New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

كتاب جديد يثير الغبار حول محمود درويش: جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

 

13/02/2014 21:03:00

حمل إلي البريد كتابا من عادل الأسطة أحد أساتذة الأدب في جامعة النجاح بنابلس بعنوان ‘ جدل الشعر والسياسة ‘ (نابلس، 2013) وهو دراسة من ثلاثة بحوث أو مقالات إذا شئنا الدقة- حول ظاهرة الحذف والتغيير في بعض قصائد محمود درويش. ويثير هذا الكتاب- في الواقع- إشكالات تستعصي على الفهم حينا ، وحينا تتأبى على التقبل، والتفسير.
فالمؤلف ينطلق من فكرة لا يؤيده فيها كثيرون. وهي أن أيّ تعديل يجريه الشاعر في قصيدة من قصائده في طبعة أو أكثر من طبعات شعره لا بد أن تشير بالضرورة- لتغيير في موقفه السياسي، أو الأخلاقي، أو الديني. وإذا لم تكن كذلك فهي تشير إلى تغير في موقفه الفكري. فإن كانَ قد قال في قصيدة مبكرة :
أنا من قرية عزلاء منسية
شوارعها بلا أسماء 
وكل رجالها في الحقل والمحجر
يحبون الشيوعية
ثم أجرى عليها تعديلا بحذف الشطر الأخير ( يُحبّون الشيوعية) فمعنى ذلك أن الشاعر يتخذ بذلك موقفا سياسيا جديدا، فهو لم يعد محبًا للشيوعية، بل معارضا لها إن لم يكن معاديا كارها لذلك الحزب المدعو(ركح) بعد أن انشق عنه. وعلى وفق هذا التفسير الذي يراه الأسطة صحيحًا لا يأتيه الباطل من أيّ جهة، يغدو قول الشاعر في قصيدة أخرى مبكرة:
وأبي قال مرة
الذي ما له وطن
ما له في الثرى ضريح
ونهاني عن السفر
قولا يحتاج إلى إعادة نظر لأن (درويش) الشاعر لم يلتزم بالذي نهاه عنه أبوه، وسافر تاركا 
فلسطين، ليقيم في القاهرة مرة، وفي بيروت مرة، وفي دمشق مرة .. وفي أكثر من مكان، وهذا، إذا أخذ على مقاس المؤلف في ضرورة أن تمثل كل كلمة، وكل عبارة، موقفا من الشاعر لا يحيد عنه، ولا يتزحزح، يبدو معيارا مثيرا للسخرية، باعثا للضحك. ولا يغيبنَّ عن ذهن المؤلف وهو أكاديمي متمرس في التدريس وخبير في البحث أن التنقيح، وإعادة النظر في القصيدة مرارا وتكرارا، قبل نشرها وبعده، شيءٌ معروف، منذ القديم، ولا يفوته ما ذكره طه حسين وناصر الدين الأسد وغيرهما من مأثور القول عن زهير بن أبي سلمى وأوس بن حجر والشماخ وعن كعب بن زهير والحطيئة ممن أطلقوا عليهم اسم عبيد الشعر، وأصحاب الحوليّات، كونهم كانوا يطيلون النظر في القصيدة، وينقحونها مرارا قبل إلقائها في الأسواق، وإن اضطروا فعلوا ذلك بعد أن تذاع في الناس. وقد ذكر المؤلف نفسه أمثلة تؤكد مشروعية هذه الظاهرة ، مشيرا لقصيدة فهد العسكر ‘ البلبل ‘ التي ظهرت في ديوانه المطبوع بصياغة تختلف عن تلك التي نشرت في مجلة الكاتب المصري. وذلك ما تنبه إليه يوسف نوفل في دراسته للقصيدة في كتاب نشره بمصر (1978) عن ‘ ديوان الشعر في الأدب العربي الحديث ‘. 
وفي كتابٍ لحاتم الصكر- من 
العراق- بعنوان : كتابة الذات؛ دراسات في وقائعية الشعر’ (دار الشروقعمان 1994) يجد القارئ دراسة نقدية تتبع فيها الصكر ما أجراه أدونيس على بعض قصائده من تعديلات، وما حذفه من بعضها، وما زاده في بعضها الآخر، مؤكدا أن التنقيح و( التحكيك) يضفي على القصائد مزيدًا من العمق والتأصيل والتوهُّج. وفي الكتاب الذي نشره عيسى بلاطة عن بدر شاكر السياب حياته وشعره (دار النهار: بيروت، 1970) نجد مقارنات بين مسوَّدات بعض القصائد والمنشور منها، وأضواءً يلقيها المؤلف على التغيير الذي أحدثه الشاعر في هاتيك القصائد دون أن يثير زوبعة من النوع الذي يثيره الأسطة في هذا الكتاب. إذ من الشائع لدى الدارسين الذين يعنون بعملية الخلق الشعري شغفهم بمراجعة المسوَّدات، وتتبع المراحل التي اجتازها النص قبل أن يرى النور منشورا في صحيفة، أو مجلة، أو كتاب. فذلك كله يلقي الضوء على خفايا الإبداع الفني، والشعري منه خاصة. وهذا ما عُني به  د. مصطفى سويف في كتابه الضخم ‘ الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة دار المعارف، القاهرة: 1959.
بيد أن المؤلف ها هنا- يضفي على بعض التعديلات القليلة، التي يجدها في قصائد نادرة لدرويش، الكثير من التساؤلات، بحيث تبدو هذه التعديلات ، ما كان منها بالحذف، أو التغيير، أكبر مما هي في الواقع. والغاية من ذلك نجدها فيما تومئ إليه، وتوحي به، عنوانات الفصول: ظواهر سلبية في مسيرة درويش الشعرية ‘ و ‘ إشكالية الشاعر والسياسي : محمود درويش نموذجا ‘ و ‘ محمود درويش حذف البدايات وقصائد أخرى‘. والسؤال الذي يتردد في الكتاب من أول السطر حتى آخره سؤال واحد، لا يحتاج، ولا يستحق في واقع الأمر- لجلّ ما يتصوره من ضرورة التقميش، والاقتباس، وتتبع المقابلات، والرجوع إلى الصحف، والمجلات، والمصادر الكثيرة، والمراجع. فحذف عبارة من القصيدة قد تجعل منها قصيدة جديدة، لكنها غير مبتورة الصلة بالقصيدة الأولى، ففي حذفه عبارة ‘ يحبون الشيوعية ‘ أحد الاحتمالات الآتية: أن يكون الحذف خطأ طباعيا لأنه ترك ثغرة في الإيقاع، وفي قوافي القصيدة. أو أن يكون حذفها جرى تجنبا للمباشرة، فمثل هذه العبارة كانت في مرحلة من مراحل درويش المبكرة مقبولة فنيًا، لكنه في مرحلة تالية أقلع عن الشعارات. ومن الجائز أن يكون قد اتخذ موقفا خلافيًا مع حزب (ركح) الذي انتسب له ردحًا من الزمن، ثم انشق عنه، ولما أعاد النظر في القصيدة حذف هذه العبارة. وفي اعتقادنا أن الشاعر لا يُنقد مثلما ينقد المشبوهون في أروقة المحاكم، وزنازين العَسَس، وأقبية المخابرات.. وإنما ينقد بموازين الأدب، ومعايير الشعر الرائق، والذوق الرفيع. وقد أقام المؤلف الدنيا لأن (درويش) استبدل عبارة معاهدة اليأس بمعاهدة الصلح، واستبدل تطيل النهاية بتطيل التفاوض، واستبدل كلمة الرحيل بالسلام، في طبعة من طبعات ديوانه أحد عشر كوكبًا، وذلك في قوله
إن هذا الرحيل سيتركنا حفنة من غبار
فلماذا تطيل النهاية يا ملك الاحتضار؟
ونستطيع تبديد هذا الضجيج الذي يثيرهُ المؤلف بإشارة تذكّر ناقدنا بالنموذج التاريخي الذي تدور حوله القصيدة، وهو أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس. والمتكلم في القصيدة يتحدث عن هذا الأمير (الملك) الذي وقع معاهدة الاستسلام (الصلح) وقرر الرحيل أخيرا من غرناطة إلى برّ العدوة.. والمتكلم في هذه الحال يتقمّص شخصية موسى بن أبي غسان الذي عارض التفاوض، وعارض الصلح، رافضا اتفاقية الإذعان، وقاوم بحد السيف إلى أن لقي حتفه، وعُثر عليه شهيدًا في مياه النهر، واستبدال عبارة بأخرى لا يغير من حقيقة الأمر الذي يشير له الشاعر بتوظيف نموذج تراثي على سبيل التناص.
ولو أنّ عادل الأسطة مؤلّف الكتاب أطال التفكير في هذه التعديلات لما تسرع لإدانة الشاعر سياسيًا، وكأنه يريد أن يقول: إن موقفه السياسي يتسم بالتذبذب، تبعا لعلاقته بالسلطة، التي يمثلها من عناه في الأبيات (ملك الاحتضار) وهو ياسر عرفات. وهذا إن صحّ - يظل احتمالا من احتمالات عدة. وما دام المؤلف يتقبل فرضية النص الذي تتعدد فيه القراءاتُ، وتختلف في تلقيه المعاني والدلالات، باختلاف القراءة، ومراتب التأويل، فقد كان لزاما عليه أن يتوقع لهذه التعديلات في هذه القصيدة بالذات مثل هذا المعنى، وهذا التفسير. ولا يفوتنا، ونحن نكرر القول عن حرية الشاعر في اختيار ما يختاره من رموز، التذكيرُ باختلاف مهمّة الناقد الأدبي عن مهمة الباحث الإيديولوجي الذي يُعنى بتصنيف الناس، ومواقفهم الحزبية، والدينية، وما شابه ذلك، فعندما استبدل درويشُ عبارة ‘ من جرحه شفقا ‘ بعبارة ‘ من جزمة أفقا ‘ لم يغير، لا موقفه الديني، ولا الأخلاقي، ولا السياسيّ، وإنما اختار عبارة شعريّة عوضًا عن عبارة تخدش الذوق وحظها من الفنّ حظ قليل غير مقبول، ويأباها الحس الشعري المرهف، فالذي غيّره الفدائي ليس ‘ جزمة ‘ فهذه الكلمة لا تخلو من الإهانة، والإسفاف، وقام الشاعر بتصحيح ما ظنه وهمًا وقع فيه، وخطأ ارتكبه، لشيء أكثر إشراقا وتعبيرا عن النضال: الجرح، والأفق، فما العيبُ الذي يجدُهُ الأسْطة في هذا؟ 
وتحصيل الحاصل أن الأطروحة التي يقوم عليها كتاب الأسطة ‘ جدل الشعر والسياسة ‘ أطروحة يصعُب على الدارسين، والنقاد الأدبيّين، القبول بها، والاطمئنان إليها، كونها تعتمد معايير، ومقاييس غير أدبيّة، ولا شعرية، في الحكم على الأدب
*ناقد وأكاديمي من الأردن.



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 29

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة