New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

الإفتاء في الأدب: القراءة الخاطئة لشعر محمود درويش

 

16/01/2015 10:53:00

محمود درويش

الإفتاء في الأدب: القراءة الخاطئة لشعر محمود درويش
أ.د. إبراهيم خليل
 
الإفتاء في الأمور من المزالق الصعبة التي يقع فيها كثيرون، للأسف، وإذا كان الافتاء في مسائل الفقه، والقضايا الشرعية، والأحكام الدينية من حلال وحرام، ومن زواج وطلاق، قد نيط بمؤسسة مستقلة قائمة بذاتها هي دار الإفتاء، التي تعد من أبرز المؤسسات الدينية في غير بلد إسلامي، فإن الإفتاء في المسائل الأخرى مثل الأدب من شعر وقصة ورواية لم ينط بمؤسسة مثل تلك المؤسسة، لذا ترك الحبل فيه على الغارب. فكل من يتقن استخدام الحروف الهجائية يستطيع – عندنا- الإفتاء في العويص، والدقيق، من مسائل الكتابة الأدبية شعرا ونثرا.
فعندما كنتُ في الرياض قبل أقل من سنتين، وقع في يدي كتاب بعنوان "التوراتيات" في شعر محمود درويش، لمؤلف لم أسمع به من قبل، وهو الكاتب الفاضل أحمد أشقر. صدر الكتاب المذكور في العام 2005 عن منشورات قدموس في دمشق. ولا يضم الكتاب سوى مقدمة لبشار إبراهيم، وتمهيدا عن استعمال الرموز الدينية في الشعر، ومقالة واحدة عن قصيدة " قربان " التي اتخذ المؤلف في حديثه عنها سمْتَ المفتي، ولكن بلا لحية، وبلا(لفّة) ولم يزل صغيرا على الجبة والقفطان. وأصدر فتواه على الشاعر اعتمادا على القصيدة، واستنادًا إليها، دون سائر شعره، ظنا منه أنها ضرب من الإسرائيليات ولا أقول التوراتيات. وحجته في أن درويشًا يقترب في هذه القصيدة من المعتقدات اليهودية، بصفة خاصة، إشاراته المتكررة للأساطير اليهودية والمسيحية والإسلامية، في ما يزعم، ويؤكد، فضلا عن اتخاذه من(القربان) عنوانا للقصيدة. وبما أن القربان لا يتعدى كونه رمزًا دينيا يهوديًا تارة، أو مسيحيا تارة، وأنه يذكر المؤمنين بالديانات الثلاث بكل من قابيل وهابيل، وبقربان إبراهيم الخليل عليه السلام، ويفتاح الجلعادي إلخ.. فإنّ درويشا – تبعا لذلك، وعلى وفق هذه الفتاوى- يساوي، من حيث الحقوق، بين أتباع الديانات الثلاث في أرض فلسطين. وذلك شيء يتعمده درويش لاجئا للتمويه عن طريق الرموز الغامضة المبهمة، تجنبا منه للتورط في الانتماء، وهذا بمنزلة " الفضيحة " في ظنّ هذا المفتي كونه ينطوي على " تنصُّل من الالتزام، ومسايرة المَرْحلة، واجتناب المخاطر، وتفادي خسارة المشروع الشخصي. " ص89 ويرى فضيلة الشيخ أشقر – في سياق هذه الفتوى الشرعية- أنّ الشاعر يختار الغموض بدلا من المباشرة " الدهاء ، والمغالطة، في التغطية على حقيقة الموقف، واجتناب المباشرة في تملق المرحلة- يقصد سماحته مرحلة التسوية- [شيءٌ] يدخل في مقتضيات ورطة محمود درويش بين خيار مواصلة الغموض، والمخاطرة بأن يفقد موقعه المتألق . " ص 89 . 
يبدو أن لسماحته مذهبًا في الشعر غير المذهب الذي يُجْمع عليه أهل النظر. فقد عَرَف عن الشعر شيئا، وغابت عنه أشياءُ كثيرة. فالقربان- على الرغم من أنه ذكر في الديانات الثلاث، مثلما تفضل سماحته، وذكر- إلا أنّه ليس رمزًا يهوديا فحسب، ولا إسلاميا، ولا نصرانيا، ولا محايدا. فالقربان شيء عُرف، ووُجد في جل الديانات التي عرفها الإنسان. بما فيها الديانات الوثنية، ولو كانت لدى أحمد أشقر أدنى معرفة بديانات المصريين القدماء – على الأقل- لاستذكر موقع القرابين من دياناتهم، وحياتهم اليومية. وخير ما نثبت به ظهور القرابين في الآداب القديمة أن اشهر المسرحيات الإغريقية التي عرضت في القرن الخامس قبل الميلاد كانت بعنوان حاملات القرابين، وهي من تأليف الشاعر صوفوكليس. وهذا مثالٌ بسيط لا غير يؤكد أن فضيلة المفتي يتصدى لمسألة كان ينبغي له أن يتهيأ لها، وأن يلم إلماما يوفر له الحد الأدنى من شروط المفتي. هذا عدا عن أن سماحته يتناول النص الشعري تناولا غريبا لا أظن أحدا – عالما أم جاهلا- يتفق معه فيه ، فهو يلوم الشاعر لومًا شديدا كونه يتجنب المباشرة في قصيدته ويلجأ للرموز والغموض.
وهذا لعمري إن كان ينم على شيء فهو ينم عن أن فضيلته يفتقر للعلم بأساسيات الشعر، والبدائه التي ينبغي له أن يتصف بها كي يتصدى للإفتاء في قضايا الأدب. ولو اقتصر الأمر على هذا (الأشقر) لهان،ولكن ثمة من يتهم الشاعر الراحل بالسرقة تارة من التوراة وتارة من الإنجيل وطورا من القرآن الكريم أو من معلقة لامرئ القيس أو غيره. ولسنا في صدد  الرد على هؤلاء، فهم يؤكدون في جل ما يكتبون أنهم يتجاهلون ما يميز الشعر عن النثر، أو إن لم يتجاهلوه، لم يعرفوه. فهم يتعاملون مع القصيدة تعاملهم مع المقالة والبحث، فهذا من المرجع الفلاني وذاك من المصدر العلاني.. أما حقيقة ما يظهر في شعر درويش فلا يختلف عن حقيقة ما يظهر، ويتجلى، في شعر غيره، وذلك معروفٌ منذ أقدم الأزمان، ومن سالف العصر والأوان. ولم يقلْ أحد من نقدة الأدب، أو جهابذة الشعر، أنّ هذا سرقة، أو اختلاسٌ، أوْ سطو. وباب السرقات في الأدب بابٌ معروف جدًا، وقد فصل القول فيه قدماءٌ، ومُحدثون.. ولكن من يتصدون للإفتاء في هذا المجال يغربُ عن بالهم، ويعزب عن أذهانهم، أنّ ما يأخذه الشاعر من أقوال الآخرين، يندمج في ثنايا القصيدة، ويذوبُ، ليصبح قولا جديدًا، فعلى سبيل المثال قول الشاعر المخضرم: 
الحمد لله لا شريك له 
من لم يقلها فنفسه ظلما
اقتبس الشاعر فيه الآية الأولى من سورة الفاتحة، وهو لم يقتبس لغرض السَرَقِ، مثلما يَقولون، ولكنه استخدمها فعلا في الدلالة على أنّه يحمد الله، وَيشكرهُ، وقياسًا على ذلك يكونُ استخدام درويش لعبارة من التوراة، أو لبعض آية من القرآن الكريم، أو لشطْر منْ بيت شعر " لو أنّ الفتى حَجَرٌ " أو من فيلسوف " على هذه الأرض.. " أوْ من إدوارد سعيد في قصيدته الموسومة بعنوان " طباق "، أو لكلمة من عنوان قصيدة لشاعر آخر " روميّة " والنرْد من " منازل النرد " لمحمد علي شمس الدين، هذا كله ممّا يُقاس على استعمال الشاعر لعبارة " الحمد الله " في البيت المذكور آنفًا. والنقد الحقيقيُّ لا ينظر للقصيدة من خلال عبارة وردت هنا، أو جملة قيلت هناك، ولكنه ينظر لتلك العبارة، ولغيرها في إطار القصيدة الكلي، وتبعًا لذلك نفهم قول درويش: 
في كل مئذنة 
حاو ومغتصبُ 
يَدْعو لأندلس ٍ
إنْ حوصِرَتْ حَلبُ
من سياق القصيدة الذي يؤكد لنا أنه لا يعني المعاني الحرفية، وإنما يتهكم على أولئك الذين يدعون لتحرير الأندلس بينما هم يعانون من الاحتلال في بيوتهم، ولا يقاومون. مختصرُ القول، ومفيده، أنّ بعض الذين يتصدون للإفتاء لا يملكون من عدة المفتي سوى منبر صحفيّ، أوْ تسهيلات من إحدى دور النشر، وعليْهم الباقي، وإنْ لم تتوافر لديهم الحدود الدنيا من شروط الإفتاء الصحيح. لذا تظلّ فتاواهم باطلة، وقبْض ريح، وإن ضارعتْ في حجمها فتاوي ابن تيمية.  مثل هذا يقال من حيث أنّ الأمر طفح فيه الكيل، وبلغ السيل الزبى؛ فثمة من يصدر فتواه في شأن الرواية، وهو لم يكتب في حياته شيئا عن الرواية، وثمّة من يتكلم عن العولمة ولما يعرف ما مفهوم العولمة، وثمة من يوقع كتابًا صدر حديثا وهو لم يزل يخطئ في كتابة اسمه كتابة سليمة، ومع ذلك ينْبري من النقَدَةِ من يشيد به، ويقرّظ كتابه، ويقول فيه ما لم يقله ابن زيدون في ولادة. وقد سمعتُ من أحد محرري الصحف أنَّ الأشقر المذكور أراد بكتابه هذا أن يُحقق شهرة على حساب محمود درويش، فيكثر من يردّون عليه، ويكتبون عنه، فيحقق ما لم يحلم به من ذيوع الصيت، وفي هذا أقولُ: إنّ من يسّر له هذا هم الغافلون الذين لا يتنبأون، أو يتنبأون، بهاتيك النوايا الخفية، ومع ذلك يقعون في الفخ.
شأن هذا الرجل يذكّرنا بحكاية عن شاعر قديم هجاه أحدهم كي يرد عليه فيشتهر بسبب هجوه، لكن الشاعر لم يرد على من هجاه ولما سئل عن سبب ذلك قال بيتا واحدا:
ما كنت أحسب أن الموت يمهلني   حتى أرى أحداً يهجوه لا أحدُ 
وهذا ينسحب على حكاية درويش مع هذا الأشقر وسواه من المتنطعين.
 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 18

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة