New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

تأملات من حوارات دارت في حضرته - سيد محمود

 

17/01/2014 23:56:00

الآن يتحرر المحارب من أسطورته

كنت من بين الصحفيين القلائل الذين سمحت لهم الظروف بمحاورة الشاعر الراحل محمود درويش الذي بدا للكثيرين دائما مثل جبل شاهق من غير المجدي التفكير في صعوده‏,‏ لكن في المرات التي كنت ألتقيه فيها كان يبدو علي العكس من ذلك‏,‏ يملك قلب طفل من الممكن أن تقدم له رشوة بسيطة مثل قطعة شيكولاته للوصول إلي قلبه وكانت رشوتي دائما تبدأ من محطة الثقة‏,‏ فالراحل كان يثق بالصداقة وبالأصدقاء الذين كنت أعبر من قلوبهم إليه‏.‏
كان قد جمعه لقاء أخير مع الأستاذ محمد حسنين هيكل في مصر دار حول فكرة أساسية فقد طلب منه الأستاذ أن يصدر مختارات من أعماله في القاهرة وتحمس درويش للفكرة‏'‏ بشرط أن أجد دار نشر قادرة علي التعاون مع ناشري رياض الريس الذي أحترمه وأحترم التزامي معه‏',‏ المرة الوحيدة التي رأيت فيها درويش بصحبة هيكل كانت في الجامعة الأمريكية إذ حضر أمسية درويش الشعرية في قاعة إيوارت في العام‏2002,‏ وقد وجه شاعر الأرض المحتلة تحية للكاتب الكبير لم تكن خالية من روح المداعبة إذ قال‏:'‏ أظنها المرة الأولي التي يجد فيها الأستاذ نفسه مستمعا‏'.‏
كنت في كل مرة أحرص علي أن أدون ما يجري في تلك اللقاءات التي اتسمت بشيء من الخصوصية يجعلها من المناطق المحرمة‏'‏ فهي أقرب لـ‏'‏كلام المجالس‏'‏ لا يجوز الخروج به من حدود المكان والزمان وأذكر عندما كان يضبطني متلبسا بالكتابة كنت أعده بأن ما دونته لي وليس للنشر‏.‏
في مرات كثيرة كان يقول أمامي‏:'‏ مشروعي الشعري لم يكتمل بعد‏,‏ فالشعر مشروع غير قابل للتحقق النهائي‏,‏ إنه سفر دائم في المجهول‏'.‏
والأغرب بالنسبة لي أن شاعرا مثله وصل إلي قمة النضج والنجومية ونال جوائز عالمية مهمة وترجم إلي لغات الأرض وكان علي وشك الحصول علي جائزة نوبل‏,‏ كان يتحدث عن منجزه الشعري بتواضع لدرجة القول‏:'‏ لو توصلت إلي تعريف نهائي للشعر لتوقفت عن الكتابة‏,‏ فأحد أسرار الشعر أنه فن غير قابل للتعريف النهائي وكل قصيدة جيدة هي اقتراح لتغيير مفهومنا عن الشعر‏,‏ والشاعر الحقيقي هو الذي يغير فهمنا للشعر وبالتالي فإن قدرة الشاعر علي تجديد نفسه وعلي تطوير رؤيته هي أمر يعطيه حياة أبدية‏'.‏
في قراءاتي الكثيرة للمؤلفات والمقالات التي كتبت عن تجربة محمود درويش لم أجد ما يشفي الغليل وفي أحد اللقاءات نقلت له هذا الانطباع وفاجأني بأنه محبط جدا من النقد وأكثر من ذلك كان يعتقد أن الشاعر أقدر من الناقد علي تأمل تجربته إذا كان لديه‏'‏ ضمير جمالي حساس‏'‏ يمكنه من معرفة عيوبه وأخطائه والشاعر الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة يقتل نفسه ويحكم علي موهبته بالإعدام‏,‏ والنقد الذي كتب حول أعمالي لا يزال أسير نظرة نمطية لشعري تقرأه فقط من منظور سياسي وبطريقة تفقده طابعه الجمالي‏.‏
وفي زيارة قام بها درويش للقاهرة في العام‏2002‏ صحبته إلي استديو قناة النيل الثقافية بالمقطم ليجري حوارا لصالح برنامج‏'‏ المرايا‏'‏ الذي أعده الزميل أحمد الشهاوي‏,‏ بدا ضجرا جدا بسبب اضطراره للخروج في وقت القيلولة لكن إحساسه بالالتزام تجاه وعد قطعه للشهاوي دفعه للمغامرة والهرب من النوم الذي كان يعشقه في هذا التوقيت‏,‏ كما أن علاقته الجيدة بالشهاوي كانت حافزا إضافيا‏,‏ إذ أكد لي أن البرنامج لاشك سيكون مختلفا‏,‏ وقد حدث ما توقعه إذ وجد درويش نفسه مضطرا للحديث في أمور كثيرة لم يقربها من قبل‏,‏ لا سيما علي صعيد عاداته اليومية ومزاجه الشخصي‏,‏ لكنه بالمقابل تجنب الحديث عن الحياة الرغدة التي كان البعض يتصور أنه يعيشها إذ قال‏:'‏ لا أريد أكثر من طوق الحمامة وشارع ضيق‏,‏ أريد حياة حقيقية أعيشها متحررا من ضغط الواقع والأسطورة‏'.‏
تذكرت هذه العبارة بقسوتها بعد وفاته بساعات وأنا أؤدي واجب العزاء لصديقه الشخصي في مصر الإعلامي نبيل درويش مدير مكتب إذاعة مونت كارلو في القاهرة الذي روي لي كيف أن محمود درويش كان يرفض الاستجابة للدعوات التي كانت توجه إليه لقضاء أيام العطلة في الشواطيء المغلقة علي سكانها في فرنسا أو إيطاليا حتي لو كان مصدرها صديقا فلسطينيا قديما لأنه كان يخاف علي صورته أمام شعبه الفلسطيني‏.‏
كرر درويش كثيرا وكتب عباراته‏:'‏ ما أصعب أن يكون المرء فلسطينيا وأن يكون الشاعر فلسطينيا‏,‏ إذ عليه أن يكون داخل نفسه وخارجها في آن واحد‏,‏ يحقق الجمالية والفعالية معا‏,‏ عليه أن يترك سياسة الأسطورة ويستبصر شعرية الواقع عليه أن يكون اثنين في واحد شاعرا وسياسيا‏'.‏
وقال في حوار قديم جري بيننا في العام‏2003‏ علي شواطيء الإسكندرية‏:‏ عندما أكتب علي أن أصدق قلبي أكثر من تصديق وعيي‏.‏
وفي تلك الزيارة التي كانت بدعوة من مكتبة الإسكندرية‏,‏ سكن درويش في فندق سيسل في غرفة تجاور الغرفة ذاتها التي نزلتها أم كلثوم قبل نصف قرن‏,‏ وقضي ثلاثة أيام في المدينة التي كانت من محطات ولعه الحقيقي وقت أن عاش في مصر أوائل سبعينيات القرن الماضي‏,‏ وحدثني يومها عن مساحات التشابه بين شواطيء فلسطين والإسكندرية‏.‏
وبعد زيارة سريعة لمكتبة الإسكندرية زار كذلك البيت الذي قضي فيه الشاعر اليوناني الشهير قسطنطين كفافي حياته ولمس بيديه كراسات دون فيها كفافي أشعاره التي صنعت شهرته‏,‏ وكتب كلمة في سجل الزيارات جاء فيها‏'‏ زرت غياب الشاعر كفافي فوجدته حاضرا بأشيائه الصغري في المكان‏,‏ ولكنه حاضر أكثر في شعره العظيم لأن مكان الشاعر الحقيقي والطبيعي هو القصيدة‏,‏ القصيدة فقط‏,‏ التي يضيق بها المكان‏'.‏
وفي الأمسية التي أحياها هناك ربط الدكتور يوسف زيدان في مقدمته الترحيبية بين ميلاد درويش ونشأة دولة إسرائيل مما دعا الشاعر إلي تصحيح هذه المعلومة بالقول‏:'‏ أنا أقدم من إسرائيل‏',‏ مما أثار الصيحات والتصفيق بطريقة جعلت درويش يقول‏:‏ هذه التحية‏'‏ ثقيلة علي أكتاف لغتي‏'.‏
كان يقول‏:'‏ مازلت بحاجة إلي محاربة الأسطورة التي رسمها الجمهور لشاعره‏,‏ فأنا لست أسطورة ولا أريد أن أكون وليس لدي رسالة أبشر بها‏.‏
من اللافت للنظر أن درويش طور علاقته مع القارئ بحيث وصلت إلي‏'‏ مصالحة جميلة‏'‏ ولم تعد مرجعيته النص الأول للشاعر وإنما النص ما قبل الأخير‏'.‏ كان يضحك ويشعر بفخر وهو يقول‏:'‏ قارئي تطور معي وأنا مدين له بقبول اقتراحاتي الجديدة فقد سمح لي بإعادة تشكيل ذائقته من جديد بعد أن كسبت ثقته‏'.‏
سألته في آخر حوار جمعني به في مدينة المنامة البحرينية عن الكيفية التي عبر بها عن انشغاله بقضية الموت في دواوينه الأخيرة‏,‏ فقال لي بيقين من يعرف أن الموت قادم إليه‏'‏ نص جدراية نص غير منفصل عما قبله من نصوص وقد كتبته تحت قسوة الإحساس بأني لن أعيش من جديد وأنا أواجه احتمال الموت أثناء العملية الجراحية وهذه النصوص تغني عن قراءة بقية أعمالي وهي ليست تكرارا كسولا أو تأملا ميتافزيقيا للموت‏,‏ وإنما هي بحث عن قصة السؤال حول الموت داخل الأسطورة وشعري الأخير إجمالا هو تأمل لسجال دار بيني وبين نفسي مع هاجس قوي هو الموت واكتشفت فيه أنه كان أكثر غربة مني ولذلك أشفقت عليه وقد أدركت وحدته‏'*‏

الأهرام العربي



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 93

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة