبيل المثال والتي ليست سوى مصيدة وستاتيك إن اقتربت من النص قتلته وقيدته في حدودها وثوابتها. حيث النص ما هو إلا طير، إن أردت أن تفهم احاسيسه فعليك الطيران معه، وإلى جانبه. بقدرات التأمل وبأحاديث الروح تكاد تخلق العالم الذي خلقه مبدع النص. وهذه الخطوة بما فيها من حرية فيها أيضا من مخاطرة ومجازفة. خشية الزلل من مرتفعات القصيدة.‏

وعلى الحالتين، فالقراءة الحرة التي بها تنكشف حساسية الناقد أو جهالته، على الحالتين هي مفيدة لمبدع النص. وهي ضربة حرية، ضربة نرد.‏

اختياري أن أنظر إلى النص مستقلا عن مبدعه وغير متبع لمدارس النقد. اقترب من النص على أنه حياة وكائن يعيش من دوني. ولا أذهب كثيرا بوجهة النظر الشائعة اليوم والتي تقول إن النص ينتظر قارئه كي يحيا، هو حي من دون القارئ لكنه ليس بيننا إنما قابع في جزيرة بعيدة معزولة وما علينا إلا ركوب المراكب والإبحار نحوه كي نلقاه ونصغي إلى ضرباته وخطواته.‏

محطة القطار التي لا تبرح مخيلتي هي محطة الحجاز في دمشق. دوار المحطة، محطة الحجاز التي سقط قطارها عن الخريطة. والدخول في تيتانك المحطة هو عودة إلى الوعي / الروح العربية الأولى التي كانت فيها الهمم مرفوعة وأملها عال وكان هناك خلق نـَحويٌ لعالم الكلمة، فالنصر كان كما تعنيه الكلمة آنذاك هو نصر واقعي. إطلاقها من الشفاه هو تكوين ويقين.‏

وفي مدة إذ حدثت فيها انكسارات وخسارات لن يقف الشعر والأدب منها مكتوف الأيدي. فالخسارة الروحية لأمة هي أيضا خسران روحي لمستوى أدبها. يسدل الشاعر الستارة ويغلق النوافذ فهناك عالم غير مكشوف أو عالم رحمة ذاتي الذي منه يجد سبلا أخرى للعيش... تعرض الصور عيونا ذابلة ألحقتها الشيخوخة بالوهن، مع مرور الزمن تخبو الطاقة الوهاجة!! لكنني مع القول الذي ينهج إلى أن مايحدث في الساحة الأدبية والفلسطينية بالتحديد هو إعادة ترتيب وإقامة نظام روحي ووعي جديد للعالم. نراه واضحا على سبيل المثال عند محمود درويش.‏

هذه مرحلة تراجع بيّن، والتراجع كي نغمي الحقيقة نقول هو إعادة بناء وليس انحدارا وتدهورا. نكون مبشرين بالأمل القادم وبحقيقة الوجود العربي الشرقي علينا أن نقبل بتلك المقولة. وهي مقبولة في الشارع الفلسطيني لا اعتراض عليها، حقيقة بدهية، لكنها قلقة عند الشاعر الفلسطيني وفيها بعض التخمين والمجاز الرومانسي.‏

من يكتب الشعر والأدب في هذه الأيام هو ابن الشارع، الذي يضحي ويقدم أفعالا أقرب إلى الشاعرية منها إلى الواقعية. رغم غلظتها وماتحمله من شوائب في أعين الغرب. ابن الشارع الفلسطيني اليوم هو شاعر العرب الأول. كل يوم يفاجؤنا بجديد، بعالم يفتح علينا تساؤلات أن الوجود هو ليس مايقوله الأدب بل مايقوله ابن السوق غير المثقف الذي رمى بالثقافة في زاوية مهملة وحمل جراحه على يده.‏

التحول الذي نقرأه في قصيدة «على محطة قطار سقط عن الخريطة» لمحمود درويش هو تحول له ميزة غير مسبوقة في أعماله. فالعنوان، أولا، هو ما يشي بالتحول وهو عنوان يمزج عالم الورق مع عالم الواقع، قطار يسقط عن الخريطة، الوجود، ماهو الوجود؟!‏

في المقطع الأول نقرأ اليباس:‏

«عدمٌ هناك موثق..ومطوق بنقيضه» عدم مطوق بوجود و «ويمامتان تحلقان» و «سروتان نحيلتان» و «هناك سائحة تصور مشهدين» فوجود التيمات في هذا المقطع هو وجود ثنائي غير وحيد بل هو مشترك، يمامتان وسروتان ومشهدان، هذا الاشتراك يكاد ينفي تطويق الوجود للعدم- والعدم كما أظن يشير عند الشاعر الى الوجود الفلسطيني- تلك الثنائية التي ابتداها النص. كل شيء معا ليس واحدا بل أثنان لكن «المحطة مثل وشم ذاب في جسد المكان»؟ يقول المقطع الأول حين يقف عليه القارئ إن الانتظار في المحطة هو انتظار للأمل. والأمل فيه هو أمل معدوم. «خلو المقعد الخشبي من كيس المسافر» ولانجد الجديد بالمعنى الوجودي لموقف الشاعر، هناك مقاطع كثيرة تعكس بصيصا خجولا يكاد يقول إنه وهم لا بريق فيه. المقطع هنا وقوفٌ حديث على أطلال معاصرة لوجهة نظر عربية معاصرة.‏

«ألا تزال بقيتي تكفي لينتصر الخياليّ الخفيف / على فساد الواقعي؟ ألا تزال غزالتي حبلى؟»‏

«(كبرنا. كم كبرنا، والطريق إلى السماء طويلة)» «كان القطار يسير كالأفعى الوديعة من / بلاد الشام حتى مصر» «كنا طيبين وسذجا. قلنا: البلاد بلادنا /قلب الخريطة لن يصاب بأي داء خارجي»‏

بالعودة إلى المقطع الأول وهو مقطع هام للدخول في عالم القصيدة، نجد أن حضور (اليمامتان والسروتان والسائحة التي تصور مشهدين)، هذه الإيقونات هي إيقونات لمكانِ لم يُهجر بعد، مازالت فيه الحياة، الصراع على الحياة، فالمكان لم يأكله العدم بعد ولم يبتلعه النسيان.‏
«عشب، هواء يابس، شوك، وصبار / على سلك الحديد» وسلك الحديد سلك كهربائي ربما، حيث المشهد يستهل من الأعلى ثم إلى (يمامتان وسروتان تطرزان سحابة)، ثم يهبط نحو المقعد الخشبي «خلو المقعد الخشبي من كيس المسافر» المقطع الأول هو لوحة صامتة رغم وجود السائحة وسؤالها له في مقطع تال.. بل القصيدة كلها لوحة صامتة لا حركة فيها. وانعدام الحركة سببه العالم الداخلي الذي يعالجه النص: هو إعادة ترتيب الحقائق التي لم تدركها عوالم الخريطة! وهذا هو التحول الذي عنيته في دواخل الشاعر.‏

«تبيض يمامتان شريدتان رسائل المنفى على كتفي» «وتمر سائحة وتسألني: أيمكن أن أصورك احتراما للحقيقة؟... أيمكن أن أصورك امتدادا للطبيعة»‏

فهذا المقطع يرتبط بالافتتاحية، يمامتان تحلقان وسائحة تصور مشهدين. الثاني منهما مقعد خالي من كيس مسافر، هذا المسافر الذي يظهر لنا فجأة هنا في هذا المقطع، حين تسأله هل يمكن أن أصورك؟! تسأله عند محطة الحقيقة، امتدادٌ للطبيعة.‏

«لا تنتظر أحدا سواك هنا. هنا سقط القطار عن الخريطة عند منتصف الطريق الساحلي. وشبت النيران في قلب الخريطة، ثم اطفأها الشتاء وقد تأخر»‏

سقط القطار عن الخريطة؟ سقط على أي أرض، إلى أين سقط؟‏

في المقطع الأخير النهائي يقول له القضاة المنهكون من الحقيقة «كل مافي الأمر أن حوادث الطرقات أمر شائع. سقط القطار عن الخريطة واحترقت بجمرة الماضي. وهذا لم يكن غزوا!»‏

فخريطة القطار أتى عليها الحريق، الخريطة القديمة، الأرض القديمة تغيرت إلى أرض جديدة وهو ليس غزوا. وماكان يفعله القطار في الخريطة ( في الماضي) سوى وصل لأرض الشام بأرض مصر، لكنه الآن وقع وانكسر المكان. وقد أمست الأرض القديمة تاريخا سياحيا تصوره امرأة!‏

هذا هو المبنى العام للقصيدة. وقد سقفها الشاعر بالتفاؤل «أنت أنت ولو خسرت. انا وأنت اثنان في الماضي، وفي الغد واحد. مر القطار ولم نكن يقظين، فانهض كاملا متفائلا، لا تنتظر أحدا سواك هنا»‏

لحظات تأمل في الواقع، في ماضيه وحاضره تشبه الحكمة وليست بالحكمة بل هي قصة شيخ خبير مرت عليه السنون وراح يروي. أولا يسقط القطار ثم تشب النيران في قلب الخريطة، هي حوادث مجرد حوادث. وحياة القصيدة كلها كامنة في صورة القطار، فمجراه عروقها وما يحمله من معان تاريخية حية وقدرة دفع نحو الأمام.‏

يبقى رمزا الخريطة والقطار رمزين شائكين بعض الشيء وثمة تناقض في بعض المقاطع يبعث على جمال إضافي وتردد في إدراك الصور وما تحمله من معان. حيث العالم في القصيدة لا تنظمه مبادئ المنطق ولا يتم على بناء موحد. وهذا هو الفن. هناك ألوان متنافرة. القضية الفلسطينية المحيرة التي يقف منها الإحساس والقلب موقفا واحدا، بينما يقف منها العقل المأزوم امام الواقعي موقفا آخر مختلفا!! والقصيدة ثقيلة لها جناحان، جناحا العقل والقلب، لكن مضمونها الأول والأخير هو القلب الذي ينبض ويتم من خلاله الطيران المحسوس، الجمال الضارب الغامض الذي يغمر القارئ بإنبهار لا تصفه الكلمة. هذه القصيدة تفتح الباب بين عالمين أستطيع أن أحدد أولهما وهو عالمنا الذي يحوي الواقعي والتخيلي معا، بينما ثانيهما هو العالم الذي لا صفة له سوى عالم القصيدة الذي يمنح الروح إجازة مرور نحو سحر العبارة وطقسها.‏

(الفرات) الثلاثاء22/6/2010



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 87

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة