New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

"جنّة ونار" رواية جديدة ليحيى يخلف

 

02/02/2013 12:56:00

علي هيبي

  
بيروت 1960
"عندما أفاق "أبو حامد" من غيبوبته كان البيت ساكنًا وصامتًا. يصارع المرض. فراشه الألم والأوجاع".
 بهذه العبارة يستهلّ يحيى يخلف روايته الجديدة "جنّة ونار" الصّادرة عن دار "الشّروق" في القاهرة، سنة 2011. أمّا النّهاية فبهذه الفقرة "غاب هناك في الأعالي .. ذهب ليموت كما تموت الغزلان .. لم يعثر أحد على جسده، لكنّ روحه سكنت الرّياح، وتوزّعت على التّضاريس، والطّقس، والفصول .. ذرتها الرّيح، وتحوّلت إلى غبار طلع، وترانيم، وصهيل خيول، وثغاء عجول تولد في ربيع آت". 
رواية تبدأ بالمرض والألم والموت وتنتهي بعودة الرّوح وأمل جديد في الحياة تعجّ به فلسطين في هوائها تضاريسها وفصولها، من الموت تنبعث الحياة، هذه هي الحالة الفلسطينيّة المتميّزة في معاناتها وهواجسها وعذاباتها ومرارتها بعيد النّكبة والتّشرد وانسلاخ الإنسان عن الأرض، وانفصال الرّوح عن الجسد، وما تلا ذلك من ذهول وصدمات يمثّلها موت "أبو حامد" والذي يعتبر كحدث سياسيّ وروائيّ مفتاح القيام في كلّ شيء من عناصر الحياة والرّواية، إنّها الفترة التي بدأ فيها الفلسطينيّون يستفيقون من هول ما أحاق بهم، ثمّة وطن سُلب وهو واقع على مرأى العين، وهناك شعب شُرّد قد لا يملك الإمكانيّات والقدرات الماديّة، ولكنّه يختزن طاقات هائلة من الحنين والحلم والإيمان بأن لا طريق للخلاص الاّ بالعودة، للتّخلّص من كافة الأعباء والأدران والآلام، ولا سبيل الاّ الصّدق مع النّفس ومع الآخرين ومع الأمانة الوطنيّة ومع المسؤوليّة التّاريخيّة والأخلاقيّة والسّياسيّة أمام الهمّ القوميّ الفلسطينيّ العربيّ التي تُمليها رسالة الوطن السّليب، والذي غاب أهله وغيّب ترابه، وهو يتعرض لكافة أنواع الطّمس والتّشويه التي تشمل أسماءه ومسميّاته، ومع ذلك ما زال يسكن فيهم، كما يتوقون للعودة والسّكن فيه.
هذا باعتقادي ووفقًا لقراءتي للرّواية بتفاصيلها ما أراده الكاتب والسّياسيّ "يحيى يخلف" من هدف يتعدّى الفنّ ويتجاوز التّحليل الأدبيّ والنّقديّ - وهو ما لا يهمّني الآن - إلى رواية الحقّ الفلسطينيّ الذي غُمط طويلاً، وعلى مدى عقود، ولا بدّ من إنجازه وإحقاقه في وطن من دم وتراب وعلى الأرض، أمّا الذين يؤمنون بالحقّ السّماوي فليذهبوا للبحث عنه هناك.         
الكلّ بدأ يعمل إلاّ "أبو حامد" بدأ يموت بعد أن قضى حياته مناضلاً في الجبال والطّرقات ومع حركة المقاومة، ولكنّه بموته يضع الجميع أمام حقيقة الضّياع والفقدان، "سماء" هذه البنت المرحة القويّة المثقّفة التي تحبّه ليست ابنته، ما هي الاّ تلك الطّفلة التي وجدها بين الأشواك، هذه الطّفلة التي أراد أن يعترف في ساعاته الأخيرة أنّها ليست ابنته، ليكون هذا الاعتراف هو الشّاهد على الجريمة، جريمة التّشريد التي ارتكبتها العصابات اليهوديّة، و"أبو حامد" لا يريد للشّاهد أن يُطمس ويضيع ألا يكفي الضّياع الأكبر. السّيدة "سميحة" تحتجّ في البداية، "إنّها قطعة من روحي" تقول، ولكنّها سرعان ما تعترف بالحقيقة المؤلمة بعد موت "أبو حامد"، وكأنّها تقول مهما كان الهمّ الذاتيّ كبيرًا، فإنّ الواجب نحو همّ الوطن الجماعيّ أكبر .. أنا لست الأم رغم الرّعاية الأموميّة والحنان .. ثمّة أمّ غائبة لا نعرفها ولا نعرف أهي من أهل الحياة أم لا؟ وأين هي الآن؟ ولكنّنا سنبحث عنها.
"ماء السّماء" الاسم الذي أطلق على الطّفلة، لماذا اختير هذا الاسم بالذّات؟ كلّ شيء يبدأ من الماء والماء يأتي من السّماء، "وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّا" ومن هنا يبدأ المسار الحتميّ والمفروض رغم كلّ ما ينطوي عليه من مشاقّ ومخاطر.   البنت الواعدة تبدأ رحلة البحث والمغامرة حدّ المخاطرة لتجد أمّها الحقيقيّة وأمّها فلسطين الأرض القرية السّهل الجبل البحيرة .. ولم يكن الطّريق مفروشًا بالورود بل بالأشواك والألغام والمخاوف من العدوّ وأدراج الرّياح.
"بدريّة" نموذج آخر من نساء شعبنا الطّيبات، يستوقفنا بطيبته، بعطائه، نموذج حقيقيّ من شعبنا، يعطي ولا يأخذ، يجيب ولا يسأل، يقلق لغيره لا لنفسه، لا حاجة لإقناعها بل هي التي تقنع الآخرين، يساند بالفعل لا بالكلام، تحبّ زوجها بقوّته وضعفه، بنضاله وقعوده، وتعايش السّيدة "سميحة" في مرض زوجها وموته وتقف معها في حيرتها التي أفضت إلى قول الحقيقة، وترافق "سماء" في العيش في الخطر وتتسلّل إلى الوطن حتّى تصل إلى النّهاية السّعيدة، وتجد أمّها "زكيّة العلي" في قرية "المغار" الجليليّة.  
الجيل الشّاب يكرّس طاقاته وينضمّ إلى المنظّمات المقاتلة. بداية مرحلة هامّة من النّضال والمقاومة وبكافّة الطّرق والوسائل، وأبرزها السّلاح والحنين والحبّ والأمل. أواسط السّتّينيّات حركة "فتح" تفتتح طريقًا جديدًا للتّحرير، الكفاح المسلّح. وينتهي الليل الحالك من عتمات الذّهول والصّدمات، ويبدأ فجر جديد ملؤه العزم والإرادة والتّصميم. عن هذا قال الشّاعر الفلسطينيّ "معين بسيسو":
"في ليل لا يعرف الضّارب فيه خلاصه
انطلقت يا فتح رصاصه
صرنا نعرف لون الدّم" 
لا أنسى تلك الأيّام التي كنّا فيها نعرف المرأة من أيّ بلد من خلال زيّها وطريقة غطاء رأسها، أو كيف "تتبشنق". فللأزياء دلالة تتعدّى الألوان، دلالة وطنيّة ذات وشائج عميقة مع الوطن ببحره ومروجه وجباله وترابه ورمال شواطئه، ونحن أمام رحلة الأزياء، رواية الأزياء الدّالة على الوطن.   
"جنّة ونار" ليس مجرّد زيّ فلسطينيّ تلبسه النّساء في إحدى مناطق فلسطين، بل هو رمز جميل لشخصيّة ذات ديمومة مطلقة، "فيخلف" لم يشأ أن يقدّم دراسة عن الأزياء الفلسطينيّة بالتّأكيد، ولكنّه اُستدرج إلى هذا العالم بحسّ الرّوائيّ الباحث الذي تقلقه التّفاصيل وتؤرّقه الخصوصيّات، ومن خلالها استطاع دون أن يستدرجه أحد، وبقدراته الفنيّة وحسّه الوطنيّ كواحد من عالم شخوصه عاش ما عاشوه وذاق مت ذاقوه، استطاع أن يقدّم صورة وطنيّة فلسطينيّة عربيّة رائعة عامّة ومتكاملة، ليس لوجه الوطن فحسب، بل لعمقه في الذّات الجماعيّة للشّعب الفلسطينيّ والوجدان الشّعبيّ.  
ولا شكّ في أنّ الكاتب قد استفاد من دراسات من هذا القبيل - وهي فكرة رائعة – وقد أراد كذلك من خلال عالم الأزياء الدّالّ هذا أن يشكّل شخصيّة وطن ضاع بكافّة ألوانه وأزيائه وأسمائه ولذلك جاءت الأزياء مرشدًا لطريق عودة الوطن إلى أهله وعودة الأهل إلى وطنهم.
ولعلّ ما يلفت النّظر أيضًا في المعمار البنائيّ للرّواية، وأنا أسوق هذا الكلام كقارئ فقط، لست ناقدًا، وكلّ ما أتقنه هو القراءة وبعض المعلومات والمصطلحات النّقديّة المتواضعة، قلنا إنّ الملفت للنّظر هو جعل أحداث الرّواية تجري بمسار رحلة شبيهة كثير الشّبه بمسار الفلسطينيّين الكفاحيّ منذ أواسط الستّينيّات في القرن الماضي، وكأنّها مسار بحث النّهر عن مصبّه، وهو مسار مثير ومرير وشائك بل ودامٍ في كثير من مواقفه ومحطّاته. "فسماء" تبحث عن أمّها الحقيقيّة لتجدها في قلب الوطن، والفلسطينيّ "الإنجليزيّ" يبحث عن أهله وأقاربه و"بدريّة" تجري وراء كلّ ما هو خيّر ونافع ومؤدٍّ لنهاية رحلة العذاب.
والكاتب هو ابن "سمخ" القرية المنكوبة والواقعة إلى الأبد على الشاطئ الجنوبيّ الشّرقيّ لبحيرة طبريا، وهي في عمق وجدانه ليس هنا كانت، بل هي هنا تبقى، ولذلك ليس من العجيب أن نراه يجري وراء كلّ حجر أو كلمة أو طرف خيط يوصله إلى بلده، ولو عن طريق التسلّل، ومثل "سمخ" مئات كثيرة من القرى، ومئات الآلاف من أهالي هذه القرى الحالمين والذين ما زالوا حاملين لمفاتيح بيوتهم ومسلّحين بالصّبر والأمل والثّبات على حقّ العودة.
وبرغم الأبعاد الواقعيّة الواضحة المعالم في الأحداث والشّخصيّات إلاّ أنّنا نشهد من وراء الواقع أبعادًا رمزيّة خفيفة محبّبة، يصلها القارئ حتّى لو لم يكن على جانب كبير من الثّقافة، وهذا ما يجعل الرّواية قابلة للقراءة عند كافّة المستويات، وهذه ميزة برأيي تسجّل للكاتب الذي هو معنيّ بالضّرورة وبما يمليه الواجب الوطنيّ من توصيل إلى شرائح البسطاء من الشّعوب العربيّة وبالأخصّ بسطاء النّاس من الشّعب الفلسطينيّ. وذلك يؤكّده أيضًا أنّ الكاتب لم يجعل في الرّواية بطلاً مطلقًا وحيدًا بل جعل الشّخوص نماذج فلسطينيّة مألوفة عاديّة في سلوكها، وجعل هذه النّماذج مجتمعة بطلاً جماعيًّا، يرمز للوحدة لاسترداد ما ضاع، وتحت شعار وحدة الهدف والمصير القوميّ الطّبيعي في العودة والدّولة، ولا يمكن للانقسام ولا لرعاته أن يحقّقوه، ولعلّهم يستفيدون من "جنّة ونار" الرّواية ويتركون نار الانقسام ويعودون إلى جنّة الوحدة.                               
ولعلّ النّاقد الفلسطينيّ "فيصل درّاج" قد أصاب كبد الحقيقة عندما قال عن هذه الرّواية: "هذه رواية عن روح فلسطين في جميع الأزمنة، وهي رواية عن قوّة الانتماء التي تربط الفلسطينيّ بالمكان، وهي رواية الهويّة الفلسطينيّة بامتياز، لقد أنجز "يحيى يخلف" في روايته "جنّة ونار" وثيقة فلسطينيّة استثنائيّة، تحاور أكثر من ذاكرة ، وتحتفي بروح فلسطين، كما كانت وكما يجب أن تكون، وتضيف إلى الرّواية الفلسطينيّة نصًّا مبدعًا".
وأخيرًا، إنّ الاسلاك الشّائكة لا توقف الحنين الصّاخب في الدّم الفلسطينيّ، والحنين يهفو إلى الأمل العاشق، والأمل العاشق مفتوح على جهات رياح الحريّة السّت "ولو كره الكافرون".
وهنيئًا للكاتب بما كتب وهنيئًا مضاعفًا للقارئ الذي لن يضيع وقته في قراءة هذه الرّواية، بل وسيجد فيها من المتعة الفنيّة والرّوحيّة الكثير عند استشعار الألم والمعاناة واستشراف الغد الوطنيّ المشرق حتمًا، شاء من شاء وأبى من أبى، كما قال القائد الكبير ياسر عرفات، وقد قال أيضًا" أحلم بدولة فلسطينيّة، إنّ من حقّي أن أحلم. وهذه الرّواية حقًّا رواية الحلم الفلسطينيّ الكبير.      

علي هيبي



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 46

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة