New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

الوعي الكتابي في الرواية

 

05/01/2013 16:36:00

ناصر عراق

 

الوعي الكتابي في الرواية
عن الجنس الأدبي الأكثر انتشارا
بقام: ناصر عراق

 

 
لا يمكن أن تحقق رواية ما نجاحاً متميزاً، بينما صاحبها يجهل المتنبي وشوقي ونزار قباني ومحمود درويش
 
 
مبتدأ لا بد منه
لا مناص من الاعتراف بأن الرواية لا تتصدر حالياً المشهد الإبداعي العربي فحسب، بل العالمي أيضاً، وذلك منذ نحو عقدين من الزمان، فبنظرة سريعة سنكتشف أن الإقبال على قراءة الرواية في ازدياد مستمر، وأن هناك العديد من الجوائز السخية استحدثت لهذا الفن تحديداً، كما أن كثيراً من الشعراء والنقاد والمبدعين الذين لم يتصدوا لكتابة رواية من قبل، قرروا اقتحام هذا الفن بقوة، فهجروا بيوتهم الشعرية، وغادروا بناياتهم النقدية، لكي يستريحوا في بساتين الرواية.. يكتبون ويسردون ويحاولون أن يقصوا علينا أحسن القصص بما ابتكروا وبما صاغوا.
دعني أزيدك من الشعر بيتاً، وأخبرك أن معظم دور النشر المصرية، على سبيل المثال، فقدت حماسها للحفاوة بالشعر والشعراء، حيث أصبحت لا تقدم الآن على نشر دواوين شعرية، كما أن دار إكسفورد، وهي دار نشر إنجليزية عريقة قررت التوقف تماماً عن نشر الأعمال الشعرية قبل نحو عشر سنوات، لأن لا إقبال على الشعر هناك ولا يحزنون!
أما إذا نظرنا إلى جائزة نوبل للآداب، وهي أرفع جائزة عالمية كما تعلمون، فسوف نكتشف بسهولة أن الروائيين قد قطفوا معظم أزهار هذه الجائزة في الخمسة عشرة سنة الأخيرة، وأن نصيب الشعراء وكتاب المسرح والقصة القصيرة من ورود هذه الجائزة قليل وربما شحيح! وها هو الروائي الصيني مويان يضع توقيعه على النسخة الأخيرة من هذه الجائزة المرموقة!

الانفجار الروائي
إذا كان هذا الكلام صحيحاً، وأظنه كذلك، فكيف يمكن تفسير هذه الظاهرة المفاجئة؟ هل أصبحت الرواية حقاً ديوان العرب الجديد، إن لم تكن ديوان العالم؟ وكيف أمكنها إزاحة الشعر من على خارطة المشهد؟ وهل لهذا الحضور الطاغي للرواية علاقة ما بالتغييرات المذهلة سياسياً واجتماعياً وتكنولوجياً التي شهدها العالم بعد ما سمي بسقوط الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي السابق في سنة 1991؟
الحق .. إن كل هذا صحيح، فالرواية ابنة شرعية للمدينة الحديثة كما يذهب كثير من النقاد.. تلك المدينة التي تضج بصراعات وأحداث ووقائع وأماكن تستفز خيال المبدع عموماً، والكاتب بصفة خاصة، لأن يدلي بدلوه فيما يراه ويحسه. وما شهدته البشرية، خاصة منطقتنا العربية من أحداث جسام في العقدين الأخيرين تغري كل من يحظى بموهبة روائية، ولو شحيحة، أن يشرع في تشييد حكاية استلهاماً من هذا الواقع المضطرب والمعقد. ولعل الرواية هي الفن الأقرب والأهم للتعبير عن المناخات القلقة للمدن العصرية، بالتوازي مع فنون السينما.
اللافت للانتباه أن الأمر لا يقتصر على أن من يكتبون الرواية في تنامي ملحوظ، بل يتعداه إلى من يقرأون أيضاً، فالشاهد أن قرّاء الرواية في زيادة لافتة كذلك، كما تقول إحصائيات دور النشر من خلال المبيعات. ويبدو أن قارئ هذه الأيام أصبح لا يجد سلواه في قصيدة أو ديوان، بل راح يفتش عما يتفاعل معه وينفعل به في صفحات رواية (تعكس) له العالم المضطرب الذي يعيش فيه، أو تأخذ بيده إلى زمن آخر أخف وطأة وأقل خسارة من زمنه الضاج بالتناقضات كما تفعل كثير من الروايات التي تتكئ على جدران التاريخ
إننا نسمع الآن ونقرأ عن الطبعة العاشرة من رواية فلان، أو الطبعة العشرين من رواية علان، وإذا افترضنا أن الطبعة الواحدة في حدود 1000 نسخة، فلك أن تتخيل أنه من الممكن أن تصل المبيعات من رواية واحدة إلى نحو 20000 نسخة، وهو رقم كبير في مجتمع عربي يرزح خمس عدد سكانه تحت كابوس الأمية الأبجدية! صحيح أن معيار الأكثر مبيعاً ليس معياراً صائباً على الدوام، فهناك روايات بائسة أو كتب فاسدة تلقى رواجاً عجيباً، إلا أنه يظل معياراً ينبغي التعامل معه بجدية!
دعني أذكرك أن نجيب محفوظ، وهو من هو، لم تكن مبيعات رواياته تزيد عن 3000 نسخة تظل معروضة للجمهور طوال عدة سنوات! أي أن الأمر تغير بصورة كبيرة في الأعوام الأخيرة، ودخل مضمار الرواية أناس جدد لم تكن بينهم وبين هذا الفن أواصر من قبل، كما أقبل قرّاء جدد على اقتناء الروايات والاطلاع عليها، خاصة من الشباب العربي الذي أصبح كتلة ضخمة تلعب دوراً مؤثراً في تغيير مجتمعاتها وبلدانها!

السر الأعظم
حسناً.. هل يعني ذلك أن كتابة الرواية أمر يسير يمكن لأي إنسان يجيد القراءة والكتابة أن يتصدى له، فيكتب ويحكي ويتقن ويمتع؟ وهل الإنتاج المتزايد من الروايات العربية يشير إلى أن المبدعين وجدوا في الرواية بغيتهم، فأقبلوا عليها يكتبون ويقصّون؟ (أفتح هذا القوس لأخبرك أن عدد الروايات التي تم ترشيحها للجائزة العالمية للرواية العربية المعروفة إعلامياً بالبوكر العربية بلغت 101 رواية في الدورة الخامسة 2012، في حين ارتفع العدد هذا العام/ الدورة السادسة إلى 133 رواية).
في الواقع.. إن كتابة رواية أمر شاق ومجهد إلى أبعد حد، ويحتاج إلى مهارات تقنية خاصة، فضلاً عن معلومات ومعارف عامة، ولكنه، في الوقت نفسه، أمر ممتع وشائق إلى أقصى مدى. وفي ظني أن نقطة الانطلاق الرئيسة لكتابة رواية تبدأ من خاطر ما غامض، وربما مشوّش، يرد على ذهن الكاتب دون سابق إنذار، فيؤرقه ويوتره ويقض مضجعه حتى يتمكن أخيراً من القبض عليه، أو بالأحرى يتوهم أنه أمسك به. هذا الخاطر الذي لا نعرف كيف ومتى يقرع روح وعقل ووجدان المبدع هو الذي يستثير داخله الرغبة في الكتابة، ويحضه على القيام أناء الليل وأطراف النهار، ليدوّن ما يمور بروحه، ويسكب على الورق رؤاه وأفكاره.
لا يغيب عن حصافة القارئ بطبيعة الحال أن المبدع عموماً، والروائي بصفة خاصة، ينبغي أن يكون متمتعاً بفضيلة التأمل. أي يمتلك مقدرة استثنائية على تأمل كل ما حوله.. البشر والأماكن والأحداث والنباتات والحيوانات والسماء والأرض إلى آخره، ليستكشف جوهر الأشياء، ويرصد طبيعة العلاقات، ويتابع قانون التحولات. عندئذ يهرع المبدع إلى تكوين وجهة نظر محددة في الحياة ومكنونها، والبشر وصراعاتهم، والدنيا ومصيرها، الأمر الذي يؤهله لأن يخوض عباب بحر الرواية وهو مدجج بخبرة حياتية عريضة، ومعارف جمة!
أظنك تتفق معي كذلك على أن الروائي الناجح والمُجيد عليه أن يكون مشغولاً بالهموم العامة للناس، ينحاز إلى قضياهم ويرفع صوته مبشراً بالعدل والحق والخير والجمال. مندداً في الوقت نفسه بالظلم والاستبداد والفقر والقبح. فالفن، والأدب جزء أصيل من الفن، ينبغي أن يكون في جوهره داعياً إلى الحفاوة بالحياة الجميلة التي تنهض على احترام حرية الإنسان وآدميته، فاضحاً في الوقت نفسه الخلل الاجتماعي الذي يؤدي إلى أن يعيش الناس حياة بائسة يكابدون خلالها مرارات وأوجاع ويتعرضون أثنائها لكوارث ومصائب!
 
قانون الصنعة
أما السؤال العويص.. فهو: هل يكفي خاطر ما، مهما كانت درجة نصاعته وتفرده، لكتابة رواية ناجحة وجميلة؟ وهل يمكن لروائي أن يبتكر لنا نصاً مدهشاً لأنه، أي هذا الروائي، ينحاز فكرياً إلى الحق والخير والجمال؟ بصيغة أخرى: هل تكفي القناعات الفلسفية والسياسية للكاتب لكي يقدم لنا رواية لافتة وممتعة؟ حتى لو كانت هذه القناعات تزدهر في حدائق التطور الإنساني والتقدم البشري؟
من المؤكد أن كتابة رواية فاتنة تحتاج إلى مهارات أخرى خاصة جداً، بجانب تلك المعارف التي ينبغي أن يتسلح بها الكاتب، والتي كونها من خبراته بصفته يحظى بنعمة التأمل. من أهم هذه المهارات الإلمام الجيد بفنون الكتابة عموماً، وبالأحرى فنون الرواية، فلا يعقل أن يتصدى أحد لكتابة رواية وهو لم يقرأ روايات الرواد العرب أمثال نجيب محفوظ وبهاء طاهر وحنا مينا والطيب صالح على سبيل المثال. كما لا أتخيل أن هناك روائياً عربياً متفرداً لم يطالع قدراً من النصوص الكلاسيكية في عالم الرواية، فيمرّ على تولستوي وديستوفيسكي وزولا، ثم البير كامو وماركيز وايزابيل اللندي وماريو فاراغاس ياسا وغيرهم ممن يشكلون باقة مزدهرة في عالم الرواية حالياً
كما يجب على من ينوي الشروع في إنشاء رواية ما أن ينهل من الفنون الأخرى مثل المسرح والسينما والشعر والموسيقى والفنون الجميلة. لأنه من غير المعقول أن ينتج كاتب ما رواية حديثة الآن، وهو لا يدري شيئاً عن شكسبير وموليير وراسين وبيتهوفن وموزارت وأم كلثوم وعبد الوهاب وبيكاسو والفريد هيتشكوك وغيرهم من عظماء المسرح والموسيقى والسينما والفنون الجميلة، ولا يمكن أن تحقق رواية ما نجاحاً متميزاً، بينما صاحبها يجهل المتنبي وشوقي ونزار قباني ومحمود درويش على سبيل المثال.
إن ضرورة التعرف على الإنجازات المهمة في الفنون الأخرى أمر حتمي لكل روائي ينشد التميز ويسعى إلى الكمال، حتى يتسلح بأكبر قدر من الأدوات والمعدات الفنية التي تعينه على الابتكار والخلق، ذلك أن الخاطر الغامض الذي تلقاه المبدع في لحظة ما في حاجة ماسة إلى ضبطه وتطويره ووضعه في سياق منطقي، وإلا تبخر هذا الخاطر وصار نسياً منسياً. فالرواية عمل يتكئ في المقام الأول على فنون الصنعة، أي أن المبدع الحصيف هو من يسعى إلى بناء روايته حجراً حجراً و(طوبة طوبة) إذا جاز القول
إنني على يقين تام أنه ما من رواية ناجحة إلا وبذل فيها صاحبها جهداً عقلياً واعياً، فالرواية ليست وحياً يوحى، ولا حُلماً يغزو النائم فيصحو ليدوّنه على الورق، بل هي عمل منظم ودقيق يقوم على التخطيط والبناء والدأب والمثابرة، حيث يستثمر الكاتب ذلك الخاطر الغامض عند الشروع في التنفيذ، فيضع تصوراً عاماً عن شخصيات الرواية وطبيعتهم وملامحهم وصراعاتهم، والأماكن التي تدور فيها أحداث الرواية، وكذلك الفترة الزمنية التي تستغرقها تلك الأحداث.
هذا التصور العام ليس مقدساً ولا مقترناً بحتمية تنفيذه، إذ من الوارد جداً أن يتم حذف وإضافة أحداث ووقائع وشخصيات ارتأى الكاتب أنها ضرورية حين راح يسبح في بحر السرد. بل يجوز الجزم أنه ما من رواية مهمة إلا وقد انكبّ عليها صاحبها انكباباً طويلاً.. يكتب ويصوغ ويعدل ويحذف ويضيف، ثم يعاود الكرّة مرة أخرى بالإضافة والتعديل والحذف حتى تتخلق عملاً سوياً من وجهة نظر صاحبها. دعني أذكرك بعدة روايات مدهشة لنغوص في بنيتها ونحاول استنباط طريقة كتابتها. خذ عندك (سرد أحداث موت معلن) للروائي الكولومبي الفذ جابرييل جارسيا ماركيز، حيث يتضح تماماً عند قراءة هذه الرواية قراءة معمقة أن ماركيز قد أوسعها شغلاً وبحثاً وصياغة، لأنها رواية مكتوبة (بالثانية والدقيقة) إذا صح التعبير. وبالتالي فلا ريب عندي في أن الرجل كتبها غير مرة، وحذف وأضاف ومحا منها غير مرة، ثم أعاد الصياغة وضبط الزمن غير مرة، حتى بدت له عملاً كامل الأوصاف من وجهة نظره، فاطمأن إليه وعرضه على الناس.
الأمر نفسه ينطبق على رواية ماركيز المدهشة (الحب في زمن الكوليرا)، ورواية نجيب محفوظ الباذخة (الحرافيش)، ورواية ماريو ياسا (شيطانات الطفلة الصغيرة)، ورواية إيزابيل الليندي (الجزيرة تحت البحر) وغير ذلك من الروايات الآسرة، حيث الدلائل كلها تؤكد أن هؤلاء المبدعين الأفذاذ بذلوا جهوداً ذهنية وروحية خارقة حتى وصلوا بإنجازاتهم الروائية إلى مستوى غير مسبوق.
يحكي ماركيز مرة أن زوجته دخلت عليه حجرة مكتبه فوجدته يبكي بحرقة، فلما سألته عن السبب، نظر إليها بحزن، ثم قال لها بأسى: (لقد مات الكولونيل أورليانو بوينديا)!
إن أورليانو بوينديا هذا أحد أبطال روايته موفورة الصيت (مئة عام من العزلة)، أي أنه ليس شخصية حقيقية، بل هي من صنع الخيال كما يقولون، ومع ذلك لم يستطع ماركيز نفسه، وهو المؤلف والخالق لهذه الشخصية، أن يمنع نفسه من البكاء حين اضطرته قوانين السرد أن يميت الكولونيل بوينديا في منتصف الرواية تقريباً!
لا أحد يستطيع أن يجزم هل قرر ماركيز إزاحة هذا الكولونيل من السرد بالموت أثناء فترة الإعداد والتخطيط للرواية، وقبل أن يشرع في الكتابة، أم أن قانون القص فرض عليه ذلك فرضاً، حيث جرجرته الأحداث إلى ما لم يخطط له من قبل، فوجد نفسه مجبراً على أن يقضي على روح الرجل أثناء الكتابة، حتى تستقيم وقائع الرواية؟ لكن من المؤكد أن ماركيز كان متفاعلاً جداً بهذه الشخصية ومنفعلاً بها طوال الأحداث، وأن هذه الشخصية قد أسرته إلى أبعد مدى.
أما نجيب محفوظ، فقد كان يقول باستمرار إنه ألزم نفسه بمواعيد ثابت للكتابة يومياً، وإنه كثيراً ما يدخل غرفة مكتبه دون أن تكون هناك فكرة روائية محددة تعتمل في رأسه، ومع ذلك بدافع الإصرار على الكتابة بانتظام يجبر نفسه على كتابة جملة افتراضية ما، ولتكن (دخل أحمد الحارة)، ثم يضيف الأستاذ نجيب: بعد ذلك تبدأ الأحداث في الانهمار، لأن أحمد حين دخل الحارة التقى فلاناً أو فلانة، فدار حوار ما.. وهكذا تتخلق الوقائع وتمضي الأحداث وتشتعل الصراعات. ولكن لأن الروائي الكبير مشغول على الدوام بقضايا اجتماعية وإنسانية مهمة، ولأنه يمتلك مهارات صناعة الرواية بامتياز، فلا غرابة في أن يستحضر المناخ الروائي الذي يريده في أية لحظة، بعد أن يكون قد قطع شوطاً لا بأس به في عملية القص

فتنة اللغة
أظنك تتفق معي على أن اللغة هي الوسيلة الأولى والأهم في مضمار التعبير الروائي، لأنه لا رواية دون لغة، واللغة في فن الرواية لغة خاصة جداً ومغايرة للغاية، إنها لغة الأدب.. والأدب فن غامض لذيذ احتار النقاد في تعريفه تعريفاً دقيقاً وجامعاً، فالناقد الروسي رومان جاكسون يصف الأدب بأنه يمثل (العنف المنظم الذي يمارس على اللغة العادية، فالأدب يكثف اللغة العادية، مبعداً إياها من الاستعمال اليومي)، ومن ثم ينبغي على من يتصدى لكتابة رواية ما أن يكون عليماً باللغة التي يستخدمها. وما دمنا نتحدث هنا عن الرواية العربية، فيتحتم على الكاتب أن يتقن هذه اللغة إتقاناً تاماً، فيعرف نحوها وصرفها، حتى يتمكن من اكتشاف أسراراها وحلاوتها.
لقد قال طه حسين مرة (لغتنا العربية يسر لا عسر، ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها، ولنا أن نضيف إليها ما نحتاج إليه من ألفاظ لم تكن مستخدمة في العصر القديم) وهذه عبارة صائبة لا ريب، لكنها غير كافية فاللغة ليست ألفاظاً ومفردات فقط، بل هي تراكيب وعبارات وصياغات. إنها كائن حي في حاجة دوماً إلى الرعاية والاهتمام حتى يواكب العصر، أو باختصار.. اللغة بناء معماري شاهق، يستوجب على من يتعامل معه أن يدرك خباياه، ويحيط بمكنونه، ويستشعر نبضه.
ومن أسف نرى الكثير الآن ممن يكتبون روايات، أو حتى مقالات ودراسات، محرومين من نعمة إجادة اللغة العربية إجادة لائقة، لذا تأتي نصوصهم محتشدة بأخطاء نحوية وإملائية.. فاضحة وفادحة، خالية من الحرارة، باردة الإيقاع، قلقة العبارة، الأمر الذي ينفر القارئ منها، وتدفعه دفعاً إلى الفرار من تلك النصوص البائسة!
علينا الاعتراف إذن بأن الإبداع الروائي يكابد حالياً وضعاً حرجاً بخصوص اللغة العربية الفصحى، ذلك أن هناك الكثير من الروائيين لا يستنكفون أن يصوغوا رواياتهم باللهجة الدارجة، أو قل يستخدمون هذه اللهجة في مواضع كثيرة داخل النص السردي، وهو أمر مشين يفقد العمل الكثير والكثير من تفرده وقوميته إذا جاز القول، حيث يضعه في بؤرة اهتمام محدودة للغاية تقتصر على من يتحدثون بهذه اللهجة الدارجة، وبالتالي يطرده من دائرة الذائقة العربية العامة!

ألاعيب الزمن 
ينتصب الزمن عموداً عملاقاً في معمار الرواية، فهو المحور الرئيس الذي تدور وتلتف حوله جميع الوقائع والأحداث، وهو الضوء الذي يجذب نحوه جميع فراشات العمل الروائي، فلا رواية قائمة في الفراغ الزمني، ولا رواية لا تتكئ على الساعة أو اليوم والشهر والسنة. والزمن في العمل الروائي يتراوح بين عنصرين: الزمن الواقعي والزمن الروائي، والعلاقة بينهما شديدة التضافر والعمق
قد يطول الزمن الواقعي عند أحد المبدعين، فيصل إلى قرن أو نصف قرن، وقد يختصر إلى يوم واحد فقط أو حتى عدة ساعات، فأحداث (مئة عام من العزلة) تشي بأننا، من أول العنوان، سنرصد شخوص هذه الرواية على مدار قرن من الزمان، بينما من يطالع رواية (سرد أحداث موت معلن) فسيكتشف على الفور أن ماركيز يخطف من الزمن الواقعي عدة ساعات فقط ليقدم لنا تحفة روائية مذهلة مبحراً بنا نحو ربع قرن في الزمن الروائي. لكن من المهم للغاية أن ينتبه الكاتب إلى ضرورة ضبط الزمن في روايته، سواء كان الزمن الواقعي أو الزمن الروائي، وإدارة العلاقة بين هذين الزمنين بفطنة وحذق، وإلا سقط العمل الأدبي في مطب الملل والرتابة، ووجد القارئ نفسه يعتريه الضجر بعد اطلاعه على عدة صفحات، لأن الزمن هو المعبّر الأول عن الإيقاع، وبالتالي يصبح القبض على الزمن واستثماره بمهارة بمثابة سيطرة على الإيقاع الفني وتوظيفه بما يخدم النص الروائي
راجع من فضلك رواية مثل الحرافيش (صدرت عام 1977) أو الثلاثية لنجيب محفوظ وتابع بنفسك حركة الزمن في هذين العملين، ففي العمل الأول يتداخل الزمن ويتمدد ويختصر ويعود إلى الوراء أو يقفز إلى الأمام في حركة دائبة مدهشة، بينما في الثلاثية (صدرت عام 1956) ينهمر الزمن من الماضي إلى الحاضر نحو المستقبل في حركة تصاعدية. هنا تكتشف بسهولة دور الوعي الكامل للروائي في ضبط وإحكام منطق الزمن وحركته صعوداً وهبوطاً، بهدف إمتاع القارئ وجذبه إلى القراءة حتى آخر جملة في النص.
أذكر أن ماركيز قال مرة إن مشكلته الكبرى عند كتابة رواية تتمثل في كيفية توظيفه للزمن، والسيطرة عليه، فلا تفر منه الأحداث دون منطق، ولا تترى الوقائع دون إحكام.
لاحظ من فضلك أن الرواية الحديثة استفادت استفادة كبيرة من تقنيات السينما، خاصة فيما يتعلق بما يسمى (اللعب بالزمن)، مثل الفلاش باك، أي العودة إلى الوراء في السرد، أو التنويه سريعاً إلى واقعة ستحدث في المستقبل. وهكذا يظل القارئ يمرح على بساط الزمن ذهاباً وإياباً بقلب ينبض بالإثارة والتشويق إذا اتسمت الرواية بالإتقان والإحكام والضبط في هذا الجانب المحوري والمؤثر، وأعني السيطرة على قوانين الزمنين الواقعي والروائي.

المتعة والفائدة
حسناً.. إذا كان هذا الكلام صائباً، فما هو معيار الرواية الناجحة، وما هي الوسائل التي تجعلنا نحكم على هذا النص بأنه نص متفرد ويستحق الحفاوة؟ بينما يتسم ذاك النص بالبرود والبلادة؟ وهل درجة وعي المبدع بما يكتب له علاقة ما بمستوى الرواية فنياً؟
الحق أنه ليس هناك وصفة جاهزة لكتابة رواية ناجحة ومهمة، ولا يوجد صراط روائي مستقيم يتحتم على كل كاتب أن يسير عليه حتى يضمن دخول الجنة الروائية، ذلك أن لكل عمل روائي قانونه الخاص وصفاته المحددة، والفيصل في الحكم على نجاح رواية ما يعود إلى قدرتها على إمتاع القارئ وإثراء روحه ووجدانه في المقام الأول.
أدرك طبعاً أن هناك مستويات متباينة من المتعة في القراءة، وأنها تختلف من شخص لآخر، إذ أنها تقترن بالمستوى الثقافي للمتلقي ومهاراته في استقبال النصوص الإبداعية والتفاعل معها والانفعال بها. وأظنك تتفق معي أيضاً على أن هناك ما يمكن أن نسميه (المزاج العام للقرّاء). هذا المزاج العام يمكن أن يفرض ذوقاً خاصاً في لحظة زمنية معينة. فعلى سبيل المثال استطاعت روايات إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله أن تفرض نفسها على ملايين القراء في العالم العربي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بصورة فاقت روايات نجيب محفوظ نفسه، لدرجة أن روايات إحسان عبد القدوس كانت تباع للسينما بمبلغ 7000 جنيه، في حين أن روايات نجيب محفوظ لم يتجاوز سعرها الألف جنيه حين يشتريها رجال السينما ليحولوها إلى فيلم في ذلك الزمن. وأنت تعلم الآن وأنا أعلم القيمة الإبداعية الكبيرة لأعمال محفوظ بالقياس إلى روايات إحسان وعبد الحليم عبد الله
أي أن رواج رواية معينة في لحظة تاريخية معينة لا يعني بالضرورة أن هذه الرواية هي الأفضل والأجمل والأكثر إمتاعاً، ولكن يبقى تحقيق المتعة الراقية في العمل الروائي شرطأ لاغنى عنه. فإذا لم يجد القارئ نفسه شغوفاً بما يقرأ، منفعلاً به، منشغلاً بشخصيات الرواية وأحداثها بعد الانتهاء منها.. إذا لم يجد القارئ كل ذلك، فاعلم أن هذه رواية ضعيفة لم تحقق الأثر المطلوب، حتى لو كان الطنين الإعلامي والترويج لها قد وصل بها إلى الطبعة العشرين!
يجب أن نشير إلى أن كثيراً من نقاد الأدب يذهبون إلى أن المتعة التي توفرها رواية جميلة عند قراءتها ستقترن لا محالة بفوائد جمة مثل أن تحتشد هذه الرواية بمعلومات عديدة تاريخية وسياسية أو اجتماعية وعلمية إلى آخره.. هذه المعلومات ينبغي أن تتسلل داخل الخطاب الروائي بيسر وذكاء، وبمنطق النص الروائي نفسه حتى تحقق الهدف المنشود، وإلا صارت الرواية درساً في التاريخ، أو منشوراً سياسياً، أو مقالاً في العلوم، أو موعظة دينية وأخلاقية! الأمر الذي يخدش نصاعة السرد وانضباطه، ويجرح انهمار القص وحلاوته!

الخلاصة
وفق كل ما سبق يمكننا القول بيقين كبير إن كتابة رواية أمر يستلزم وعياً يقظاً وذهنية حاضرة في المقام الأول، وأن الاتكاء على لحظات الإلهام المفاجئة، أو الارتكان إلى الخاطر الغامض فقط لا يكفيان أبداً لإنجاز نص روائي متفرد ومدهش، رغم الأهمية القصوى لهذا الإلهام أو ذاك الخاطر في تحفيز الخيال واستثارة الهمّة الروائية. كما يصح الكلام على ضرورة أن يتقن الروائي اللغة العربية إتقاناً جيداً، فيعزز قاموسه اللغوي بمفردات وتراكيب، ويشحذ خياله لابتكار صياغات مختلفة ونحت عبارات جديدة حتى يتمكن من التعبير بسلاسة ورشاقة عن أي حدث أو واقعة أو مشاعر أو أماكن إلى آخر مستلزمات الكتابة الروائية.
كذلك يتحتم على الروائي النبيه أن يتسلح بمعارف جمّة ومتنوعة تعينه على تجويد ما يكتب وما يروي، كما يجب عليه أن يدرب نفسه على امتلاك فضيلة التأمل ودعمها باستمرار، حتى يتمكن من اكتشاف ما هو مخبوء تحت الظواهر المختلفة أو المشاعر الخداعة والمتباينة. أما القناعات الفلسفية والفكرية والسياسية للروائي فهذا أمر متروك له على أية حال، لكنني أظن أنه ما من روائي متميز ومؤثر إلا وكانت قناعاته هذه تنحاز إلى القيم الفضلى في الحياة التي تبارك الحق والخير وتبشر بالعدل والإنصاف والجمال.
حسناً.. إذا كان إرضاء القارئ أو المتلقي هو الهدف المرجو في نهاية المطاف من الإبداع والفن عموماً، ومن الكتابة الروائية خصوصاً، فما نصيب المبدع أو الفنان نفسه من كل هذا، ولماذا يكد ويكدح فنان ما أو كاتب ما من أجل إنجاز نص روائي لافت ومميز؟
سأذكر لك عبارة دالة قالها أحد مفكري القرن التاسع عشر، وسأختم بها. قال صاحبنا: (إن الفن هو أعلى درجة من درجات الفرح يستطيع أن يهبها الإنسان لنفسه). 
أجل.. نحن المبدعون والفنانون أكثر الناس سعادة وحبوراً حين نكتب أو نبدع، وهذا يكفينا لا ريب!



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 23

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة