New Page 1

     ملتقى الكتابة

New Page 1

في مكانٍ آخر.. / عصام خوري

 

26/02/2013 15:41:00

عصام خوري

                                                                                        بين حافة الصحو ولذة النعاس تصبح الدهشة سيدة المكان والزمان ولا يعود المكان هو ولا الزمان.
هي الومضة الزمنية التي لا نستطيع أن نحدد مصدرها أو طبيعة مسارها.
تتنقل بنا دون أن نقوى على التدخل في طبيعتها أو اتجاهها.
تحيّدنا وتفصلنا تماماً عن قوانا العقلية والجسدية.
بساط أبيض رخو الملمس نسير عليه كالفراشات التي لا أثر لوزنها في مجرى الأحداث، نستلقي فوقه، نتأمل في اللا متناهي ومن دون أن ندري أو نخطط تجمعنا مع حبيب أو صديق تداعى بين الأيام، ولم نعد نجده في دائرة الحواس.
إنه شعور في منتهى الجمال لا يستطيع أحد أن يحدد صفاته، كأنه الخيال المشفوع بالغموض الزهري، تتلاعب بنا نسائمه ملاطفة، نتحرك معها في انسياب يشبه ريشة لا يمكنها الهبوط على أي مرجع صلب، لأننا افتقدنا الوزن تماماً.
هي اللحظة التي ليس لك أي تدخل في وقعها.
أنت المدعو وأنا الداعي.
لأن طبيعة الأمور تستدعي أن يكون صاحب الدعوة من الذين يقفون على أرض ثابتة.
وليس للحظة أن تتحكم بمشاعر الذين ذهبوا إلى عالم مجهول التكوين والقوانين.
 ربما لكم لحظتكم؟؟ وربما تستحضروننا إليكم!؟
لا اعلم! لأن انقطاع التعارف بين مكنونات عالمنا ومجهولية دنياكم هو السيد الذي لا نفلح بالتأقلم معه!!!!!
نحن نلتقي قي هذه الأجواء السحرية بعد سنوات من رحيلك..
دعنا نجمع قوانا النفسية والمعنوية لإنجاح اللقاء.
إذا فشلنا، فاعذرني وأعذرك وننسحب بهدوء تام.
دعنا نحاول..
بتفاعل مبهم وغير إرادي استحضرتُ معي تلك البحيرة الجميلة الراكنة فوق جبال بلادنا الشمالية التي ما زلتُ أسير على ضفافها.
هناك الكثير من الأماكن والشوارع والبلدات والمدن، التي مرننا بها كلما أتيتَ إلينا لتبحث عن التاريخ والجغرافيا.
لكن تلك البحيرة بالذات كونت الجغرافيا في لقائنا، ربما لأني ما زلتُ أدمن الدوران حولها، أمارس الرياضة علها تطيل من عمري قليلاً أو كي أنال صحوة قصيرة من اغترابي الطوعي!.
ربما !!!!!!!!
مع أجوائها كنا نتخاطب دون إزعاج.
بعد هذا اللقاء سوف نعود أنا وهي، هي تسترخي في مكانها، وأنا من حولها وحدي، لا يرافقني سوى الرصيف والماء والأشجار الواقفة والسماء وبعض الناس الذين لست ملزماً بقربهم، هم مثلي يميلون للعزلة التي أريدها، كأنهم ليسوا موجودين، وكأني لست موجوداً.
مع هذا اللا وجود تختلط الأحاسيس، يسود الارتباك والذهول.
تفقد الأحرف تفاعلها مع الكلمات، وأفقد أنا مقدرتي على بلورة المشهد لهذه الأقانيم الثلاثة. تكونت حالة خيالية، رفضت الكلمات استيعاب الحروف ورفض عقلي الكلمات، حالة التكوين لم تحدث لذلك سوف أتجاوز أبعاد الذهول والحزن وأنتقل إلى المقدرة على وضع الإيقاعات المتفاعلة مع ابتعادك عنا.
كل هذا المشهد العبثي يكوّن عدم استطاعتي على الخروج من غيابك!!!
نحن التقينا واللقاء سجال.
قلتُ: لا تترك الأمور أن تكون مفهومة ضمناً.
دعنا نتجاوز أنسجة الخيال المتشابكة ونقف عند لقاءٍ يشبه الحقيقي لنعلن عن غبطتنا وسعادتنا وفرحنا العميق بعد زيارة كلّ منا للآخر.
إنها لحظات علينا أن نستثمرها جيداً لنوضح الرؤية.
ما كان من الممكن أن يظهر أحدنا للأخر كالنور المنبعث من هذا البياض السحري إلا لأسبابٍ تقوى على رحيلك.
في تلك اللحظة يصبح الابتعاد الزمني هشّاً، ليس ذا قيمة.
عليك أن تتحدث بنبرات صوتك وحدّة التحديد في معانيك.
قلتَ:  لو تُرك لي القرار لما اخترت أن أحلّق في سماءٍ غير سمائنا.. سمائكم.
قلتُ: لكنك حالة متوحدة مع الأشياء والأماكن، لا تنفصلان، لا تتباعدان، وتتعمدان إدخالنا إلى حضور مستمر من التواجد المتجدد يومياً الذي لا يترك فراغاً بينك وبين هذه الدنيا التي نحن جزءٌ منها.
قلتَ: متأسف.. ولكن أين أنت؟
قلتُ: لم أحاول الاتصال.. ! لم اقل كلمة، كان الازدحام كبيراً.
كان حبهم جارفاً.
من لم يكن قريباً منك أثناء وجودك أراد أن يكون كذلك بعد رحيلك.
ومن كان يأخذ علينا على عدم دعوته عند زياراتك، كتب عن لقاءاته الكثيرة والحميمة بك، تفاخروا بالاتصالات الأخيرة! والجلسات الخاصة، تغنوا بزمالتك ومرافقتهم دربك!!.
لا أنكر أنانيتي في حبك، لكني لم أستطع أن أكون واحداً بين هذه الجموع. على أية حال ليس هذا هو الحدث المهم!!
المشكلة أني لم أعد أجدكَ لا في الأماكن الصغيرة ولا في العواصم.
كان لوجودك حضور، ولغيابك شوق للجدل معك!! لغضبك، لهدوئك، لجموحك، لعنفوانك، لأناقتك، لتوافق الألوان في ملابسك، لمشية الغزال فيك، إلى قانونية الظواهر لديك! الوقت.. الطعام.. النوم.. السفر.. اختيار الأصدقاء. لم تترك مساحات واسعة للصدفة، وإن أتت.. تنظمها.
لذلك تحكمتَ في المعقول واللا معقول.
قلتَ: لكنَّ طقوس الوجود فرضت حالات غير منصفة! هل كان من العدل أن يفرض عليّ هذا الاختيار بين الحياة مع احتمال الموت أو الموت مع احتمال الحياة؟؟؟ بين المعرفة، كيف ومتى وأين أموت وبين حياة مطاردة بحتمية الموت المتحرر من أيّ إنذار؟
لذلك دخلتُ الغرفة الباردة، حاملاً كلّ الدنيا فوق كتفيّ!.
إما أن أخرج بها وإما أن تخرج هي بدوني.
كل الاحتمالات مفتوحة.
إما أن أخرج واضعاً نظارتي فوق عينيّ أو أن تُسَلّمَ إلى من رافقني هذه الرحلة.
تجولتُ مع هذا الهم كأني أسطورة لم يخط لها المستقبل من غير دمعة لا في حرارة اللقاء ولا عند برودة الوداع.
قلتُ: لكنك أصبحتَ محباً أكثر للناس والأشياء وأكثر هدوءاً في ارتباكك، تحسن الاستماع وترد باحترام شديد يفرض الإقناع، وزدت من زيارة الأصدقاء.
قلتَ: لأن اختيار الدخول إلى غرفة باردة هو الإدراك الكامل بان الخروج منها أمنية دقيقة الملامح، حبل النجاة فيها رفيع لا يقوى على تشبث عصفور الدوري، واللقاء خارجها هو انتظار الانفجار القادم، حتمية أفضل ما فيها أنه ليس معروفاً بالضبط متى!.
كيف يمكن لهذه الجدلية أن تتساوى؟ يشاركني وزرها طعامي، سريري، جلساتي، مشاهدة كل البرامج والأفلام التلفزيونية، أسفاري، مقعدي في الطائرة حتى لو كنت المسافر الوحيد، لها حضورها الدائم صباحاً، ظهراً ومساءً.
صارخة الوضوح مثل سقوط الدم على الثلج الأبيض.
قلتُ: كيف استطعتَ وحدك؟
قلتَ: مقدرتنا على الاحتمال والتحمل غير محدودة على ما يبدو.
قلتُ: إذن دعنا نلخص هذا اللقاء لأني أشعر بانتهاء اللحظة.
الحياة حلم يجمّل الطريق نحو الموت.
أجبتَ بملامحك الواضحة: نعم !
قلتُ: إذن.. إلى اللقاء في صحوة أخرى نفرش بياضها على النعاس أو في نعاس آخر، يفرض اللذة السحرية فوق الصحو.
وأنت تقارب الاختفاء قلتَ: بعد العملية الجراحية أبلغني الطبيب مبتهجاً وابتسامة أسنانه البيضاء تضيء وجهه بأن العملية نجحت تماماً، لكنه لم يلتفت إليَّ ولم يضف شيئاً لأنه كان يوقّع تقرير وفاتي في مكانٍ آخر.
 
 
 
 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 32

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة