New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

حين مرّ بينَنَا عطرَ صورْ- رجاء بكريّة

 

13/07/2014 19:18:00

رجاء بكريّة

 

... طار ورد الكرمل فراشا بأجنحة بيضاء، وتلفّتَ حواليه شوقا حين جاء. ولم أعثر على فرح أجمل من رقص الزّهر على كتفيه حين نهضت كلماته موج سماء. هكذا أتذكّره حين جعل أرصفَةَ الكرمل كروم ضباب، وشاراتِها عيونِ ضِباء.

   ومحمود الّذي نستذكره اليوم لا علاقة لمراثينا البائسة به. لقد دروشته مشاويره اليوميّة إلى الأبديّة.عبر المفردة يسافر ويشرع قلبه نوافذَ لصهيل الحبر. لا أذكر أنّه انتظر أن يَعتذر عنه لمدن تركَها وراح خلاف وفودِ الجراح. للنّاس الّذين أحبَّهم بعيدا عن أفكارنا الدّبقة. ولا لم ينتظر أن يقولوا مات شاعر عملاقٌ أو خلاّقٌ، أو رائدُ حركة لتحرير الشّعر .

   أحبّ أن يُقالَ عنه كاسرُ موج لمدن لم تنهض بعد، وناثرٌ بارع لحكاية زهرة تناوِرُهُ خلف غيمة، وقائدٌ رائع لفرقة أوركسترا تحرّر أبدان الفقراءِ منَ القَهر. أحبَّ أن نقُولَ أنّه عاشقُ الوردِ والنّساء، الخيولِ والجبال، ورقِِ الطيّونِ وزهرِ الكستناء. وأنّه مَكَرَ مَكْرَ سَنَابلَ آب مع عنينِ النَّحلِ، وقلّدَ إبحَارَ السّندِبَاد خلفَ أسطورةِ التِّبرِ، وَأَرادَ أن يَقَالَ عنْهُ فَلَكِيٌّ مُغَامِر مَكَانَ جنديٌّ مُقَاوِم لأنَّهُ أحبَّ أن يقاوِمَ الإختِلاف. فتنته لعبة علي بابا مع الأربعين حرامي. ذهب منتش بالنّصر على الأربعين حرامي الّذين انتظروه على باب المغارة وخذل كلمة السّر. سلك طريقا آخر إلى مغارة أقلّ حرقة من كحل الدّمع.

هذا رجل تؤرّخه أساطير أماكن لن نعرفها لأنّه خلاف ما أوهَمَنا ليس من أنصار الواضح والعابر، بل من أنصار القاتل في غموض السّنابل. حالة استثنائيّة لتفّاحة القلب، وهجس الرّأس بالنّمل الّذي يمشي في عروق الرّمل. رسم تعبيريٌّ مفبرك لعَرَقٍ ينزف من خصور نساء ماءَ سَمَاء. رجل حالة لفرح يحبّهُ حتّى كوعِ الأرَق.

 

  لقد كنا الجيل الّذي احتفى بعطر قصيدته الطّفلة وابتسامته الخجلة. جئنا بعد القصف . بعد الرّعدِ والوعد، بعد الهزائم والإنتصارات. جئنا على طبق من قلق وأعراس تساؤلات. وكانت وليمةُ سريره وغريبهِ، قمحِهِ وشعيره عصفَ إجابةٍ في محيط ضياع.

 

  أحببناه من مسافة أقرب إلى القلب. كنّا جيلا عطشا إلى الرّعشة وزُغَدِ الشّوق. ربّما لأنّنا لم نفهم تماما مساحات الفقد لجيل كبر على فوح عشق، دُفِن تحت جدران رغبة، وقُصَفِ زيتونٍ وبيت. الرّغبة له، والقُصَفُ لكلّ الّذين أحبّتهم قصائده. الزّيتون له، والبيوت ليست لأحد ولا لنقل خطواته النّائمة بعدَ حُلُمِهِ مناجلَ حُقُول.

 

 

 قبل قدم من الآن إلى حيفا جاء، كي يزيّن عنق النّسر بآخر كلمات . ويوم انقبض قلبه من رَهَف ونبحت على أكمامه الحمراء ربطات أعناق الكلاب كان تمّوز لاهبا لا تحتفي بحرّه غير الكلاب الضّالة وذيول الذّئاب، لكنّ الدّرويش الّذي لنا صنع يومها حفلا تكريميّا لتمّوز ورمّانهِ. يبس النّباح في تمّوز تحت وهج أغنياته. ترى هل تذكّرت الكلاب نباحها قبل عام من الآن؟ على بعد شهقة من وهج تمّوز هَرَج آب حين جاء، وملأ حيفا هالا وقهوة . ابتسم بخجل حين مرّ بين شواعها. أغمد قلبه في لوز زهرها. لمّ قدميه وأبقى على العطر غطاء صور.. ذات ليل وذات حيفا مرّ بيننا عطر صور، مال على القلب، وذهب.

 

 

ملفّ ( سما كرد) عن الشاعر محمود درويش



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 66

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة