New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

محمود درويش.. العودة إلى حيفا.. وتدشين حركة التاريخ- هاشم صالح

 

12/09/2014 14:11:00

هاشم صالح

في كتابه التنظيري، إن لم أقل الفلسفي، عن الشعر يكتب رينيه شار هذه العبارة: الممارسة عمياء، ووحده الشعر يرى. بمعنى ان الممارسة تخبط خبط عشواء، أما الشعر فنور يشق دياجير الظلام. ولكنه يستدرك لاحقاً قائلاً: إن الممارسة الناجحة هي وحدها تلك التي تستضيء بنور الشعر.. فالشعر دائما يسبق الممارسة. انه يتقدمها ويمّهد لها الطريق.

وإذن هناك علاقة بين الانخراط العملي او حتى السياسي والشعر. الشعر ليس مجانياً الى الحد الذي تتوهمه مدرسة الفن للفن. الشعر شيء خطير ومهم جداً. الشعر شلال من النور في دنيا من العتمات.

وأكبر دليل على ذلك تلك الضجة الكبيرة التي أحدثتها عودة محمود درويش إلى مهده الأول في أعماق فلسطين. الى حيفا وضواحيها. فلو فعلها رئيس دولة لما اتخذ الحدث كل هذه الأهمية ولما نال كل هذه التعليقات حتى قبل ان يحصل الحدث ذاته وقبل أن تطأ قدمه أرض حيفا التي غادرها في الثلاثين من عمره لكي يعود اليها مظفراً بعد طول غياب. ينبغي الاعتراف بأن محمود درويش ليس شخصاً عادياً وذلك لأسباب عديدة قلما اجتمعت في شخص واحد. فهو أولاً ليس شاعراً كبيراً فقط وإنما ناثر ايضاً ومن أعلى طراز. وهو ثانياً وليد الجرح الأكبر والشاهد الأول عليه، أو قل أحد الشهود الأوائل. ومعلوم ان الجراحات الكبرى تنتج شخصيات عظيمة. وهو ثالثاً أكبر رمز أدبي على التراجيديا الفلسطينية التي شغلت القرن العشرين كله ولا تزال. ونادراً ما انصهرت قضية شعب بأسره في شخص واحد مثلما حصل له هو. من هنا أهمية أي حركة تصدر عنه او أي خطوة يخطوها. فالأمور قد تقلب في هذه الجهة أو تلك بحسب القرار الذي يتخذه.

هل يذهب الى حيفا ام لا يذهب؟ قرار تاريخي تترتب عليه نتائج وانعكاسات لا يعلم إلا الله مداها. كلنا سوف نتأثر بنتائج هذا القرار الذي اتخذه في لحظة ما شاعر فلسطين والعرب الأول. ولماذا لا يذهب، تساءلت بيني وبين نفسي؟

هل ينبغي ان يعاقب عرب فلسطين أو عرب الـ 48 الذين يزيد عددهم عن المليون نسمة؟ هل كل هؤلاء خونة او عملاء؟ من هو هذا المجرم الذي يستطيع ان يقول ذلك؟ كل الانباء تدل على انهم لو استطاعوا ان يحضروا ندوته لهبوا كلهم عن بكرة ابيهم لحضورها. هناك عطش اذن للقائه، وبالتالي فلا ينبغي ان يحرمهم منه. كل الجماهير العربية من المحيط الى الخليج استمعت الى محمود درويش يوما ما ما عدا جمهور واحد: هو جمهوره الاصلي، شعبه الأول، بيئته، طفولته، صباه.. فإلى متى سيحرمهم منه؟ الى متى سيحرم نفسه من نفسه؟ لهذا السبب قال: سوف اعود لكي اطبع مع نفسي. وكان بامكانه ان يقول: لكي اتصالح مع نفسي، مع اصلي وأهلي وجذوري.

من يستطيع ان يلومه على ذلك؟ بل من يحق له ان يحاكم الشاعر الذي رفع قضية فلسطين الى مستوى كوني وأسمع بها زوايا العالم الاربع؟ هو الذي يحاكم الآخرين ولا أحد يستطيع ان يحاكمه.. هو الذي يحرك قضية فلسطين في هذا الاتجاه او ذاك. وهو الذي يحسم الامور عندما تحين اللحظة المناسبة.

من يستطيع ان يحاكم الشاعر الذي رأى الموت بأم عينيه مرتين بسبب قضية فلسطين والقلق والهم على فلسطين؟ اكثر من عملية جراحية وأكثر من سكتة قلبية، وإنها لمعجزة انه لا يزال هنا واقفا على قدميه امام شعب فلسطين الاول في حيفا ويافا والكرمل والجليل! فليحمدوا الله على انه لم يمت حتى الآن بدلا من ان يلوموه لأنه ذهب للقاء شعبه.. وينبغي على المثقفين العرب كلهم ان يقلدوه ويحذوا حذوه ويذهبوا لمعانقة شعب فلسطين الذي عانى الأمرين منذ خمسين سنة وحتى الآن. وقد فوجئت بحجم الغليان الثقافي هناك بعد ان قمت بجولة على الانترنت واطلعت على الجرائد والمجلات وبعض المناقشات. هل يحق لنا ان نتخلى عن هؤلاء الذين لا يزال نبض العروبة يخفق في اعماقهم حتى بعد مرور خمسين سنة على النكبة الكبرى؟ وإذا لزم الامر ان يحصل اللقاء ايضا مع الحركة التقدمية والإنسانية الاسرائيلية ذاتها فلم لا؟ هل تريدون ان يقلب كل شعب اسرائيل في جهة التطرف والتشنج والحقد على كل ما هو عربي او مسلم؟ ام تريدون تحييد القوى اليسارية عن طريق الترحيب بها وطمأنتها وفصلها عن اليمين الاسرائيلي المتطرف؟ ماذا يريد العرب بالضبط؟ وهل يعرفون مصلحتهم يا ترى. ثم قبل كل ذلك وبعده: هل يعرف المثقفون العرب في أي اتجاه تسير حركة التاريخ؟ الشاعر الكبير يعرف، وهو الذي يسبق الممارسة ويدل على الطريق كما يقول رينيه شار، شاعر فرنسا الأكبر في القرن العشرين.

محمود درويش، شاعر العرب الأكبر حاليا بعد أن تقاعد الآخرون أو هجرهم الشعر منذ زمن طويل، هو الذي يدشن الآن حركة التاريخ بذهابه الى حيفا ومعانقته لجمهورها العظيم.

لا يوجد شاعر كبير بدون نزعة انسانية عميقة. وهذا الكلام ينطبق على فيكتور هيغو بقدر ما ينطبق على محمود درويش وكل شاعر كبير آخر جسد أحلام أمته ومطامحها وآلامها في لحظة ما من لحظات التاريخ. ولا يكون الشاعر كبيرا الا اذا كان قادرا على الاقتحام في اللحظة المناسبة وهداية شعبه الى طريق الخلاص. كنا بحاجة الى من يفتح لنا ثغرة في جدار التاريخ المسدود فجاء هذا الشاعر وتحمل مسؤوليته وفتحها نيابة عنا جميعا. وبدلا من ان نشكره اذا ببعضنا يتجرأ على المزاودة عليه أو حتى مهاجمته!

ولكن ألم نقل لكم ان الشاعر يرى ما لا يُرى، أو يسبق الآخرين الى الرؤية؟ ما ذنب الشاعر اذا كان حساسا أكثر من اللزوم وحريصا على اختصار آلام شعبه التي تجاوزت حد الوصف؟ ما ذنب الشاعر اذا كان يريد لشعبه ان يحيا في حين أن الآخرين يريدون له أن يموت ويغامرون به وبدمه الى ما لا نهاية؟ ما ذنب الشاعر اذا كان يحب البشرية كلها من خلال شعبه؟ ما ذنبه اذا كان يجسد قيم الحرية، والمحبة، والتقدم، والنزعة الانسانية في شخصه؟ لا ينبغي ان نلوم الشاعر اذا كان يستطيع ان يرى جزءا من الانسانية حتى في العدو، اذا كان يدعو الى أنسنة العدو ولو للحظة. فهو يعرف طعم الجراح وقد ذاق كأس العذاب حتى الثمالة. وهو أكبر وأعظم من العدو لأنه يتعالى على جراحاته.. لقد مللنا من ضيقي العقول، من صغار النفوس، من أولئك الذين لا ينظرون الى أبعد من أنفهم.

ولا يمكن أن يكون الشاعر كبيرا الا اذا استطاع ان يرتفع من الخاص الى العام، ومن الجزئي الى الكوني. الشاعر في ختام مسار طويل عريض، ومن خلال جراحات نازفة ومناف لا تحصى ولا تعد، يرتفع ولأول مرة الى مرحلة العالمية أو الكونية.

ويخيل اليّ ان محمود درويش قد ارتقى الى هذه المرتبة مؤخرا. وأصبح لدينا شاعر كوني نستطيع ان نفتخر به أو نباهي به الأمم.

لن أختم هذه المقالة قبل أن أقول كلمة عن شاعر فلسطين الكبير الآخر: سميح القاسم. فقد اعدت مؤخرا قراءة الرسائل التي تبادلها مع محمود درويش على صفحات «اليوم السابع» ثم جمعت في كتاب لاحقا. وللمرة العشرين أو الثلاثين رحت أقرأ القصيدة التي تتصدر الكتاب بعنوان «التغريبة» والتي أهداها سميح القاسم الى محمود درويش وحتى الآن لم اشبع منها! انها مدهشة برشاقتها، بخفتها، اقصد بخفة ظلها، بأناقتها. انها صادرة عن فنان من الطراز الأول. فهل يسمح لي القارئ بأن أثبت هنا مقطعها الأول فقط؟

لبيروت وجهان

وجه لحيفا

ونحن صديقان

سجناً ومنفىر كبير

م صالح

قبل أن اكتب هذه المقالة قمت بمشواري الصباحي على ضفاف نهر المارن هنا في الضواحي الباريسية، كان الجو هادئا يشبه الشعر او بالاحرى الحداد على الشعر، لم يكن أحد هناك ما عدا الحمامات والعصافير التي تطير من امامي كلما تقدمت في المشي. الوقت يوم الاحد والناس نائمون في بيوتهم ولم يستيقظوا بعد، كنت وحدي استمتع بهذه السكينة العارمة وبذكرى محمود درويش، وحتى السيدة الفرنسية التي ابتدأت أخيرا تغازلني وتتحرش بي، ويا للمفاجأة السعيدة! لم تكن هناك هذا الصباح.
الوقت مبكر جدا، الساعة السادسة فقط والضوء لم يطلع بعد.. وكنت قد اعتدت على رؤيتها يوميا وهي تمارس رياضتها المفضلة بالشورت القصير الجذاب.
اني معجب بهذه الظاهرة الجديدة: المرأة اصبحت هي التي تغازل الرجل وليس العكس! انها حدث تاريخي بالفعل. وهي ظاهرة محصورة بالمجتمعات المتقدمة الراقية: مجتمعات الحداثة او حتى ما بعد الحداثة.
سوف يقولون: عيب.. عيب.. وألف عيب! كيف يتحدث عن محمود درويش او يرثيه بهذه الطريقة المخجلة؟! ولكن من قال لكم بأني أرثيه؟ اني ارفض هذه الكلمة ولا اعترف بموت الشعراء الكبار. انهم يرحلون كالعصافير الى بلاد اخرى أكثر جمالا، الى سماء اكثر اتساعا وآفاق أرحب بألف مرة ولكنهم لا يموتون.
وأنا واثق انه سيفرح كثيرا عندما يقرأ هذه الكلمات هناك في الاعالي على ظهر سحابة بيضاء جميلة. وربما ضحك بصوت عال وقال: هذا اللعين لم يتغير ولم يتبدل! لا يزال هو.. هو.. لا يزال مهوسا بهن، بجمالهن وبالشورت القصير والافخاذ المكتزة العارية.. وبعينيه الصغيرتين الخبيثتين الثاقبتين لا تفوته شاردة او واردة ويستطيع ان يتبادل الابتسامات المشبوهة معهن في كل مكان.
سوف يضحك محمود درويش كثيرا عندما يقرأ هذه المقالة سوف يفرح بهذه الكلمات لانه كان جميلا يحب الجمال وطالما استسلم لاغراء هذه او تلك.. أعتقد ان هذه هي الطريقة الوحيدة التي كان يجب ان نتحدث عنه بها: طريقة شاعرية بعيدة عن التبخير والتبجيل أو النواح والعويل.. طريقة خفيفة، لا افراط فيها ولا تفريط.. لكن لنعد الى صلب الموضوع، ماذا أعرف عن محمود درويش؟ أشياء قليلة في الواقع. بضعة لقاءات في شقته الباريسية الراقية ابان التسعينات من القرن الماضي عندما كنا نفد للسلام عليه ولاعطائه مقالاتنا وترجماتنا من اجل مجلة «الكرمل».
كانت علاقة ثقافية محضة مع شاعر كبير تحول الى اسطورة في كل ارجاء العالم العربي. كانت متعة حقيقية ان تجلس معه لساعة او اكثر، ان تتناقشا في شؤون الادب والشعر والفكر. وكان مستمعا جيدا ولبقا ومهذبا على الرغم من كل الصورة التي شاعت عنه بانه نزق، متعجرف، شايف حاله.. لم أشعر بذلك في أي مرة. بالطبع كانت للرجل كرامته الشخصية الكبرى واعتداده بنفسه بعد ان اصبح نجم النجوم من مشرق العالم العربي الى مغربه. أحيانا كنت انظر اليه وكأنه عمر الشريف او آلان ديلون! ولا أعرف لماذا؟.. ربما لان النجومية والشهرة والاضواء والمعجبين والمعجبات والحياة المترفة الفاخرة كلها اشياء كانت تحيط به من كل الجهات، كانت هالة السحر والكاريزما الشخصية تلفه لفا.. وكان يتمتع بحضور كبير يتجاوز الوصف. وهنا سيترك فراغا. ولا اعرف من يمكن ان يحل محله.. مرة واحدة اتصل بي هو، وقد فاجأني فعلا، لانه جرت العادة اننا نحن الذين نتصل به وليس هو. كنت في غرفتي الصغيرة المتواضعة في قرية شاتني مالبري الواقعة في الضواحي الجنوبية لباريس. وكانت حرب تحرير الكويت في أوجها. وفجأة يرن التلفون. فاذا به هو على الخط يسألني عن آلامي ومشاعري في هذه اللحظة متوهما اني حزين ومحبط لاندحار صدام وهزيمته الساحقة. وعندما رأى ارتباكي وعدم تجاوبي معه الا مجاملة اختصر المكالمة بعد ان شعر بانه اتصل على العنوان الخطأ.
بعدئذ ساعدتني مقالات الكاتب الفلسطيني باسم النبريص في «ايلاف» على فهم شخصية درويش اكثر. وهو كاتب احترمه دون ان اعرفه شخصيا لاني احس بلهجة الصدق في كلامه.
يبدو ان محمود درويش كان متذبذبا باستمرار بين القطب الاسرائيلي والقطب العربي. فتارة يميل كليا الى هذه الجهة، وتارة يميل الى تلك. وهذا شيء مفهوم ولا يلام عليه. الشيء الذي يلام عليه ـ رحمه الله ـ هو اتباعه لعرفات عندما اتخذ ذلك القرار الاحمق بتأييد صدام في غزوه للكويت!! وبالتالي فارتباطه بالمؤسسة الرسمية للسلطة وبعرفات تحديدا كان مبالغا فيه ولا يليق بالمثقف ويوقعه في مواقف ديماغوجية. ولكن ربما كانت الضغوط عليه كبيرة جدا. مهما يكن من أمر فقد أيدته عندما ذهب الى حيفا للالتقاء بالجمهور العربي والاسرائيلي في آن معا. ونشرت مقالة مطولة عن الموضوع هنا في «الشرق الأوسط». وكان ذلك في الوقت الذي انتقده الكثيرون واتهموه وربما خونوه!
تحية إلى محمود درويش نجماً هوى من سماء الآداب العربية.

 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 89

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة