New Page 1

     مختارات شعرية ونثرية

New Page 1

محمد الماغوط: الشاعر الحيّ – بقلم: محمود درويش

 

22/07/2011 07:20:00

محمود درويش- محمد الماغوط

غريبٌ هو الشعر، غريب و مفاجئ. أنه يُولَدُ في البداية عندما لا يعرف قاتله أَنَّ ما يقوله شعر، بل هو تعبيرٌ عفويّ عن ذات تصرخ أو تهمس بكلمات غير مألوفة، تتدفّق على رسلها..
فتدهشنا و نقول: هذا شعر. و نعيد النظر في ما أَلِفْنا من تعريف سابق لمفهوم الشعر. و بقدر ما يتعرَّض هذا المفهوم للتعديل مع كل نص لا عهد لنا به، بقدر ما يتطوَّر الشعر و يتجدَّد.
محمد الماغوط، الذي فاجأنا غيابُهُ كما فاجأنا حضورُهُ، كان يقول دائماً إنه لم يعرف إن كان ما يكتبه من خواطر هو شعر أم نثر، فمثل هذا السؤال لا يَعْني شخصيةً قَلِقةً نَزِقَةً شَبِقَةً إلى الحرية.لكنه اقتحم المشهد الشعري العربي بقُوّة ثورٍ مُجَنَحٍ قادم من طين الحياة لا من أُسطورة، فأحدث زلزالاً إبداعياً ما زالت آثاره مستمرة.
فعندما كانت الريادة الشعرية العربية مشغولةً في البحث عن حداثتها بتَزْيِينِ نصوصها بالأساطير، و بإعادة ترتيب السطر الشعريّ الجديد بما يوحي، بَصَرياً، باختلافه عن التقليديّ، و بنَقْل القافية من مكان إلي آخر لإخفائها عن العين لا عن الأذن...كان محمد الماغوط يقلب المائدة بنص متحرر من التقاليد، و لا يبحث عن الجديد في تجديدٍ ما لدور الوزن و القافية.كان يتَشَظَّى خارج هذا السياق. و سرعان ما أقنعنا بان الشعر يأتي من مكان آخر، أو من لا مكان: من موهبة معجونة بالحرمان و الحزن و التراب.. من موهبة تستعصي على التعريف.
منذ قصائده الأولى، المشّعة بالصور المدهشة و المفارقات و السخرية، و بالعطش إلى الحرية، و بصرخة الهامش المقموع التي تجعل لإنفجارات اللغة معنى ما، لا فقاعات صابون.. كان على سليقة محمد الماغوط الشعرية الذكية أن توقف الجدل الذي لا طائل من ورائه حول شرعيَّة قصيدة النثر الجمالية. إذا كان النثر يبدع مثل هذا الشعر، فأين هي المسألة؟. لقد أحْرَجَتْ شعرية الماغوط كل الذين ينظرون إلى الغد بعيون الماضي، وَ مَن يَضَعُون شروطاً مسبقة على مغامرة الإبداع.
لعلَّ الكثيرين مَّمْن أَحبوا شعر الماغوط، الخارج عن مألوف الشعر العربي، لم يُحبُّوا الشعر الآخر. و لكن الذين أحبوا الشعر الآخر أَحبَوا شعر الماغوط أيضا. فكيف حَقّق هذا الساحر ُ الساخرُ كُلِّيُّ التمرُّد مثل هذه السابقة من إجماع الذائقة لشعرية، في خضم نقاش ما زال مستمراً و عقيما حول قصيدة النثر؟
موهبته الاستثنائية هي الجواب. نريد شعراً جديداً و مختلفاً مهما كان الشكل الذي يختاره الشاعر بشاعريته العالية، غير المتعالية، و بعناق الشخصي مع العام، و باستخراج لآلئ الشعر من وحل الحياة... خرج محمد الماغوط من سياق الخلاف حول الخيارات الشعرية، فهو البرهان الساطع على أن ما يعنينا في الكتابة الشعرية هو جوهر الشعر.. لا شكله و نظامه.
لم يصدأ معدن شعره مع الزمن، كما حدث لكثيرين من مجايليه الذين وقعوا في تقليدية حديثة، فما زال هو المرجعية الأجمل لأجيال من الباحثين عن شعرية النثر، و ما زلنا نقرأ و بشغف، لأنه شاعر حيّ، لأنه نصه حيّ.. لأنه شاعر حقيقي و مختلف.


محمود درويش



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 71

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة