New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

 

05/03/2016 08:56:00

 حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش

DECEMBER 10, 2015

 

إذا صح أن الشعر وجد- أساسا – في رحاب الغناء – مثلما يؤكد موريس بوا في كتابه «الشعر والغناء عند الشعوب البدائية»، فإن في هذا- إذا صح ـ التفسير الذي نبحث عنه لحرص محمود درويش اللافت على موسيقى شعره، فهو حرص بدا واضحا في تجاربه المبكرة، ثم نما نموا ملحوظا ومطردا في تجاربه التالية، وظل ملازما له ولشعره حتى قصائده الأخيرة، بما فيها قصيدته الأخيرة «لاعب النرد». ولهذا كثرت المصنفات والدراسات التي تتوقف بتؤدة وأناة، إزاء هذا البعد الجمالي من أبعاد الشعرية في نتاجه المتواصل منذ عام 1962- 2008 وفي هذا السياق تأتي دراسة حسن الغُرْفي – من المغرب- الموسومة بعنوان «التشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش» الصادرة في كتاب عن دار البدوي بتونس (ط1، 2015) لتضيف مزيدا لما قيل ويقال عن الإيقاع والموسيقى في شعر الشاعر الفلسطيني الراحل (1942- 2008).
ويرجع اهتمامنا بهذا الكتاب لسببين، أولهما: هو الاهتمام الذاتي بشعر محمود درويش وما ينشر عنه من دراسات، والثاني لأن لي بحثا منشورا عن موسيقى النظم وظلال المعنى في شعر درويش، وهو البحث الذي جرى تطويره ليكون الفصل الثاني من كتابنا المذكور الصادر عن دار فضاءات (2011) (من ص 73- 103).
وقد لفت نظرنا ما في كتاب الغرفي من جهد يركز فيه تركيزا شديدا على تشكيلات إيقاعية تتوافر في شعره، وليس على تشكيل واحد فحسب. فقد عرض أولا لبنية الأوزان، وهذا شيء مهم في هذه الدراسة، لأن أكثر الذين يحبون شعر محمود درويش، ويعجبون بما فيه من تألق وتأنق، لا يعرفون أنه بدأ في أشعاره الأولى ينحو منحى القصيدة الكلاسيكية، ففيها يعتمد الشاعر وحدة البحر العروضي، لا التفعيلة. وقد استوقفت الباحث الذي يبدي اهتماما بالعروض، وزنا وتقفية، تلك البحور التي كثر تداولها في شعره، كالرمل والمتقارب والكامل والمتدارك، ولكن الذي استوقفه أكثر من هذا التقفية بما فيها من التزام بالمجرى تارة، وبالردف والتأسيس تارة، وبالوصل والخروج تاراتٍ أُخرَ. فكأنه من هذه الزاوية شاعر كلاسيكي مجدد شأنه في هذا شأن الجواهري، وبدوي الجبل، وعمر أبي ريشة ، ولا غرو في ذلك، لأن النبش في مصادر شعرية درويش تؤكد قراءته وحفظه للمعلقات، ولشعر الصعاليك، وشعر المتنبي، وآخرين من شعراء العصور الزاهرة، مثلما يتضح أنه تتلمذ على يد الشعراء أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي) وإبراهيم طوقان، وعبد الرحيم محمود وغيرهم من شعراء فلسطين. ولا ريب في أن المؤلف حسن الغرفي، فاته أن يذكر تأثر درويش – الشاعر المثقف- بشعر نزار قباني في مراحله الأولى، وأنه استمد بعض نزوعه الغنائي من هذا الشاعر، تشهد على ذلك دواوينه الأولى «أوراق الزيتون»، و»عصافير بلا أجنحة، و»عاشق من فلسطين». 
وقد كشف الغُرفي بتتبعه الدقيق لبنية الأوزان والتقفية، عن مراوحة الشاعر الراحل بين قصيدة البحر العروضي، وقصيدة التفعيلة الواحدة. وتلك المراوحة التي نجد لها نماذج في «عاشق من فلسطين» حسمت في ديوانه «آخر الليل»، وغيره من دواوين، فأصبح بعد عام 1970شاعرا تطغى على شعره البنية الغنائية الحداثية، مبتعدًا عن البناء التقليدي، إلا ما كان من نزوعه لاستخدام البحور المركبة في قليل من قصائده، كالبسيط والخفيف، وهي ظاهرة برزت في شعره على استحياء، ولعلها من أقل الظواهر تأثيرًا في شعره، وهي إلى التجريب أقرب منها إلى الطبع.
وما أن ينتهي المؤلف من تتبع الأوزان تتبعا يقف بنا فيه على أمثلة من شعره متباعدة الأزمان، حتى يخلص إلى ما يسميه بنية التَمْفْصُل، وهي البنية التي يدور الحديث فيها عن التقفية، وأنماط القوافي، والتدوير الذي قد يكون جزئيا في قصيدة، وكليا شاملا في قصيدة أخرى. 
أما القسم الثالث والأخير من الكتاب، فقد توقف فيه المؤلف إزاء ظواهر أسلوبية – إيقاعية؛ كالتكرار الذي يتجلى في الاستهلال تارة، وفي النهايات تارة، وفي الألفاظ والوحدات الدلالية تارة، وفي الجمل والتعبيرات التامة تاراتٍ أخَرَ. مع الإفاضة في بيان تأثيراتها الصوتية على إيقاعات القصيدة، وما تنماز به من إتقان صوتي، وانسجام موسيقي. أما التوازي والتجنيس، فهما أيضا من الأدوات التي يلجأ إليها درويش كثيرا لإشاعة مناخات موسيقية داخلية في قصائده. 
وهذا الكتاب، على ما فيه من الجهد النقدي الرصين، البعيد عن المجاملات، يفوته أن يؤكد ما في غنائية محمود درويش من تقاطع مع الموشح الأندلسي، وموسيقى الأغاني الشعبية الفلكلورية المتداولة، كالميجنا والمواليا، ووفرة اتكائه على العناصر الموسيقيّة مباشرة، وذكره المتواتر لأسماء الآلات والألحان والمقامات الموسيقية، واعتماد النبر والتطويل 
والتخطيط اللحني، الذي يجعل من القصيدة- شكلا ولغة – قصيدة قريبة من الأغاني، وفاته التأكيد أيضًا على حقيقة أخرى لا يختلف فيها اثنان، وهي أن غنائية درويش هذه لا تنفي ما في قصيدته من الطابع الدرامي الذي يتجلى في هيمنة تعدد الأصوات، ولاسيما في القصائد الطوال، كقصيدة «طباق، ولماذا تركت الحصان وحيدا، وأحد عشر كوكبا على المشهد الأندلس، وقصيدة أحمد الزعتر، وأثر الفراشة»، وغيرها الكثير.

ناقد وأكاديمي من الأردن

إبراهيم خليل



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 95

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة