New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

كمال أبو ديب في نصه النقدي جمالية (الإنتهاك) وقراءة (الإكتناه) / بقلم : حاتم الصكر

 

17/04/2013 19:14:00

كمال أبو ديب

إهداء:
[ إلى روح صديقي الشاعر العراقي كمال سبتي الذي وصلني نصه وأنا أضع الكلمات الأخيرة على هذا البحث..
لقد كان جهد كمال سبتي في الكتابة الشعرية يصب في نهر الحداثة الذي كان جهد كمال أبو ديب الناقد يعمقه ويفتح فيه روافد جديدة].
*مقدمة
ارتباط الحداثة بالنقد.. هذا ما كان يمثله لي حضور كمال أبو ديب في مشهد النقد الأدبي المعاصر… لذا فتحية أبو ديب هي تحية للحداثة أولاً وهي تلخص على جهة الأبد اختيار المستقبل ورفض الجهود والحجر.
وهي تحية للنقد المنهي الحديث الذي أراد بجهود النقاد العربي المعاصر وكمال أبو ديب في الصف الأول منهم –مناطق معرفية وجمالية لم تكن على لائحة النقد في مراحل سابقة.
وهذا ما سيتأكد من مراجعة كتب كمال أبو ديب في العقود الثلاثة الأخيرة والقرن الماضي التي شهدت الاحتكاك المنهجي بالغرب والثورة الاصطلاحية والمفاهيمية في الحديث الذي أراد بجهود النقاد العربي المعاصر وكمال أبو ديب في الصف الأول منهم –مناطق معرفية وجمالية لم تكن على لائحة النقد في مراحل سابقة.وهذا ما سيتأكد من مراجعة كتب كمال أبو ديب في العقود الثلاثة الأخيرة والقرن الماضي التي شهدت الاحتكاك المنهجي بالغرب والثورة الاصطلاحية والمفاهيمية في إجراءات  النقد كعملية إبداعية حضارية متقدمة، تزامناً مع انتشار (وربما أنصان مشروع الحداثة الشعرية وتطور حلقاته وإطروحاته وإجراءاتة:.
أن جهد كمال أبو ديب لا يتوقف عند محاورة المنهج الغربي بل التفاعل معه لا الانفعال به –بدليل رفضه للصورة النمطية الملخصة ابتساراً وتشويهاً عن العرب في أدبيات الغرب، ونقده للدراسات الأدبية التي قدمها المستشرقون في العروض خاصة في تفسير الشعر الأهلي.. وتتمثل حداثة أبو ديب النقدية في عودته إلى استيعاب التراث وتمثله والإشارات المبكرة لنقاط الإضاءة والحداثة فيه (دراسته الرائدة عن عبد القادر المرجاني مثلاً).
كما يمثل خروج أبو ديب على النزعة الأكاديمية دعوةً لرفض العزلة المدرسية ولوازمها المتعالية، فكان أبو ديب يعيش في القلب من حركة الحداثة العربية بتفاصيلها وموجاتها المتلاحقة، ومتابعته الصبورة للمستجدات في الكتابة الشعرية العربية أشكالاً وأبنية ومناخات وأصواتاً واتجاهات بذلك صارت لكمال أبو ديب خصوصية في المحصول النقدي العربي وتجسد ذلك في دعوته إلى إقامة (خطاب) نقدي متطور ومتحرر ذي ملامح خاصة وسمات فنية وفكرية يتكفل بحثنا –ويتمنى- عرضها والخوض فيها.
-1-
النص النقدي الذي يكتبه كمال أبو ديب نص ذو عدوى، مُعْدٍ ومتعد معاً.. يصيب قارئه بعداوة ويتعدى أثره إلى نفسه.. فما أنا أبحث عن القراءة التي يقترحها أبو ديب وهي قراءة (الإكتناه) فإذا أبى أقلب (الانتهاك) الذي وصفه ملازماًًًً للجماليات الشعرية (1) تماماً كما يفعل هو حين يكتب نصّه النقدي فيعلق ويتدخل ويصنع لغة فوق لغة الكتابة، أو خطاباً نظرياً عن طبيعة النقد نفسه حين يلتفت إلى نفسه…(ويُنزل عباراته منزلة الموضوع ويضيف موضوع المساءلة، متبختراً سلامتها المنطقية واتساقها الفكري… محللاً أبعادها الوظيفية ودلالاتها التأويلية).
فالصياغة ذاتها تحتل المقدمة في عمل كمال أبو ديب، وذلك يعطي النص النقدي وجوداً مستقلاً.. ولا يصير تابعاً لكلام سابق.. لذا فأبو ديب يلعن (إنني شخصياً أسعى.. إلى تحويل النشاط النقدي من كلام على كلام إلى أمر يسمح بأن يكون كلاماً أول) و(أطمح إلى منح النشاط النقدي حرية جديدة وتحريره من وحدانية المنظور… وإلى جعله قادراً على التعاون مع الإنشطار واللاوحدة والتشظي والجنون بجنون مطابق وتشظٍ حضاهٍ وفقدان الوحدة مماثل وانشطا ر مناخي).
أسئلة كثيرة يشير ها هذا المقتبس من كلام أبو ديب، في مقدمتها سؤال المنهج. لا يُعد تبني كمال أبو ديب صراحة للبنيوية (وحدانية في المنظور)؟
وهل يسمح له ذلك بإلغاء (القارئ) لحضور مهم في عملية القراءة التي صارت عنده عملاً نقدياً ذاتياً.
قد نوافق أبو ديب إذا اعتبرنا إعلانه دعوة لإلغاء ارتباط الكتابة النقدية بخدمة القارئ وذلك يجعل النقد (قائماً على أو نابعاً من افتراضات من الدرجة الثانية هي افتراضات الناقد عن افتراضات القارئ ) كمال يقول ويقترح متمماًًً ( ينبغي أن يتحرر النشاط النقدي من سلطة القارئ)(4) ولكن ذلك لا يعفي الناقد من خدمة معرفية وجمالية للنص نفسه، هو ما سعى إليه كمال أبو ديب في دراساته كلها، وتعمق حتى أغرق في التأويل والتحليل وصارت قراءته ضرباً من (الإكتناه) الذي يكرره ويؤكد عليه في كل مناسبة.. أما ملاطفاته واستطراداته ونقده الشارح واعتراضاته وإبدالا ته المقترحة بين الأقواس وعلى الحواشي وهوا حشد الصفحات فهو تجسيد لدعوته الآنفة، يجعل النص النقدي متشظياً ممزقاً منشطراً مجنوناً، وفي تفسير آخر تمثل لي تلك الملاطفات والاستدراكات (فوق – النصية) الشارح محاولة لكسر غلظة المتن النقدي وصلادته التي أسبغتها البنيوية عليه بلغتها الصارخة وترتيب أنساقها وبناها المغلقة.
-2-
لقد كان أبو ديب من أوائل النقاد العرب المتبنين للبنيوية والمعلنين صراحة عنها منهجاً نقدياً شخصياً بل هو أول ناقد في المشرق يعلن صنف دمه النقدي، ويسمي كتابه (جدلية الخفاء والتجلي) دراسات بنيوية في الشعر كما ينص عنوانه الجانبي.
في مقدمة الكتاب ينفي أبو ديب أن تكون البنيوية فلسفة بل الطريق في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود)(5) ولذلك فهي ثورة جذرية للفكر والشعر معاً، تعمل على تحولها وتغييرها، بما يراه في البنيوية من (صرامة وإصرار على الاكتناه المتعمق، والإدراك متعدد الأبعاد، والغوص على المكونات الفعلية)(6).
مرة أخرى: الاكتناه، ذاك الذي فسر به أبو ديب حتى (نظرية النظر المتقدمة لدى الجرجاني)(7) وهنا إلى نظرية نقدية (تنزلق إلى متاهات الاكتناه التي يحار فيها النص الإبداعي)(8) وسعى إلى (منظور اكتناهي جديد…) سيرينا مثلاً (حقيقة دفينة هي أن ديوان العرب هو نتهم العظيم)(9) ويغار فيصف الزمن الجديد بأنه (زمن الاكتناه والإبداع الحر.. زمن الخلخلة والتقوض والسقوط)(10) وينسب لنفسه أنه كان من بين الأوائل (ممن اكتنهوا هذا الانهيار)(11) ولموازاة جنون العالم ونصوصه، ورفضاً لأية عقلنه يرصع كمال أبو ديب نصوصه بشطحات خطية تظهر على هيئات نصوصه، كأن يترك فراغات بيضا بين مقاطعه، ويعلق على ذلك مثلاً بأن ربما ليملأه في زمن قادم(12) أو يترك صفحات بيضا ليورط القارئ بصب ملذاته و (شبقه) كما يقول، واصفاً تلك الصفحات الفارغة بأنها (فظاءات إغراء وغواية)(13) وثمة نوع آخر من التداخلات والإقحامات النصية يتمثل في إعادة تشكيل هيئة النص مجدداً بتوزيع أبياته طباعياً بشكل حر رغم أنه منضد عمودياً في الأصل، وذريعته في ذلك إبراز ما يسميه (إيقاع التركيب النظمي)(14) وهو يقحم اسمه في أغلب عناوين ودراسات كما يوضح عنوان دراسته المهمة عن صدمة/ هزة الاستعارة حيث جاء عنوانها منضداً كالآتي –راجياً ملاحظة الراتب -:(15)
كمال أبو ديب يعاني، لكنه، يعاتب، يستعيد، يرتعش في
صدمة/ هزة الاستعارة
أو جماليات الانتهاك وبنية الإلصاق والإضافة
وفي هذا تجسيد لمقولة أبو ديب حول إعادة الاعتبار للذات القارئة آخر الكتابة في حالة الناقد، فالكاتب هو المسمى أعلى دراسته، وهو فاعل الأفعال التي تليه نحوياً ودلالياً –لنلاحظ أيضا أن من مهماته بعد المعاناة: الاكتناه، ثم يلي الفعل (يكتنه) فعل دال على المعابثة لا بمعناها القاموسي بل بالتذكير بمطلب الجنون الموازي لجنون النصوص، ومقابلة انشطا رها وتعددها؛ فأبو ديب لا يكتب نصاً تقليدياً، حتى بعد أن وهبته البنيوية فضيلة ألا يشرح ويكرر ويعلق على معاني في النصوص ومضامينها.. فحضورة في نصه النقدي قوي وواضح، وهو جزء من حداثة خطابه، كما يقرر هو نفسه بصور النص الشعري الجديد (16). كما سنرى لا حقاً، وهو (يستعيد) بذاكرة ناقد وثقافة المترامية الأطراف، لينتشي هو نفسه بتوصلاته وكشوفاته، فيرتعش طمرناً. وشجناً وهو يلامس صدمة الاستعارة أو هزتها التي يدعو القارئ ليشاطره الاتجار بها.. لذا يجئ نصه منتشياً بدوره، ويصيبه ما أصاب النص نفسه، في مناسبة أخرى يتحدث أبو ديب عن عملية متشابكة تحدث خلال القراءة النقدية أو (الإبداع النقدي) كما يفضل أن يسميه، حتى صار هدفه من دراساته (تأسيس شعر جديد تظل في حالة من التحول وتشكل فضاء إبداعياً تتشابك فيه بانتظام فوضوي أخاذ شعريات الإبداع النقدي وشعريات الإبداع الشعري والسردي)(17) وفي ظل دعوة كهذه لنص إبداعي نقدي هو جزء من اشتباك أو تشابك فضائي مع إبداعات نصية أخرى، يتاح لذات كمال أبو ديب أن تظهر سواء بالطريق المعتاد في الخطاب النقدي، أي بحضور ألذات كفاعل ولألي لفعل القراءة والمهمن على الرؤية الموقف والمنهج أو بالطريق المقترح من أبو ديب، وهو –إضافة إلى الأول- الحضور ألجثماني بالاسم وبالانطباع ومراقبة ألذات والبوح بأسرارها أثناء الكتابة عبر تعليقاتها وتصحيحاتها وحتى شطب ما تتفوه به –وإن يظل واضحاً للقارئ-
-3-
النقد كنشاط نصي إبداعي ذاتي حر هو هاجس كمال أبو ديب، وهو الذي يوجه مرتكزا ته الفكرية التي تقوم على جماليات التجاور كأطروحة أخيرة
ومن لوازمها: 1-هدم المراكز وإعلان انهيارها بشتى صورها.
المركز الجغرافي للمشروع النهضوي –ألمضاري العربي، والمركز السياسي، والفكري التصوري، والمركز النصي (الشعري أو الحروب) فأصبح النص الشعري مجموعة من المراكز والهوامش المتجاورة، كما أن المعنى الواحد يعد ممكناً في زمن تكاثر المعاني(18) لذا سيتوجه جهده النقدي للبحث عن جماليات اللامركزية كما يقول (19).
2-الإفصاح عن ألذات الناطقة في النص النقدي، وحضورها الفاعل خلاصاً من الصوت الذي تمثله الجماعة كسلطة ووحدة اجتماعية واندراج في (الكل).. وأكيداً للتمرد على الصوت الجماعي وانبعاثاً للصورة الفردية مع ملاحظة (أن هذه ألذات العائدة ليست ألذات الرومانسية) الطاعمية بل هو ذات تأصيلة الطابع، حادة الوعي، غير مستيقنة، ومنشغلة بالراهلا المستقبل، ليست منسجمة مع الوجود طبيعياً أو اجتماعياً (كما كانت تدعوا الرومانسية والواقيعته)، ذات متخلصة من (سلطة النموذج)(20)
3- انهيار جمالية الوحدة والحلول ألانصهاري لصالح جماليات التعدد والتشظي، ووجود الكتل تتجاوره إلى بعضها ولكل منها مشروعيته التامة والجزء لم يعد قابلاً للأنصهاري في الكل، والنص صار كتلاً من النصوص المتجاورة وشظايا من نصوص لا تكتمل (21)
4- ضرورة الحرية شرطاً للكتابة، وهو يعلي بها الحرية من الطغيان السياسي والغمم الاجتماعي وإرهاب الفكر العربي واللغويين والشعراء والكتابة والتراث)) (22)
والنموذج الأمثل لتحقق هذا الشرط لدى أبو ديب هو الشاعر الماغوط الذي لم تكن فرديته رومانسية بل الصوت الفردي المنغمس في العالم ضد القمع والبؤس وانتهاك الإنسان واغتيال حريته وحقه في حياة بسيطة (23)
5- اكتناه الوشائج بين الفنون مما يجعل العقيدة نصاً مفتوحاً لخبرات وتقنيات وجماليات مقترضة من الفنون المجاورة له، كالعلاقة بين الشعر والتشكيل، وبينه والموسيقى، والنحت وغيرها.. مما يؤدي إلى (تشابك الفضاءات الإبداعية)(24) وهو ما دعاه إلى أن يدرج الخطاب النقدي في هذا التأثر المشتبك فهذا النص النقدي ملتقى لفنون عديدة: البصري منها والسمعي والمحسوس، وهو ما تعدى إلى نصه النقدي ذاته، والذي صار معرضاً للتعليق وإضافة الحواشي والهوامش والفراغات وغيرها..
6- العمق المطلوب في أية قراءة انطلاقاً من تحديده للشيء بأنها وظيفة من وظائف العلاقة بين البنية العميقة والبنية السطحية للنصاره) وهنا يظهر اثر الدراسات التحويلية (جو مساي) وتوصلات شتراوس وارتداءاً للتراث يكون استمداد شرط العمق في القراءة النقدية مستلف من عبد القادر الجرجاني ونظريته في معنى المعاني أو المعاني الثواني، فإذا كان العرب يرون في الشعر جسماً هو اللفظ، وروحه هي المعنى، فإن الجرجاني يرى أن الجسم لفظ، والمعنى حلية، ومعنى المعنى هو الروح… ويعكس دعوته أو ديب للقصيدة المتشظية غير الموحدة فقد كان يرصد في (الرؤى المقنعة) تلك عمليات التحليل (26) وهذا الفهم للعمق في التحليل النقدي يوازي ما يتراءى لأبو ديب في شعر الحداثة (كإيقاع أعماق) و(قصيدة أعماق) وصولاً إلى (قرار الأعماق) (27) التي ينشدها.. وفي تحليله الأخير والجدو للدرة اليتيمة (المعروفة بالقصيدة الدعوية) يرى (أن للدرة اليتيمة ظاهراً وباطناً، والثراء الحقيقي يكمن في حنايا لباطن، لا في سطوح الظاهر، وفي تلك الحنايا يتجلى المعنى. والباطن هو الذي يصوغ الظاهر ويكسوه، وإذا لم نتعلم كيف نقرأ الباطن، وظلت أعيننا مأخوذة بسطوح الظاهر، ظللنا عاجزين عن النفاذ إلى تلك الأغوار الخفية) (28) وثمة اشتراطات كثيرة في قراءة أبو ديب للتجاور والعمق و ألذات في القصيدة، تحف بما ذكرنا أنفاً ومنها النظر إلى التراث، فهو لا ينقد نظرة العرب التقليدية لتراثهم الشعري ويرى فيها (انعكاساً لمفاهيم ذهبته معينة امتلكتها الأجيال السابقة بل الجيل الأول ثم حررتها عن الأجيال التالية) (29) تكون الثورة على التراث ليست على محتواه ونتاجه الروحي ولكن على طريقة معينة في معاينته...(هي ثورة على مفاهيم أجيال معينة له.. وإن العودة إلى التراث لاكتشافه يجب أن تتحقق في أطار مفاهيم ذهبية جديدة) (30).
ولكن بعض الوهم شعره نظرة أبو ديب للموروث رغم جهوده المعروفة في جلاء نقاط عبقريته وإبداعه الباقي، فتصوره البعض مطبقاً لأراء المستشرقين فيما هو يخالفهم صراحة ومن منظور معرفي يحلل تصوراتهم عن العرب وآدابهم وتاريخهم فيقول (بعض المستشرقين على عادتهم في رؤية الجمل والخيمة في كل ما تنفس به العرب أكدوا أن العروض اسم للناقة أو أنها مشتقة عن الخيمة) (31) وهذا لا يعني عدم اعتراضه على كثير مما حفلت به النظرية النقدية العربية الموروثة كمرفضة لنظريات الخليل في العروض.. لكنه من جهة أخرى يعلي شأن المناطق المضيئة في تراث النقدي.. فالتوحيدي وليس بارت هو من دعا إلى أن النقد كلام على كلام (32) كما أن طبباني سابق للنير في (فن القديم) ومفهوم الشعر المحسوس (33)
-4-
تحليلات كمال أبو ديب للقصائد الحديثة واحتكاكه النقدي بها جعله يتوصل إلى عدة ملامح يعدها من مزايا الحداثة الشعرية ويمكننا تفصيلها هنا:
1-                 تفجر النزعة الحسية والجسدية ي قصائد الحداثة تطوراً لوجود المرآة في قصائد الحداثة الأولى..
2-                 سقوط التصنيفات وانهيار الحدود الشعري والسردي.
3-                 بروز شعرية التشكيل –أي الأبنية والصياغات ولا التمثيل
4-                 انهيار الإيقاع التفصيلي المنتظم وطغيان الكتابة بالنثر -
5- تقليص الفضاء المشترك وعودة ألذات
6- انقراض الفضاء الحسي الجماعي لصالح الرؤية الفردية و ألذات بأنواعها
7- موت الآخر ونفيه كردة فعل على طغيان الآخر الجماعي
8- انتشار لغة الغياب في مظاهر التجربة والتركيز على التشكيل في فضاءات التجاور.
9- لعبة التناص واستجلاب نصوص ذات مواقع مختلفة ي النص الحديث.
لكن ذلك لم يمنع أبو ديب من إيراد سلبيات كثيرة رصدها يف شعر الحداثة، تجمع لنا من استقراء آرائه النقدية عدد منها:
1-                     غياب المكان في الشعر الراهن وفي القصيدة المهاجرة خاصة
2-                     انعدام الخصوصية في الشعر الراهن فهو (شعر بلا رائحة ولا جسد ولا موت.. لا تراب الأرض..)
3-                     اللغة لم تعد لغة الشعر أو اللغة داخل اللغة بل اكتفت بدورها ألإيصالي أو ألاتصالي.
4-                     نفي الآخر تماماً كرر فعل مبالغ فيه على طغيان الآخر الجماعي مما يؤدي إلى ما يسميه أبو ديب (موت المخاطب) وانعدام حضوره في القصيدة الراهنة.
5-                     عدول الكتابة الشعرية الجديدة التي تتم خارج سلطة النموذج والجماعي يمثل نقطة قوة وضعف لها لكونها غير اشتقاقية لا صلة لنصها إلا ضربا لنص الغائب.. ومثال ذلك انهيار الإيقاع التفضيلي كسمة اشتقاقية.
-5-
في حالة ناقد يتفقون على قناعا ته ويطورها ويتخذ من التحليل والتطبيق مختبراً يتفحص فيه جدا ورها، فلا شك أن كثيراً من الملاحظات وحتى التناقضات المطلوبة في أي جهد معرفي وكد جمالي سيكون لها مجال نشير إلى بعض منها:
1-                     النماذج النصية في خطاب أبو ديب تتبع الفكرة دائماً وهي أما لا تنبثق من النصوص بل تسبقها. وتغدوا النصوص مناسبةً لصحة تلك الأفكار وهذا ما حصل في تحليل القصائد أدوائي في أغاني مهيار والسياب في المسيح بعد الصلب ومجهود درويش في لحن غجري والبياني في الغنى للميالة وعبد الصبور في رحلة في الليل والمقالح في كتاب القرية وكذلك في تحليله لنصوص حديثة من سليم بركات وقاسم هدا وميحي جابر وحلمي سالم واسكندر حبش وعباس بيصنون وأمجد ناصر ولينا ألطيبي ورفقة سلام وعبده ورازح ونوري الجراح وغيرهم..
2-                     إغفال النصوص الموازية والعتبات لاسيما العناوين التي تعلو القصائد وتوجه قراءة الناقد والقارئ وخاصة في المراحل الأولى من حماته أبو ديب البنيوية لأنه سيعود لتحليل بعض العناوين في دراسات متأخرة ظهر فيها عليه أثر مفاهيم القراءة والتلقي وبعض الموارث ما بعد البنيوية كالتفاعل..
3-                     عدم العناية بالتناهي وما يضيفه تداخل النصوص إلى القراءة وكذلك محور الصورة.
4-                     تحكم النظر إلى الثنائيات الضدية في منهجه النقدي المبكر وافتراض وجودها حتى إذا اقتضى الأمر تأولات وتفسيرات بعيدة كنسبته الإيقاع إلى الجسد الفردي والعقيدة إلى الجماعي العام في بيت أدويني (بين إيقاعه والقصيدة)..
5-                     التحول من الدعوة إلى القراءة الأمنية وإعلاء ذات الشاعر في قصيدة الحداثة، إلى رصد سلبيات (المجموعة أو الجماعة) التي تكتب القصيدة النثرية وهذا بالضد من الدعوة إلى الخصوصية الذاتية والانفراد منهج الشاعر هنا محكوماً بأخطاء –وحتى مزايا- سواه من مجايلية أو كتاب النوع الشعري نفسه. (34)
…..
خاتمة.
يتجه النجوم على الحداثة في الخطاب التراجعي السائد هذه الأيام إلى النقد أيضاً بدوافع مختلفة دون أن يرى أصحاب ذلك الخطاب المنجز الذي أفرزه جهد النقاد العرب سواء على مستوى المنهج وتحديث أو ترسيخ الأنواع الشعرية الطليعية (ونحن منحصرون في مجال نقد الشعر هنا) وتمهيد أفق التقبل والتلقي لمقترحات الحداثة الشعرية.
وما فعله كمال أبو ديب منذ سنين يكرس ما نرى أن النقد يؤديه بإخلاص فني وجمالي يفوق أحياناً وعي منتجي النصوص الذين يضيفون إضافات فنية تجد لها في الكتابة النقدية المتجاورة التي يندرج اسم كمال أبو ديب في طليعتها حول احتفاء أصيل وترسيخ.
الهوامش
1)                 الاكتناه: مصور ولكنه: جوهر الشيء وغايته وقدره ووفته ووجهه. واكتنهت الأمر أكتناهاً إذا بلغت كهنة. وهو كلام مولد على رأي الأزهري. ينظر (لسان العرب) لابد منظور مادة (كنه) ومن الطريق أن من آخر ما قرأت لكمال أبو ديب بحثاً مطولاً حول جمالية الانتهاك عبر استشراف هزة الاستعارة (مجلة ثقافات، العدد 1-، البحرين، شناء، 200، ص43 وما بعدها).
والانتهاك مهمة تأين من النص، أما الاكتناه فهو مهمة تأتي من القراءة والمصطلحات (الانتهاك والاكتناه) متجانسان بلاغياً ومتطابقان لفظياً عدا ترتيب الحروف كالأتي:
إ     ك     ت      ن      ا      ه
إ     ن     ت          ه      ا     ك
ويمكن متابعة جذر (نهك) و(كهن) للمقارنة أيضاً..
(2) يُراجع بصور النقد الشارح، جابر عصفور: نظريات معاصرة، القراءة للجميع، القاهرة 1998، ص287 وما بعدها.
(3) كمال أبو ديب: جماليات التجاور أو تشابك الفضاءات الإبداعية، دار العلم للملايين، بيروت 1997، ص41.
(4) نفسه، ص42.
(5)
و(6) كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجلي –دراسات بنيوية في الشعر، دار العلم الملايين، بيروت 1979، ص7.
(7) جماليات 000، ص50.
(8) نفسه، ص 28.
(9) كمال أبو ديب: المجليات والمقامات والأدب الجائبي..،
 
 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 157

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة