New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

حول رواية عواء ذاكرة لرجاء بكريه / أ.د. محمد البوجي - غزة

 

02/02/2013 13:06:00

رجاء بكرية

إن أول إنتاج روائي لرجاء بكريه (عواء ذاكرة ) 1994 يلفت الانتباه لما في روايتها من ظواهر أدبية حداثية تخالف ما درجت عليه الرواية التقليدية أو حتى تخالف ما درجت عليه الرواية الجديدة في الوطن العربي ولا أريد هنا أن أستبق وأصدر أحكاما على أنها من انضج الأعمال لدي عرب 48 بعد أعمال إميل حبيبي لما فيها من جدة في الأسلوب وحيوية الحركة مما جعلها تحقق نجاحا شبابيا جديدا .
تبدو هذه الرواية عصية على الفهم عند قراءتها الأولى ويصعب الاستدلال على عناصرها ،هذه الصعوبة ناتجة عن كثافة التعبير عن التجربة أو قل كثافة التجربة في حد ذاتها لأنها تتحرك وفق تدفقات لا شعورية للشخصية الساردة المحورية على طول النص وعمقه والبنية الروائية هي بنية الشخصية المحورية ذاتها ويمكننا الاستدلال على بنية النص في حالة التعرف على الحالة اللاشعورية للساردة وتولد دلالتها التي يرتكز عليها النص .
وهنا نؤيد ما قاله أنطوان شلحت من أن هذه الرواية قائمة على إعلان القطعية على نظرية الأنواع الأدبية في جهة واحدة وفي جهة أخري موازية ومتناقضة قائمة علي تمثل النظريات الحداثوية وما بعدها خصوصا تلك منها التي تعارض التجنيس وخاصة أنها تمثل تيارا ملامحه رواية بلا رواية وبلا أبطال موضوعها الأساسي ومادتها الأولية تقنية الكتابة مع قليل من وقائع وأحداث تمثل الرمز أكثر .
إن (عواء ذاكرة )عنوان يستحق التأمل ومعروف أن العواء للذئب وهو يمتلك أقوي فك وأسنان كما يقول الجاحظ في حيوانه ويبدو أن الذئب الفلسطيني قد تضايق إلى حد كبير فبدأ يطلق صيحاته في الهواء ولا مجيب وهذا ما حدث للساردة (أحاول الزعيق ولكني نسيت كيف يزعق البشر) فهو عنوان لطبيعة السرد غير المنتظم الذي تبتغيه الساردة حيث تتحول الكتابة نفسها إلى عملية حفر في الذاكرة وإخراج المحفور إلى الفضاء ليكشف قلقا داخليا في طوايا اللحظة التي تجسدها الكتابة بأدوات حداثية .
والعنوان غير عادي فالرواية أصلا تجربة كتابية للإنسان وليس للذئب تتخذ موضوعها من مأساة إنسانية ومحاولة التحرر من هاجس الجيب العسكري الذي يمارس قمعا ومطاردة مما يجعل العنوان مجازيا يرتقي إلى مستوي التجريد الميتافيزيقي مع سر الإنسان وروح المأساة عندئذ يمثل لنا العواء وهو صراخ الذئب في البرية دون مجيب أما كلمة (الذاكرة)فهي تعيد ذهن المتلقي إلى شيء من حدود التصور الذهني للعنوان وهو الإنسان فهي حركة إحلال تتجلي علي مستويات مختلفة وتوحد الدلالة الرامزة للعمل الروائي في رؤيته الشاملة .
ويثير فينا الإهداء مجموعة من التساؤلات فهو عبارة عن بصمة دائرية مليئة بالتعبيرات الذاتية فهي أشبه ببصمة الإصبع ذات الهوية الخاصة المتميزة سواء في مجال الإبداع الأدبي وهذا هو الهدف الثاني أما الهدف الأول فهو التمييز القومي حيث يعاني السارد من محاولات قمع وطمس كما هو في النص وتريد الكاتبة هنا أن تقول: إن العروبة الباقية في إسرائيل قادرة علي إنتاج أدب متميز وان تبتكر لنفسها أسلوبا فريدا رغم محاولات الأسرلة أو إضعافها على اقل تقدير .
هل نستطيع أن نعد ما يتشكل حول محيط الدائرة من كلمات بمثابة الأحداث الحياتية الوثيقة الصلة بحياة الساردة ومفتاحا لفهم دلالات النص ؟وهل يمكن أن نعد حركية القراءة من الداخل إلى الخارج للبحث عن رؤية للنص من داخله،وعن المتغير عبر الثابت المركزي للتشكيل الدائري باعتبار أن كل موصوف على محيط الدائرة مشدود إلى مركزيتها ؟
ويستمد هذا التشكيل الدائري أهميته كإطار مرجعي ،تتمثل في طريقة القراءة التي تقود إلى تمثل بداية ونهاية القراءة ،فالبصمة جاءت على هيئة أمواج ،والاهتزازات هنا عبارة عن مطاردة داخلية تتحول بالتعبير عن مطاردة بين الساردة والنص ،والمجسدة في المطاردة داخل النص بين الجيب والساردة،ثم بين الساردة والساق المنفصلة عن الجسد،وكذلك بين الساردة والتقاليد الموروثة،وبين الساردة وخليل القومي داخل أحراج الكر مل .وتدل البصمة أيضا على الحالة النفسية للخطاب،وطبيعة المفردات التي يمكن استخدامها ،فالبصمة بطبيعتها حالة منفردة ،لا يمكن لها أن تتكرر مع إنسان آخر ،هي حالة فريدة في شظاياها ووجعها،والجيب الوحش، ومنظر البصمة أشبه بتلافيف المخ التي تطفح بما يرعش الأعصاب ،ولهذا جاء طرف البصمة يقذف إلى الخارج بطريقة غير منتظمة،بطريقة متموجة أشبه بعواء ذاكرة غير مستقرة،وهذا إشارة إلى سرد غير منتظم داخل النص.
يميل الروائيون الحداثيون إلى تمزيق الحبكة الروائية التقليدية والاستغناء عنها في كثير من الأطوار والاجتزاء بخيط واه من النسيج الروائي المتغير وهذا نتيجة لتمرد الكتاب ضد خيبة الأمل التي مني بها الإنسان العربي المعاصر والقلق الذي يعصف به وقد استغنت رجاء بكريه في روايتها عن الحبكة تماما فاستخدمت الكتابة المشهدية مشاهد سريع النقلات في تتابع مستمر وأحيانا في تجاوز وهي انعكاس لحياة العرب في إسرائيل غير التقليدية .
وقد تكون الحبكة هنا سلسلة من اللحظات المتناثرة التي تستفد لوصف العالم الخارجي علي انه انعكاس للمغفل المدرك فتضع الشخصيات في ذواتها وتنغمس في متاهات الاستيطان الداخلي فهذه الرواية لا تسير وفق أي مسطرة معدة وهي عدوة لمل ما هو سابق لها فالرواية تختصر الحداثة بكل حذافيرها لان عالمها يخلو من النظام ويؤصل للشك والغموض حول الكثير من البديهيات الفكرية التي تحرك العقل البشري ومشاعره وتدعم عدمية الحياة وعبثيتها .
وحتى ترتقي الكاتبة بالرواية الحداثية أدبيا فقد سعت إلى ترقية لغتها كأنها تسعي إلى لغة الشعر الخارجي عن نمط اللغة العادية وسحر اللغة هنا جزء من سحر الطبيعة الحيفاوية وكرملها المقدس ولما كانت اللغة تشترك في إنتاجها ظروف وقوي ثقافية واجتماعية من ناحية والإنتاج الفردي للمفردات من ناحية أخري وهو نتاج لا ينفصل عن الأجواء الثقافية والاجتماعية السائدة أو المشهد الثقافي السياسي السائد وهذا ينسجم مع النسق الكلي لعقلية الكاتبة والمجتمع والمعاناة النفسية ولغة النص إبداعية مبتكرة تعد بحق نموذجا جماليا يستحق الاهتمام فقد جمعت فيه بين عناصر الحب والوطن عناصر الذات والجماعة ولهذا قفزت الكاتبة باللغة الروائية إلى اللغة الشعرية التصويرية (والتي أسس لها إميل حبيبي في رائعته (سرايا بنت الغول )).
إنها كاتبة تكسر حواجز اللغة وتتمرد عليه لتبني هيكلا روائيا جديدا يحاول من خلاله إزاحة الشعر عن عرشه المكين لتضع الرواية مكانه 0وتنهض الرواية في مجملها علي الصورة حيث اندماج العناصر بعضها ببعض وهذا من تأثير الفن التشكيلي عل الكاتبة وهي في الأصل فنانة تشكيلية متميزة تتخذ من المدرسة التجريدية مذهبا لها .
يحتوي النص على أكثر من عشر لوحات تشكيلية تجريدية تعبر عن الأزمة النفسية والمعاناة التي تطأ الساردة بمنسمها وهذا يتماثل مع طبيعة توظيف الصورة الفنية بالكلمات وتبدو اللوحات التشكيلية مبتورة وليست متكاملة تشي بجزء ناقص مفقود لكن دخولها في سياق النص جعلها جزءا منه تستمد تحليلها وتكاملها من سياق النص وإدراكه وتستمد الصورة التشكيلية أهميتها داخل النص من ناحيتين : الأولى :لأنها تفرض طريقة القراءة عبر الرؤية التشكيلية وهي قراءة بصرية يتم تجاوزها إلى القراءة الأفقية العادية
الثانية :يعبر التشكيل عن المضمون تعبيرا جيدا وإن كان فيه شئ من الخصوصية للكاتبة مما أعطى البناء الفتي مذاقا خاص لأنها مبتكرة أن ترسم الساردة لوحاتها الفنية بأسلوبها هي وبطريقتها هي أي بالطريقة التجريدية التي تشي بأسلوب الكاتبة في كتابة النص ويسيطر الفن التشكيلي علي لوحات النص سواء لوحات الخطوط أو لوحات الحروف وهذا دفع الكاتبة إلى استخدام الأسلوب السينمائي بألوانه المتعددة مثل : تركيب صورة فوق صورة أو اللقطة المهجرية أو القريبة .
إن عبثية الإبداع هي قاعدة هذا النص وتمرده علي تمسطر البناء الفني إنه تنفيذ لثورة معلنة بداخله فغدا شيا جديدا متكأ علي التجربة الخاصة المكثفة للظروف التي ينطقها النص من خلال رؤيته للحياة والكون ومحاولته إعادة الصياغة وتصطبغ اللوحات نفسها بوعي الساردة مما يعطيها خصوصية لا تتكرر ومعاناة داخلية بعد حادثة الساق مع الكاتبة نفسها مما أثر علي لغة النص وشخوصه المبنية بطريقة الأسطورة في أغلبها .
تضع هذه الرواية القارئ في مركزية النص بحيث لا يقدم إليه جاهزا أو كاملا فالقارئ مطالب في إعادة ترتيب الصياغة وهضمها ويثير في ذهنه الكثير من الأسئلة والشكوك مما يعطيه من إجابات قاطعة حول المسلمات والراهن من حولنا ومهمة النص ليست تقديم الواقع بل الترميز والإيحاء والإشارة إلى ما يمكن إدراكه أو تصويره والإيهام بالخيال وتثبيت الوهم مما أدى إلى التعبير عن ضياع العالم وعبثيته باعتبار حياة الساردة ضربا من ضروب ما وراء الخيال أو الواقع في حيفا تلك المدينة التي تلفظ أهلها الضعفاء وتلبس حلة غريبة مشوهة فالحقيقة عادت وهما وضياعا أو ما أسمته الساردة بوهم الإنقاذ القومي المتمثل في شخصية خليل وهو وسيلة لإفراز مبدأ أخلاقي وسياسي في حالة خطر .
وارى أن رواية (عواء ذاكرة )لرجاء بكريه قد خطت خطوة جيدة بعد غادة السمان في البناء الفني وكثافة التجربة وكذلك تقاطعت أو تجاوزت قليلا الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي صاحبة (ذاكرة جسد ) و(فوضي الحواس )في لغتها وجمال تمردها .
إنها رواية تضع نفسها في مقدمة الأعمال الإبداعية لدي عرب 48 ولدي الإبداع النسوي العربي عموما .
قد يري البعض أني مجامل في تقديري أقول لهؤلاء أنني أتحمل مسؤولية آرائي النقدية فقد قرأت نص أحلام مستغانمي قبل وبعد قراءتي لنص عواء ذاكرة وبعد تفحص وتأمل شديد اتخذت رأيي وهذا ليس هضما لمكانة الكاتبة الجزائرية وإنما فخر لنا واعتزاز أن يكون لدينا في فلسطين كاتبة بهذا المستوي والذي ابشر بأنه سيكون معطاء إذا ثابرت رجاء واجتهدت لكي تكون أفضل وتتجاوز نفسها .



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 35

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة