New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

التداخل السردي في الشعر العربي الحديث ... بقلم: محمود خالد البنا

 

13/09/2013 15:51:00

المقدمة
لستُ أدري، هل كان الشاعر، أي شاعرٍ، واعيًا، أو مدركًا، حينما كتب قصيدته، وكانت محتويةً على فن آخر غير الشعر ؟. هل كان يدرُكُ أن شعره ليس في عالم أو نطاق الشعر الخالص، وإنما هناك نوعٌ أدبي آخر يمضي في بنية القصيدة الشعرية ؟.

ولستُ أدري، هل كان الناقد مدركًا أن القصيدة العربية يمكن أن تحتوي، وقد احتوت، على فن أدبي آخر غير شعري ؟. وهل لو أدرك ذلك، هل سيُخرجُ هذا الشاعرَ من دائرة الشعراء؟! رغم أن مثل هذا التمازج بين نوعين من الأدب في فن أدبي واحد، حقيق به أن يُحدثَ ثورةً لا نمطيةً في حركة الفن الشعري الكبرى. مع العلم أن الامتزاج الفني قد تجلى بزخم في بنية القصيدة العربية، قديمها، وحديثها، ومعاصرها.

مدار دراستنا يدور في فلك تداخل بين نوعين أدبيين: السرد والشعر، وما أقصده، تحديدًا، هو تداخل السردي في الشعري. إذ أن السردية في الشعر تختلف، اختلافًا بيِّنا، عن الشعرية في السرد. هذا ما قادني إلى أن أتقصّى هذه الظاهرة في شعرنا المعاصر، على وجه التحديد، ولكنني قد اكتنفتني الدهشة حين وجدت أن الغالب الأعم، بشكل يستحيل حصره، من الشعر العربي الحديث والمعاصرِ قائمٌ على هذا النمط، ألا وهو السردية في الشعر، فكيف لنا أن نجليَ هذه التقنية ذات الأثر الموشوم في الشعر العربي؟ وكيف بنا أن نؤديَ هذه المهمة ذات الصعوبة البالغة ؟

ولهذا فإنني سأحاول، من خلال بحثي هذا، الدراسة النظرية لامتزاج هذين النوعين في القصيدة العربية الحديثة، مقسمًا بحثي في ثلاثة محاور: كان المحور الأول إرهاصًا معجميًا لعنصري الشعر والسرد، ثم انتقلت في المحور الثاني إلى بيان التداخل السردي - الشعري، من خلال دراسات النقاد العرب، ثم انتقلتُ في المحور الأخير إلى الجانب التطبيقي، وفيه تجليت البنية السردية المتداخلة مع البنية الشعرية في قصيدة " الجسر " للشاعر محمود درويش.
المحور الأول:
الشعر والسرد: مهاد نظري

الشعرُ جنسٌ من أجناس التأليف والإنشاء باللغة، وهو عن أصيل، تتغير مداراتُه، وتتحرك أشكاله، لكنه يظل، في الغالب، منطويًا على ذات الشاعر، مستبطنًا أناه، مصوِّرًا أعماقه.

وإذا كان تعريف الشعر لا يتيسر؛ بسبب تنوع التجارب وتضاربها، أحيانًا، فإن ارتباط هذا التأليف للكلام بالنظم، أقصد الجانب التقفويّ والجانب الموسيقي العَروضي، يظل السمة الكبرى له، وإن كانت تجارب التحديث للشعر تنزع إلى التحرر من بنية الأوزان والقوافي؛ خاصةً مع هذا النمط الهجين الذي يُسمّى " قصيدة النثر " ورامَ المناصرون له من الشعراء والنقاد الانفكاكَ من إسار الموسيقى والإنشاد، ومن الذائقة الشعرية؛ التي هيمنت أزمنةً مديدةً.

وتتميز بنية الشعر - بما هو فن إيقاعي مشابه للرقص وللموسيقى - بمكون أساسيّ، لا يخلو منه شعرٌ، بصرف النظر عن مختلِف التجارب. ونعني بذلك المعاودة والتكرار، إي التزام ثيمة إيقاعية، وموسيقية، وعروضية تقفويّة واحدة، واعتبارها لازمةً في كل بنية القصيدة. وهذه الأمور تستقى من القصيدة: إما بالعين، وإما بالأذن.

ويمثل البيت المقفى، في طراز الشعر العربي القديم والإحيائي، وحدة بنائية مستقلة يعقبها رجوع للوقفات: الوزنية؛ والنحوية؛ والدلالية، في الأبيات المتوالية. وهذا الرجوع تدركه الأذن، مثلما قلنا؛ بمقايسة أجزاء الكلام، وتدركه العين لما تُكتَبُ الأبياتُ تباعًا. ولئن تحرر شعراء التفعيلة من صرامة الوزن والقافية؛ فإن جريان السطور الشعرية، في قصائدهم، يؤكد على حركة المعاودة والتكرار، التي أصبحت كالوشم، لا يزول، في بنية القصيدة العربية، في شتى مراحلها وتطوراتها. وهذه حركة تتقوى وتتجلى حين يعوّل بعض الشعراء على توازي البدايات، وحين تتطاول السطور أو تتقاصر، وتكوّن ما صار يُعرَف بالجملة الشعرية أو الموسيقية أو الإيقاعية، وحين تندمج السطور في بنية تنتشر على جسد القصيدة.

أما السرد فيُعرَّفُ على أنه: " التقديم المفصَّلُ لحدَثٍ حقيقي أو مخترع، يكون هدفُه تثقيف القرّاء أو المستمعين، ويقتضي كل سردٍ عُقدًا تتحرك لتحقيقه أربعة أركان هي المؤلف والقارئ والشخصية واللغة " . وصار السرد الشعري، بذلك، يشمل، على حد ما رأى جيرار جينيت :
1- ملفوظًا قصصيًا أي نمطًا من أنماط الخطاب يتطابق كليًا أو جزئيًا مع الأثر، ويكون هدفه قصّ حدث.
2- سلسلة من الوقائع والأطوار الحقيقية أو المتخيلة المعدودة في استقلال عن كل إحالة إجمالية أو أدبية. وهذا من قبيل سرد أحداث متفرقة في الصحافة، وسرد لقاء شخصي وسرد وقائع رحلة.
3- السرد في استعمال من استعمالاته عمل يقوم به السارد، الذي يروي حدثا واحدًا أو أحداثًا كثيرة، ويكون المعتبر هنا إعادة بناء الأحداث المنقضية.

وإذا كان الشعر كلاما منظوما أو موقّعًا بغير مكوّنات الأوزان والقوافي، فإن السرد هو حامل النص القصصي، بأنماطه كافة. ومقابل بنية المعاودة والتكرار، وغلبة المشاعر والوجدان على أنماط القصائد، مثلما ذكرنا آنفًا، تتأسس بنية السرد في القصيدة الشعرية، وتنبثق من ركنين أساسيين هما: " التعاقب والسببية؛ فلا بد أن تترابط الأحداث، وتتحقق جملة من التحولات، ولا بد أن تخضع هذه التحولات إلى منطق " القص " فتتولد الأحداث، بعضها من بعض، وتنشأ علاقات منطقية تفسر جملة هذه التحولات " .


المحور الثاني
الشعر والسرد في النقد العربي الحديث
تبدو أن الأصوات النقدية العربية، في مجملها، كانت، في الحقيقة، أصداءً لأصوات النقد الأدبي، في نطاقه الغربي. ويبدو، كذلك، أن هذه الثيمة التبعية التقليدية، صارت بمثابة الديدن الذي يعتنقه النقاد العرب، في معظمهم، اللهم سوى أصوات خافتة، تحاول أن تزعزع هذه القاعدة التي تحجَّرَ عندها الكثير من الناقدين.

ومن الطبيعي منّا، أن نقوم بعرض مثل هذه الآراء، كونها مكونًّا أساسيًّا من ثقافتنا النقدية العربية، على الرغم من التداخلات التي حدثت بين النقد العربي والنقد الغربي .

لقد كانت فاتحة المقولات النقدية الممنهجة في كتب مؤلفة، للكاتبة والباحثة عزيزة مريدن؛ فقد أطلقت على التداخل السردي الشعري ما أسمته "القصة الشعرية في العصر الحديث"؛ وبهذا التسمية وسمت كتابَها . وقد أولت عنايتَها بما يقارب مئتي قصيدة في ديوان الشعر العربي الحديث؛ تلك القصائد التي تميزت بانتشار ثيمة القص السردي فيها. وقد درست الظاهرة في بابين كبيرين: هما الأقصوصة في الشعر العربي المعاصر، والقصص الشعرية الطويلة. وإذا كانت هذه الدراسة سابقة إلى الاهتمام بهذا المكوّن المستَحدَث في القصيدة العربية؛ فإنها لم تبرز وجوه التعالق والتنازع بين السردية والشعرية في متن كتابها.

ثم جاء من بعدها عز الدين إسماعيل، وواصل وضع الحلقات التي تصب في النقد الأدبي الشعري، وحاول جاهدًا أن يفصل لهذه النزعة السردية في الشعر من كتابه، مفرِدًا لها فصلاً في كتابه " قضايا الشعر المعاصر " أسماه: " النزعة الدرامية "، تحدث فيه عن " القصة الدرامية " وعن " درامية التفكير الشعري "، وعن " تطور الشعر من " الغنائية الصِّرف " إلى "الغنائية الفكرية ". وهو يذكر وسائل التعبير الدرامي؛ من حوار، وحوار داخلي، وسرد، وأسلوب قصصي شاع استخدامه في تجربة الشعر الجديدة، وكان مألوفًا في شعرنا القديم؛ منذ أن استخدمه امرؤ القيس .

ولقد حدد مفهومه للقصة في الشعر بقوله: " والمقصود بالقصة في الشعر هو استخدام الشاعر الغنائي لبعض أدوات التعبير التي يستعيرها من فن آخر هو فن القصص دون أن يكون هدفه كتابة شعر قصصي " .
ومن أبرز الأفكار التي قدمها عز الدين إسماعيل اعتباره القصة أو القصص المستخدمة في الشعر العربي المعاصر تطويرًا لما كان يسمى تمثيلاً في البلاغة القديمة، وتنبيهه إلى أن التأليف بين الشعر والقصة أمرٌ صعب، " يتطلب شاعرًا له أكثر من مقدرة الشاعر وأكثر من مقدرة القصّاص " . وقد صرح في كتابه أيضًا بقوله: " وإنما تستفيد القصة من الشعر التعبيرَ الموحي المؤثر، ويستفيد الشعر من القصة التفصيلات المثيرة الحية " .
ومن الكتب التي وجدتها مهتمة اهتمامًا كبيرًا بمعالجة هذه الظاهرة الشائعة، شيوعًا كبيرًا في الشعر العربي، بكافة مراحله الكتاب الذي ألفه الناقد والأديب شربل داغر في كتابه "الشعرية العربية الحديثة" ويعمد المؤلف إلى الانطلاق من الثيمة الزمكانية التي يرى المؤلف أنها تعزز الطابع القصصي، الذي يعزز، تاليًا، الثيمة السردية في بنية القصيدة الشعرية .

وتكمن أهمية هذه الدراسة، أقصد الكتابَ الذي ذكرته آخرًا، في أن داغر يلح على مدى الأهمية في انتشار الطابع السردي في بنية القصيدة الشعرية، وعلى مدى التفاعل القائم بينهما، وعلى محاولة الشعراء المكثفة على استدعاء القصص الشعرية، التي تعزز البنية السردية، وتبعث الحس الدرامي في البنية الشعرية. وهي تساعد كذلك، على جذب الفكر المتلقي لهذه القصيدة، وتنمية حس الإبداع لدى الشاعر.


المحور الثالث
السردية والشعرية في قصيدة " الجسر " لمحمود درويش
نموذج تطبيقي
* نص القصيدة:
الجسر

مشيًا على الأقدام،
أو زحفًا على الأيدي نعودُ
قالوا ..
وكان الصخر يضمر
والمساءُ يدًا تقودُ ..
لم يعرفوا أن الطريقَ إلى الطريقِ
دمٌ ، ومصيدةٌ ، وبيدُ
كل القوافلِ قبلَهم غاصت،
وكان النهرُ يبصق ضفتيه
قطعًا من اللحم المفتَّتِ،
في وجوه العائدين
كانوا ثلاثةَ عائدين:
شيخ، وإبنته، وجنديٌّ قديم
يقفون عند الجسر ..
( وكان الجسرُ نعسانًا ، وكان الليلُ قبعةً .
وبعد دقائقٍ يصلون، هل في البيتِ ماء ؟
وتحسس المفتاحَ ثم تلا من القرآن آية ... )
قال الشيخُ منتعشًا : وكم من منزلٍ في الأرض
يألفُه الفتى
قالت: ولكنَّ المنازلَ يا أبي أطلالُ !
فأجاب: تبنيها يدانِ ..
ولم يُتمَّ حديثَه ، إذ صاحَ صوتٌ في الطريقِ : تعالوا !
وتلته طقطقةُ البنادقِ ..
لن يمرَّ العائدونَ
حرسُ الحدودِ مرابطٌ
يحمي الحدودَ من الحنين
( أمرٌ بإطلاق الرصاص على الذي يجتاز
هذا الجسر . هذا الجسر مقصلة الذي رفض
التسول تحت ظل وكالة الغوث الجديدهْ
والموتُ بالمجّان تحت الذل والأمطار ، مَنْ
يرفضْه يُقتَلْ عند هذا الجسرِ ، هذا الجسرُ
مقصلةُ الذي ما زال يحلمُ بالوطن )
الطلقة الأولى أزاحت عن جبين الليل
قبعةَ الظلام
والطلقة الأخرى ..
أصابت قلبَ جنديٍّ قديم
والشيخ يأخذ كفَّ إبنته ويتلو
همسًا من القرآن سورهْ
وبلهجة كالحلْمِ قال:
- عينا حبيبتي الصغيرهْ ،
لي، يا جنود، وجهها القمحي لي
لا تقتلوها، واقتلوني
( كانت مياه النهر أغزرَ .. فالذين
رفضوا هناك الموتَ بالمجّان أعطوا النهرَ لونًا آخرًا .
والجسرُ، حين يصيرُ تمثالاً، سيُصبَغُ - دون
ريبٍ - بالظهيرةِ والدماء وخضرة الموتِ المفاجئِ ) .
وبرغم أن القتل كالتدخين ..
لكن الجنود " الطيبين "
الطالعين على فهارس دفتر ..
قذفته أمعاءُ السنين.
لم يقتلوا الاثنين ..
كان الشيخُ يسقطُ في مياه النهر ..
والبنتُ التي صارت يتيمهْ
كانت ممزقةَ الثياب ،
وطار عطر الياسمين
عن صدرها العاري الذي
ملأته رائحةُ الجريمهْ
والصمتُ خيَّمَ مرةً أخرى ،
وعاد النهرُ يبصقُ ضفتيهْ
قطعًا من اللحم المفتتِ
.. في وجوخ العائدين
لم يعرفوا أن الطريقَ إلى الطريق
دمٌ ومصيدة. ولم يعرف أحدْ
شيئًا عن النهرِ الذي
يمتصُّ لحمَ النازحين
( والجسرُ يكبرُ كلَّ يومٍ كالطريق ،
وهجرة الدم في مياه النهر تنحت من حصى
الوادي تماثيلاً لها لونُ النجومِ، وساعة الذكرى .
وطعم الحبِّ حين يصيرُ أكثرَ من عبادهْ ) .

تسترفد هذه القصيدة قصة واقعية مرجعية مستمدة، على أغلب ما أعتقد، من تاريخ التهجير الإسرائيلي للسكان الفلسطينيين الأصليين من أرض وطنهم. ومن محاولات تسللهم إليه؛ تعبيرًا منهم عن رفض هذا الأمر الواقع الذي فرضه المحتل. ويبدوا أن الشاعر كان قد كثف هذه الصورة في أكثر من قصيدة من ديوانه " لماذا تركت الحصان وحيدًا " .

إن قصيدة " الجسر " لا تذكر تاريخًا محددًا، يتعين به زمان الحدث، ولا تضبط مكانًا أو حيزًا جغرافيًّا يتأطّر فيه العبور على الجسر لملاقاة أرض الوطن. لقد ظلت القصة الشعرية، في القصيدة، أشبه ما تكون بالسيرة الجماعية، التي تصور صراعَ المتسللين إلى أرض فلسطين ضد المحتلين لها. وكان الجسر - وقد ذكر في عنوان النصِّ مُعَرَّفًا - هو بؤرةَ المواجهة الحقيقية بين الطرفين. إن تبئير المكان، منذ العنوان، دليل على أهميته في الصراع الدرامي بين الشخصيات القصصية في القصيدة. ولهذا، احتلَّ الحديث في شأنه أكثر من حيّز داخل النص.
لقد ذكر الجسرَ مرةً أولى بهذه الصياغة:
( وكان الجسرُ نعسانًا ، وكان الليلُ قبعةً .
وبعد دقائقٍ يصلون، هل في البيتِ ماء ؟
وتحسس المفتاحَ ثم تلا من القرآن آية ... )
ثم ذكر لاحقًا:
( أمرٌ بإطلاق الرصاص على الذي يجتاز
هذا الجسر . هذا الجسر مقصلة الذي رفض
التسول تحت ظل وكالة الغوث الجديدهْ
والموتُ بالمجّان تحت الذل والأمطار ، مَنْ
يرفضْه يُقتَلْ عند هذا الجسرِ ، هذا الجسرُ
مقصلةُ الذي ما زال يحلمُ بالوطن )
ووقع تبئير هذا الحيز في آخر القصيدة بهذه الطريقة:
( والجسرُ يكبرُ كلَّ يومٍ كالطريق ،
وهجرة الدم في مياه النهر تنحت من حصى
الوادي تماثيلاً لها لونُ النجومِ، وساعة الذكرى .
وطعم الحبِّ حين يصيرُ أكثرَ من عبادهْ ) .


أوردنا هذه المقاطع، التي وقع تسييجها بالقوسين، كل مرة؛ لإبراز وظيفة المكان في هذه القصيدة، التي أوردت تفاصيل تجربة التسلل إلى أرض الوطن.

لقد قامت صورة الجسر، في الشاهد الأول، بنوع من التحفيز القصصي، ومن استباق حدث الوصول إلى البيت في أرض الوطن، وتهيئة الحلول به. وكانت صورته، في الشاهد الثاني، تبئيرًا لصرامة الأوامر العسكرية، بقرينة طباعية، بتقنية استخدام القوسين، وبقرينة نحوية مثلتها الجملة الاسمية المتكررة " هذا الجسر مقصلة "؛ التي حسمت هذه مواقف المحتلين، وأكدت تصديهم لكل محاولات التسلل. وأما صورة الجسر في الشاهد الثالث، فقد بنت رؤيا الشاعر، رغم انسداد الآفاق أمام المتسللين، ورغم ما نالهم من قتل واغتصاب.

إن الجسر، في قصيدة الجسر، وقد احتل الجزء الأكبر من القصيدة، قد أبرز وظيفة المكان في الشعر المستند إلى القص. وهي وظيفة تتجاوز مجرد التأطير إلى بناء حركة الصراع الدرامي بين الشخصيات القصصية، التي يتخذ بعضها من الجسر موقعًا عسكريًّا لمراقبة كل متسلل إلى أرضه، ويتخذه البعض الآخر مَعبرًا لتحدي القرارات العسكرية، ولإعادة الصلة بالوطن. ثم إن المكان ، في هذه القصيدة، وكان قريبًا من النهر، قام بوظيفة إنشائية تتمثل في تصوير عنف التصدي للمتسللين، الذين يتحدون الأوامر العسكرية الإسرائيلية، وقد تكرر هذا التصوير في القصيدة بهذه الصياغات المتقاربة، من مثل:
* وكان النهرُ يبصقُ ضفتيه
قطعًا من اللحم المفتت
في وجوه العائدين.

* وعاد النهر يبصقُ ضفتيه
قطعًا من اللحم المفتت
في وجوه العائدين.

* ولم يعرف أحد
شيئًا عن النهر الذي يمتص لحمَ النازحين .

إن هذا السرد التكراري للحدث الواحد، بما فيه من تصوير شعري لفعل النهر، يحقق ما تتطلبه بنية الشعر من المعاودة والتكرار، ويقوم بما يشبه المعارض أو المعرقل لحدث التسلل، لكن دون جدوى، بما أن الرغبة في الالتحام بأرض الوطن، وفي استعادة الأرض - ولو إلى حين - تظل رغبة قوية وجارفة لا تحد منها الأوامر العسكرية ولا التهديدات القاسية، التي تحدد مصيرًا فاجعًا لكل متسلل. وإذا بحثنا في تفاعل الشعر والقصة وتصدي المحتلين لأرض فلسطين؛ من جهة ترتيب أطوار الحكاية في القصيدة، تبينّا ترتيبًا مخصوصًا لهذه الأطوار:
تبدأ القصيدة بنقل أقوال المتسللين الثلاثة، وهي أقوال تؤكد إصرارَهم على العودة:
مشيًا على الأقدام
أو زحفا على الأيدي نعودُ
قالوا ...
ويعقب هذا التمثيلَ للأقوال تعليق السارد على إصرار هذه الجماعة المتسللة:
لم يعرفوا أن الطريق إلى الطريق
دمٌ ، ومصيدةٌ ، وبيدُ
تتابع القصيدة إثر هذا التعليق، الذي يمثل، من الناحية القصصية، عائقًا أو معرقلاً لتفنيد العزم على العودة، استعداد الجماعة إلى تفنيد ما عزموا عليه:
كانوا ثلاثة عائدين
شيخ وابنته وجندي قديم
يقفون عند الجسر ...
تواصل القصيدة متابعة ما جرى من مواجهة بين المتسللين الثلاثة وجنود الاحتلال المرابطين على الجسر، وتحدد ما لحق بالرجلين من قتل وبالبنت من اغتصاب، وتقدم أوصافًا مثيرة للبنت والنهر.

لكن كيف وفقت القصيدة بين إيراد هذه الأحداث المتعاقبة، التي ألَّفَ بينها قانون السببية، والوفاء لبنية الشعر، بما هو فن إيقاعي، مداره الوجدان، ومقصده إعلاء الوظيفة التأثرية، والوظيفة التأثيرية ؟

إن ضبط عملية التفاعل بين القصيدة والقصة في مستويين متعاضدين: " فأما المستوى الأول، فيتعلق بما يطرأ على المحتوى السردي، من تحويل؛ هو مظهر من ظاهر امتثاله لخصوصية الشعر. وأما المستوى الثاني، فيتصل بإخضاع هذا المحتوى لطريقة التعبير الشعرية، أي للنظم، بما هو تركيب للبنية العروضية على الخطاب، ولدلالة الإيحاء؛ باعتبارها وظيفةَ الشعر الأساسية " .


فأما تحويل القصيدة للمحتوى السردي للقصة فيؤكده تخيُّر الشاعر بؤرة المواجهة بين الطرفين المتصارعين فوق الجسر، والمتحاربين داخل أرض فلسطين وخارجها. ولقد تم تركيز القصِّ واختزال مراحله في هذه البؤرة، دون إكثار من التفاصيل، أو إيغال في الوصف. وهذا ما يتطلبه بناء الشعر من تكثيف وتوهج. وإذا كان التعليق بما يضيء به السارد، أو الشخصية أبعادَ المسرود، وينوّع طرائق تقديمه له؛ فإن تعليق الصوت الشعري على ما جرى وسيجري، يبرز انفعال هذا الصوت بهذه التجربة المريرة، التي شارك فيها السارد المتابع عمليةَ التسلل، وهو تعليق يُعلي الوظيفة التأثرية لهذا الصوت المُداخل للحادثة، والوظيفة التأثيرية التي يغدو بها قرّاء القصيدة أطرافًا منفعلين بما جرى.

ولئن كان الشاعر ينزع إلى إخفات أصوات القوافي حدًا من سيولة النغم والنشيد في قصائده، فإن نظم الكلام في هذه القصيدة تظهره بعض القوافي المتناثرة على جسد النص أمارة من أمارات انتمائه إلى الشعر.

إن المجانسات الصوتية الختامية في عدد من سطور القصيدة ( نعود، تقود، بيدُ، سورة، الصغيرة، التدخين، الطيبين، السنين، يتيمة، الجريمة ) تولّد أصداءً نغمية متجاوبة داخل النص، وقد يكون خفوت التقفية، وهي من مستلزمات الذي لا يقطع صلته بالأوزان والقوافي ومكونات العَروض، مُجسِّمًا مأساة هذه الجماعة، التي أصرت على التسلل إلى أرض بلادها.

ومن اللافت للنظر في هذه القصيدة، من حيث بنيتُها اللغوية، والتدوير يساعد في عملية السرد؛ فـ: " التدوير في القصيدة المبنية على السرد ليس إذن شكلاً اعتباطيًا، وإنما هو حلٌّ في مستوى النظم يؤدي إلى صهر المكوّن السردي في البنية الشعرية؛ بحيث ينحسر التناقض بين سمة الاسترسال في السرد، وطابع الرجوع في الإيقاع، فتتظافر بذلك كل من المجاورة والمشابهة في بناء القصيدة الشعرية " . وليس الحديث في التدوير مبحثًا نقديًّا مستجدًا مرتبطًا باسترفاد القصيدة العربية الحديثة القصةَ بما هي بنيةٌ سردية. لقد تناولت نازك الملائكة في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " هذه الظاهرة العَروضية المتمثلة في قسمة التفعيلة الواحدة على سطرين متتابعين، وحكمت بامتناعه في الشعر الحر لأسباب ذكرتها .

وإذا أخذنا مثالا من القصيدة لنبينَ تقنية التدوير فيها:
لم يعرفوا أن الطريقَ إلى الطريقِ - - ب - / - - ب - / ب ب - ب - / ب
متْفاعلن / متُفاعلن / متَفاعلن / مُ (مدورة)
دمٌ ، ومصيدةٌ ، وبيدُ ب - ب - / ب ب - ب -
تَفاعِلُن / متَفاعلن
كلُّ القوافلِ قبلَهم غاصتْ - - ب - / ب ب - ب - / - -
متْفاعلن / متَفاعلن / متْفا ( مدورة )
وكان النهرُ يبصقُ ضفتيه ب - / - - ب - / ب ب - ب -
عِلُن / متْفاعلن / متَفاعلن
قطعًا من اللحم المفتت ب ب - ب - / - - ب - / ب ب
متَفاعلن / متْفاعلن / مُتَ ( مدورة )
في وجوه العائدين - ب - / - - ب -
فاعلن / متْفاعلن


أود القول أنه لمّا كانت قصيدة " الجسر " تقوم بتمثيل حكاية التسلل إلى الأرض المغتصبة، وكان الشاعر، الذي يغدو فيها ساردًا ناقلاً للأقوال والأحوال المصاحبة لهذا الحدث، المحفوف بكل المخاطر، هو الذي يتابع هذه القصة بعين ناظرة متأملة؛ فيسرد حينًا، ويعلّق حينًا، ويقدم الشخصيات والحوارات، - غدا استخدام التدوير في المقطع المتكرر فيها على وجه التحديد متعددَ الوظائف، ليس يقتصر على محو الوقفة الصارمة في نهاية السطر، أو على إحداث الامتداد الموسيقي للكلام الشعري وتقوية انسيابه. وبالفعل، فإن أبرز وظيفة للتدوير هي إطالة فعل التأمل لما جرى مشاهدةً، ولما كان قد جرى تذكّرًا، وإبراز المأساوية لكل متسلل. إنه يمثل " الربط العضوي بين الإيقاع والمحتوى الفكري والعاطفي، وفي خلق حالة متكاملة وممتدة دون توقف؛ بفيض مشاعرها وانفعالاتها ودلالاتها؛ استجابة لطبيعة التجربة الشعرية وضروراتها الفنية " .

وينبغي لي في الختام أن أقول بأن الشاعر يكوّن النص الشعري بأدواته ورؤاه وإشعاعه المجازي أو الإيقاعي، وحين يتوغل نصه في فضاء السردية فان كوامنه الشعرية وصوره الفنية، والتنامي الدرامي يحصنها من الوقوع في السردية المحضة، التي تجعل من القصيدة حكاية موزونة أو قصة مجازية، فالبناء المحكم للقصيدة يحيطها بهالة شعرية، يستجيب لها المتلقي ويتفاعل معها، مهما استخدمت من أدوات السرد أو نهلت منه ما يخدم درامية القصيدة، ويعزز بناءها الفني والدلالي.


الخاتمة

لقد كان موضوع التمازج بين السردية والشعرية أمرًا مثيرًا للدهشة ولكوامن البحث والتأمل فالدراسة. هذا الأمر الذي لا أعتقد بأن النقاد القدماء كانوا سيرضون به لو أدركوا أن فن السرد ينتمي إلى نوع، وفن الشعر ينتمي إلى نوع مستقل. ربما عزوا مثل هذه التداخلات، دون إدراك بالتسمية المنهجية لمثل هذا التداخل بالصنعة الفنية، حيث امتداد الصورة الشعرية على شكل قصة شعرية، كصورة الثور الوحشي في الشعر القديم، التي كانت تصف قصة الثور والصياد، والصراع المحتدم بينهما عند نبع الماء. وقد ظهرت مثل هذه الصور عند شعراء جاهليين كثر. ومثلها أيضًا وصف الشاعر لليلته مع محبوبته، ووصفه الحوار الدائرَ بينهما، وكل هذا بأسلوب حواري قصصي، يحاول فيه الشاعر تفصيل الموضوع، مستخدمًا تقنية البنية السردية في ذلك.

ولذلك فقد حاول البحث جاهدًا أن يستقصي هذه التقنية، إيجازًا، من الناحية النظرية، وتفصيلاً، في قصيدة للشاعر محمود درويش، عالجت فيها التمظهرات السردية التي ظهرت في البنية الشعرية في قصيدة الشاعر " الجسر "

 

قائمة المصادر والمراجع

1) حاتم الصكر: مرايا نرسيس: الأنماط النوعية والتشكيلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1999م.
2) شربل داغر: الشعرية العربية الحديثة: تحليل نصي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1988م.
3) عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار العودة، بيروت، ط5، 1988م.
4) عزيزة مريدن: القصة الشعرية في العصر الحديث، دار الفكر، دمشق، 1984م.
5) فتحي النصري: السردي في الشعر العربي الحديث: في شعرية القصيدة السردية، الشركة التونسية للنشر والتوزيع، تونس، ط1، 2006م.
6) محمد صابر عيد: القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: حساسية الانبثاقة الشعرية الأولى: جيل الرواد والستينات، منشورات اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، ط1، 2001م.
7) محمود درويش: الأعمال الشعرية الكاملة: ديوان " حبيبتي تنهض من نومها "، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2003م.
8) محمود درويش: لماذا تركت الحصان وحيدًا، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ط1، 1995م.
9) نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، بيروت، ط9، 1996م.


(منتدى الشبكة العربية الاكاديمية)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 82

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة