New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

لو وُلِدتَ / محمود درويش - د. نبيل طنوس

 

04/05/2014 18:38:00

د. نبيل طنوس

 
لو وُلِدتَ / محمود درويش - د. نبيل طنوس
                                                           
قصيدة  "لو وُلِدتَ"  هي قصيدة مونولوغ مركب، ففي البداية يخاطب الشاعر نفسه بضمير الحاضر "أنت" (لو وُلِدتَ)، وينتقل بعد ذلك بالمونولوغ ويخاطب نفسه بضمير المتكلم "أنا" (جنسيتي....وحقوقي...). وليس غريبا لان يفعل هذا، فهو الذي كتب قصيدتين تحت عنوان "لو كنت غيري"، قصيدة "فكر بغيرك"، "هو، لا غيره"، "وقوع الغريب على نفسه في الغريب"(واحد نحن في اثنين)، "لم اكن معي"، "انت، منذ الان، غيرك"، "أنت، منذ الان أنت" وغيرها من القصائد التي تحتوي على "موتيف" أنا- أنا وأنا - غيري.
للوهلة الاولى نأخذ انطباعا بأنها قصيدة واضحة المعالم تماما. فهو يقول اشياء واضحة كل الوضوح لدرجة نتساءَل عن ماهيتها كقصيدة ونقول لأنفسنا: ما هذا؟ ماذا جرى للعمق الادراكي والما وراء الادراكي (ميتاكوغنيتسيا) التي عودنا عليها شاعرنا، وكأن لسان حالنا يقول: نريد من شاعرنا ان يكتب قصائد صعبه مليئة بالمجاز والاستعارات والتناص وغير ذلك من الاساليب البلاغية.
وعندما نقرأها ثانيا وثالثا ورابعا، نتساءل: ما هي مركبات الهوية؟ وهنا يجدر بنا قراءة كتاب امين معلوف "الهويات القاتلة"- (قراءات في الانتماء والعولمة).ترجمة د. نبيل محسن. يقول في المقدمة: "منذ ان غادرت لبنان في عام 1976 لأستقر في فرنسا، سُئلت مرات عديدة، بأفضل ما في العالم من نوايا، إن كنت اشعر أولا أنني فرنسي أو لبناني وكنت أجيب دائما: "هذا وذاك". ليس من قبيل الحرص على التوازن أو المساواة، وانما لأنني إن أجبت بشكل مختلف لكذبت...."
اما د. جورج حبش في كتاب "التجربة النضالية الفلسطينية- حوار شامل معه" أجراه محمود سويد من إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998. بيروت، يقول: "أنا ماركسي. يساري الثقافة. التراث الاسلامي جزء أصيل من بنيتي الفكرية والنفسية. معني بالإسلام بقدر اية حركة سياسية إسلامية. كما ان القومية العربية مكون أصيل من مكوناتي..."إنني في حالة انسجام مع قوميتي العربية، ومسيحيتي، وثقافتي الاسلامية، وماركسيتي التقدمية".
هكذا شاعرنا ايضا يعرض حالات مشابهة لما جاء اعلاه:
الحالة الاولى: انسان له هوية مركبه من ثلاثة مركبات: استرالية وارمنية وفرنسية.
 الحالة الثانية: انسان له هوية مركبة من اربعة مركبات: مصرية وسورية وسعودية وفلسطينية. وينهي بقوله ان هويته الفلسطينية ما زالت تتخمر في المختبر أي ما زالت تتألف.
ويكتب جورج جحا في موقع "الجريدة"- بيروت والتي رئيس تحريرها د. قيس العزاوي ما يلي: "في قصيدة "لو ولدت" اختصار لوضع "الفلسطيني التائه" ينقله بمأساوية "عملية" هي بنت الواقع لا الخيال".
أعود واقول أن شاعرنا هو القائل: "الهوية هي ما نُوَرِّث لا ما نَرِث.لا أَخجل من هويتي ، فهي ما زالت قيد التأليف: ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون. الهوية هي فساد المرآة التي يجب أن نكسرها كلما أعجبتنا الصورة".
جئت بهذه المقدمة نظرا للنقاش الذي يدور حول قصائد الديوان "لا اريد لهذي القصيدة ان تنتهي" فهو آخر ديوان للشاعر وقد ظهرت به أخطاء في علم العروض - التفعيلات - أيضا هناك أخطاء لغوية ومطبعية، وبالطبع درويش أحد أهم علامات الشعر في عالمنا العربي، ولا يمكن أن يخطئ أبدا في هذه البديهيات!!  ففي موقع مؤسسة محمود درويش يكتب شوقي بزيع تحت عنوان" عندما لا يضع محمود درويش لمساته الاخيرة":" وفي قصيدة "لو ولدت" التي يشير الكاتب الياس خوري في الكتيب التوضيحي الصغير المرفق بالديوان الى أنها من القصائد غير الناجزة والمملوءة بالتشطيبات، نقرأ: "وإن كانت الأم مصرية/ وجدّتك من حلب..." حيث يخرج السطر الثاني عبر لفظة "وجدّتك" تماماً من سياق بحر المتقارب ولا يدخل في أي اجتهاد عروضي مهما بلغت درجة تعسفه.
هنا اريد ان أسأل: لماذا التركيز على هذه النقطة بالذات وكأن الكاتب كان ينتظرها ؟
 
يكتب عادة الشاعر قصيدته بتلقائية وقد يخطئ في وزن وقافية وغيرها، وبعد ذلك تأتي النظرة الثانية المتفحصة. في اللحظة الاولى يعيش الشاعر لحظة الإيحاء وهو يريد أن يحافظ في هذه اللحظة على الحالة بما تحتويها من معان وتعابير واقعية ومجازية قبل أن تضيع منه، فهو يكتبها كتابة اولية ويبتعد عنها إلى أن يهدأ حسيا ويقوم بعد حين بعملية مراجعة فكرية(عملية تفكير رفلكتيفية) وعند ذلك يصحح ما يراه مناسبا.
وطالما نتحدث عن التحرر من بعض الاشكال الشعرية التي تقيد الشاعر وكأنها تريد ان يكتب كما يرغبون؟ لكن شاعرنا كان يعرف توجه النقاد هذا ، لقد سبق وكتب شاعرنا معاتبا النقاد في قصيدة "اغتيال" في مجموعة "اثر الفراشة" ويقول:
 
يغتالني النُقَّاد أَحياناً:
يريدون القصيدة ذاتَها
والاستعارة ذاتها
فإذا مَشَيتُ على طريقٍ جانبيّ شارداً
قالوا: لقد خان الطريقَ
وإن عثرتُ على بلاغة عُشبَةٍ
قالوا: تخلَّى عن عناد السنديان
وإن رأيتُ الورد أصفرَ في الربيع
تساءلوا: أَين الدمُ الوطنيُّ في أوراقهِ؟
وإذا كتبتُ: هي الفراشةُ أُختيَ الصغرى
على باب الحديقةِ
حرَّكوا المعنى بملعقة الحساء
وإن هَمَستُ: الأمُّ أمٌّ، حين تثكل طفلها
تذوي وتيبس كالعصا
قالوا: تزغرد في جنازته وترقُصُ
فالجنازة عُرْسُهُ
وإذا نظرتُ إلى السماء لكي أَرى
مالا يُرَى
قالوا: تَعَالى الشعرُ عن أَغراضه
يغتالني النُقّادُ أَحياناً
وأَنجو من قراءتهم،
وأشكرهم على سوء التفاهم
ثم أَبحثُ عن قصيدتيَ الجديدةْ!
 
نحن ننسى أو ربما نتناسى الحالة النفسية التي يعيشها الفلسطيني في المنفى/المهجر/الغربة وسمها كما تشاء فان الفلسطيني يعيش بعيدا عن حضن الوطن/الام الدافئ. وفي هذه القصيدة بالذات وكأن شاعرنا يقول: تعبت من كل شيء، ويتغنى بلغة مفهومة لنا جميعا وبشكل مباشر بالحالة ولسان حاله يقول بيأس الليلك:
 تذكرت إحدى الأغاني،
فسافرت إليها....
وسافرت منها إلي....
تذكرت أني تذكرتها يوم مال الحديد علي...... ومال الزبد
.....................................................
.....................................................
 
لو وُلِدتَ/محمود درويش
 
لو وُلِدتَ من امرأة أسترالية
وأب أرمني ومسقط رأسك كان فرنسا
فماذا تكون هويتك اليوم ؟
طبعاً ثلاثيةً وجنسيتي فرنسية
و حقوقي فرنسيةً وإلى أخره
وإن كانت الأم مصريةً وجدتك من حلب
ومكان الولادة في يثرب
وأما أبوك من غزة فماذا تكون هويتك اليوم؟
طبعاً رباعيةً مثل ألوان رايتنا العربية
سوداء، خضراء، حمراء، بيضاء
ولكن جنسيتي تتخمر في المختبر
وأما جواز السفر
فما زال مثل فلسطين
مسألة كان فيها نظر
ومازال فيها نظر! وإلى آخره...”



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 34

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة