New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

الشاعر معين شلبية / ذاكرة الشعر.. ذاكرة الوطن

 

18/07/2014 18:41:00

معين شلبية

الشاعر معين شلبية..ذاكرة الشعر... ذاكرة الوطن..
بقلم الشاعر والناقد محمود حامد /خاص مؤسسة القدس للثقافة و التراث.

مقطع من الدراسة:
من المفترض أنّ لكل تجربة شعرية سماتها ودلالاتها المختلفة، وأن التجربة تخضع لقدرة الشاعر، ومؤهلاته، في صياغة تلك التجربة، ولكن الذي لاحظناه في الكثير من التجارب الشعرية الفلسطينية المعاصرة، والبناء المعماري والنسيجي لتلك التجارب المتعددة، أنها صيغ شعرية تنهل من معينٍ شعري واحد، وأنها تقاربت حدّ التّزاحم: لغة، وبناء، واستهلالاً حتى في حركة المعاني والصّور، والتمايز بالتشابه، والتراكيب، والإيقاع، مما يجعل النقد في حرجٍ لدى الإمساك بالخيوط المتشابكة في قصائد أولئك الشعراء، ومحاولة الفصل القسري بين تلك الخيوط للوقوف على المختلف منها وبينها، ولكن النقد يظل أسير ذاك التشابه والمتشابه، وتقارب الدراسات النقدية ما اتفقت عليه التجارب مقاربة واحدة التفاصيل والقراءات والرؤى، ويتحرر النقد نقداً عندما يكون الشعر شعراً حقيقياً، ومختلفاً، ومتميزاً، لأنه يملك عمقه، وغائبه الأعمق بين ثنايا السطور، والجمل الشعرية والمقاطع عندها فالنقد مختلف، والقراءات أكثر ألفة والتصاقاً بالقصائد وشاعرها.
بين أيدينا اليوم تجربة شعرية أوشكت أن تقارب المختلف والمغاير، وفيها من روح الشعر ما يمس روح القارئ ووجدانه، وما يدفعنا للوقوف عند شاعرها معين شلبية
ذاك قبس لشعرية... ربما مختلفة، وشاعر مختلف، كشفت سيرته، أو ملامح سيرته المتشابكة ذاتاً وشعراً عن جوانب من تلك الملامح الأرقة المعاندة، المكابرة، والغاصّة بالأسئلة الحائرة عن الحياة والموت والحرية والوطن والأرض، وأسئلة أخرى خفية في أعماق الشاعر سنكتشفها في قصائده كما اكتشفناها في نثرياته الجميلة عنه حياة، وشاعراً، وربما فيلسوفاً، وذاك يتضح من جمل عدة وردت على لسان حبره الجوريّ القاني دماً وشعراً... ذاك هور رفيق جولتنا اليوم الشاعر – معين شلبية – من فلسطين 48 – ومن الشعراء المعاصرين وكما يبدو من القارئين جيداً لثقافات أدب الحياة، ثم يعكس ما قرأ في تجربة شعرية جادة، ومتميزة... وتحمل خصوصيتها وفرادتها في محيط الشعر العربي المعاصر.
وسنختار بعضاً من قصائد الشعر للشاعر معين شلبية، والتي تحمل سمة ووجدان صاحبها، وما تفرزه تلك التجربة من دلالات، ورؤى تكشف عن الجوانب المهمة في شخصية الشاعر، والأبعاد الأعمق والتي تتضح وتبين من خلال تلك القصائد.

البداية، مع قصيدة: (الموجة عودة):

ولماذا أسامح يا أصحاب!!؟
هل أحد منكم يحمل أمتعة الصّبح مكاني
هل من يقرأ في حزني النكبة
ويشارك في موت الليل مقاساة العتمة
ويمزق شرياناً في أحشاء زماني
كانت في قلبي تتفتح زهرة
كانت في روحي زنبقة مرة
مرّ العمر... ويا ليته... ما مرّ
كانت في قلبي تتفتح طفلة
تتململ في رحم الأحزان... تعاني
كانت في روحي أنثى
ترسم أجنحة الشمس، وأعقاب البسمة
لكن سهاماً من قوس أحبائي
بعثت في عز الصبح إلى روحي... فأصابت
ماذا أفعل يا أصحاب
هل يوجد من يحمل منكم أتعاب الأمة
هل أحد يقرأ أسفار البحر
ويرشف من قاع الكأس بقايا الجمرة
وتقول الطفلة:
ماذا أفعل كي تجعلني حبلى
ماذا أكتب يا أغراب
هل يوجد من يفهم فيكم ما قد أكتب
قد أكتب عنكم كل خطاياكم
وأعانق فيكم في عزّ الظهر عذابي
لتكون الثورة
لتكون الثورة
لتكون الثورة...
ماذا أعمل يا عشّاق
هل أحد منكم يعرف طعم الجرح المالح
في صدر القبلة
هل أحدٌ منكم يعرف كيف يكون الحب
على جسر العودة
هل أحد منكم يعرف كيف تغيب الرّوح
على خصر الخيمة
هل أحد منكم يعرف كيف يجوع القلب
وتنتحر الشهوة
ماذا أفعل يا أحباب
سراب هذا... هذا سراب
واصل شهوتك المائية
واصل أحلام الزّوجة
فغداً ستعانق تلك الموجة
الموجة عودة
الموجة عودة
الموجة عودة.

ما زلت أقف بحدّة عند قول الشاعر الألماني نوفاليس في الشعر: - الوجدان الأصيل كالنور، يشبهه في هدوئه وحساسته، ومرونته ونفاذه.. وهو في قدرته على التأثير القوي غير الملحوظ أشبه بهذا العنصر البديع الذي ينتشر فوق جميع الأشياء بميزان دقيق، ويجلوها جميعاً في مظهر متنوع أخاذ، إن الشاعر من الصلب الخالص، وهو في حساسيته أشبه بخيطٍ من الزجاج الهش، ولكنه كذلك قاس كالحصاة الجامدة.
حكمة العبارة: لو كرّرنا القراءة مرّات ومرّات كمتلقين لعبارات – نوفاليس – فإننا سنجد أنفسنا أمام نص شعري شفيف حدّ الوله، آسر حدّ الذوبان، أخاذٍ حد الوجع الجميل، وأصر على الوجع الجميل، على أنه ارتباك المشاعر كلها والجوارح كافة لدى الاستمتاع بلذة دامعة حد البكاء والغناء معاً والحزن والفرح تطابقاً متوازياً في الصميم لما عاشه المتلقي من تضادات وتقابلات دفعت كل منهما الأخرى لزيادة فعالية أثر الجرعات لدى القارئ الشغوف بمثل تلك التضادات والتقابلات ذات الفعالية الحادة والمؤثرة، من ناحية ثانية، فإن عبارات نوفاليس هي أسس داعمة وركائز أساسية لأية قصيدة شعرية لو التزمت بتلك الأسس والركائز لعبرت عن نفسها بانها قصيدة حقيقية وأصيلة... ولو رجعنا لشعرنا العربي الخالد، فإننا سنقف على قصائد أصيلة ومعاصرة في آن واحد، ستظل الشفاه ترددها بمتعة ونشوة على امتداد الزمان، ولو قام شعراؤنا اليوم بمراجعة شعرنا العربي، ثم أتوا على القصيدة الغربية الجميلة ومازجوا بين الجماليات هنا وهناك لأبدعوا الشعر الأخاذ الذي يتطلع إليه القرّاء بشغفٍ ولهفةٍ رائعين.
والآن: نصل إلى تجربة الشاعر – معين شلبية – وقبل الدخول في تفاصيل نقد التجربة، فقد أعدت قراءة قصائد عدة للشاعر وتوغلت عميقاً في الأبعاد النفسية والوجدانية وما وراء السّطور للقصائد، والدلالات الخفية: أو الغيبي البعيد إن بدا في تجربة اعتبرها شاعرها نهجاً مغايراً ومختلفاً وإشكالياً لأنه عبر بنثرياته الجميلة عن سيرته الذاتية والشعرية بقوله: (الكتابة.. سفر تكويني الخاص... تسوية أخلاقية بين تجربتي الإنسانية وبين هاجس البحث عن سؤال الحرية، الحقيقة والعدالة في جو: استثنائي شخصي، وذاتي يبدأ من الصرخة الأولى، ويمتد نحو التصاعد الغامض المتوتر والقلق الذي لا يتوقف على حال من أجل بناء تجانس كينوني بين الجماعي والفردي، بين الأنا والآخر، بين العشق والمرأة، بين الأرض والوطن – تكمن هنا مفارقة عجيبة: أن الرعشة التي كنا ننتظرها في الشعر، باغتتنا في نص نثري سيكون – بعد ذلك – هو الحامل الأساسي لقصائد الشاعر، حيث اختطف منّا الصبوة لمتعة الغناء، والتلذذ بموسيقى الشعر، إلى التلذذ بمتعة الإيقاع والبعد الخفي لدلالات النص ونجد أنفسنا لدى الذهاب بعيداً وعميقاً في القصائد: حضور فلسطين نكبة وحدثاً طغى على هواجس الشعر ورعشة المباغتة الأولى لدى القراءة الأولى الرّاصدة لاحتمالات القصيدة، والحضور الآخر الطاغي والذي كشف قراءات الشاعر للشعر الغربي، وتأثره بالنص الآخر قيمةً وفلسفةً ورؤى، فحضور فلسطين الطاغي على الشعر نكتشفه بالطريقة ذاتها التي درج عليها الشعراء الآخرون، حيث المباشرة المنتزعة من حدث النكبة والشتات والمأساة يتجلى واضحاً في عبارات: ولماذا أسامح يا أصحاب!؟، هل من يقرأ في حزني النكبة؟ ويشارك في موت الليل مقاساة العتمة، كانت في قلبي تتفتح طفلة تتململ في رحم الأحزان... تعاني، وهكذا... لو سلسلنا النخبة المغايرة في قصائد الشاعر، لوجدناها تنحرف تلقائياً باتجاه: المعاناة، الرثاء، البكائيات، التأوه الحاد، المباشرة الواضحة في التأسي على وقائع النكبة وملابساتها، فإذا ذهب الشاعر إلى الوجدانيات فنرى تأثره المباشر بالشعر الغربي الذي أكثر في قراءاته.
ومع ذلك، فتجربة الشاعر معين شلبية تجربة غنية ومتطورة ومتصاعدة بتراكيب شعرية تكشف عن معدن الشاعر الجيد في السير بقصيدته للأفضل.
وهكذا تقذف – البغتة – رعشتها الحارة، والحادّة جداً، وشعرها المختلف، والمغاير، ونكهة الغيبي الخفي، والذي أفردت له القصائد مساحة شاسعة من رؤى التخيل، والإيحاء، والنسج الوجداني المركب على: الهاجس الوطني، والتجانس الكينوني، فإذا (بسؤال الكتابة يبقى مبحراً في الأزرق، كما يبدو: معاناةً لا شفاء منها، ودهشة مشبعة بالوعي والهوس، تحكّ المخيلة، تداعب اللاواعي كي تصل إلى اللذة التي لا أحب الوصول إليها... في هذا العالم الغائب، الضيق والسّحيق!!!)...
تجربة – دارت وحامت – في بداياتها – على دائرة واحدة لا خروج من هواها ومستحيلها هي فلسطين، ولما نمت التجربة وتكاملت بهلالها الكوني الرحيب، وأن الشاعر... صوت التراب والوطن... عليه أن يخاطب الآخر بصوت وجدانه، وإنسانيته، توجه الشاعر معين شلبية بقوة الصيغة التي امتلكها، وصارت طوع بنانه بالكتابة للآخر عبر تلك: (الحالة الاستثنائية، الإنسانية الشاملة في جوهرها المتألق، المتوتر، الحائر والمأزوم)، ولعل الأروع في شمولية تجربة الشاعر قوله: (كنت أسأل، لأعود مع أقرب عاصفة كي أخترق جدار الذاكرة، وكلما داهمتني هذه الحالة كنت أستعيد توازني في عالم لا يرحم.. كنت أسترخي في غيبوبة الوجع... هناك.. على شاطئ البحر... أتأمل زرقته، وأتمنى الخلاص حتى تفيض الروح دهشةً، تمرداً ورؤى... هذا الرحيل المستمر، تعبيري عن التجربة الحياتية على حقيقتها، يتداخل صراخي في غمار الاحزان، تتشابك الصور المضطربة، يتسع الهامش... وتمضي غيمة)... هكذا، وبغتة، نتوحد ونأتلف معاً أيها الشاعر الأرق من النسمة، والأحد من شفرة السّيف عند الضرورة، في المظاهر – تبدو القراءة الاولى... معاندة، تبدو الثانية متوجسة وحائرة، والقراءة الثالثة.. لا تنتظر طويلاً لان هبوب عاصفة الشعر قذفها عميقاً وبعيداً داخل تجربة هامة مفردة بخصوصيتها، وهبوبها المباغت المثير... حبرنا واحد، وهواجسنا واحدة، ونزفنا واحد، يا رفيق الشعر وصوتي المدوي في صوتك،ـ والمسافة بيننا وردة وفلسطين وإذا كان الموضوع يتعلق بالوطن، فإن أي شيء آخر ليس له أهمية، وأن درس التراب باق فينا ما استلذت الذاكرة بفلسطين حبيبة، واسماً دافئ الرعشة والهبوب... يا جرح أحبابي الذي... ألقى أساه على أسانا، حين مرّ مسلماً... ألقى تحيته إلينا.. كان يبكي نشوة بلقائنا، ألقى على الأسلاك قبلته الأخيرة وردةً، ألقى بقبلته الأخيرة، وارتمى... فوق التراب غمامةً تبكي، فتشتعل السّما) إلى معين وفلسطين والأحبة.



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 81

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة