New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

سلامٌ عليك يا فتى الشعر النبيل!... فاطمة ناعوت

 

09/09/2015 13:56:00

فاطمة ناعوت

 

هل حقّاً مات الذي قال: "ولنا ما ليس فيكم/ وطنٌ ينزف شعباً ينزف وطناً يصلح للنسيان أو للذاكرة"؟ كيف تركه هذا الوطن يرحل؟ الوطن الذي حملَ شعبا بأسره، شعبا ينزف أوطانا؟ هذا الوطن كيف يعجز عن حمل درويش كما حمل ملايين الأرواح والقلوب؟ وكيف سمح درويش للموت أن يهزمه هذه المرة؟ وهو الذي هزمَ الموت قبل أعوام مرتين. أليس هو القائل في "جداريته": "هزمتُك يا موتُ/ الفنون الجميلة جميعُها هزمتك/ سوف أكون ما سأصير في الفلك الأخير/ وكلُّ شيء أبيض/ البحر المعلَّق فوق سقف غمامةٍ بيضاءَ/ واللا شيء أبيض في سماء المطلق البيضاء/ كنتُ/ ولم أكن/ فأنا وحيدٌ في نواحي هذه الأبديّة البيضاء/ جئت قبيَل ميعادي:/ فلم يظهر ملاك واحد ليقولَ لي:/ "ماذا فعلتَ/ هناك/ في الدنيا؟". لو كان محمود درويش يدرك كم قلبا عربيا، من مثقفين وشعراء وقراء ومناضلين وقوميين، يتعلّق بقلبه الآن، وهو راقد في مشفاه "ميموريال هيرمان "في هيوستن بولاية تكساس بالجنوب الأميركي بين يدي أطبائه، ما مات. لو كان يدري كم روحا تتوجه الى السماء تصلي من أجله وتدعوه الى العودة فارسا للشعر النبيل، لهزمَ الموت مثلما هزمه من قبل في أواخر التسعينات في عملية قلب مفتوح مشابهة لما يمرّ بها الآن.

 

 

لكنه يعرف! ومات على رغم هذا! يعرف مكانته ومكانه. يعرف قامته في مدونة الشعر العربي، ومقامَه في قلوب الشعراء. يعرف كيف هزّت كلمته أركانَ الكنيست والمجتمع الصهيوني على نحو أشرسَ مما فعلت الرصاصات والمدافع. يعرف أن قصائدَه شحنت المناضلين بالطاقة وغذّت جيوبَهم بالذخيرة.

 

 

فلماذا مات؟ كيف لم يهزم الموت هذه المرة أيضا؟ كيف سمحَ للموت بأن يخطفه من بيننا فيما لا نزال نحتاج إليه احتياجَنا الشعر والهواء وجلاء المحتّل وعودة القدس؟ كيف للرجل أن يلملم أوراقه ويرحل هكذا سريعا قبل أن يرى العابرين بين الكلمات العابرة يحملون أسماءهم وينصرفون كما أمرهم أن يحملوا أسماءهم وينصرفوا؟

 

 

وهذه الأرض قد أطلعته على أسرارها. "قالتْ لنا الأرض أسرارها الدموية/ في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمسُ بنات/ وقفن على باب مدرسة ابتدائية/ واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ/ افتتحن نشيد التراب/ دخلن العناق النهائي/ آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي/ ومن رقصة الفتيات/ البنفسج مال قليلاً ليعبر صوت البنات/ العصافير مدّت مناقيرها في اتجاه النشيد وقلبي/ أنا الأرض/ والأرض أنا/ خديجة! لا تغلقي الباب/ لا تدخلي في الغياب/ سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل/ سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل/ سنطردهم من هواء الجليل". فكيف يموت من دون ان يطلعنا على أسرار الأرض؟ كيف يخون وعدا قطعه على نفسه ألا يموت قبل أمه كي لا يفجعها فيه؟ كيف سيواجه ثكلها ودموعَها تسيل حارقةً فوق وجنتيها مع دموع ملايين ممن أحبوه وحفظوه في عقولهم وقلوبهم شعراً وإنسانا ومقاتلا أبيضَ اليدين؟ قال إنه يعشق عمره لأنه لو مات سيخجل من دمع أمه؟: "أحنُّ إلى خبزِ أمي/ وقهوة أمي/ ولمسة أمي/ وتكبر فيَّ الطفولة/ يوماً على صدر يومٍ/ وأعشق عمري لأني إذا متُّ أخجل من دمع أمي/ خذيني أمي إذا عدتُ يوماً وشاحاً لهدبك/ وغطي عظامي بعشب/ تعمّدَ من طهر كعبك/ وشدّي وثاقي/ بخصلة شعرٍ/ بخيطٍ يلوّح في ذيل ثوبك/ عساني أصير إلهاً/ إلهاً أصيرْ/ إذا ما لمستُ قرارة قلبكِ/ ضعيني إذا ما رجعتُ/ وقوداً بتنّور ناركِ/ وحبلَ غسيلٍ على سطحِ داركِ/ لأني فقدتُ الوقوف/ بدون صلاة نهارك/ هَرِمتُ فردّي نجومَ الطفولة/ حتى أشاركَ صغارَ العصافير دربَ الرجوع/ لعشِّ انتظارك".
عليكَ الشعر والسلام أيها الفارس الاستثنائيّ. وصلِّ من أجلنا أن تجودَ الأرض علينا بمثلك.

 

 

فاطمة ناعوت

 

(النهار)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 101

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة