New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

محمود درويش ينقذ سمعة الشعر في عالم تخلى عن الشعر- شوقي بغدادي

 

13/07/2014 11:23:00

شوقي بغدادي

 

المتعة المصاحبة لاسم محمود درويش لا تتوفر لشاعر كما لهذا الشاعر النادر المثال. إنه شاعر لا يمثل الموهبة الفنية الكبرى فحسب، بل القضية الوطنية التي تتبناها الموهبة بكل مراحلها وتحولاتها، وبوعيٍ فكري سياسي يكاد يكون مرشداً أساسياً في طريقة التعامل مع العدو كما مع القضية للتحرر منه.
ومنذ اللحظات الأولى لتفتح هذه الموهبة يشعر القارئ على الفور أنه حيال موهبة شعرية كبيرة، كانت تتطور حقاً ولكن من دون أن يحسَّ الدارس المتمعن أن هذا التطور خلق هوَّةً بين قصائد الشاعر الفتى وقصائد الشاعر الكهل، وهكذا يمكن القول دونما مبالغة أن محموداً وُلد شاعراً كبيراً دفعة واحدة، وأن حجمه الكبير هذا لم يتبدل كثيراً من حيث الشكل بقدر ما تبدّل من حيث الامتلاء النفسي والفكري، ومنذ بداياته كما نعرف ارتبط شعره بالقضية الوطنية لبلده المنكوب بالاحتلال، وظل مرتبطاً بها حتى يومنا هذا حتى لكأن الذي يقرأ شعر محمود حسب التسلسل الزمني لإصداراته يراجع فيها تاريخ (القضية) كاملة، من دون أن يكون التطابق بينها حرفياً، وإذ نراه أحياناً يختلف مع الخطة السياسية المرسومة ولكن من دون أن ينقلب عليها كما في ختام قصيدته المشهورة (مديح الظل العالي) حيث يقول: (ما أكبر الفكرة - ما أصغر الدولة!) معارضاً (مشروع) (عرفات) في الدولة الفلسطينية المستقلة مقابل الدولة الإسرائيلية آنذاك.
كل هذا الكلام يحتاج بالتأكيد إلى شواهد وتحليلات تغطي إنتاج محمود درويش الكامل، وبما أن هذه الشهادة ليست قادرة بمساحتها المحدودة أن تستوعب هذا العمل الضخم فإننا سوف نلتقي بإشاراتٍ مساعدة على رسم الصور الأساسية في طريق هذه الدراسة موزعة على مراحل تاريخية أربع.
- في المرحلة الأولى التي نسميها مرحلة التحدي والتي تمتد من الفترة التي عاشها محمود في الأرض المحتلة إلى خروج المقاومة من لبنان في أواسط الثمانينيات، وهي مرحلة تتميز وطنياً وفكرياً بالتماسك والتصاعد والجرأة البالغة والمحافظة نسبياً على النفوذ السياسي القوي لمنظمة التحرير الفلسطينية وخاصة في لبنان بعد تحولها إلى الكفاح المسلح، هذه الفترة التي تستغرق مرحلة الفتوة والشباب لمحمود درويش هي التي صنع إنتاجه الشعري فيها شهرته الأساسية لشاعر يمثل أولاً طليعة تيار شعراء الأرض المحتلة، وتالياً طليعة الشعر المقاوم الذي برز فيه بعد تركه الأرض المحتلة إلى (مصير) فترة قصيرة في أواخر العهد الناصري، ثم إلى لبنان حيث غدا الممثل الأول لشعر المقاومة الفلسطينية، وهذا ما يُفسّر مثلاً ظهور قصائد مثل (سَجّلْ أنا عربي) التي نُشرت في مطلع الستينيات وظهرت في ختام مجموعته الأولى (أوراق الزيتون) الصادرة عام 1964 حيث نواجه شعراً عربياً جديداً بكل معنى الكلمة شكلاً ومضموناً ومعبّراً في الوقت ذاته عن روح التحدي الجسور والاعتزاز بالهوية القومية والوطنية في مواجهة الاحتلال الاستيطاني بلغةٍ في منتهى البساطة والمباشرة والوضوح، ومع ذلك فقد بدت قصيدة جديدة بسبب لغتها الطازجة جداً وزوايا التصوير المبتكرة والتقنيات التعبيرية المستحدثة وهذه النكهة من الحداثة التي هبّت علينا من داخل الأرض المحتلة فأنعشتنا وحتى في موضوعات الغزل الأكثر استهلاكاً وتداولاً وبالتالي صعوبة في الابتكار والتجديد سوف نفاجأ برائحة لطيفة لحداثةٍ شعرية مقبولة لم نعهدها من قبل تنعش ذاكرتنا وتحرّض ذائقتنا على تقبل المزيد من طعوم الحداثة الوافدة.
ولنأخُذ أيَّ شاهد من مجموعته الأولى الصادرة قبل نصف قرن نشعر على الفور بالنوعية الجديدة لهذا الغزل كما في (حنين إلى الضوء) مثلاً:
(ماذا يثير الناس لوسرنا على ضوء النهارْ
وحملتُ عنكِ حقيبة اليد، والمظلةْ
وأخذتً ثغركٍ عند زاوية الجدارْ
وقطفتُ قُبلةْ..)
أوقوله في قصيدة أخرى..
(عيناك يا صديقتي العجوز يا صديقتي المراهقة
عيناك شحاذان في ليل الزوايا الخانقة
لا يضحكك الرجاء فيهما ولا تنام الصاعقة
لم يبق شيءٌ عندنا إلا الدموع الغارقة
قولي: متى ستضحكين مرّةً وإن تكُن منافقة؟..)
هذا غزل جديد على جيل الخمسينيات والستينيات وإن كان متأثراً بعض الشيء بشعر نزار قباني وقتئذٍ، وإلا أنه يختلف من حيث مناخه العاطفي المتميز عند نزار بالنرجسية في حين نجده عند محمود يرشح بروح الرفاقة، فإذا أضفنا إلى ذلك حفاظ محمود على الإيقاع (الخليلي) والقافية سوف ندهش حقاً أن كل هذه المزايا مصاحبة محموداً حتى اليوم، ولكن لا بد من الاعتراف بأن بيروت تركت أثرها البالغ في تطوير شعر محمود ومن هنا نشأت مفارقة لافتة أن الشاعر القادم من أعماق الأرض المحتلة والذي احتل صدارة الصف الأول لشعراء المقاومة في الخارج مطالب ومن جهة أخرى ألا يتخلف عن نماذج التحديث الشعري التي واجهته فيما راح يقرؤه في مجلة (شعر) والصحف والمجلات اللبنانية الأخرى التي كانت تقود حركة الحداثة الشعرية في ذلك العهد، فما عساه يصنع؟..
هنا سوف يفاجئنا محمود بقصائد جديدة لم تعد تتميز بالوضوح الساطع بل على العكس كانت أقرب إلى الغموض كما في قصيدة (الرمادي) مثلاً في مجموعته (محاولة رقم 7): (الرمادي اعترافٌ، والسماء الآن ترتدُ عن الشارعِ
والبحرٍ ولا تدخل في شيءٍ ولا تخرج من شيْ، ولا تعترفينْ
ساعتي تسقط في الماء الرمادي فلم أذهب إلى موعدكِ الساطعِ،
يأتي زمنٌ آخرٌ إذْ تنتحرين..)
فمن يتابع هذه القصية إلى نهايتها ويُعيد التأمل في تفاصيلها يفهمها أخيراً، ولكن لا بُدّ من الاعتراف بأن الصعوبات التي تعترضه فيها ولم يكن يواجه مثلها في شعره قبل مجيئه إلى بيروت، لقد استطاعت هذه المدينة العربية الخارقة أن تفتح بصيرة محمود درويش على مراهنات لا مفرَّ منها مسايرةٍ لروح العصر، وامتياز محمود درويش أنه فهم اللعبة فوراً ونجح في هذه المراهنة تُسعفه بداهتهُ وموهبته وحركته الحرّة بالرغم من التزامه ، ولهذا السبب لم يبتعد محمود عن قرائه كثيراً بل كان يداعبهم بحداثته مقترباً مبتعداً عنهم وكلما شعر أنهم تحيروا بعض الشيء وكادوا يضيقون به ذرعاً أسمعهم قصائد نادرة في مستواها الفني الرفيع وقدرتها على تطويع الذوق السائد على هضم النكهات المبتكرة للمطبخ الشعري المحدث، كما في قصائده الملحمية الواضحة نسبياً مثل (سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا) و(أحمد الزعتر).
ومن خلال هذه المراوحات والمقاربات سوف تبرز شيئاً فشيئاً ظاهرة جديدة في شعر الغزل تتحد فيه المرأة بالأرض حتى ليصعب التفريق بينهما في كثير من قصائد الحب التي تحفل بها مجموعات محمود الشعرية خلال إقامته في بيروت.
- في المرحلة التالية ونعني مرحلة (الحنين) التي بدأت مع خروج المقاومة من لبنان وتعرّضها لتشرّد جديد إلى يوم توقيع اتفاقية أوسلو وعودة المنظمة إلى الداخل بموافقة العدو..
في هذه الفترة الموجعة يظل محمود درويش أميناً لأحوال شعبه فتتلاحق القصائد المعبّرة عن أوجاع التشرّد على شواطئ قبرص مثلاً وفي المطارات اليونانية وغيرها من أمكنة كانت تتلامح في إنتاجه مع شحنة أعمق من الحزن والحنين العميق إلى عودة شبه مستحيلة للوطن الأم، ولعل قصيدته الطويلة (الهُدهُد) المنشورة في التسعينيات وكانت المقاومة قد استقرت في تونس هي خير شاهد على هذا الحنين المميت:
(لم نقترب من أرض نجمتنا البعيدة بعد...
تأخذنا القصيدة من حَرْم إبرتنا لتغزل للفضاء
عباءة الأفق الجديدة
أسرى.. ولوقفزت سنابلنا من الأسرار
وانبثق السنون ومن قيدنا المكسور أسرى
ما نحبُّ وما نريد وما نكونُ...
عادت إلينا من رسائلنا، رسائلنا لنكتب من جديد
ما تكتب الأمطار من زهرٍ بدائي على صخر البعيد
ويسافرُ السفر الصدى منا إلينا ، لم تكن حبقاً
لترجع في الربيع إلى نوافذنا الصغيرة. لم تكن ورقاً
لتأخذنا الرياح إلى سواحلنا.....)
هذه القصيدة الرائعة والتي ينضج فيها المناخ النفسي واللغة الطازجة، والتقطيع الوزني المبتكر والتقفية المتقطعة في صياغة متداخلة..
وفي المرحلتين الأخيرتين الثالثة: مرحلة (الاعتراف بالأمر الواقع) والرابعة الأخيرة مرحلة (مراجعة الذات والموضوع) يهدأ محمود درويش كما هدأ الكفاح المسلح نسبياً وقد انتقل زخمه الأعنف من (فتح) وباقي الفصائل الداخلة في منظمة التحرير إلى المنظمات الإسلامية المتطرفة التي خلقها الفراغ السياسي داخل الأرض المحتلة بعد انقطاع الداخل مع الخارج إلى حد كبير، بعد أن انتقل زخم الكفاح المسلح إلى هذه المنظمات مثل (حماس) و(الجهاد) فيكتب محمود مثلاً مجموعة (حصار) التي تعبر فعلاً عن التحولات الجديدة للقضية وقد حوصرت من كل الجهات ولم يبق لها من منفذ سوى إسماع صوتها النائي إلى جيرانها العاجزين وإلى العالم المتحيّز لخصومها وقد رضيت بالأمر الواقع ولم يرض به المعتدون الطامعون إلى الأكثر في مقطوعات قصيدة أشبه ما تكون بلقطات كاميرا سينمائية تتحرك في إطار مغلق على الشكوى والأنين الخافت بعيداً عن الاستفزاز والعنف كما في هذه المقطوعة
(أيها الواقفون على العتبات ادخلوا
واشربوا معنا القهوة العربية
قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا
أيها الواقفون على عتبات البيوت
اخرجوا من صباحاتنا
نطمئن إلى أننا بشر مثلكم)
في حين لا يرضى العدو الذي يحاصر البيوت أن يدخل كي يشرب القهوة ولا أن يخرج من المشهد مصراً على عدوانيته..
في هذه الفترة يداهم مرض القلب محموداً ويتعرض لعمليةٍ جراحية خطرة ولكنها نجحت في إنقاذه من موت محقق بعد أن أخذته عبر غيبوبته فيما يشبه الزيارة المؤقتة للعالم الآخر ثم العودة منه بقصيدة (جدارية) التي نراها درّة أعمال محمود الشعرية بل درّة في عالم الشعر الإنساني كله حيث ينوع الشاعر العائد من الموت على مراحل حياته كلها مجسداً بأجمل الكلام وأحدثه أصداء معركة الإنسان الحي مع الموت متحديّاً إياه فيما يشبه الملحمة عن حرب بطولية حزينة جداً ومخيفةٍ جداً وفرحة جداً أيضاً بانتصار الحياة على الموت ولو مؤقتاً ومنها:
(لا شيء يوجعني على باب القيامةِ
لا الزمان ولا العواطف لا
أحسُّ بخفة الأشياء أوثقل
الهواجس.. لم أجد أحداً لأسأل:
أين (أيني) الآن؟ أين مدينة
الموتى، وأين أنا؟....)
إضافةً إلى ديوانه الأخير (لا تعتذر عما فعلت) حيث يدخل محمود في مرحلة المراجعة الصارمة مع الذات والموضوع معاً كي ينفي عن لهجته الحزينة تهمة الضعف أوالقصور..
وها هي فرنسا تحتفل بمحمود درويش كظاهرة شعرية إنسانية خارقة فرضت طقوسها الجميلة والموجعة على أوروبا التي تعاني من انحسار جاذبية الشعر، وكأن محمود درويش إذْ ينقذ نفسه شعرياً ينقذ معه الفن الغالي الأكثر عراقةً والمهدّد بالغياب ألا وهو الشعر ديوان الناس جميعاً وليس العرب وحدهم..

 


سوريا



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 101

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة