New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

الوصية الشعرية لمحمود درويش

 

19/06/2015 07:16:00

 علينا ألا نتأخر في التذكير بما هو أساسي في علاقتنا بحياة وأعمال محمود درويش. مظاهر الاحتفاء والتكريم، التي تقام في مناطق عديدة من العالم، في أربعينية رحيله، تعبير عن الاجتماعي والإنساني في آن. هذا شاعر أحبه أبناء شعبه، وأحبه العرب، بمختلف فئاتهم الاجتماعية، وفي شتى البلاد. اعتبروه صوتهم الأول، الذي استعادوا به صورة الشاعر العربي الخالص. وهم، بحبهم هذا، استـقبلوه من جهة القلب، فاتحين له أبواب الحضور الدائم بينهم، رابطين بين وجوده ووجودهم. حضور هو الاحتفاء والتكريم. إنه الائتمان على فرحهم في زمن الشحوب. وشاعر له محبوه في شعوب وثقافات من العالم. أنصتوا إليه ففرحوا هم الآخرون ورددوا معه حبه للحياة والحرية والسلم. 

كان محمود درويش يبتهج لذلك الفرح الذي يوقده في نفوس الناس وهم، من عرب وسواهم، ينصتون إليه أو يقرأون أعماله. ونحن أيضا كنا معه (في مسرح محمد الخامس بالرباط، مثلا) نبتهج. ابتهاجه وابتهاجنا يتضاعف اليوم معناه. من ثم فإن على الأصدقاء المقربين منه أن ينتبهوا اليوم إلى الأساسي أكثر مما انتبهوا من قبل وهو معهم جنبا إلى جنب على قيد الحياة. بهذا الانتباه نصبح أوفياء لمحمود، من خلال حماية شعره من قراءة الكسل واللامعرفة، المنتصرة في حياتنا الثقافية. ثم حماية الشعر، الذي نرثه عنه، لغة نكتب بها مقاومتنا الأولى، في المنافي المتكاثرة. لأن هناك فرقا بين اجتماعية الشعر وشعرية الشعر. وهو الفرق الذي كان محمود درويش حريصا على إدراكه وتناوله في المناسبات التي كان الحديث بشأن هذا الفرق ممكنا. إنه الفرق أيضا بين الشعر والفهم المتداول للشعر، خصوصا بالنسبة لمحمود درويش، الذي حمل في جسده عذابات وآلام مأساة الشعب الفلسطيني، وقد تقاطعت فيها خطوط فقدان الهوية مع فقدان أرض وما لا عد له من التباسات الثقافة والحق في الوجود، حتى لو كان هذا الوجود مجرد جلوس في مقهى يختاره الشاعر بحبه للحياة.

  2

لحرص محمود درويش على التنبيه على هذا الفرق تاريخ، يمكن، شيئا فشيئا، وضع خطوطه الكبرى. وبمجرد ما نضع هذه الخطوط سنتـبين آنذاك المجاهدات التي جربها الشاعر بعنفوان، سيرا على الأقدام نحو الذي لا نوليه الاعتبار ونحن ننصت إليه أو نقرأ أعماله منتعـشين. فرح في عيوننا يصعد درجات التمزق والصرخة. والذي لا نوليه الاعتبار في القصيدة ينظر إلينا، يفر من لامبالاتنا. أي محمود نختار ونحن نقرأه اليوم كما كنا نقرأه وننصت إليه؟ سؤال يفاجئ غير المتعودين على السؤال. قصيدته هي البداهة كلما أقبلنا على القصيدة. يرد غير المتعود على السؤال. ثم يمضي. وفي أعماقه تزاحم القصيدة القصيدة. رد لم يطمئن إليه محمود. بهذه اللاطمأنينة كان الشاعر حريصا على إدراك الفرق بين الشعر والفهم المتداول للشعر. حرص متسرب إلى جسد القصيدة. وهو يفيد أن هذا الحرص كان حاضرا في جميع مراحله الشعرية. منذ أن أدرك أن الشعر تعلم، فكان يخط بيده دواوين نزار قباني في شبابه، وهو، في الأرض المحتلة، محروم من مكتبة عربية في متناوله. درس بعيد، تجدد عبر مراحل، وحسب الوعي الشعري الذي كان كل مرة يرتقي به معرفيا نحو مثاله الشعري كما يريد له أن يتجسد في القصيدة.
على أن محمود درويش، عكس ذلك، لم يخص شعره بتنظير ولا بكتابات نظرية، في شكل دراسات مفصلة. لدينا، بدلا من ذلك، إشارات مكثفة في حواراته، ثم لدينا تناول موسع لقضايا نظرية تلمس محاور الأدب والشعر والزمن والمقاومة الفلسطينية والحرية في افتتاحياته لمجلة 'الكرمل' (العدد 65، خريف 2000 عن 'جدارية' كنموذج). نحن لا نعرف لحد الآن ما إذا كان كتب مذكرات أو دفاتر تجمع ملاحظاته عن الشعر والقصيدة. لا أغفل هنا ما نشر بعضه من لمع تشرق بألقها السري ضمن يومياته الصادرة في مطلع هذه السنة 2008 بعنوان 'أثر الفراشة'. ما أعنيه مزاولة كتابة سطور وفقرات تخص القصيدة، أو الشعر والنثر، عندما تمسك بانتباه الشاعر على اثر الكتابة والقراءة. شيء يتطلب منا انتظار ما يمكن العثور عليه في أوراقه وملفاته غير المنشورة. وإذا افترضنا أن محمود لم يشعر بحاجة لكتابة مثل هذه المذكرات والدفاتر، فهو من الشعراء القلائل الذين كانوا يضمنون القصيدة وجهة نظرهم الشعرية. عديدة هي قصائده التي كانت تجهر بسمات نظريته الشعرية، فضلا عن تميز قصيدته بطريقة بنائية كانت تتجنب الاعتباطية فيما هي كانت، آنا بعد آن، مهيأة لاقتحام شهوة المغامرة السيدة. ولم يكن يتساهل مع نفسه. كلما أحس بان ما كتب (ونشر أو قرأ) لا يلتزم الصرامة في البناء أو يخذل الشعري كان يبادر إلى عدم إعادة نشر القصيدة (في ديوان) وعدم إعادة قراءتها (في أمسية شعرية). انشغاله بوعي خصائص القصيدة الحديثة وبنائها كان، إذن، مائلا في القصيدة ذاتها. فيها تبرز عنايته بمعنى اللغة الشعرية ووظيفتها. عناية الشاعر الذي يرى أن الشعر تجربة داخلية تمر عبر لغة لا تشبه لغة أخرى. تجربة داخلية تسعى إلى بلوغ حالة الشطح.

  3

تقاسمت مع محمود درويش بوحه بالحرص على شعرية القصيدة منذ بداية الثمانينيات، عندما زرت بيروت أول مرة. لقاءاتنا السابقة، في الرباط والمحمدية أو بغداد، لم يكن التعبير فيها عن الانشغال واضحا بيننا تماما. وابتداء من الثمانينيات أخذ البحث لديه عن تحديث القصيدة منحى جديدا. وقد كنت تناولت قسطا من ذلك في دراستي عن الشعر العربي الحديث حينما أشرت إلى ما جاء في كل من مراسلاته مع سميح القاسم من ناحية، وما سجله في كتابه 'ذاكرة النسيان' من ناحية ثانية، أثناء حصار بيروت، عن موفقه النقدي من الشعر السائد في وقت المعركة حيث المسألة لم تعد هي أن نكتب قصيدة بل أي قصيدة نكتب. نوعية القصيدة أصبحت مطروحة عليه لأنها تلتحم بمسألة الوجود. انتقلت القصيدة من بداهة التعبير إلى عتمة التجربة. كانت بيروت منطلق الأسئلة الصعبة، ثم أتت باريس، التي كانت مرحلة تعلم عليا. نعم، جعل درويش من منفاه في باريس فرصة لتعلم ما لم يتمكن من تعلمه سابقا، في القاهرة أو بيروت أو تونس. كان المنفى في باريس جسرا يؤدي إلى ضفة مأهولة بالحرية، وبالثقافة الواسعة، النقدية، العالمة. ورغم أنه لم يكن يعرف الفرنسية فإنه تلقى دروسا فيها، وتكاملت قراءاته بالإنكليزية مع الثقافة التي تنتجها باريس (أو تتداولها) في الشعر والفلسفة والنظرية الأدبية خصوصا.
هذا التواضع الدائم لمحمود درويش كان يبهرني ويقربني منه أكثر فأكثر. لم تكن بيننا مسافة في الحوار المعرفي بخصوص القصيدة. وأشير، هنا، إلى مبدأين أصبح ملازما لهما. الأول هو الذي صاغه صديقه جيل دولوز عن التحديث الأدبي عندما عرفه بأن الأدب لا يكون حديثا إلا بمقدار ما يصبح غريبا داخل لغته. كان محمود معجبا بهذا التعريف الدقيق، المضيء من قلب التجريد. تعريف يفضي مباشرة إلى اختبار التحديث، في أزمنة وأعمال أدبية وفنية. والمبدأ الثاني، الذي كنا نطيل الحوار بشأنه، هو تعريف أوكتافيو باز للقافية، إذ ينزع عنها صفة الموسيقية ليسند إليها قيمة بنائية. هذه اللمعة، الدالة على حدة الملاحظة، كانت تبعث في نفس محمود نشوة يطول انعكاسها على كلماته. فهي كانت تعطي القافية شرعية البقاء (أو الانتـفاء) في القصيدة ـ قصيدته أو القصيدة الحديثة، فيما هي كانت تحرره من الفهم العفوي، الذي روجت له نازك الملائكة (ونقادها) دون وعي حتى بوجهة نظر بعض القدماء.
في باريس، كانت حواراتنا تتعمق وتترسخ كلما زرته. كان العالم يتبدل، والقضية الفلسطينية بدورها تعرف منعرجات مخيبة لحلمه بفلسطين الحرة، المستقلة، وأسئلة الشعر لم تعد تخضع للمتعارف عليه في الثقافة العربية السائدة. أصبح محمود يخترق معارف زمنه بجرأة وذكاء، بعناد ورغبة. أصبح قريبا من شعراء ومفكرين وفنانين غربيين، يتبادل وإياهم الحوار في الشعر وفلسطين والحرية. معنى الشعر أصبح مدموغا بالتجربة ومسكونا بمعنى الوجود. هنا كان محمود يريد لمعرفته بالشعر أن تعضد دفاعه عن قصيدته بما هي تجربة شعرية، تنصت إلى الجسد، الواقعي والرمزي، وإلى الزمن الشعري والزمن السياسي، بعد أن أصبح الشاعر، أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت، يجرؤ 'على الإعلان عن كتابة صمته' كما جاء في 'ذاكرة النسيان'. كل ذلك كان يفسح في مكان الوعي النقدي الذي يحمي القصيدة وشاعرها من اللهو بالكلمة والمعنى والفكرة.

  4

ليست ثمة عفوية في كتابة القصيدة. تلك هي السمة الرفيعة التي أصبح محمود درويش يسمي بها قصيدته. إيرادي لهذين المبدأين، لدى كل من دولوز وأوكتافيو باز، لا يبتغي إسقاط مبادئ أخرى تشبث بها درويش في قصيدته، بل هو وقوف على معنى الإقامة في منفى باريس ومعنى القصيدة كتجربة داخلية تمر عبر لغة لا تشبه اللغة. تسمية درويش لقصيدته الشخصية كانت حماية لها من اللاتسمية التي كانت تتهدد الشعر الفلسطيني أو شعر المقاومة. وهي، في الوقت نفسه، حماية لها من القراءة التي تحرم القصيدة من حياتها داخل الشعر وتحرّم عليها أن تكون قصيدة، بأن تمتثل لقضاء يحكم عليها بأن تبقى كلاما مضافا إلى الخطاب السياسي. وفي تسمية درويش لقصيدته تبرز وصيته الشعرية.
إن محمود درويش شاعر. كانت صفة الشاعر لديه سؤالا غير ميؤوس منه، مثلما هو غير مبتور عن سؤال الذات والزمن والمعرفة والوجود والمصير. من هنا أدرك درويش كيف يكون شاعرا، لا ينوب عن سواه في وظيفته ولا في لغته أو في رؤيته وتجربته، وكيف يظل فلسطينيا، لا يغادر ظلال التاريخ والجغرافيا والأسطورة. للشاعر رؤية ترسم حدودها بدمه الشخصي، وهو يحفر الليل والليل بأصابع مدماة، بحثا عن الدخيلة ولغتها المخصوصة. وقد عاش محمود درويش صراعا علنيا وباطنيا في آن من أجل ألا يستسلم لمتاريس تحول دون الكشف عن دخيلته بالحرية التي يرتضيها لنفسه، ودون أن يكون شاعرا بالطريقة التي يختارها هو لقصيدته. تجربة محمود درويش تنحو بهذا الصراع نحو الأقصى. ففي بيروت، كان عليه أن يواجه رؤية نقدية لا تكف عن محاكمته باسم الحداثة، ويواجه، من جانب آخر، اختزال الشاعر الفلسطيني إلى اللاشاعر.
ما كان يلح عليه محمود هو تعيين مكان شعريته. لم يصدق يوما أن الشعر لعبة مصيرها العدم، رغم أن قواعدها تظل مجهولة حتى بالنسبة للشاعر، أي أنها قواعد مبعثرة في قصيدة تحتفظ لنفسها بسر قواعدها. هناك من الشعراء من يقدرون على تعيين فعل الكتابة لديهم وهناك من لا يأبهون. وليس لذلك مساس بشعرية القصيدة. لكن الشعراء الكبار خبيرون بما تفعل بهم القواعد وبما يفعلون بها في آن. ومحمود درويش من هؤلاء الكبار الخبيرين. كان يتقن بعثرة قواعد الكتابة لديه. وهو ما كان يريد لقارئه أن يدركه. إرادته تلك هي وصيته الشعرية. كيف نقرأ قصيدة عمل الشاعر على البحث عن طريقة مخصوصة لبنائها وفق قواعد خفية، تطلبت منه العمل لفترة زمنية طويلة حتى يطل على فضاء قصيدة هي له، بحدودها وسماتها؟ كان محمود درويش يريد على الدوام أن يدل قارئه على قصيدته. وأنا، اليوم، أتخيله راغبا في أن يقول: 'درويش، ليس إلا هذا ... !'. بهذه العبارة كان الرسام ماتيـس تكلم مع أراغون، عندما أقبل على الاقتراب من ماتيس لكتابة كتاب عن فنه سنة 1942، قائلا له وماتيس يقف أمام احدى أجمل لوحاته : 'اشتغلت لسنوات حتى يقال: 'ماتيس، ليس إلا هذا... !'

  5

سأقتصر على ثلاثة مواقف عشتها مع محمود كانت كلها تهدف إلى تعيينه مكان شعرية قصيدته ومن ثم مكان القراءة. مواقف مختلفة، وفي كل واحد منها مستوى من هذا التعيين. الأول كان في مقر اليونسكو في باريس سنة 1984. والمناسبة ندوة عن الأدب الفلسطيني المعاصر دعت إليها الجمعية العالمية للحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني ورعايته، ووافقت اليونسكو على تنظيمها، للتداول في شأن وضع موسوعة الأدب الفلسطيني. كان المدعوون يشكلون طرفين. الأول رسمي هو الألكسو، ممثلا للجامعة العربية؛ والثاني كتاب اختارهم الفلسطيـنيون. وهم محمود درويش، إدوارد سعيد، سليم بركات وأنا، وإلى جانبنا عمر مصالحة. كانت المسألة تتمحور حول معيار الاختيار، اختيار الأسماء والأعمال. كان رئيس الألكسو، الذي ترأس أعمال الندوة، يريد فرض رؤية تقليدية في الاختيار.
موسوعة الأدب الفلسطيني المناضل والمقاوم، بالمعنى السياسي والإعلامي المباشر. منذ البدء اتضح الخلاف بيننا وبين الطرف الإداري للألكسو. وعندما طرح الرئيس سؤالا إنكاريا عن المفاضلة في الاختيار بين قصيدة تمجد البندقية وأخرى تصف التفاحة، كان رد محمود سريعا وحارقا. قال إن وصف التفاحة هو الصواب والمعيار، لأن لغة الأدب تختلف عن لغة السياسة والإعلام. لم يستوعب الرئيس هذا الاعتراض لأنه كان عاجزا عن رؤية التفاحة في شجرة، والشجرة في أرض ذات تاريخ وشعب وثقافة وفنون. لم يكن مهيأ ليفهم أن أدب الفلسطينيين وفنونهم هو كل ما أودعوا فيه حياتهم وأحلامهم وأن البندقية تخفي عالما من الآداب والفنون. بإهمال هذا العالم تصبح الموسوعة مضادة لما يراد لها من حفظ الإبداعية الجماعية. ثم انطلقت بين الطرفين معركة نقدية وجمالية، لم تصل إلى نقطة نهاية. كل واحد منا، نحن الأربعة، كان يحد من تهور الرئيس. وتقدمنا أكثر بعد أن اقترح محمود وإدوارد أن يقوم سليم وأنا بوضع ورقة، كانت هي الوثيقة الصادرة عن الندوة. الموقف الثاني في قفصة بتونس في حزيران (يونيو) 1995. المناسبة تكريم محمود درويش من طرف بيت الشعر التونسي وبتنسيق مع مندوبية وزارة الثقافة في قفصة. تكريم في شكل ندوة دراسية وأمسية شعرية كبرى يحييها محمود درويش. كنت مشاركا في هذا التكريم مع كل من محمد لطفي اليوسفي والمنصف الوهايبي وتوفيق بكار ومحمد الغزي وصبحي حديدي. ولطبيعة المشاركين وظرفية الوضع الشعري في العالم العربي، قمنا بتحرير ورقة نقدية بعنوان ' من أجل منطلقات جديدة لقراءة الراهن المتغاير في الشعر العربي' (أطلقنا عليها 'بيان قفصة') تنص على الطريقة التي يجب أن نقرأ بها شعر محمود درويش والشعر العربي الحديث في زمنه الجديد. هي طريقة تتناول العمل الشعري بما هو مستقل بذاته، وبما هو تجربة شاعر جعل من كتابة القصيدة مجاله الحيوي، كسائر الشعراء الحديثين في العالم. وقد عبر محمود آنذاك عن غبطته بتلك الورقة ـ البيان وما يمكن أن تؤدي إليه مستقبلا في إعادة قراءة قصيدته، فيما ألقى كلمة في اتجاه الورقة ـ البيان، مهد بها قراءته الشعرية (راجع البيان بجانب هذه الكلمة). ثم الموقف الثالث في دارمـشتات بألمانيا سنة 2003.
كنا مجموعة من الشعراء المدعوين من طرف الأكاديمية الألمانية للغة والشعر. تلك كانت أول مرة تخرج فيه الأكاديمية على تقليدها فانفتحت على شعر غير ألماني. وإلى جانب الأمسية الشعرية الكبرى التي شاركنا فيها جميعا في قاعة جوزيفين، زوجة نابليون، عمل المسؤولون على تنظيم ندوة بين الشعراء العرب والألمان. كانت ندوة صعبة جدا، لأن الشعراء من الجانبين لم يلتقوا من قبل بهذا العدد ولغاية الحوار بين الشعرين.
صعوبة الحوار كانت متأتية من كون الجانب الألماني لم يكن يعرف شيئا عن الشعر العربي، لا القديم ولا الحديث. هناك أسماء محدودة يعرفها. وهي لا تساعد على فــتح الحوار. سار النقاش رخواً ثم شرع في التوتر إلى حد أن أحد المشــــاركين الألمان طرح سؤالا عن الجدوى من لقاء كهذا ما دام لا يعـــــرف ما الذي سيستـفيده من الشعر العربي الحديث. أحسســــــنا بأن الحــــوار الشعري يتطلب معرفة الألمان بالشعر العربي الحديث فيما هو يفرض المعرفة بالشعر العربي، مثلما نحن من الجانب العربي نمتلك معرفة بالشعر الألماني، من خلال أعلامه التاريخيين على الأقل. كل واحد منا أخذ الكلمة.
ولكن محمود درويش فضل أن يقدم نظرة موسعة عن الشعر العربي الحديث، باتجاهاته الفنية والجمالية. ومن خلال التيارات المتعددة. كان حديثه عن الشعر العربي الحديث مركزا على المراحل التي اجتازتها القصيدة العربية الحديثة في تحديث نفسها وفي علاقاتها المتشابكة مع التراث أو مع الشعر الحديث في العالم. كلمته اتجهت مباشرة نحو الشعري في القصيدة.
هي مواقف ثلاثة مختلفة، ما يمس الأدب الفلسطيني أو قصيدة محمود درويش نفسها أو الشعر العربي الحديث. مواقف تصدر عن وعي بما معنى الأدب، وما معنى الشعر والقصيدة الحديثة تحديدا، في عالم أصبح على الشاعر أن يكون حاضرا فيه بقصيدته وبوعيه بما هي وما مجال فعلها. وهي تؤدي بي إلى القول بأن هذه المواقف، بالإضافة إلى المبدأين المشار إليهما في البداية، تلخص الوصية الشعرية لمحمود درويش.

  6

صدمة وفاة محمود درويش في الوجدان الجماعي أخذتني إلى ناحية أصبحت هي البدء عند تناول الوضع الأدبي في العالم العربي: كيف يمكن لصدمة مماثلة أن تقع في وقت لا يكف فيه نقاد عن التشهير بالشعر والإعلان عن نهاية زمنه منذ التسعينيات؟ لا يعنيني الجواب، المتعجل. سؤال ورد علي وأنا مستغرق في صمت أشاهد فيه عوالم لا ينفع معها الارتجال. نفسي تكلم نفسي. علينا أن ننصت لوصية محمود درويش. ننصت إليها ونحن مقبلون على قراءة قصيدته، حتى نرتفع إلى علو ما كتبه، بمعرفة شعرية وبوعي بالقصيدة ومجهـولها. في ذلك العلو وحده ينفرد بنا ما لا ندري، صعقا يضيء أزمنة برمتها. ليل في ليل. وأنا أبارك الصعق والصمت والليل.

  محمد بنيس
( القدس العربي)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 22

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة