New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

وميض عابر للأزمنة !

 

04/05/2013 13:14:00

خيري منصور

نادرة هي النصوص التي عبرت القرون والألفيات ووصلتنا بكامل حمولتها، لأن ذلك يتطلب حصانة تحرس النصّ وتسربله بالقداسة، وسواء كان النص المهاجر اسطورة او شعرا او ملحمة، فهو يفقد الكثير من حمولته، عبر ترشيق يتولاه البشر العاديون وليس النقاد وعلماء الجمال، لهذا يتحول من جسد الى شحنة، ويتم اختزاله لاستدعائه في اي سياق مماثل للسياق الذي ولد فيه، ولو سألنا اليوم عددا كبيرا ممن يستدعون بعض ابيات المتنبي في مناسبات معينة كقوله:
'
ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى عدوا له ما من صداقته بدّ
او اذا رأيت نيوب الليث بارزة ... او لسان الفتى نصف ونصف فؤاده، عن الشاعر الذي تنسب اليه هذه الأشعار لربما ترددوا في معرفته، او على الأقل معرفة القرائن المصاحبة لسيرته في بعديها الانساني والشعري، وفي ايامنا تتردد على الألسنة عبارات اوشكت ان تنفصل او تنقطع عن مصادرها الأدبية، فمن يصفون الرجل العربي الباتريارك والمفعم بأيديولوجية الذكورة بأنه سي السيد قد لا يعرفون السياق الروائي الذي وردت فيه العبارة، والأرجح ان هناك من لم يقرأوا ثلاثية محفوظ وربما شاهدوها افلاما سينمائية، وكذلك من يرددون بيتا شهيرا من شعر الشابي وهو : اذا الشعب يوما أراد الحياة، وقد يأتي يوم ينفصل فيه ما قاله محمود درويش وهو : على هذه الارض ما يستحق الحياة عن مصدره، وما تتعرض له النصوص من ترشيق يذكّرنا بالجذر اللغوي الاشتقاقي لكلمة ثقافة، فهو مقترن بتثقيف النخيل او الرماح بحيث تتخلص من البدانة والنتوءات وتصبح عارية الا من جوهرها، ولعلّ هذا ما يوضح لنا الى حدّ ما لماذا اصبحت بعض النصوص تنافس مؤلفيها على الشهرة، فهاملت اصبح بمرور الزمن أشهر من مؤلفه وكذلك زوربا، الى الحدّ الذي سمعت فيه يوما من يقول ان زوربا هو مؤلف رواية كازانتزاكي، فما ينأى هو الرماد لكن ما يتبقى هو الوميض الذي يهجع تحته رغم ان النصوص الخالدة عصية على الاحتراق كالأبنوس، وان احترقت فإن لجمرها وهجا ووميضا ورائحة من طراز آخر .
* * * * * * * *
ما يقال جزافا وبثرثرة نخبوية مصابة بالتورم والنرجسية عن اقتصار الابداع على الخاصة، يجهل او يتجاهل هذا العبور الرشيق لوميض النصوص، وتحولها الى شحنات، فما تبقى من الاسطورة هو وميضها لأن من يعرفون شيئا عن بروميثيوس او سيزيف او اوديب تتلخص معرفتهم ان لم يكونوا من ذوي الاختصاص في المغزى الأخير لهذه الاساطير، وليس بالضرورة ان من يقولون خير الكلام ما قل ودل قرأوا النفّري وما قاله عن اتساع الرؤيا وضيق العبارة، وقد نسمع اميّا يقول ان كان الكلام من فضة فان السكوت من ذهب دون ان يقرأ النفّري او ما يتعلق ببلاغة الايجاز او حتى ما قاله الشاعر حمزاتوف عن تعلمه الكلام في عامين ثم الانتظار ستين عاما ليتعلم الصمت . والمراحل التي تمر بالنصوص غير المحصّنة او المحروسة ميثولوجيا من اجل الترشيق او ما يسميه المتنبي التفريق بين الشحم والورم تخضع لذائقات وحساسيات وثقافات سائدة في تلك المراحل، لهذا لا نزال نسمع ونقرأ : عيد بأية حال عدت يا عيد بعد قرون من ولادة ذلك الشعر، لأن الاشياء تستدعي ما يماثلها بقدر ما تستدعي نقائضها في مقام آخر، وتلك هي الجدلية الآسرة للابداع الخالد، وغير الموسمي او المشروط والمُرتَهن.
* * * * * *
سخر احد النقاد المعاصرين من الشاعر او اي مبدع آخر اذا تصور بانه آدم المعرفة او المخلوق البكر في الخليقة، فهو مسبوق بخبرات عبرت الى زمانه عدة الفيات، لكن امتياز الابداع هو في تحرير الذاكرة ما أمكن من رواسب تلك الخبرات بحيث تصبح كتابة ما عن الموت والفقدان كما لو انها الاولى لكن بمقياس آخر لأنها تحوّل مخزونها الى شحنة ووهج، واحيانا الى ايقاعات مجردة.
انها مفارقة الحفظ من اجل النسيان، فقد تُبنى بيوت جديدة في هندستها ووظائفها بحجارة بيوت مهدّمة، وهكذا هي الكلمات لكن ليس وفق ما ينسب الى الجاحظ وهو انها ملقاة على الطريق رغم ان الجاحظ سبق هوفمان بقرون عندما اوشك ان يقول عبارته الشهيرة وهي الاسلوب هو الرجل وبمعنى ادق الاسلوب هو الانسان.
وهناك سبيل آخر لترشيق النصوص غير اختزالها او تحويلها الى وميض وشحنات، كأن تتحول من كلمات الى موسيقى كما فعل فاغنر بأسطورة تريستان وايزولدا، فهو اعاد صياغتها صوتيا مقابل اعادة الفرنسي فاديه صياغتها لغة وبمفردات عصره.
واذا كان هناك من يرون ان ما يتبقى من كل عصر هو أقل القليل، فإن ما يتبقى ايضا من المبدع هو أقل القليل، ليس لأن هناك حمولات فائضة في النصوص بل لأن الزمن وتراكم الخبرات يجوهر حتى الفحم شرط ان يتعذّب ويصطلي بالنار قبل ان يتحول الى ماس.
* * * * * * * 
لا يقتصر هذا الاختزال والترشيق على الأدب، فهو يمارس نفوذه على كل مجالات الحياة، ولو اخذنا مثالا سعد زغلول الخطيب الذي لم يكف عن الخطابة حتى اوشكت ان تتحول الى مهنة كما يقول الرومانيون عن خطيبهم شيشرون وكما يردد الانجليز عن احد رؤساء الوزارات وهو جورج لويد، لا نسمع الان من كل ما قاله سعد زغلول الا عبارة واحدة لم تكن في سياق خطبة بل في سياق اليأس وهي: غطيني يا صفية، ما فيش فايدة، ودلالة ذلك ببساطة ان المناخ السائد في ايامنا مفعم بالعدمية والقنوط وفقدان الرجاء بالخلاص.
هكذا تخضع عملية الترشيق للحاجة ويقودنا هذا الاشتراط والاقتران الى ما هو أبعد من ذلك، فحين يترجم ارسطو مثلا الى لغة اخرى لا يعيش الناس فيها هواجس معرفية ونقدية يتحول الى ضيف ثقيل على رفوف المكتبات، وقد حدث هذا بالفعل مرارا منذ ترجمة مصطلحي التراجيديا والكوميديا الى مديح ورثاء حتى اساءة فهم ما ترجم من الفلسفة الوجودية ومسرح العبث والى حدّ ما الرواية الجديدة او ما سماها سارتر رواية اللارواية . بعد ذلك يمكننا ان نتساءل باندهاش عن مصير ما ترجم من الفلسفة والآداب والفنون خلال ما يقارب القرن؟ وكيف سيفهم من يعيشون مرحلة ما قبل الدولة اشكاليات الدولة المعاصرة وتعقيد اقانيمها، وكيف يفهم من توقفت مرجعياتهم التي يحتكم اليها في اللحظة الحرجة عند القبيلة والمعبد والاعراف؟ 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 19

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة