New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

جماليّات الخطاب الشعريّ وآليّاته في شعر سالم جبران / د. حسين حمزة

 

17/04/2013 19:27:00

د. حسين حمزة

جماليّات الخطاب الشعريّ وآليّاته في شعر سالم جبران

 

د. حسين حمزة

 

تلخيص: يعتبر الشاعر سالم جبران أحد أضلاع مربع قصيدة المقاومة في منتصف القرن العشرين. وقد أبدع شعرًا ثلاث مجموعات حتى 1975، ثمّ صدرت بعد وفاته المجموعة الرابعة "سفر الخروج" ضمن الأعمال الكاملة للشاعر. إنّ ما يميّز شعره بساطة التركيب في العبارة الشعريّة، الاهتمام بتفاصيل المشهد القرويّ، ممّا يجعل رسالته تصل القارئ دون وسيط يؤوّل المعنى. إضافة إلى ذلك، فقد امتاز الشاعر بقصيدة الومضة؛ وهي قصيدة قصيرة مكثّفة، وفي رأيي، ساهم هذا التكثيف في جماليّة قصيدة الشاعر، وقد اعتمد في ذلك على أسلوب النداء وجماليّات التشبيه. ميزة أخرى تكاد تسِم شعره، وهي رصد الصورة الشعريّة بإيقاع خافت أقرب ما يكون إلى النثر، وقد أدّى هذا الخفوت إلى عرض خطاب الشاعر الحجاجيّ دون انفعال أو الميل إلى الإيقاع العالي الوجدانيّ، الأمر الذي استطاع من خلاله الشاعر أن يوازن بين العقل والقلب، وهو قلّما نجده في قصيدة المقاومة حتى منتصف السبعينات. وهو من الشعراء الذين يلتحم فيه خارج النصّ بداخله؛ فقد نشأ منتميًا إلى الحزب الشيوعيّ وقضى في ذلك فكرًا، فجاءت قصيدته تعبيرًا عن الطبقات المظلومة بشفافية وجماليّة في آن واحد.

 بدايةً، نقصد بالخطاب الشعريّ الرسالة، التي ترشح من القصيدة على مستوى المضمون، وتمظهُر هذه الرسالة في مبنى القصيدة على مستوى الشكل. يمكن تلخيص مجمل خطاب الشاعر سالم جبران مضمونيًّا بالتزامه بقضية شعبه الفلسطيني، هذا الالتزام[1] يتجلّى في شعره في أكثر من موطن بصدق وشفافيّة، فهو جزء لا يتجزّأ من شعره، لا يصف نضال رفاقه فقط بل يعيشه. يقول جبران في مقابلة معه معبّرًا بجلاء عن ذلك:"إنّ تعميق الروح الثوريّة لأدبنا، تعميق استيعاب الأدب للعالم الداخليّ، الذي يموج بالعمليّات الاجتماعيّة، _وتحويل الأدب والثقافة إلى جزء من فصائل الصراع في سبيل التغيير الثوريّ، إلى مرآة للطبقة العاملة وسلاح في أيديها_ إنّ هذا كلّه يبدو ضرورة حتميّة يفرضها التطوّر المتنامي لمجتمعنا، وتفرضها التحديّات الحاقدة والاستفزازيّة، التي يفرزها النشاط السياسيّ والثقافيّ "لمثقفي" فئة "الانفتاحيّين" المرعوبين من تعزّز الاتجاه الثوريّ في أدبنا وبين جماهير شعبنا بشكل عام"[2].

للشعر عند جبران وظيفة أيديولوجيّة رئيسيّة؛ فهو يكتب قصيدة المواجهة، التي تعرّي الآخر، الظالم، المعتدي، وتنحاز للضحيّة، وهذه من أهم رسائل قصيدة المواجهة[3]. صحيح أنّ سمة المباشرة والتقريريّة طغت على الكثير من قصائد شعر المقاومة، إذ طغى المضمون على فنيّة القصيدة:"فظلّ النص ناقلًا إلى حدّ بعيد للواقع، وظلّ التاريخ تاريخًا، ولم يتحوّل إلى واقع فنيّ أو تاريخ فنيّ، ظلّ شعره خادمًا للتاريخ وليس العكس. وبالتأكيد فإنّ لهذا الأمر إجمالًا ما يبرّره، هو ما يعود إلى طبيعة المرحلة، وتلاحق الأحداث، هي مرحلة تختزن العديد من مقوّمات تدمير إنسانيّة الإنسان، ومسح آدميته بإذلاله في تشريده في المكان أو توزيعه على منافي الخارطة. هذا الفعل فرض نقيضه فصار البحث عن الحقيقة والسعي وراء حلول لهمجيّة المرحلة مقصدًا ضروريًّا؛ لأنّ الشاعر مهما سعى إلى التغرّب عن مرحلته التاريخيّة يبقى التصاقه بها قويًّا لعسر الانسلاخ وصعوبة ما بعده"[4].

 لكنّ جبران استطاع في الكثير منها أن يخفّف هذه المباشرة من خلال آليّات أسلوبيّة متنوّعة سنقف عليها لاحقًا.

تأسيسًا على ذلك سيتمحوّر تحليلنا للخطاب الشعريّ جماليًّا من خلال آليات: الميتا-شعريّة؛ السيرة الذاتيّة؛ قصيدة الومضة؛ قصيدة المكان؛ شعريّة الصوت؛ بلاغة النداء؛ جماليّات التشبيه، ومرجعيّات القصيدة. ومن الملاحظ أنّ هذه الآليّات تشكّل خطاب جبران الشعريّ، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة.

 

الميتا_ شعريّة

حتى نؤكّد مقولة الرسالة المضمونيّة، التي يتبناها جبران في شعره، لا بدّ لنا أن نقف على الميتا-شعريّة في مجمل خطابه. تُعنى الميتا- شعريّة بموقف الشاعر من قصيدته، وكيف يرى إلى تشكّل القصيدة، وهو الشعر على الشعر أي:"إنتاج خطاب شعريّ موضوعه فعل كتابة الشعر ذاته، والعلاقة بين المؤلف والنصّ والجمهور، وبمعنى آخر؛ فالميتا _قصيدة هي قصيدة ذات مستويين خطابيين متوازيين: في المستوى الأول يتعلّق الأمر بما يعرف عادة بالقصيدة، وفي المستوى الثاني الذي يمضي بموازاة مع الأول ويمتزج به، نجد القصيدة تتأمّل فيه طبيعتها الخاصّة كقصيدة شعريّة أصلها وشرطيّتها وظروفها... وقد تتألّف الميتا قصيدة على الأقل في البداية من المستوى الثاني فقط أي المستوى التأمليّ، وهذا يستدعي أن يفهم، أنّ المستوى الأول كامن في جماع العمل الشعريّ السابق للمتكلم في القصيدة"[5].

في قصيدة لا وقت للغزل من مجموعة "قصائد ليست محددة الإقامة" يقول جبران:

"لحم أبي وأمي

وإخوتي

في النار

وأنت تطلبين

أن أكتب في جمالك الأشعار"[6].

تؤكّد هذه الومضة رسالة الشاعر في انحيازه لواقع شعبه، وقد تجلّت هذه الرسالة في العنوان بتوظيفه لا النافية للجنس؛ فموقف الشاعر منذ العتبة الأولى للقصيدة محسوم، وشفافيّة العنوان المطابق لا تهدف إلى نفي قصيدة الحبّ، فهناك العديد من القصائد التي ضمّنها جبران مجموعاته الشعريّة[7]، بل تهدف إلى تأكيد الغائب عن هذه الرسالة، وهي القصيدة التي تصوّر ألم الشاعر على المستوى الخاصّ والعامّ. كما أنّ التوزيع السطريّ لهذه الومضة يعكس فنيّتها، ذلك أنّ التشكيل البصريّ هو جزء أساسيّ من إنتاج الدلالة في الشعر العربيّ الحديث، وقد وظّف الشاعر تقنية تغيير اتجاه السطر الشعريّ من الاتجاه الأفقيّ إلى الاتجاه العموديّ للتأكيد على قوّة النار المتمثّلة في دلالة المحو والتلاشي[8].

لا شكّ أنّ تماهي الشاعر مع مأساة شعبه جعلته صادقًا إلى أقصى الحدود، ففي قصيدة مغني الثورة في مجموعة "رفاق الشمس" 1975 يقول:

"قدري أن أغني

أن أجوع

وأبقى أغني

أن تنزّ جراحي

وأبقى أغني

وإذا مت في المعركة

فالأغاني

سوف تحتلّ، بين الرفاق، مكاني

وتحارب عنّي!"[9].

يمكن ملاحظة تكرار حرف النون المتصل بضمير المتكلّم، وفي رأينا، أضفى ذلك على القصيدة إيقاعًا خارجيًّا أكسب المضمون عمقًا، ومنح الأغنية قوّة القدر الذي لا يُعاند. ومن هنا، أنا الشاعر تضحّي بنفسها، لأنّ الكلمة أقوى من الجسد.

إذا كان الشعر يدلّ على قائله، فإنّ الشعر حادّ واضح لا يكذب، فيرفض الشاعر التمويه والتلوين:   ففي مجموعة سفر الخروج يعبّر عن ذلك في قصيدة الشعر لا يكذب:

"الشعر لا يكذب

عندما يكذب الكلام

لا يكون شعرًا

اذهبوا أيّها المتحلّقون المنافقون

أنشدوا كلامكم أمام الجلاد

وخذوا المنح من الجلاد

وعيشوا بنعيم الذلّ والخيانة

يمكن أن يعطيكم الجلاد كلّ شيء

لكن اعلموا

الشاعر لا ينافق

والشعر لا يكذب"[10].

ترتكز القصيدة في بنيتها العميقة على ثنائيّات الصدق- النفاق، الجلّاد -الشعب، النعيم- الذلّ، الاختيار- والخنوع. وقد اختار الشاعر الصدق الذي تحمّل تبعاته في سيرته الذاتيّة على اعتبار أنّ هناك تلاحمًا بين خارج النصّ وجسده.

 

السيرة الذاتية

هناك نوعان من السيرة الذاتيّة الأول السيرة المجنسّة المعروفة، والثانية المضمّنة حيث يسرد الشعراء بعضًا من سيرهم في شعرهم. وعليه، لا تخلو قصيدة من ظلّ شاعرها، والفرق في درجة التلاحم بين القصيدة المنتَجة وبين مرجعيَّاتها السيريّة. وقراءة القصيدة من هذا المنظار تعتبر:"ذات أثر في الكشف عن الذات، ثمّ اكتشاف ذات القارىء أيضًا، وهذا ما يقرّره دارسو فنّ السيرة، إذ يرون أنّه إذا كانت حاجة كاتب السيرة إلى تأمّل ذاته، هي التي تحدو به إلى الكتابة، فإنّ الحاجة نفسها إلى تأمّل الذات هي التي تجذب القارىء نحو السيرة الذاتيّة"[11].

في قصيدة 1948 التي هي مفتتح مجموعة جبران "كلمات من القلب" يقول:

"ولماذا يا أبي؟

أترى لبنان حلو كبلادي؟

أترى فيه حواكير جميلة

بينها ترتاح أحلام الطفولة

أترى فيه صغار، كبلادي، يا أبي؟

أترى فيه.. طعام؟!!!

....... لا كلام!

دمعت عين أبي، أوّل مرّه

كان كالفولاذ، طول العمر،

والدمع بعين الحرّ جمره!

خشب السقف أفاع.. والجدار

كان مبهوتًا.. وكان الجوّ في أقسى دوار

 أنّ هذا البيت يا أمّاه

ما كان عزيزًا أيّ يوم

فلماذا يا ترى صار عزيزًا وجميلا؟

أيّها النبع الذي جاد، بلا منٍّ

على طول السنين

من ترى يشرب من مائك، بعد اليوم، مَنْ

أيّها النبع الحزين"[12].

يوجّه الشاعر الطفل عدّة أسئلة  إنكاريّة إلى والده، أمّا الأب فلا يجيب؛ لأنّ حجم المأساة كبير. وهو بذلك يلخّص قصّة الرحيل إلى لبنان خلال 1948. كما يجدر الإشارة إلى أنّ الأسئلة تقسَّم إلى قسمين: الأول ما يتعلّق بالطفل وأحلام طفولته الضائعة، والثاني ما يتعلّق بالمكان المتمثّل بالبيت والنبع، وهما ركنان أساسيّان في القرية الفلسطينيّة، وقد تدلّ الأسئلة على الوعي الحاصل عند الطفل"الكبير" الذي وعى المأساة، وإلى الغياب والانفصال واضطراب الألفة.[13] كما أنّ الشاعر يعجب من دمع أبيه الذي لم يعرفه إلا قويًّا كالفولاذ، والتركيز على شخصيّة الأب هو من أجل إبراز التغيّر الحاصل في تاريخ وجغرافيّة القرية.

لا يتخذ الشاعر تقنيّة التلخيص في رصد نكبة 1948؛ أي التصوير العامّ لمشاعره ولما حدث، بل نراه يعتمد رصد التفاصيل ووصفها، وهذا الوصف يسهم في إبطاء السرد، ومن ثمّ التصوير الدراميّ للحدث. إنّ الصمت المتمثّل في فعل الطلب "اسكتوا" يتجاوز اللحظة الراهنة في القول الشعريّ، وينسحب على إيقاف الحياة القرويّة بكلّ تفاصيلها العاديّة المألوفة، التي تحدث كلّ يوم. والصمت الحاصل هو انقطاع لخيط الحياة في القرية. إنّ الأصوات المتداعية والمخنوقة من فوق السطوح شاهدة على ذلك، ثمّ إنّ السطح كمركب مكانيّ مهمّ في استشراف الحيّز العام للقرية يصبح شاهدًا مستشرفًا على مصيرها؛ لأنّ الاغتراب النفسيّ على مستوى الذات، والبور المكانيّ سيكون مصيرها. هذا الانتقال من الصوت إلى الصمت، ومن الحياة إلى العقم، ومن الحريّة المتجسّدة في شخصيّة الراعي إلى الضياع، يشكّل، بنبرة هادئة، ما حدث. يقول جبران في قصيدة 1948:

"اسكتوا... صوت ينادي!

من تراه؟!

أنصتوا بالله، حين

إنّه صوت "أبي راضي" الحزين

"هيهيا عيسى تعالْ

اترك كلّ شيء.. وتعال"

ألف صوت كان فوق من فوق السطوح

يتعالى مثقل النبرات، مخنوقًا، جريح

أيّها الراعي وراء التلّ، اترك

حيثما كان، القطيع

أترى إن ضاع مأساة

وكلّ الشعب في الأرض يضيع.

أيّها الفلاح، لن ينفعكم "قشّ الجباب"

فعلى الأفق ضياع

وعلى الأفق اغتراب

سوف تبقى الأرض، هذا العام، بورًا

وستبقى ألف عام.."[14].

 

[15] ولكنّني أرى أنّ الموضوع الرئيسي في الديوان هو إدانة السياسة العنصريّة للحكومة تجاه الجماهير العربيّة الباقية في الوطن، من زاوية أوامر الإقامة الجبرية وتحديد الإقامة. لقد عشت سنتين ممنوعًا من مغادرة المدينة في النهار، ومن مغادرة البيت في الليل. كان ذلك تجربة عميقة احتلّت أكثر قصائد الديوان. وأنا أصرّ على القول إنّ تجربتي هذه كانت جزءًا من تجربة جماهيرنا. وما عانيت منه لم أعانِ منه وحدي. لم أكن "بطلا فرديًّا مأساويًّا" في الديوان، بل كنت واحدًا من أفراد شعب هو فعلا شعب بطل، معذّب، صابر، صامد، مناضل. من هنا فإنّ شعري هو انعكاس لتجربة شعبيّة وليس تجربة شخصيّة فقط"[16] .

 

 

قصيدة الومضة [17]

أرى أنّ العوامل التي تحكم القصّة القصيرة جدًّا هي ذاتها في المجمل العام، التي تحكم القصيدة الومضة؛ فهي مبنيّة على التكثيف  في المبنى والمعنى النابع من الاقتصاد اللغويّ، وهي تختلف عن القصيدة القصيرة:"فالقصيدة الومضة قصيدة قصيرة جدًا، لا تتجاوز في العادة عدّة كلمات، أو أسطرًا قليلة، تتميّز عادة بوحدة الموضوع، وبكثافتها العالية، التي تستلزم منها الاقتصاد الشديد في استعمال حروف العطف، والمفردات الكماليّة، التي لا تخدم جوهر الموضوع، وتخلو هذه القصيدة بطبيعة الحال من الحشو والتطريز والمحسّنات البديعيّة الأخرى. أمّا القصيدة القصيرة، فليس هناك اتفاق على حجم معيّن لها، فقد تكون صفحة أو اثنتين أو أكثر، وتعتمد في الغالب على أكثر من بؤرة موضوعيّة، والصورة الشعريّة فيها مبثوثة وموزّعة على امتداد النص"[18].

يلاحظ المتابع لشعر سالم جبران أنّ قصر قصائده هي ميزة تكاد تكون أساسيّة في خطابه الشعريّ، قد نعزو ذلك إلى أنّ القصر مع معجم القصيدة الواضح والشفاف ما هو إلا آلية تعويض يجعل الشاعر من خلالها رسالته موجزة ومؤثّرة في آن واحد، وقد تدهش القارىء أيضًا؛ لأنّها تتطلّب منه دائمًا إعادة التفكير فيها. إذ إنّ  القارئ يتعامل مع القصيدة الطويلة  تدريجيًّا، ويبني توقّعاته من خلال التقدم زمنيًّا في القراءة، لكنّه في القصيدة الومضة لا يلعب زمن القراءة دورًا أساسيًّا فيها، لذلك تكون إعادة القراءة أو التفكير مليًّا سمة بارزة في قصيدة الومضة. يفسّر ذلك الشاعر بقوله:"فعلا أكثر قصائدي قصيرة.. ولا أجدني بأيّ حال بحاجة إلى التبرير، مع أنّه قد تكون هنالك حاجة إلى التفسير لمن يطلبه. أنا حين أكتب لا أقرّر سلفًا ما هو حجم القصيدة وعلى أيّ وزن. أنا أعيش الواقع وأجمع منه الصور وحرارات التجارب الشخصيّة والشعبيّة، أتفاعل مع ما أجمعه. أحاول أن أهضمه فكريًّا وعاطفيًّا. متى أكتب؟ لا أعرف. كم قصيدة كلّ أسبوع، أو كلّ شهر، أو كلّ سنة، لا أعرف. أنا ألتزم بشيء واحد: أن يكون ما أكتبه صادقًا ليس مع نفسي فقط، بل مع الحياة. أن تكون صادقًا مع نفسك ومع الحياة معناه أن تحاول أن يكون في كلّ عمل كشف فنيّ ومعرفّي أيضًا. يهمّني فعلًا أن يكون في شعري شيء جديد، كشف جديد، هذا أحرص عليه. أمّا الطول والقصر فلا يعنيني؛ لأنّني لا أبيع قماشًا!"[19].

نلاحظ  ذلك في قصيدة حب الشهيرة في مجموعة "قصائد ليست محدّدة الإقامة"[20]:

"كما تحبّ الأمّ

طفلها المشوّها

أحبّها

حبيبتي بلادي"[21] .

تبدأ القصيدة في السطر الأول "كما تحب الأم" بمقولة واضحة لا تحتاج إلى برهان، لكنّ السطر الثاني يحدّد وضعيّة الطفل؛ فمن الطبيعيّ أن تحبّ الأمّ طفلها، لكن عبارة "طفلها المشوّها" تجعل هذا الحبّ أكثر اتّقادًا من جهة الأم، ويجعل لفظة "المشوّها" تحمّل دلالات أخرى. فهي مفتاح القصيدة لأنّها تفصل النصّ وتقابل بين الأم وأنا الشاعر، وبين الطفل وبلاده، ولا يصرّح في القسم الثاني "أحبها، حبيبتي بلادي" فلم ينعتها، والقارىء يملأ هذه الفجوة: أحبها حبيبتي بلادي  المشوّهة/المغتصبة. وقد أجازف في التأويل؛ فإذا نظرنا إلى عدد كلمات القصيدة كانت ثماني والكلمة التاسعة المحذوفة بناء على ملء الفجوة، التي يفترضها القارىء هي المغتصبة أو المشوّهة أو أيّ لفظ يحمل دلالة الضعف والهزيمة والتشريد، ومن ثمّ يرثي الشاعر بلاده باعتبارها طفلًا مولودًا مشوّهًا مفتقدًا، وهو بذلك يكسر دلالة فعل الولادة، ويحوّله من الفرح إلى الحزن. وما التعبير عن الحبّ سوى تعبير عن ظاهر يغلّف باطنًا مرًّا.

 يعبّر الشاعر من ناحية أخرى عن تفاؤله في قصيدة نهار شعبيّ:

"تشتعل المقاومة

في كلّ شبر

يعلن الإصرار

إصراره أن تبصق العدوان كلّ دار

شعبي أنا أعرفه

إن أظلمت

ينسج من دمائه نهار"[22].

يجعل الشاعر في هذه الومضة لفظة النهار مرتكزًا أساسيًّا في توليد دلالة القصيدة المبنيّة على دلالة القطع، التي لا تحتمل الظنّ؛ فالمقاومة في كلّ شبر، وهذا تعميم،  والإصرار معلن لا رجعة فيه، و"أنا الشاعر" تعرف شعبها "أنا أعرفه"، وهذه المعرفة يقينيّة؛ لأنّ الظروف الخارجيّة إذا "أظلمت" يقابلها النهار والخلاص، الذي ينسجه الشعب بفعل المقاومة. يلاحظ أيضًا أنّ الفعل "يبصق" يتخذ دلالة الرفض للعدوان، ونلاحظ أنّ "موتيف" البصق يتكرّر في شعر جبران عدّة مرات للدلالة على الإقصاء، والتعبير بالحركة وليس بالكلمة عن موقفه الرافض للظلم[23].

 

قصيدة المكان

يتعامل الشاعر سالم جبران مع المكان بحبّ وحرارة؛ ففيه طفولته، وما يغلّب على تصويره للمكان نبرة الرثاء، التي يتضمّنها خطابه الشعريّ. والعلاقة التي تحكمه بالمكان إمّا علاقة اغتراب أو حنينز وفي كليهما نوع من الرثاء للجغرافيا، التي فقدت هويّتها، ولم تعد عربيّة الملامح. ولعلّ قصيدة صفد من مجموعة "كلمات من القلب" شاهد على ذلك:

"غريب أنا يا صفد

وأنت غريبة

تقول البيوت: هلا

ويأمرني ساكنوها ابتعد!

علام تجوب الشوارع يا عربي، علاما

إذا ما طرحت السلام...

فلا من يردّ السلاما

لقد كان أهلك، يوما هنا

وراحوا، فلم يبق منهم أحد

على شفتيّ جنازة صبح

وفي مقلتيّ.. مرارة ذلّ الأسد

وداعا..

وداعًا، صفد!"[24].

يجسّد الشاعر علاقته بالمكان، ويسحب مفهوم الغربة عليه، وعلى المكان صفد وفقًا للمعادل الموضوعيّ. والقصيدة أشبه بالوقوف على الأطلال، غير أنّ الشاعر يجوب شوارع صفد، فلا يعرفه غير البيوت، أمّا الساكنون الجدد فيرفضونه ويمجّونه، ويصبح العربيّ جسمًا غريبًا يتجوّل فيها، والصوت الحقيقيّ، الذي يتمثّل في السطر"ويأمرني ساكنوها ابتعد"، بينما صوت البيوت المرحّبة"تقول البيوت: هلا" والتي لم تنسَ هذه الألفة يخفت، وصوت الشاعر كذلك يبهت. فالبيوت في بداية القصيدة مفرغّة من ساكنيها الأصليين. هذا التفريغ للمكان موجع عند الشاعر"على شفتي جنازة صبح، وفي مقلتي مرارة ذلّ الأسد"، ونلاحظ أنّ الصمت متمكّن من أهم وسيلتين للاتصال: الشفة الذي أطبق عليها الصمت كالجنازة، والعين التي تشير إلى الانكسار. كما يبدو أنّ حرف الجر "على" الذي يبتدئ شبه الجملة يؤكّد هذا الصمت، الذي أطبق على البيوت وعلى الجسد، أي على عناصر المكان.

يلخّص الباحث خالد مصطفى مضمون القصيدة بقوله:"فإذا كانت الغربة قد اقترنت قبل ذلك بالاستنكار، فإنّها هنا تقترن بالحسرة، والتعجّب ممّا آلت إليه الأوضاع، التي أصبحت المدينة رمزًا لها. فالمساحة التي أصبحت تفصّل الشاعر عن مدينته، هي مساحة مقحمة، وليست من طبيعة الأشياء التي يحسّ بها إنسان آخر في مدينة أخرى، خارج الأرض المحتلة. لقد تحوّلت المدينة من هويّة إلى هويّة، وهذا التحوّل مفروض عليها بقوّة ماديّة وبشرية، جعلت الشاعر هو الآخر يقف أمام هذا التحوّل من دون أن يجد أيّ علاقة تربطه بالوضع الجديد، بعد أن فقد الآصرة المباشرة، التي كانت تربطه بالمدينة. وإذا كان التاريخ_أي_ الماضي هو الشاهد الوحيد على هذه العلاقة، فإنّ الواقع الجديد يدأب على إلغائه من خارطة الشاعر النفسيّة، وهذا ما أفصح عنه سالم جبران في قصيدته "صفد""[25].

يرصد الشاعر التحوّل الجذريّ، الذي طرأ على حياة العرب الفلسطينيين في البلاد في قصيدة عين حوض فيوظّف في سرده الشعريّ في إيرونيا هادئة، تؤكّد هذه النبرة الهادئة حروف المدّ في القافية إضافة إلى تقييدها. كذلك تطعيم مشهد المكان بعبارة "أهلا وسهلا" تدلّ على هذه الأيرونيا، التي يمكن أن يبطّن الشاعر نقده للكرم الزائد في الموروث العربيّ، الذي جعل من بساطة السكان الأصليّين عرضة للشتات.لم تتغير معالم المكان بل أصحاب المكان، وهو يعتبر ذلك بسيطًا. والشاعر لا يرثي هنا المكان بشكل شعاراتيّ، أو لا يتحدّث عن المكان، بل يقدّم تفاصيله ليجعل المتلقي شريكًا في تصوير المأساة، التي تنتظم ضمن ثنائيّة إقصاء صاحب البيت وإبقاء الدخيل فيها. ونحن نلاحظ منذ السطر الثالث غياب صاحب البيت، أي الصراع بين المنفى والوطن:

"الأرض ما زالت على سخائها المعهود،

والزيتون في الكروم

يذبحه الشوق لفرّاطين

البيت ما زال على هندامه القديم

(أهلا وسهلا) لم تزل تشع، فوق الباب

ولا يزال "المدّ".. حيث كان

يلتئم الشمل مع الغياب

جميع ماكان كما كان

ولم يحدث سوى تغيير بسيط

مات "أبو محمود" في المنفى.. ومن زمان

في بيته.. الرسام "بن نتان"![26].

في قصيدة حنين إلى القرية من مجموعة "قصائد ليست محدّدة الإقامة" يجعل من عناصر الطبيعة ومسميّاتها علامة على هويّته وهويّة المكان؛ فالقرية بعيدة جغرافيًّا قريبة نفسيًّا؛ لأنّها محفورة في الذاكرة، وقد وظّف الشاعر شعريّة الحواسّ في تصوير هذا الحنين؛ لأنّ الحنين مطلقًا هو الالتفات إلى الغياب:

"زيتونة جذورها في الريح

أنا بلا كروم زيتونك

يا قريتي القريبة البعيدة

زهر بلا عطر بمزهريّة

أنا بلا البرقوق والصعتر والنرجس في السفوح

عطشان مذ ودّعت

ليس غير ماء نبعك المسحور"[27].

يلاحظ كذلك توظيف أسلوب النفي، الذي يشير إلى حالة الاقتلاع القسريّة، التي تعرّضت لها الذات الشاعرة. ويتحوّل المكان إلى حيّز غير ثابت/ الريح، ومن ثمّ حالات السلب بجميع أشكالها المعبّر عنها في القصيدة هي التي تسيطر على مشهد القصيدة: الجذور المقطوعة، البعد والفقدان، غياب المشهد القرويّ؛ السفح المليء بالصعتر، العطش. كذلك فإنّ التعبير "القرية القريبة البعيدة" وإن كان قالبًا مسكوكًا في التراث العربيّ، يدلّ على الاغتراب النفسيّ الشديد، مثلما يعبّر عنه هذا التجاور المتضادّ. يبدو أنّ الحنين كما يتمثّل في النص أعلاه هو حالة من التعرّي، التي تصيب الذات الشاعرة، مثلما يؤكّد نفي المشهد القرويّ/ ذكر الزهور والأشجار، الذي يحيل إلى تغطيّة وحماية المكان والذات في آن واحد.

تتضح هذه اللُحمة بين الذات والمكان في قصيدة هذا المكان في مجموعة "رفاق الشمس" 1975:

"لست أعرف اسمًا لهذا المكان

فهذا المكان أنا، وأنا هو هذا المكان

يموت الجراد هنا أو أكون طعام الجراد

ويروي دمي أرض هذا المكان"[28].

فنفي الاسم عن المكان من أجل التماهي فيه هو أقصى درجات الالتحام، ثمّ إنّ المعادلة المطروحة في السطر الثاني، المكان أنا، وأنا المكان تتحقّق في السطر الثالث والرابع، إذ لا يملك الشاعر حلولا وسطًا، فيختار التضحيّة، وإنكار الذات من أجل المكان. ويلاحظ أنّ الشاعر عمّم دلالة المكان، وأشار إليه معتبرًا أنّ الرسالة متصلة بينه وبين المتلقي. إنّ رمزية الجراد تجعل دلالة مرجعيّته التاريخيّة مفارِقة للحظة الراهنة؛ فالجراد هو عقاب للعدو، بينما يتحوّل في الحاضر إلى معتدٍ، كذلك نلاحظ دالّة المحو والتلاشي في القصيدة، الذات تمحى طوعًا من أجل المكان، وما يقوم به الجراد هو محو لمعالم ذاك المكان.

 

شعريّة الصوت

نقصد بالصوت في هذا البند كلّ الألفاظ، التي تشير في حقلها الدلاليّ إلى الصوت، ومجازًا هو الرغبة والقدرة على المقاومة، وهو إعلان عن الهويّة. وفي شعر المقاومة هو مقابل للصمت والموت. لقد دخل الشعر العربيّ في إسرائيل بعد نكبة  1948 في حالة من الصمت والصدمة، استمرّت خمس سنوات، إذ نشرت المجموعة الأولى للشاعر جورج نجيب خليل ورد وقتاد 1953.

لقد نزحت الطبقة المثقفة عن البلاد ولم يبق إلا الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وكان لا بدّ من تأسيس صوت المعارضة، كردّ فعل ضروريّ تقوم به أقليّة كانت إلى أمد غير بعيد أكثريّة مطلقة. وهذا الصوت يحكم جدليّة الصراع بين المحتلّ وصاحب الأرض، وبين المستعمر والمستعمَر. يقول إدوارد سعيد في ذلك:" فعهد ما بعد الاستعمار تمخّض أيضا عن نشوء القوميّة المحاربة وقيام الدول القوميّة، التي يتحدّث فيها الدكتاتوريّون والطغاة المحليّون بلغة تقرير المصير والتحريم مع أنّهم في الواقع ليسوا تجسيدًا لهذا أو لذاك. فهم إذن بدائل إمّا للصمت والنفي والاحتيال والانسحاب داخل الذات والعزلة، أو_ وهذا ما أفضله وإن كان عميق الصدع وربما شديد التهميش_ للمفكّر الذي رسالته أن يقول الحق للقوة، وأن يرفض الخطاب الرسميّ عن الاستقامة والسلطة، وأن يقيم وجوده على السخرية والشكّ ممتزجين بلغات وسائل الإعلام والحكومة والرفض، محاولا النطق بالشهادة الصامتة للمعاناة المعيشة والتجربة المخنوقة. ليس هناك صوت ولا لفظ يكفي للتعبير عما ينزله الظلم والقوة بالفقير والمحروم والمجرّد من الميراث. ولكن هناك مقاربات_ وإن عزّ النظير_ قد تؤدي إلى ترقيم الخطاب بلحظات من تبديد الغشاوة وجلاء الأوهام"[29]. 

يمكننا القول إنّ الصوت بهذا المفهوم هو حقيقيّ ومجازيّ يهدف إلى رفض الواقع المسقط على الأقلية الفلسطينيّة، وبالتالي هو دفاع عن كرامة الإنسان. وقد انعكس الصوت في عناوين المجموعات، التي تحمل لفظة الأغنية:

ففي "كلمات من القلب": لن أغني، ص9، أغنية ص20، صوت ص22، مكالمة، ص30، أغنية إلى إسبانيا ص63، أغنية عدنية، ص72،أغنية إلى بور سعيد، ص86، أغنية على السطح، ص92، أغنية للبلد، ص96، أغنية، ص98، أغنية إلى موسكو، ص100.

 وفي "قصائد  ليست محددة الإقامة": أغنية، ص27، أغنية زنجيّة، ص58، أغنية شعبيّة، ص60.

 وفي "رفاق الشمس": أغنية حب إلى براغ، ص27، أغنية المقاومة الشعبيّة، ص54.

يلاحظ أنّ الصوت المتجسّد في الغناء كما تدلّ عليه عناوين القصائد بوضوح فيه دلالة تفاؤلية، تؤكّد على الإصرار، ونصرة المظلومين على المستوى الخاص والعام.كذلك تبرز ثنائية الصوت والصمت بدلالتيهما الحياة والموت في قصيدة رثاء شجرة التوت:

"شجرة التوت في مركز القرية

بَدَت ظاهرة أبدية، كالجبل في شمال القرية

جيل بعد جيل فتح عينيه على شجرة التوت

وكبر تحتها، إلى أن مات قبلها

بصمتٍ وجلال كانت التوتة تودّع الناس

تكتب قصة حياة كلّ إنسان، من البداية إلى النهاية.

على جذعها العريق، العتيق مثل معبد قديم،

محفورة أسماء مات الذين كتبوها،

وبين الفروع الكثيفة علقتْ تنهدات

وأصداء قبلات

عندما يبست التوتة ووقفت مشنوقة في الفضاء

اقتلعوها

يا للقسوة.. الشجرة الأسطورية

التي مشتْ في جنازات أجيال من الناس

ماتت ورحلت عن الدنيا، في صمت..."[30].

منذ البداية نلاحظ ثنائيّة المركز والهامش، الحضور والغياب، والتضادّ الاتجاهي أعلى أسفل؛ فشجرة التوت على مستوى المكان شامخة في مركز القرية، إنّها رمز الحياة القرويّة، وملتقى الحياة الاجتماعيّة، وهي أيقونة في وعي وذاكرة أبناء القرية جيلًا بعد جيل. إنّها الشاهد على حياتهم ومماتهم كما يؤكّد ذلك السطر الثالث والرابع. هذا الحضور يعبّر عنه الشاعر في الألفاظ والتعابير: مركز، ظاهرة، كالجبل، تكتب، محفورة، مثل معبد قديم...في المقابل يعبّر الفعل "يبست" عن الموت، والوقوف مشنوقة في الفضاء يقابله القلع، وقد تبدّل الحيّز المكانيّ من مركز القرية إلى الفضاء غير الواضح اللامتناهي، والذي يرمز إلى التيه والتلاشي. ويتحوّل فعل الكتابة بما يدلّ على التجذّر إلى اقتلاع، والصوت المتمثّل في مظاهر الحياة من قصّة وأصداء قبلات وتشابك بين أغصانها الكثيفة إلى صمت ثقيل. وهناك معادل موضوعيّ بين الشجرة والشاعر، وما يمثله على المستوى الجمعيّ، فتموت واقفة مشنوقة دون خنوع، والشاعر يمتلك وعيًا يتجاوز اللحظة الراهنة ليبدو رثاء شجرة التوت رثاء لمسيرة شعبه على المستوى الرمزيّ؛ فترحل في صمت كما رحل أبناء شعبه في صمت. ونلاحظ أنّ الشاعر يعرض كلّ ذلك بنبرة وإيقاع خافت قد يكون نابعًا من الاعتماد على الصورة الشعريّة الأفقيّة؛ أي تلك التي تمتدّ على مساحة القصيدة كلّها، ممّا يسهم في تغليب العقل على القلب في خطاب قصيدة المقاومة الحجاجيّ.

وفي قصيدة صوت تبرز بشكل واضح ثنائية الإقصاء والإبقاء، فيرفض الشاعر الصمت بكلّ مظاهره، لكنّه يجعل من صوته ردّ فعل من جهة وهويّة ورفض من جهة أخرى:

"ويريد الطاغي.. صمتي

صمتي

خسئوا

فسأبصق في وجه الساطي

وسأطلق، للدنيا، صوتي

وإذا ما شدوا قيد يدي

يعلو صوتي

وإذا ضربوني في عنف

يعلو، يعلو صوتي

وإذا قتلوني فلتسمع كلّ الدنيا صوتي!"[31].

يؤكّد الشاعر في ردّ فعله على مستوى المونولوج"صمتي/ خسئوا"، وعلى مستوى الافتراض المتمثّل في توظيف إذا الشرطيّة، حتميّة رفضه، ونلاحظ أسلوب التدرّج في ذلك يبدأ من ردّ الفعل الغريزيّ البصق، ثمّ إطلاق الصوت، فعلوّه، فاشتداده مثلما عبّر عنه في أسلوب التكرار"يعلو، يعلو صوتي"، ثمّ التضحيّة والموت ليكون الجسد وسيلة الإفهام للعالم بما يتعرّض له الشاعر. وهنا يصبح الموت محصلّة لمقدّمات من الإقصاء المتمثّل في الظلم والعنف والسجن، فلا يملك الشاعر المقاوم إلا أن يضحّي بنفسه تعبيرًا عن حريّته. والتضحيّة في هذا السياق هي اختصار للمسافة بين مظاهر المقاومة، فعندما تستنفد جميع الأدوات" البصق، الصوت" تتلاشى المسافة بين الشاعر وموته.

في قصيدة القائمة السوداء يبرز الصوت الذي يتحدّى الآخر، فيتكرّر الفعل الطلبيّ "سجّل" لهذه الغاية، لذلك يحيل تكرار الصدارة/الأنافورة كمفصل أساسيّ في توجيه رسالة الشاعر إلى سجّانه، وفي هذه القصيدة تسجيل بيوغرافيّ لبعض ممّا مرّ به الشاعر، وهنا يكمن التطابق بين الجماليّ الشعريّ والواقعيّ، فالشاعر لا يعبّر عن تجربة الآخرين بل يعبّر عن تجربته:

"سجّل اسمي في القائمة السوداء

سجّل اسم أبي، أمي، إخواني

سجّل.. حتى حيطاني!

في بيتي لن تلقى إلا شرفاء!"[32].

يخاطب الشاعر الوعي العام في قصيدة توقيع على أمر الإقامة الجبريّة، ليقدّم الشخصية الأنموذج لشاعر المقاومة، ويجعل الصوت رمزًا للحياة وعلوّه انبثاقًا للحريّة مقابل مظاهر السجن، والتغييب والشلل.

"يا وطني

إن سجنوا لي خطوتي

وغيّبوا عني طلوع الفجر في الجليل

والأرض

وشعبا هو فوق الموت

فلن تشل خطوتي

وسوف يعلو الصوت"[33].

وتُلاحظ النهايات المتفائلة في العديد من القصائد إذ يرادف الصوت ألفاظًا مثل العرس والنشيد والولادة.

في قصيدة يولد من جديد:

"يولد من جديد

أراه..

إن في دمي

عرسا ليوم نصره

وفي دمي نشيد"[34].

في قصيدة بحث يمنح الشاعر دلالة الصمت دلالة مغايرة لما أسلفنا، فهي مرحلة تحتضن الصوت، والكلام والانعتاق والشعر باعتباره سلاح الشاعر:

"أبحث عن أغنية جديدة

وليس عن كلام

يصفّ اسمي فوقه أو تحته

في هذه أو تلكم الجريدة

لذا أغني برهة

وبرهة أصمت، غير أن صمتي

يكون تفتيشًا وركضًا خلف حلم رائع

وجملة بكر

أنا صمتي يكون... مطلع القصيدة!"[35].

 

5.1- بلاغة النداء

تكاد لا تخلو قصيدة عند الشاعر سالم جبران من توظيف أسلوب النداء. ونلاحظ أنّ نهايات الكثير من القصائد تتضمّن أسلوب النداء، وكأنّ الشاعر يريد أن يخاطب المتلقي مباشرة دون حاجب لغويّ. كما أنّ الذات الشاعرة من خلال النداء تصبح جزءًا من المشهد النضاليّ، فالشاعر لا يفصل ذاته عن الحدث مصوّرًا إياه من الخارج بل يتفاعل معه عضويًّا. ومن وظائف النداء الالتفات، الحسرة فيسهم في رثاء المكان. وهو من آليّات شعريّة الصوت أيضًا.

في قصيدة 1948 من مجموعة "كلمات من القلب" يشير النداء إلى الحسرة والألم. ويسحب الشاعر ذاكرته وهو طفل إلى اللحظة الراهنة. إنّ عدم نسيان النكبة يعني أيضًا عدم التئام جرح الشاعر، فيقول:

"يا رفاقي... أنا لم أنس ولو كنت صغير

أيها الأصحاب من قرية سحماتا

إلى أيّ مصير؟!!"[36].

في قصيدة كفر قاسم: يحيل النداء إلى التحذير، ويوجّه الشاعر الخطاب إلى أمّته، ومستوى الترميز واضح عنده"الحيّة الرقطاء"؛ لأنّ الغاية الرسالة وليس شكلها:

"يا أمة أحبّها تنبّهي

فلا تزال الحيّة الرقطاء

عطشى إلى الدماء!"[37].

وفي قصيدة إنسان مشنوق يشير النداء إلى استحضار الماضي والرغبة في التعبير عن الواقع المأساويّ:

"يا أرواح الموتى

في معتقلات النازيين

لو تدرون..

لو تدرون..."[38].

أمّا في قصيدة المنفى ثلج يحيل النداء إلى الحنين، ويجعل المنفى مقابل الوطن. الثلج مقابل الدفء القتل مقابل الحياة، السجن مقابل القراءة والحريّة. هذا الالتحام جعل الشاعر صادقًا في نقل تجربته، وتجربة طبقة العمّال، التي يعبّر عنها. فالشاعر يكتب في السجن وليس عن السجن:

"المنفى ثلج يقتلني

يا وطني..

يا وطني الدافئ، يا أصحابي_ في وطني العمال

المنفى سجن

لا تقرأ فيه الأزجال"[39].

وفي قصيدة حنين إلى القرية يحيل النداء إلى الوصية والرجاء إذ يجعل الأرض قيمة مطلقة تفوق كلّ قيمة:[40]

"يا إخوتي إن مت مدّوني على الأرض

بلا قبر ولا لحد

وخلّوني شهيدًا

في عناق التربة الشهيدة"[41].

يؤكّد هذا الالتحام الدائم والثابت ميزة أسلوبيّة بارزة وهي أنّ أكثر من 60% من قصائد الشاعر في المجموعات الأربع تبدأ بجملة اسميّة، والجملة الاسميّة تحيل إلى الثبات وعدم الحركة، وهذا يتضافر مع أسلوب الشاعر التصويريّ شكلًا، ويتقاطع مع رؤيا الشاعر اليقينيّة في اختياره الأيديولوجي.

 

5.2- جماليّات التشبيه

التشبيه هو مقاربة الفرع للأصل في الغالب الأعمّ. وقد تتعدّد وظائفه بحسب السياق فلا يقف على دلالة واحدة:"إنّ أهمّ ما يميز التشبيه في المدوّنة الشعريّة الحديثة تجاوزه أحاديّة المعنى التي تتحدد بالعقل معيارًا وحيدًا إلى تعدّده.، هذا التعدّد ناتج _ بالطبع _ عن التنازل عن صرامة المعيار العقليّ في عقد الصلة بين الأشياء"[42]. سأركّز على التشبيه المباشر، الذي يشمل أداة التشبيه، والذي يطغى على معظم القصائد. ما يميّز التشبيه أنه مستقى من مفردات الطبيعة والقرية الفلسطينية: في قصيدة إلى صديقة بالمراسلة يقول جبران:

"وكلّ أهلي_كلّهم_ هناك لاجئون

في الليل، في الوحول.. يغرقون

كالدود، كالذباب، يسقطون

طعام أطفالهم التراب، يا صديقتي

وماؤهم.. مستنقعات المهجر اللعين!"[43].

يوظّف الشاعر التشبيه ليعبّر عن حالة المسخ التي أصابت أهله، وليصوّر من خلال التشبيه حياة اللاجئين البائسة.

أمّا في قصيدة أغني فالتشبيه في حقله الدلالّي إيجابيّ، ويدلّ على التحدي والإصرار والتمسّك بالأرض، ويلاحظ أنّ الشاعر من خلال توظيفه لأسلوب التشبيه قد شمل جميع مظاهر الطبيعة: الإنسان وقد عبّر عنه بضمير جماعة المتكلمين، والجماد من خلال الصخور والنهور، والنبات السنديان والزيتون، والطير من خلال الحمائم الداعية للسلام والنسور الشامخة التي تأبى الظلم:"لقد لجأ الشاعر إلى الطبيعة في تصويره للإنسان الفلسطيني الصامد، فاستمدّ من هذه الطبيعة صورة الجزئية، فمن السنديان والزيتون ومن الصخور والجبال والأنهار، ومن النسور المحلّقة، وجد الاستمرار والصمود، فتوسلّها جميعًا، من خلال عاطفته وإحساسه وخياله وتفاؤله، ليخرج إلينا بإنسان فلسطينيّ يتسم بالقوة والصمود"[44]. يقول جبران:

"كالسنديان.. هنا سنبقى

كالصخور

كعرائس الزيتون فوق ربى بلاد

كالنهور

كحمائم البرية الخضراء

إنا سوف نخفق فوق أرضك،

يا بلادي

كالنسور!"[45].

في قصيدة نهاية المليون سنة يعبّر التشبيه عن حالة الضياع التي يحياها الشعب الفلسطيني، والشاعر يوظّف التشبيه بمدلوله العاميّ أيضًا إذ يشير إلى حياة السكينة والذلّ. وهذه ميزة في شعر جبران وتوفيق زياد من شعراء المقاومة، فكلاهما يعبران بواقعيّة صادمة لذهن المتلقي، ليصوّروا هذا الواقع بوضوح يستمدّ من ثقافتهم الشعبيّة.

"بكيت مليون سنه

لم تبق بوابة شعب ما وقفت عندها

كالكلب أروي_ آه_ من يسمع؟

أخبار الضياع المحزنه"[46].

تتوالى التشبيهات المستقاة من حياة القرية اللصيقة بمشهدها، ففي قصيدة كتابة على جدار معسكر للأسرى:

"أبصر كيف يمرّغ واحدهم في الدرب

وجها كالديك المذبوح"[47].

أمّا في قصيدة آه شعبي، ففضلا عن التشبيه الواقعيّ الأصيل للشاعر الذي يشبه زوال الجلاد كذوبان الصابون، يستعين الشاعر بتقنية التشكيل البصريّ في التعبير عموديًا عن السقوط والتلاشي.[48] فيقول:

"آه شعبي، أسمع الجلاد يبكي ثمّ ينهار

ومن كفيّك

 كالصابون

 تنهار

 السلاسل!"[49].

فالتشبيه في المقتبس أعلاه لا يعبّر عن مقاربة بين أصل وفرع بل على تضادّ بين أمرين، وقد قدّم الشاعر التشبيه؛ ليؤكّد دلالة التلاشي مقابل دلالة القيد والقسوة المتجسّدة في السلاسل. ينتظم مبدأ التضادّ أيضا الجلاد والشعب؛ فالجلاد يبكي ثمّ ينهار، أمّا الشعب فصامد صلب، هذا التقاطع غير المنطقيّ على مستوى الفعل يصبح حقيقة عندما تضحّي الشعوب من أجل حريّة الإرادة.

 

مرجعيّة القصيدة: المثل والألفاظ العامية

ينتمي الأدب الشعبي Popular Literature إلى ما يعرف باسم الأدب "غير الرسميّ" Non Canonical تشير هذه التسمية إلى إقصاء هذا النوع من الأدب عن "الشرعية"، التي يفرضها الأدب الرسميّ Canonical Literature [50]. وذلك مردّه إلى ارتباط العربية الفصحى بلغة المقدس في الحضارة العربيّة.كما أنّ ما تعاني منه اللغة العربية ليس مستويات استعمال اللغة بل ازدواجيتها أو ثنائيتها Diglossia)[51]).

واكب دخول اللغة العامية الفصحى، أو التراث الشعبيّ إلى الشعر العربيّ الحديث، حركة "الشعر الحرّ" في منتصف القرن العشرين. وقد كان ذلك مرافقًا لطبيعة الرفض الذي حمله الشاعر الحديث متبنيًا التغيير من جهة والاقتراب من حياة الناس من جهة أخرى. فقد شهدنا بروز التيار الواقعيّ في الأدب في تلك الفترة أيضًا، ولم يعد تطعيم الأدب الرسميّ باللغة العاميّة أو بالأدب الشعبيّ منقصة لذاتها. يقول الباحث جبران إن:"الاستقاء من المقول الشعبيّ وهي ظاهرة نادرة في الشعر العربي آنذاك، في العشرينات والثلاثينات، عمد إليها شعراء فلسطينيون كثيرون بعد طوقان، حتى يمكن اعتبارها كما أسلفنا، من مميزات الشعر الفلسطيني عامّة"[52]. ويتحدث الباحث كذلك عن دلالة التناص الشعبي:"معظم هذه التناصّات اللافتة هي مبانٍ نحوية، أجرى الشاعر في بعضها "التفصيح" لتلائم السياق الشعريّ الجديد، أو هي ألفاظ وتراكيب عناصرها مشتركة بين الفصحى والعاميّة، إلا أنّ دلالتها السياسيّة هي دلالة عاميّة[53].

إنّ معجم الشاعر واضح بعيد عن التعقيد والصور المركبة، وهناك العديد من الألفاظ المستقاة من الحياة الشعبيّة، وإذ يفعل ذلك جبران يؤكّد على التصاقة الرؤيوي بشعبه، من جهة، وبضرورة صياغة لغة شعرية تنبثق من هذه الحياة. كما نلاحظ أنّ التعبير الشعبيّ أو اللفظة الشعبيّة قد تكون أكثر حيوية في رسم الصورة الشعريّة في ذهن المتلقي، لأنّها لم تترجم إلى لغة "ثانية"[54]!

في قصيدة مشوار في المساء يقول الشاعر:

"في خاطري تجرحني

تحرق أعصابي، ولا تتركني

تذبحني!"[55].

فالتعبيران "تحرق أعصابي" و "تذبحني" ينتميان دلالةً إلى اللغة الشعبيّة المتداولة للإشارة إلى عدم الصبر والاحتمال. ويوظّف الشاعر المثل "من سار على الدرب وصل" ليدلّل على أهمية الاستمرار والتواصل، إلا أنّه يستدرك على ذلك برمزيّة الذئب، الذي ينتظره في الطريق في قصيدة الحب العظيم:

"ألم يقل أجدادنا

بأن من سار على الدرب وصل؟

لكنّ في الطريق

فصائلا من الذئاب ترصد البشر"[56].

ويوظّف كذلك عبارة "لا يطعم خبزا" في قصيدة العالم الضائع، ليؤكّد المفهوم الشعبيّ للواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ، فالطبقات المسحوقة تبحث أولًا عن رغيف عيشها!

"هل تذكرون.. نحن كنا يومها صغار

حين بدأت أكتب الأشعار

"الشعر لا يطعم خبزا- قال لي فهيم

سوف أصير في غد نجار"[57].

وفي قصيدة في السنما يأتي توظيف التعبير العاميّ"قرف في قرف" تعليقًا من الشاعر على الحدث؛ فهو لا ينفصل عن واقعه المأساويّ، فيكون التعليق أقرب إلى حركة الجسد منه إلى حركة العقل. ويرى في الفن استمرارًا لهذا الواقع أو انعكاسًا له، لذلك يرفض الهروب من مواجهته أو تجميله أو التعبير عنه:

"بطل الفيلم يغني، فرحا، لانراه

تحت ظلال الزيزفون

قرف في قرف!

هذه القصة  هل تشغلني؟

إنّ شعبي صار في الأفران خبازًا"[58].

ويوظّف الشاعر المثل "الجائع كالشبعان، الكاسي كالعريان"، للتعبير عن رفضه ضد التوجه الاستسلاميّ القدريّ، يؤكّد ذلك التوجّه المباشر في نهاية القصيدة إلى العمال فهم أصل كلّ شيء عند الشاعر:

في قصيدة الدنيا كانت:

"الدنيا كانت دار عذاب

الجائع فيها كالشبعان

والكاسي فيها كالعريان

وحياة الناس حظوظ

قسّمها الديّان

فاحمل نيرك واسكت يا إنسان

دوسوا تحت الأقدام

أكاذيب الأجيال

هذي الدنيا

صنع سواعدكم

ملك سواعدكم

يا عمال!"[59].

يؤكّد الأسلوب الطلبيّ، وأسلوب النداء موقف الشاعر الرافض للاستسلام، وكأنّ هذا الخطاب المباشر ما هو إلا محاولة إقناع تقوم بها الذات الشاعرة، وهي تبثّ رسالتها. يلاحظ كذلك قصر الأسطر الشعريّة، وهي، في رأيي، تقنية شكليّة أخرى تسهم في تأكيد خطاب الشاعر الحجاجيّ. 

 

المراجع:

 

أبو حاقة، أحمد. الالتزام في الشعر العربي. بيروت: دار العلم للملايين، 1979.

أبو حنا، حنا. رحلة البحث عن الذات. حيفا: الوادي للطباعة والنشر، 1994.

أبو الشباب، واصف. شخصية الفلسطيني في الشعر الفلسطيني. بيروت: دار العودة، 1981.

 بدير، حلمي. أثر الأدب الشعبي في الأدب الحديث. القاهرة: دار المعارف، 1986.

جبران، سالم. كلمات من القلب. عكا، 1971.

جبران، سالم. قصائد ليست محددة الإقامة. النهضة: الناصرة، 1972.

جبران، سالم. رفاق الشمس. الناصرة: دار الحرية للطباعة والنشر، 1975.

جبران، سالم. "الأدب.. والتطور الاجتماعي"، الجديد، ع5، 1985.

جبران، سالم. سفر الخروج،  الأعمال الكاملة. د.م، 2012.

جمعة ،حسين. ملامح الأدب المقاوم، فلسطين أنموذجًا. دمشق: منشورات الهيئة العامة السوريّة للكتاب، وزارة الثقافة، 2009.

الحلو، وضاح. "سالم جبران في مجموعته "قصائد ليست محددة الإقامة"، الجديد، ع10، 1972.

زيّاد، توفيق. ديوان توفيق زيّاد. بيروت: دار العودة، د.ت.

سعيد، إدوارد. "من الصمت إلى الصوت ثم عود على بدء في الموسيقى والأدب والتاريخ"، من الصمت إلى الصوت فصول أدبيّة ولغويّة،

تحرير محمد شاهين. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2000.

الصفراني، محمد. التشكيل البصريّ في الشعر العربي الحديث(1952-2004). بيروت: النادي الأدبي بالرياض، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2008.

الصكر، حاتم. مرايا نرسيس. بيروت: المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، 1999.

عطوات، محمد. الاتجاهات الوطنية في الشعر الفلسطيني المعاصر. بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1998.

 

كساب، جودت. الخطاب الشعري الحديث، المصادر والآليات. عمان: دار اليازوري، 2011.

الكحّال، شاكر. "لقاء مع الشاعر سالم جبران"، الجديد، ع11-10(نقلا عن صحيفة طريق الشعب، بغداد)، 1975.

مصطفى، خالد. الشعر الفلسطيني الحديث. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والإعلام، 1986.

مندوب الجديد، "سالم جبران، يتحدث إلى مندوب الجديد عن: "قصائد ليست محددة الإقامة"، عدوان حزيران والأدب، تجارب الشاعر وعلاقته بالتراث"، الجديد، ع4-5، 1972.

هنيدي، نزار. "شعريّة القصيدة القصيرة"، ثقافات، البحرين: كليّة الآداب جامعة البحرين، 2003.

 

مواقع إلكترونية:

 

خالد الريسوني، http://www.nizwa.com/articles.php?id=1883

أديب محمد،http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=42699H]df    

أفنان القاسم، http://www.odabasham.net/show.php?sid=52214

  

 

[1] يقول جبران عن الالتزام: "في الحقيقة أنّ الالتزام أصبح أمرًا مسلمًّا به، ومقبولا عن اقتناع، عند أدبائنا العرب في الوطن، ولكن يمكن القول مبدئيًّا، إنّ كلّ الكتاب منتمون، حتى أدعياء عدم الالتزام هم منتمون، والسؤال منتمون لم؟ ومنحازون لمن؟ نحن نقول باعتزاز إنّنا ملتزمون بقضية الشعب.. بقضية التغيير الثوريّ للعالم، وهذه الأحلام هي قمة الأحلام الإنسانيّة. وهكذا فإنّ التزامنا الثوريّ هو بالضرورة التزام إنسانيّ لذلك حملت قصائدنا بصدق حبّ الأرض والحريّة والإنسان. أمّا حول السؤال إذا كان الالتزام يضرّ بالأدب أم لا فالجواب قطعًا بالنفي. هل يمكن الناقد مهما كان برجوازيًّا أو معاديًّا للالتزام أن ينكر عظمة بابلو نيرودا كشاعر؟ لقد كان شيوعيًّا وعضوًا في اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعيّ التشيليّ. هل يمكن لناقد أن يتجاهل سحر قصائد بول إلوار؟ لقد كان مقاتلا في المقاومة الفرنسيّة، والقتال قمّة الالتزام. هل يمكن لأحد أن يتجاهل عبقريّة ناظم حكمت؟ لقد كان ملتزمًا بقضيّة الثورة التزام الفرع بالجذع، وكان في نفس الوقت شاعرًا مرهف الحسّ، خصب الموهبة، تحوّل شعره إلى فلكلور تركيّ في حياته.. وعليه، فمن التشويه أو الضحالة ادّعاء أنّ الالتزام يشلّ الشعر أو الأدب. إنّ نجاح الشعر أو عدم نجاحه مرتبط بموهبة الشاعر، وأحبّ أن أقول أكثر من ذلك إنّ الالتزام يغني ذاتيّة الفنان بحيث تصبح ذاتيّة ممتزجة ومشرّبة بالذات الكبرى؛ ذات الشعب والإنسان عمومًا". الكحّال، 1975: 86. ويعرّف الباحث أحمد أبو حاقة الالتزام: "وإنّما يقوم الالتزام في الدرجة الأولى على الموقف، الذي يتخذه المفكّر أو الأديب أو الفنّان فيها. وهذا الموقف يقتضي صراحة ووضوحًا وإخلاصًا وصدقًا، واستعدادًا من المفكر الملتزم؛ لأن يحافظ على التزامه دائمًا، ويتحمّل كامل التبعة، التي تترتّب على هذا الالتزام. من هنا كان الالتزام مرتبطًا بالعقيدة، منبثقًا من شدّة الإيمان بها، صادرًا في جميع أشكاله وأحواله عن أيديولوجيّة معيّنة، يدين بها الفكر الملتزم. ومعلوم أنّ الالتزام شيء، والإلزام شيء آخر. فالالتزام يعني حريّة الاختيار، وهو يقوم على المبادرة الإيجابيّة الحرّة من ذات صاحبه، مستجيبًا لدوافع وجدانيّة نابعة من أعماق نفسه وقلبه؛ فالحريّة شرط أساسيّ من شروط الالتزام، وليس ملتزمًا من كان التزامه صادرًا عن قسر أو مجاراة أو ممالأة أو نفاق اجتماعيّ، بل الملتزم هو الذي ينبع الالتزام حرًّا من قلبه وبيئته وعقيدته؛ يقوم به عن وعي واقتناع واختيار حرّ دونما تكلّف أو إكراه. ولعلّ هذه الحرية هي التي تضفي على الالتزام معنى الشعور بالمسؤولية. فالمفكّر مسؤول أمام ضميره وأمام عقيدته، وأمام المجتمع الذي ينتمي إليه، وأمام الإنسانيّة قاطبة. ومسؤوليته جزء من كيانه وطبيعته، إلى درجة أنّه لو حاول التفلّت منها لما استطاع، فهو بحكم عمله، وبموجب المهمّة التي ندب نفسه لها، غير قادر على أن يتجاهل ما يجري حوله، أو أن يكون بمنأى عنه، لذلك يتخذ المبادرة الحرّة المسؤولة في معالجته ليحقّق وجوده كما ينبغي له". أبو حاقة، 1979: 14.

[2] جبران، 1985: 18.

[3] "يتجلّى الأدب في مواجهة الأزمات والنكبات سيفًا قاطعًا لكل أنواع القيود، لأنّه ينتشل النفس من الحزن والآهات والدموع والحسرة، والندم والقلق، والعدم والموت وينطلق بها إلى انعتاق كامل للمجتمع والأمّة من هذه الحالات الضعيفة ليرتقي بهما إلى ألق المجد والعزة والاستبشار بالنصر أو نيل الشهاد العظيمة. فوظيفة الأدب المقاوم للنكبات والأزمات وظيفة مقدسة نبيلة تسطع في مواجهة عالم الحقد والجريمة الوحشيّة والإبادة لبني البشر". جمعة، 2009: 44.

[4] كساب، 2011: 58.؛ وانظر القاسم، 2003: 258.

[5] خالد الريسوني،

 

[6] جبران، 1972: 41.

 

 

[7] انظر مثلا قصيدة مكالمة في مجموعة "كلمات من القلب"، 1971، ص30؛ الربيع من أوله، ص31، قصيدة حب، ص32.

[8] "إنّ تحوّل النص الشعريّ الحديث من القالب البيتيّ المحدود بعدد ثابت من التفعيلات_قياسات محدّدة مسبقًا_ إلى رحاب السطر الشعريّ قد فتح المجال أمام التشكيل البصريّ في السطر الشعريّ. وقد ساعد الإخراج الطباعيّ الشعراء على إجراء تشكيلات بصريّة تجسّد الدلالات البصريّة التي يرومون تجسيدها للمتلقي"،  الصفراني، 2008: 171.

[9] جبران، 1975: 25-26.

[10] جبران، 2012: 228.

[11] الصكر، 1999: 151.

[12] جبران، 1971: 5-6.

[13] يقول كذلك:"كان طويلا جاري/ وجميلا كالنخلة/ كانت ضحكته صافية/ طاهرة كالفلّه/ بعد ثماني ساعات الشغل بمصنع "نعمان" كان/ يرجع للبيت ليأكل ويغسّل" جبران، 1972: 74-75.

 

[14] جبران 1971، ص6-7.

[15] انظر على سبيل المثال قصيدة المأساة تصير خبزًا يوميًّا، جبران، 1972، ص76.

[16] مندوب الجديد، 1972: 41.

[17] "يلاحظ المتتبع لحركة الشعر العربّي المعاصر، زيادة ملموسة في الاهتمام بالقصيدة القصيرة، حتى بتنا نرى مجموعات شعريّة تخصّص بكاملها لهذا اللون من الشعر، الذي أخذ تسميات مختلفة، مثل: قصائد قصيرة- ومضات- إشراقات- قصاصات- بطاقات- منمنمات، وغيرها. وبالرغم من أنّ الشعر العربيّ في عصوره السابقة، عرف القصيدة ذات الأبيات القليلة، وحتى البيت المفرد، كما عرف ظواهر نثر المقطّعات، أو الموشّحات، أو القصائد المكتوبة في الأصل من أجل الغناء. إلا أنّ المرء بوسعه أن يفسّر زيادة الاهتمام بالقصيدة القصيرة في عصرنا الراهن استنادًا إلى مجموعة من العوامل. ربما كان في طليعتها طبيعة العصر نفسه، الذي يميل إلى السرعة، ويفضّل الأشياء الخفيفة الصغيرة. بالإضافة إلى انتشار ظاهرة المهرجانات الشعريّة، التي تحشر عددًا من الشعراء يتجاوز السبعة أو العشرة أحيانًا، في فترة زمنيّة لا تتجاوز الساعتين. مع ما تفرضه هذه المهرجانات من انتقال قسريّ من مناخ شاعر إلى مناخ آخر يختلف عنه تمامًا، ممّا جعل بعض الشعراء يفضّلون القصيدة القصيرة، التي تجذب انتباه المستمعين. كما أنّه لا يمكن إغفال الدور، الذي لعبه التأثّر بظاهرة القصيدة القصيرة في آداب الشعوب الأخرى، لا سيّما بعد أن كثرت الترجمات لقصائد الهايكو والتانكا اليابانية، وكذلك قصائد يوجين غيفلك ويانيس ريتسوس القصيرة وغيرها"، هنيدي، 2003: 55؛ القاسم، 198؛ أبو شمالة، 2003: 390.

 [18]أديب محمد، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=42699

[19] مندوب الجديد، 1972: 41.

[20] "والذي يطالع قصائد مجموعة سالم جبران "قصائد ليست محددة الإقامة" لا بدّ أن خرج بثلاثة استنتاجات رئيسية: 1- قصر القصيدة 2-الفكرة الواحدة التي تدور حولها القصيدة 3- شفافية التعبير المباشرة الفنية" الحلو، 1972: 63.    

[21] جبران 1971: ص53. نشرت في "كلمات من القلب" كجزء من قصيدة أخبار من الوطن ص102.

[22] جبران، 1971: 22. وانظر قصائد: وعد، ص26؛ وطعم اللحظة، ص38؛ سم وسكر، ص40؛ ومن بعيد، ص50.

[23]  يتكرّر البصاق في أكثر من موطن في قصائد الشاعر، وهو تعبير صارخ عن رفض الظلم. وكأنّ اللغة تعجز عن التعبير عن مشاعره. وقد يكون البصاق جزءًا من التعبير الشعبيّ أيضًا! وقد وردت هذه اللفظة في مجموعة "كلمات من القلب" في القصائد: صوت، ص24؛ يوم وليلة في المدينة، ص51؛ ثورة على الرياء، ص80؛ عن التافهين، ص82. وفي مجموعة "قصائد ليست محددة الإقامة" في القصيدتين: نهار شعبي، ص22؛ بلا أوسمة، ص64.

[24]  جبران، 1971: 44.

[25] مصطفى، 1986: 280. ويقول القاسم:"فكلمات قصيدة "صفد" لسالم جبران عادية لا حذلقة فيها ولا استغراق في الغريب والغلق، ولكنّها رغم بساطتها وعفويّتها، تحمل الدلالات العديدة والبعيدة وتثير العواطف وتشحذ العقل وتدخل القارئ في دوامة من التفكير الذاتيّ العميق"، القاسم 2003: 273 ؛ وانظر أفنان القاسم، http://www.odabasham.net/show.php?sid=52214

[26] جبران، 1971: 13.

[27] ن،م. ص 5.

[28] جبران، 1972: 8.

[29] سعيد، 2000: 38.

[30] جبران، 2012: 282.

[31] جبران، 1971: 22-24.

[32] ن،م. ص55.

[33] جبران، 1972: 18-19.

[34] جبران، 1971: 70-71؛ انظر أيضًا جبران، 1975: 14- 15. إذ يقول في قصيدة كتابة على جدران معسكر للأسرى:"دمي النازف مطر/لحمي المطحون سماد/وأنيني أهزوجة/الغد مرج سنابل/الغد عرس سنابل!" ؛ وانظر في قصيدة مرثية تلخيص لذلك:"أمجد ذكراك من غير أن/أزور ضريحك/يا صانع المعجزات/لأني إذا زرته/سأموت حياء/ أنا كل ما صنعته يدي_كلمات..." جبران، 1975: 50-51.

[35] جبران، 1975: 32.

[36] جبران، 1971: ص8.

[37] ن،م. ص16.

[38] ن،م. ص65.

[39] ن،م. ص71.

[40] عطوات، 1998 :289

[41] جبران، 1972: 6.

[42] كساب، 2011: 146.

[43] جبران ،1971: 11-12.

[44] أبو الشباب، 1979: 138.

[45] جبران، 1971: 20.

[46] ن،م. ص 34. وانظر عند زيّاد قوله في قصيدة مانيلاس غليزوس مثلا:"خلف القضبان/ تتوثّب عينان/ كالبرقوق، كزهر الرمّان/ ويد السجّان/ تمتدّ بجبل مجدول/ وبمشنقة مثل الغول"، زياد:د.ت:55؛ وقوله في قصيدة رجوعيّات:"ونصنع فجرنا شيئًا/ كقرص الشهد/ ونملأه بكلّ حلاوة الدنيا، وكلّ الورد!!"، ن،م. ص129.

[47] جبران، 1975: 12.

[48] انظر، الصفراني، 2008: 184.

[49] جبران،1971: 39.

[50]  انظر، بدير،1986: 15-18.          

[51]  انظر، أبو حنا، 1994: 179-180.

[52]   جبران،. 2006: 73.

[53]   ن. م، ص 74.

[54] نشير إلى أنّ لغة الأم في العربية هي المحكية، ثمّ الفصحى.

[55] جبران، 1971: 18.

[56] ن،م. ص25.

[57] ن،م. ص39.

[58]  جبران، 1971: 49. وفي قصيدة لا وقت للملل يعبّر عن ذلك أيضًا  بشكل إيروني: "لم تعد الإقامة الجبرية/مرهقة،/لديّ ألف شغلة أنجزها/من قبل أن أنام"، جبران، 1972: 12. وفي قصيدة رأس السنة:"واستيقظ الحنين.. والظنون.. والألم/فيّ، ومن أين خلو البال/أنا هنا وربما كان رفاقي الآن/في معسكر اعتقال" ن،م. ص49. وفي قصيدة حنين إلى الشعر الحماسيّ:"كفى كفى!/فليكتب التاريخ أنّ زحفنا/مندفع كالنار/لقد شبعنا عار!!"، جبران، 1975: 53.

[59] جبران 1971، ص61-62.

 

 


 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 34

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة